الكاهن وجه المسيح

 

حين أراد بولس الرسول أن يعطي أهل فيلبّي مثالاً يقتدون به، جعل أمامهم صورة يسوع المسيح. قال لهم: "كونوا على فكر المسيح" (فل 2: 5). وحذّرهم من "التحذُّب والتباهي" ودعاهم إلى "التواضع" وإلى البحث عن "منفعة الآخرين". فكيف رسم لهم يسوع، وكيف يمكن أن نجد "رسمة" من أجل الكاهن الذي هو امتداد للكاهن الأوحد الذي قال له الآب: "أنت حبر إلى الأبد على رتبة ملكيصادق"؟

1. وجه المسيح

نرى هنا وجه الله ووجه الإنسان.

أ‌- وجه الله

المسيح هو أوَّلاً "صورة الله". فإذا أردنا أن نرى الله على الأرض، ننظر إلى وجه يسوع. هو قال للرسل بعد العشاء الأخير: "من رآني رأى الآب" (يو 14: 19). وقال يوحنّا في بداية إنجيله: "الله ما رآه أحد قطّ. ولكنَّ الابن أخبر عنه" (يو 1: 18). لا بالكلام فقط، ولا بالأعمال التي تشهد لحضور الله، بل بحياته.

هو صورة الله في المحبَّة المعطاء. يقول عنه الإنجيل كيف يعطي: "كيلاً ملآنًا، مكبوسًا، مهزوزًا، فائضًا في الأحضان" (لو 6: 38). هي صورة الدعاء في يد الفقير الطالب من "الغنيّ" هو صورة الله في المغفرة. فحين يطلب الإنجيل من بطرس أن يغفر لا فقط "سبع مرّات" بل "سبعين مرَّة سبع مرّات" (مت 18: 22)، فكم يغفر الله؟ وكيف يترك ما يمكن أن نسمّيه "الديون الواسعة"؟ وفي أيِّ حال قال لنا يسوع: إن غفرتم للناس يغفر لكم أبوكم السماويّ، وإن لم تغفروا فأبوكم السماويّ لا يغفر لكم زلاّتكم" (مت 6: 14-15).

ومثل الابن الضالّ هو أجمل مثال عمّا هو الله بالنسبة إلينا، وعمّا هو المسيح. فالكتبة والفرّيسيّون تذمَّروا عليه لأنَّه يعاشر الخطأة والعشّارين (لو 15: 1). قال مرَّة: "لا يحتاج الأصحّاء إلى طبيب، بل المرضى، ما جئتُ لأدعو الأبرار، بل الخطأة" (مر 2: 17). الآب السماويّ استقبل ابنه الراجع إليه من البعيد. وذبح له العجل المسمَّن، وما طرح عليه سؤالاً واحدًا. ويسوع خلال حياته على الأرض، كان ذلك "الطبيب" الذي لا يكتفي بأن يلمس الأجساد فقط لكي يشفيها، بل كان يصل إلى القلوب والنفوس. كان بإمكانه أن يشفي الأبرص من بعيد بحيث لا تصله العدوى، ولكنَّه اقترب منه ولمسه (مر 1: 41) لمسة الحنان، وكأنَّه أمًّا تلامس ابنها وتعزِّيه. وما أراد يسوع أن يعرف أحدًا، لأنَّ عطاياه مجّانيَّة. فإن كان من تمجيد فتمجيد الله. ذاك ما كان بالنسبة إلى البُرص الذين شفاهم يسوع. قال أمام الذي عاد إليه: "أما كان فيهم من يرجع ليمجِّد الله سوى هذا الغريب؟" (لو 17: 18).

وأرملة نائين لم تطلب شيئًا. عرف يسوع بحالها. مات زوجها وابنها الوحيد يأخذونه إلى القبر. رآها الربُّ يسوع. أشفق عليها. حرفيًّا: تحرَّكت أحشاؤه. اقترب، قال لها: "لا تبكي" (لو 7: 13). ثمَّ دنا من النعش ولمسه (آ14). لم يخفْ هنا من النجاسة، ولا حين دنا من الأبرص ولمسه. عندئذٍ خرجت قوَّة منه "فوقف حاملوه". وينتهي الخبر: سلَّمه إلى أمِّه (آ15).

وإن شفى يسوع، فلا يهتمُّ قبل كلِّ شيء بأن يُظهر قوَّته، بل أن يحرِّك الإيمان عند الناس الذين يلتقي بهم. فهو يريد قبل كلِّ شيء أن يرى الإيمان، أي الاستسلام التامّ لله. جاء الذين يحملون المخلَّع، نقبوا السقف لكي يصلوا إلى يسوع. ماذا يقول الإنجيل؟ "رأى إيمانهم" (مر 2: 5). عندئذٍ يبدأ العمل. تُغفَر الخطايا، ثمَّ يأتي الشفاء. وهكذا نقول عن الخاطئة: عملها المتواضع ودموعها وحركاتها دلَّت على إيمانها. فقال يسوع: "غُفرَتْ لها خطاياها الكثيرة" (لو 7: 47). ثمَّ أردف: "إيمانك خلَّصك، فاذهبي بسلام!" (آ50).

ب‌- وجه الإنسان

قال لنا الرسول: ذاك الذي "هو في صورة الله" (فل 2: 6)، أخذ "صورة الإنسان" (آ7ب)، بل "صورة العبد" (آ7أ). يا للتنازل العجيب، ابن الله صار إنسانًا. وقال الرسول: "شبيهًا بالبشر". ويضيف في موضع آخر: شابهنا في كلِّ شيء ما عدا الخطيئة. نعم في كلِّ شيء، فما تميَّز خارجيًّا عن طفل من أطفالنا، ولا عن شابٍّ من شبّاننا. فلو تميَّز لكان اليونانيّون الآتون إلى العيد عرفوه. ولكنَّهم احتاجوا أن يدلَّهم عليه أندراوس وفيلبُّس (يو 12: 22). لا شكَّ في أنَّ هناك معنى آخر لسؤالهم "نريد أن نرى يسوع"، معنى أبعد من النظر المادّيّ. فالناس يرون يسوع من خلال المؤمنين، ولاسيَّما الكاهن حين يعمل ما يعمل يسوع. قال الربُّ في العشاء السرّيّ: خذوا كلوا هذا هو جسدي. والكاهن يقول الكلام عينه. وقال الربُّ أيضًا: خذوا اشربوا منه كلُّكم، هذا هو دمي. والكاهن يفعل الشيء عينه. جعل نفسه "مكان" المسيح. يا للنعمة الكبيرة التي جعلت الكاهن على مستوى "الربّ". وهكذا يستطيع الناس أن يروا يسوع الإنسان والإله. لا بسبب الثوب الذي يلبسه الكاهن، بل بسبب الحياة التي يعيشها والحركات التي يقوم بها. في أيِّ حال، طلب أحد البابوات من الكهنة أن لا يكون لباسهم هو الذي يميِّزهم عن الناس، بل حياتهم. كما قال أحدهم: الكاهن مسيح آخر.

صار يسوع إنسانًا. ويقول الرسول: أخلى ذاته. كأنَّه أراد أن لا يكون بعدُ "إلهًا". لاشى ذاته بحيث لا نخاف منه حين نقترب . تخيَّلوا أن يكون النور الإلهيّ مشعًّا مثل الشمس في يسوع. فهل يجرؤ الأطفال أن يأتوا إليه ويجلسوا في حضنه؟ في حدث المرأة النازفة، سأل يسوع: "من لمسني؟" (لو 8: 45). فلو ظهر أنَّه الله، هل كانت امرأة "نجسة" تتجرَّأ فتلمسه؟ كلاّ ثمَّ كلاّ. والعالم اليهوديّ كان يقول: لا يستطيع أحد أن يرى وجه الله ويبقى على قيد الحياة. فكيف أن يلمسه؟ ومَن؟ ثمَّ كان جواب بطرس: "يا معلِّم، الناس كلُّهم يزحمونك ويضايقونك وتقول من لمسني؟" لا. ما تميَّز يسوع عن الناس، وإن قالت الأناجيل المنحولة وما فيها من روايات خياليَّة حول يسوع الذي بدا إلهًا منذ كان في المهد، ومنذ كان طفلاً يلعب مع الأطفال. يأخذ بعض التراب وينفخ فيه فيصبح عصفورًا يغرِّد. ولد بدا إلهًا، مَن كان يجسر أن ينظر إليه؟ فإذا كان موسى الذي لامسه حضور الله، يضايق الناس الناظرين إليه بسبب النور المشعِّ منه (خر 34: 30)، فماذا يكون بالنسبة إلى المسيح الذي هو حضور الربِّ على الأرض.

إذا كان بولس الرسول أراد أن يكون كلاًّ للكلّ لكي يربح الكلّ، فهو أخذ هذا المبدأ من يسوع، فقال فيه الإنجيل: أخذ أمراضنا وحمل عاهاتنا. عرف صعوبات الحياة. بل عامله الناس مثل "عبد" لأنَّ الصليب هو للعبيد، في الدرجة الأولى. ولكنَّ النصَّ يتواصل: "رفعه الله، وأعطاه اسمًا يفوق كلَّ الأسماء" (فل 2: 9).

2. وجه الكاهن

قالت الرسالة إلى العبرانيّين: "فكلُّ كاهن يُوخَذ من بين الناس، ويُقام من أجل الناس، في خدمة الله" (عب 5: 1). من يأخذه؟ الله يأخذه، يختاره. ولماذا يأخذه؟ لكي يخدم الله ويخدم الناس. من جهة، "يقدِّم القرابين والذبائح"، ومن جهة ثانية، يُطلَب منه الاهتمام "بالجهّال والضالّين" (آ2).

أ‌- الله يختار الكاهن

قال الربُّ لتلاميذه: "لستم أنتم اخترتموني، بل أنا اخترتكم وأقمتكم لتذهبوا وتثمروا ويدوم ثمركم" (يو 15: 16). وهكذا لم يعد الكاهن ملك نفسه، بل ملك الله الذي اختاره "واشتراه بدم ثمين". قال بولس عن نفسه، وهو الذي لم يكن يستحقُّ شيئًا "لأنَّه اضطهد كنيسة الله بلا رحمة وحاول تدميرها" (غل 1: 13). قال: "ولكنَّ الله بنعمته اختارني وأنا في بطن أمّي فدعاني إلى خدمته" (آ15). هو اختيار بحسب النعمة. أمّا يسوع فاختيار بحسب الطبيعة. فهو الله وابن الله. لهذا قيل له في العماد: "هذا هو ابني الحبيب، عنه رضيت" (مت 3: 17). وهذا "الكهنوت" الذي تسلَّمه الابن ليكون وسيطًا بين الله والبشر، لم يكن له فقط وقت العماد في الأردنّ، بل منذ بداية "دخوله إلى العالم". "قلت: "ها أنا جئت لأعمل بمشيئتك" (عب 10: 7). وبولس قال إنَّ الله اختاره منذ حُبل به، على مثال إرميا (إر 1: 5). وهكذا يصير المدعو شخصًا إلهيًّا، يصير الكاهن حصَّة الله، والويل لمن يمسُّه. في هذا قال الربُّ: "لا تمسُّوا الذين اخترتهم، ولا تسيئوا إلى أنبيائي" (مز 105: 15). حرفيّا: لا تمسُّوا "مسحائي" الذين مسحتهم بالزيت المقدَّس. أما هكذا يُمسَح الكهنة، فيقبِّل الناس أيديهم حيث مُسحوا. وقال الربُّ في نبوءة زكريّا: "من يمسُّكم يمسُّ حدقة عيني" (زك 2: 12).

ذاك هو الكاهن الذي يدعوه الله "كما دعا هارون" (عب 5: 4). والذين حاولوا رفض هارون كان عقابهم قاسيًا بواسطة "النار" التي هي رمز حضور الربِّ وسط شعبه (عد 16: 32). وقال النصُّ الكتابيّ: "تراءى مجد الربِّ لكلِّ الجماعة" (آ32). ودلَّ الربُّ على اختيار هارون حين "حمل كلُّ رئيس سبط عصًا" (عد 17: 17). وُضعت العصي في "خيمة الشهادة" (آ23). ولكنَّ "عصا هارون... أفرخت فأخرجت براعيم، وأزهرَتْ وأنضجت لوزًا".

أجل، الكاهن مختار من عند الله. ويعمل أعمال الابن. بل قال يسوع للرسل: "يعملون الأعمال التي أعملها، بل أعظم منها" (يو 14: 12). هل يتخيَّل الكاهن القدرة التي يتمتَّع بها؟ المسيح غفر الخطايا، والكاهن يغفر الخطايا: "أنا أحلُّك من جميع خطاياك"، يقول الكاهن للخاطئ بعد أن سمع يسوع يقول للرسل: "من غفرتُم له خطاياه تُغفَر له" (يو 20: 23). والكاهن أب يلد الأبناء العديدين على جرن العماد: "أنا أعمِّدك حملاً في رعيَّة المسيح". ويقول الربُّ للكاهن كما قال للرسل حين أرسلهم، وكما فعل هو نفسه: "اشفوا المرضى... اطردوا الشياطين، مجّانًا أخذتم مجّانًا أعطوا" (مت 10: 8). وقال الربُّ أيضًا: "من سمع منكم سمع منّي" (لو 10: 16). وهكذا صار صوتُ الكاهن صوتَ المسيح. ومقابل هذا: "ومن رفضكم رفضني". وتتواصل الحلقة: من يرفض المسيح يرفض الله الذي أرسله، وفي صلاة يسوع الكهنوتيَّة، نسمع الربَّ يقول لله الآب: "كما أرسلتني ارسلتهم" (يو 17: 18).

ب‌- من أجل الناس

إذا كان الكاهن وجه المسيح، فتكون حياته حياة المسيح. وكذلك أعماله وأقواله. نريد أن نرى يسوع. انظروا إلى الكاهن. ولهذا قال خوري آرس: "إن رأيت الكاهن برفقة الملاك، تبدأ فتحيّي الكاهن ثمَّ الملاك". إذا كان الكاهن هو "الأب" في الرعيَّة وبين المؤمنين، فهو يتشبَّه بالمسيح. يهتمُّ بالمرضى، يكون بجانب الضعفاء. يمضي إلى الضالّين كما مضى يسوع يبحث عن الخروف الضالّ. يحزن مع الحزانى، يبكي مع الباكين، يفرح مع الفرحين، يكون حاضرًا لدى الناس، كما قال المسيح: يجب أن أمضي وأبشِّر.

المسيح هو "المعلِّم" كما دعوه مرارًا. والكاهن مثله. ومثالُه لا ما يقوله الناس، بل كلام يسوع الذي قيل عنه في عظة الجبل: "كان يعلِّمهم مثل من له سلطان، لا مثل معلِّمي الشريعة" (مت 7: 29). فمنذ النبيّ ملاخي قيل: "يُطلَب من فم الكاهن التعليم" (ملا 2: 6). هذا يعني أنَّ للصلاة المكان الأوَّل في حياته. فكم مرَّة يروي لنا الإنجيل أنَّ يسوع صعد إلى الجبل وهناك قضى ليلته في الصلاة، ولاسيَّما حين تكون القرارات مهمَّة، صعبة. قبل أن يختار تلاميذه، صلّى. قبل التجلّي على الجبل قال عنه الإنجيل: "وبينما هو يصلّي، تغيَّرت هيئةُ وجهه" (لو 9: 19) وخصوصًا في ليل النزاع "ابتعد عن تلاميذه رمية حجر وركع وصلّى" (لو 22: 41).

فلدى الكاهن صعوبات كما لدى المسيح. هناك من يعارضه إذا كان صادقًا مع الربّ، فلا يسير في خطِّ العالم. فإن سار الكاهن في خطِّ العالم لن يجد من يضطهده، بل يرضون عنه "ويمدحه جميع الناس" (لو 6: 26) كما سبق لهم وامتدحوا "الأنبياء الكذّابين".

والمجد؟ ممّن يطلبه الكاهن؟ أمن البشر؟ إن فعل شابه الكتبة في زمن يسوع: "وكيف تؤمنون ما دمتُم تطلبون المجد بعضُكم من بعض، والمجد الذي هو من الله وحده لا تطلبونه" (يو 5: 44). أمّا يسوع فكان واضحًا: "أنا لا أطلبُ مجدًا من عند الناس" (آ41). وسيقول في الصلاة الكهنوتيَّة: "مجِّدني الآن يا أبي بالمجد الذي كان لي عندكم قبل أن يكون العالم" (يو 17: 5). والكاهن يتطلَّع إلى الله الذي يمنحه أطيب الجزاء على ما تقول في الصلوات من أجل الكهنة. ويكفيهم فخرًا أن يقول الربُّ لكلِّ واحد منهم: "يا لك عبدًا صالحًا وأمينًا". فالمسيح الذي صار "عبدًا طائعًا حتّى الموت والموت على الصليب" يترافق مع الكاهن، لا في آلامه فقط، بل في قيامته ومجده.

يعقوب السروجيّ

هذا الذي في حبِّه وصلواته سمع الله،

يمسكُ السكوتُ شفتيه في موضع الموت.

هذا الذي كانت عشرته كلَّ يوم مع الله،

صار رفيقًا لموتى الشيول (= مثوى الأموات) في الهلاك.

هذا الذي كان وسيط الربِّ الإله،

ترجم وعلَّم الأسرار الخفيَّة في بيت الله.

هذا الذي طارد الشياطين الأنجاس، بصلواته،

حلَّت سلطته داخلَ القبر مع المتمرِّدين.

هذا الذي امتلأت مبخرتُه الإلهيَّة غفرانًا

انتهت، عن مسكنه، خدماته وصلواته.

هذا الذي أبهجت البيعة ألحانُه وتراتيله

حلَّ في السكوت، وأصواتُ البكاء ترتِّل قدّامه.

هذا الذي غفر للعشّارين والأشرار والخطأة،

اتَّجهت طريقُه فسار إلى داخل القبر.

قصيدة: تعزية الكهنة.

1 ت2: أحد تقديس البيعة، عب 9: 1-12؛ مت 16: 13-20

بدأ الزمن الطقسيّ الجديد، وبدأت السنة الجديدة، لا بحسب العالم، بل بحسب الكنيسة، جسد المسيح. فالكنيسة التي هي جماعة المؤمنين، مدعوَّة إلى القداسة. كلَّ سنة يدعوها الربّ ويدعو أبناءها وبناتها. انغمسوا في العالم ونسوا أنَّهم مكرَّسون للربّ. والآن، ها هي عودة جديدة، لكي نعيش سنة كاملة برفقة الربِّ يسوع، تبدأ منذ طفولته حتّى حياته العلنيَّة وموته وقيامته وصعوده وإرساله الروح القدس من أجل بناء الكنيسة، وهو بناء يُنهيه الربّ عند مجيئه الثاني، ودخول البشريَّة إلى الملكوت.

كيف تُبنى الكنيسة؟ حول شخص يسوع المسيح. هو الوسيط بين الله والبشر. جاء من عند الله وأتى إلى العالم، وأيضًا يترك العالم ويعود إلى أبيه. هو عاش على الأرض بضع سنوات، ثمَّ صعد إلى السماء، فكيف يستطيع البشر أن يروه وهو الذي قال لتلاميذه: من رآني رأى الآب. مستحيل على البشر أن يروا يسوع كما تجسَّد من مريم العذراء، ولكنَّهم يستطيعون أن يروه متجسِّدًا في الكنيسة. فهي حضوره على الأرض، وهي تدلُّ عليه وهو يدلُّنا على الآب. الكنيسة مثل أندراوس وفيلبُّس. طلب منهما بعض اليونانيّين أن يروا يسوع. وكلُّ مؤمن وكلُّ رعيَّة وكلُّ جماعة، يمكن أن يطلب منهم أن يدلُّوهم على المسيح.

عاش يسوع بعض الوقت مع تلاميذه. هل عرفوه؟ اعتبروه نبيًّا من الأنبياء. ولكنَّه ليس النبيّ. فآخر نبيٍّ هو يوحنّا المعمدان. "وأنتم من تقولون؟" هكذا سأل يسوع فأجاب بطرس باسمه أو باسم الجماعة: أنت المسيح ابن الله الحيّ. هو برنامج كامل. المسيح ذاك الذي اختاره الآب، أرسله، مسحه، ليحمل الخلاص إلى البشر. وهو ابن الله وإن كان خارجيًّا ابن البشر. هذا ما أعلنته الكنيسة في وجه العالم اليهوديّ الذي رفض أن يكون يسوع هو المسيح، فاضطهد الرسل أوَّلاً ثمَّ الذين جاؤوا بعدهم. أمّا العالم الوثنيّ، فمَلكه هو نيرون كما دعاه سفر الرؤيا من خلال رقم مرمَّز (666). وبما أنَّ الكنيسة أرادت الحفاظ على إيمانها، نالت الاضطهاد في أبنائها، لكي تُعلن أنَّ المسيح ما زال حاضرًا في كنيسته وعاملاً فيها.

وحين نقرأ سفر الرؤيا، أما نحسُّ أنَّ هذه الكنيسة ضعيفة، ويمثِّلها الحمل ضدّ التنّين ووحش البحر ووحش البرّ؟ واليوم يرى المؤمنون أنفسهم يتضاءلون فيتساءلون: ماذا تنتظر يا ربّ؟ ولكنَّ الجواب أتى من فم الربِّ كما ورد في إنجيل متّى: الكنيسة مبنيَّة على صخر. أساسها الرسل. حجر الزاوية هو يسوع المسيح. فممَّن نخاف؟ وجاءت الصورة: الجحيم أو مثوى الأموات، أو عالم الموت، إذا كان جسد الربِّ المائت على الصليب لم يصل إليه الفساد، فكيف يصل الموت إلى الكنيسة جسد المسيح السرّيّ؟ و"الأبواب" تدلُّ على القدرة والمناعة. إذا كان قيل للنبيّ إرميا بأن لا يخاف من مواجهة الخصوم لأنَّ الربَّ جعله "مدينة حصينة، وعمودًا من حديد، وسورًا من النحاس" (إر 1: 18)، فماذا يمكن أن يُقال للكنيسة، جسد المسيح؟ يهاجمها البحر، تهاجمها الرياح وتهدِّدها وهي تشبه سفينة، فتكفي كلمة من فم الربّ: اسكت، اخرس. وعندئذٍ حدث هدوء عظيم. بعد ذلك لا يمكن أن نخاف. وإن كنّا من أبناء الخوف فهذا يعني أنَّنا قليلو الإيمان. فلا يبقى لنا سوى أن نقول: يا ربّ، أعنْ ضعف إيماننا!

1 ت2: عيد جميع القدّيسين، عب 12: 18-24؛ مت 5: 1-12

من هم القدّيسون؟ هم السعداء الذين يطوِّبهم يسوع ويهنِّئهم لأنَّهم عبروا هذه الحياة ووصلوا إلى الله. مرَّوا في الاضطهادات والصعوبات، حملوا صليبهم، بحثوا عن مشيئة الله، رفضوا العنف في حياتهم وطلبوا السلام مع الجميع. وأين يقيمون؟ في ملكوت الله. في "أرض" الله. وفي النهاية، يشاهدون الله وجهًا لوجه، ذاك ما يقول الإنجيل. أمّا الرسالة إلى العبرانيّين التي هي رسالة كهنوتيَّة أرسلها تلاميذ بولس إلى أهل رومة، فتعطينا ثلاثة أوصاف: هم في مدينة الله، في أورشليم السماويَّة. هم الأبكار المقيمون مع الملائكة. هم الأبرار حول يسوع وسيط العهد الجديد.

* لكلِّ ملك مدينته. عاصمته. هناك يستقبل أحبّاءه. ولله مدينته. وهذا الإله هو الحيّ، الذي لا يشبه الأصنام الميتة والآلهة التي نصنعها لأنفسنا. في العهد القديم، كانت مدينة الله أورشليم فهناك الهيكل مركز حضوره. وفي الهيكل تُقدَّم له الذبائح. وفي الهيكل يأتي المؤمنون ليروه وكأنَّهم على موعد معه.

ولكنَّ أورشليم الأرض دُمِّرت، ومضى الربُّ مع شعبه الماضي إلى المنفى. ثمَّ إنَّ المؤمنين ليس لهم على الأرض مدينة ثابتة. مدينتهم في السماء. وهكذا تكون مدينة الله أورشليم السماويَّة. عنها قال بولس: "هي أمُّنا" (غل 4: 26). ويصفها سفر الرؤيا وصفًا رائعًا فيذكر فيها الحجارة الكريمة والأبواب المفتوحة ليلاً ونهارًا، ونور الربِّ الذي يضيء لها. أجل، عاش القدّيسون على الأرض، وكأنَّهم في السماء.

* من هم القدّيسون؟ هم الأبكار. والبكر أساسًا هو المقدَّم للربّ. فلا يحقُّ للأهل أن يتصرَّفوا به. كرَّس القدّيسون حياتهم للربّ، فما عادوا لنفسهم بل للربِّ الذي اصطفاهم. فقال بولس: حياتي هي المسيح والموت ربحٌ لي. كما اعتبر نفسه "ذبيحة يراق دمها" (2 تم 4: 6).

والأبكار في هذه الرسالة وفي سفر الرؤيا، هم الذين لبثوا أمناء للربّ، فما "زنوا" أي يخونوا الربَّ في عبادة للأصنام. ما خافوا على حياتهم. حسبوها لا شيء. إنَّهم يشبهون الملائكة الذين "لا يزوِّجون ولا يتزوَّجون".

أسماؤهم كُتبت. هذا ما يأخذنا إلى سفر الحياة. كُتبت أسماؤهم في سجلِّ المعموديَّة. وبسبب أمانتهم كُتبت في سجل السماء. هم ما مرُّوا في دينونة، بل انتقلوا من الموت إلى الحياة.

* والقدّيسون هم الأبرار. عنهم تحدَّث الربُّ: الجياع وعطاش البرّ. إلى مشيئة الله في حياتهم، على مثال الربِّ الذي اعتبر طعامه العمل بمشيئة الربّ. أجل، طعام لم يعرفه التلاميذ. وطعام القدّيسين لا يعرفه البشر. الله بدأ فبرَّرهم فتجاوبوا معه، فقيل عنهم في سفر الرؤيا: يرافقون الحمل حيث يكون.

من أراد أن يتبعني. هم تبعوا يسوع. تركوا كلَّ شيء، وحسبوا خيرات الدنيا نفاية لكي يربحوا المسيح ويُوجدوا فيه. ما طلبوا قائدًا غيره. هو الوسيط بينهم وبين الله، بينهم وبين الخلاص. لا اتِّكال عندهم على البشر، ولا على العظماء بين البشر. فما استعانوا إلاّ باسم الربِّ الذي صنع السماوات والأرض.

ووسيطهم ليس فقط ذاك الداخل إلى أورشليم مع هتاف الأطفال والتلاميذ. وسيطهم يسوع المسيح المصلوب: معه صلبوا جسدهم. ماتوا معه ليقوموا معه، فسمعوا كلام الربِّ: "أريد أن يكونوا معي ليروا المجد الذي هيَّأتَه لي منذ إنشاء العالم".

الاثنين 2ت2: عب 10: 11-18؛ يو 17: 1-8

من جهة، الكاهن اليهوديّ. حرفيًّا: كلُّ كاهن. وربَّما أيضًا في سائر الديانات القديمة التي اعتادت أن تقدِّم الذبيحة للإله. ومن جهة، المسيح الكاهن الأعظم، الكاهن الوحيد في العهد الجديد. هي ذبائح عديدة وهي هي لا تتبدَّل. أمّا يسوع فذبيحته واحدة. ذبيحة الصليب التي نعيشها في كلِّ قدّاس. هي لا تتجدَّد، بل هي لنا لكي نصبح نحن بدورنا ذبيحة لله وتقدمة. حياتنا نقدِّمها يومًا بعد يوم للربِّ ونحملها إلى القدّاس. وخصوصًا صعوباتنا وآلامنا، بحيث "نكمِّل ما نقص من آلام المسيح".

من جهة، ذبائح عديدة لم تقدر أن تمحو الخطايا. أمّا المسيح فبذبيحة واحدة محا خطايا البشريَّة كلَّها. جدَّد البشريَّة الخاطئة بحيث تستطيع أن تقترب من الله الحيِّ. مساكين كهنة العهد القديم: هم واقفون، واقفون ليقوموا بواجباتهم. أمّا المسيح "فجلس" عن يمين الآب. انتهت مهمَّته على الأرض. انتصر على أعدائه الذين هم الموت والشرُّ والخطيئة. ولكن بدأت مهمَّتنا مع الكهنة الذين ترسلهم الكنيسة إلينا.

غُفرت خطايانا بذبيحة يسوع على الصليب. إذًا، لا حاجة بعد إلى ذبيحة، ولا إلى قربان بالنسبة إليه. فهناك عهد بين الله وبيننا مرَّ بواسطة المسيح. فما علينا إلاَّ أن ندخل فيه. الربُّ لا يذكر بعد خطايانا، فلماذا نعود نحن إليها؟ الربُّ كتب شريعته في قلوبنا، فلماذا نبحث عن شرائع خارجيَّة تحلُّ محلَّ الشريعة الوحيدة، شريعة المحبَّة؟

الثلثاء 3 ت2: عب 10: 19-25؛ يو 17: 9-13

في الماضي، قُسم الهيكل ثلاثة أقسام: القدس أو المكان المقدَّس، حيث يكون الكهنة. وقدس الأقداس حيث يدخل رئيس الكهنة مرَّة واحدة في السنة لكي يكفِّر عن خطايا الشعب. هو أقدس مكان في الهيكل ولا يحقُّ لأحد أن يدخله. بل إن دخل المؤمنون إلى "القدس" حيث الكهنة، فيكون عقابهم كبيرًا. فهناك حجاب بعده حجاب. حجاب أوَّل يمنع الشعب من الدخول إلى حيث يكون الكهنة، وحجاب ثانٍ يحجب قدس الأقداس. فمَن يجسر أن يرفع هذا الحجاب؟

ولكن في موت يسوع، تمزَّق حجاب الهيكل. الأوَّل والثاني. فلم يعُد حاجز بيننا وبين الله. فُتح الباب الذي هو يسوع. وفتحت الطريق التي هي يسوع. ولا حاجة بعد إلى كهنة، ولا إلى عظيم كهنة. فيسوع هو الكاهن الأوحد، والكاهن الأعظم، ولا حاجة بعد إلى كهنة العهد القديم. أمّا الكهنة في العهد الجديد، فلا يحلُّون محلَّ يسوع، بل إنَّ عملهم هو امتداد لعمله.

إذًا، نقترب من هذا الكاهن. نحن تعمَّدنا. اغتسلنا بماء طاهر. ونحن نُدعى إلى الاجتماع الأسبوعيّ لكي نشارك في القدّاس، في الإفخارستيّا. ونحن خاسرون إن انقطعنا عن هذا الاجتماع. لكن هناك شروط: قلب صادق لا غشّ فيه. إيمان كامل لا ارتياب به. إيمان لا متزعزع بأقلِّ صعوبة. وإن كان ضعيفًا نطلب من الربّ. وأخيرًا، لا موضع لسوء النيَّة، بل نأتي كالأطفال الواثقين بأبيهم، نأتي بعضنا مع بعض متعاونين في المحبَّة والعمل الصالح.

الأربعاء 4 ت2: عب 10: 26-31؛ يو 17: 14-19

عرفنا الحقَّ، فماذا ننتظر أن نعيش بحسب الحقّ، بحسب يسوع المسيح الذي هو الطريق والحقّ والحياة؟ فهل نرجع إلى الوراء؟ عندئذٍ لا نكون أهلاً للملكوت. هل نعود إلى الخطيئة؟ الويل لنا. وخصوصًا إذا "خطئنا عمدًا"، لا سهوًا. إذا قرَّرنا أن نترك إيماننا. كان الجحود يهدِّد "العبرانيّين" الذين كتب إليهم الرسول. فلا بدَّ من تحذيرهم. قدَّم يسوع من أجلهم الذبيحة الواحدة، فلا مجال إلى ذبيحة أخرى. لا شكَّ، هناك "ذبيحة" القدّاس حيث الجسد لمغفرة الخطايا والدم لمغفرة الخطايا، ولكنَّ التهامل والرفض الدائم "والتجديف" على الروح القدس. كلُّ هذا يحمل إلينا الخطر: الدينونة، والعقاب في "جهنَّم" أي مع "نار تلتهب العصاة". فماذا ننتظر لنعود إلى ذواتنا ونعرف ماذا فعل لنا يسوع كاهننا حين قدَّم ذاته على الصليب ذبيحة عنّا؟

وتأتي المقابلة بين موسى وبين يسوع: من خالف شريعة موسى يُعاقَب. وكان العقاب قاسيًا، ويُنسَب إلى الله. وشريعة يسوع؟ موسى هو الخادم في البيت. أمّا يسوع فهو الابن وهكذا يمكن أن نتصوَّر العقاب الذي ينتظرنا. مع كلمات قاسية مأخوذة من العهد القديم: الانتقام. هو نتيجة العمل الخاطئ. كان يُنسَب إلى الله. أمّا نحن فنعرف أنَّ الخطيئة تحمل عقابها في ذاتها. والمجازاة. فالمخطئ يُجازى كما في المحكمة، كما قيل في الإنجيل: لا تخرج من السجن حتَّى تدفع آخر فلس. وأخيرًا، الويل. يحسب الخاطئ نفسه مثل لصٍّ فرَّ من وجه العدالة. حين يقبضون عليه، فماذا يكون مصيره؟ والإنسان حين يقف في ساعة القضاء؟ فالوقوع في يد الله أمرٌ مخيف. هي عظة تهدِّد، ولكن تبقى رحمة الله!

الخميس 5 ت2: عب 10: 32-39؛ يو 17: 20-23

تذكَّروا. هي عودة إلى الماضي الذي كانت فيه الجماعة حارَّة في إيمانها. حالاً بعد المعموديَّة التي هي نور. ولهذا قال: استنرتم. الجهاد. هو جهاد الإيمان. نال المؤمنون العذاب فتعمَّدوا. عُيِّروا فما اهتموا للتعيير متذكِّرين كلام الربّ: طوبى لكم إذا عيَّروكم واضطهدوكم. مرُّوا في الشدائد. ضايقهم المتسلِّط لكي يتخلّى عن الإيمان فلم يتراجعوا. ضايقوا الربَّ يسوع. فهل يكون التلميذ أفضل من معلِّمه؟ هؤلاء المؤمنون الجدد جُعلوا مع السجناء، مثل الرسل ولاسيَّما بطرس ويوحنّا. وُضعت اليدُ على أموالهم. صاروا فقراء فاستحقُّوا تطويبة الربّ كما في إنجيل لوقا: طوبى للفقراء. سُلبت أموالهم فصاروا فقراء مع ذلك الذي ليس له موضع يُسند إليه رأسه. هل بكوا؟ هل انتحبوا؟ كلاّ. بل كانوا فرحين. فالمال الذي أُخذ منهم يزول. أمّا السعادة مع الربِّ فلا تزول.

احتملتم. صبرتم. والآن، لماذا تتراجعون. جعلتم ثقتكم في الربّ، آمنتم، فلماذا ترتدّون عن الإيمان؟ اعتبرتم أنَّ الربَّ جاء وما عدتم تنتظرون شيئًا! كلاّ. فالربُّ يأتي وهو يسبقنا ليكون حيث نحن فيستقبلنا. نتألَّم فيتألَّم معنا. نفرح فيفرح معنا. فنحن أبناء الخلاص، فلماذا نخسر الأجر الذي نلناه يوم تعمَّدنا؟ فالربُّ قال لنا: مَن يثبت إلى المنتهى يخلص. نعم يا ربّ، بدأنا معك ونواصل الطريق معك ولو وصلنا إلى الصليب. فبعد الصليب القيامة.

الجمعة 6 ت2: رو 5: 12-16؛ يو 17: 14-26

آدم هو المجبول من تراب. كلُّ إنسان هو آدم. والرجل والمرأة هما من التراب وإلى التراب يعودان. وهما يمثِّلان البشريَّة كلَّها. منذ بداية العالم التي لا نعرفها، حتّى نهاية العالم التي ننتظرها. آدم. لا في المعنى التاريخيّ، الإنسان الأوَّل، الذي منه تفرَّعت البشريَّة كلُّها وحمل إليها الخطيئة بحيث طُردنا من الجنَّة. كلاّ. بل في المعنى اللاهوتيّ. الإنسان الضعيف يخطأ لأنَّه إنسان. والرسول يقول: الجميع خطئوا. أمّا الخبر في الكتاب المقدَّس فيعود إلى سنة 500 تقريبًا ق.م. ساعة عُدَّت البشريَّة خمسين مليونًا. ماذا حمل الإنسان، كلُّ إنسان، إلى العالم؟ حمل الموت بعد الخطيئة. فهل نبقى في الموت؟ كلاّ. فهناك نعمة الله، حاملة الحياة.

بدأ الرسول مع آدم، ولكنَّه لم ينظر إلى آدم إلاَّ من خلال المسيح. فالرسول يقول لنا أيضًا: إنَّ المسيح هو باكورة الخليقة. إذًا هو قبل خلق البشر. بل قبل تكوين السماء والأرض، لأنَّ الإنجيل يقول: به كان كلُّ شيء. أي بيسوع الكلمة المتجسِّد. وقال الرسول إلى أهل كولوسّي: به خلق الله كلَّ شيء. فإذا كان الخلق تمَّ بالمسيح، فهذا يعني أنَّ المسيح سابق للخلق، وبالتالي سابق للبشر، والابن ما تأنَّس بسبب الخطيئة، بل كان مع البشر منذ البداية ليقودهم إلى البرّ، أي الحياة مع الله والعمل بمشيئته.

والآن، بعد أن صرنا مع المسيح في طريق الخلاص، هل نعود إلى الخطيئة؟ كلاّ. فإن فعلنا نعود إلى "آدم" ونترك المسيح، نعود إلى الزلَّة ونترك هبة الله. فنحن لسنا أبناء الهلاك، بل أبناء الخلاص.

السبت 7 ت2: رو 5: 17-21؛ يو 15: 15-21

إنسان واحد. إنسان واحد. ولكنَّ هذا الإنسان "الواحد" يمثِّل البشريَّة كلَّها. الأوَّل يمثِّل البشريَّة الخاطئة التي حملت الموت إلى العالم. والثاني يمثِّل البشريَّة البارَّة التي حملت الحياة إلى العالم. الأوَّل دُعيَ في الرمز "آدم". والثاني هو المسيح الذي يحمل في شخصه البشر كلَّهم. مع "آدم" صار البشر خاطئين. ومع يسوع صار البشر أبرارًا. كانت صورةُ الله مشوَّهة فيهم فعادت إلى أصالتها حين جاء إلى الأرض "صورة الله اللامنظور".

هو صراع مرير لا بيني وبين الآخر: أنا بارٌّ وهو خاطئ! عندئذٍ نتصرَّف مثل الفرّيسيّ الذي حكم على العشّار من علوِّ "برارته" الكاذبة. ففيَّ يُوجَد آدم والمسيح. فأنا خاطئ إذا أردتُ أن أتبع شهواتي. وأنا بارٌّ إذا أمسكت بيد المسيح. المسيح كان طائعًا حتّى الموت والموت على الصليب، وأنا أكون مع المسيح في الطاعة لوصايا الله ولنداءات من يرافقنا جميعًا، وكلَّ واحد منّا حتّى نهاية العالم.

ولكنَّ الخطيئة كثيرة في العالم. ماذا نعمل؟ هل نيأس؟ كلاّ. هل نلقي السلام؟ كلاّ!. هل نعتبر أنَّ الله غضب علينا ونسانا وتركنا نقاتل بعضنا مثل ذئاب في الغابة؟ كلاّ. فالرسول قال لنا: في هذه الحالة التعيسة، لا تنقص النعمة، بل تزيد. وأكثر من هذا: هي تفيض لكي تكفِّر عن خطايانا، ولكن تساند ضعفنا، كما الأمُّ تهتمُّ بابنها المريض أكثر من ذاك المتمتِّع بالعافية. فهدف الربِّ أن يبرِّرنا، أن يقدِّسنا، أن يعيدنا إليه ويستقبلنا كما استقبل الابن الشاطر، الضالّ. فماذا ننتظر لكي نرتمي بين يديه مثل الطفل مع أمِّه؟

8 ت2: أحد تجديد البيعة، عب 9: 11-15؛ يو 10: 22-24

اعتاد العالم اليهوديّ، في بداية السنة الطقسيَّة، أن يحتفل بعيد التجديد. فالهيكل نُجِّس بيد الملك أنطيوخس. ولا بدَّ من تطهيره و"بنائه" من جديد لكي يليق بالله. وأخذت الكنيسة هذا الاحتفال وربطته بإنجيل يوحنّا: "وجاء عيد التجديد في أورشليم". فهي تدعو المؤمنين لأن يتجدَّدوا لكي ينطلقوا مع الربّ. هم "يجدِّدون" مواعيد عمادهم، ويسعون إلى تجديد حياتهم. والتجديد لا يكون في أن نبقى حيث نحن، بل ننطلق من مرحلة إلى مرحلة، على ما قال الرسول: لمّا كنتُ طفلاً، كنت أتكلَّم كالطفل ولمّا صرت رجلاً، تركتُ ما هو للطفل (1 كو 13: 11). فالنموُّ في الحياة الروحيَّة أمر مهمٌّ سنة بعد سنة. فكثيرون منّا لبث إيمانهم على مستوى ما تعلَّموا في طفولتهم والمناولة الأولى. لهذا يأتي أحد التجديد فيفهمنا العودة إلى نفوسنا من أجل عمل في حياتنا الشخصيَّة وفي رعيَّتنا.

نعود إلى الكنيسة، إلى من هو الراعي. فهو يعرفنا بأسمائنا واحدًا واحدًا. لا لسنا مجموعة ذات أرقام، ولسنا قطيعًا يسير ولا يعرف إلى أين يسير. فالأب يعرف أولاده. ويسوع يعرفنا، ينادينا، فيبقى علينا أن نسمع صوته. والسمع لا يكون بالأذن فقط، بل بالقلب واليدين وكلِّ أعضاء الجسم. السمع هو الطاعة. السمع يعني اتِّباع المسيح الذي يقودنا إلى المراعي الخصيبة. يمكن أن نترك المسيح، نشكُّ في كلامه، نرفض أن نرى أعماله، ونتذمَّر كما تذمَّر بعض التلاميذ فقالوا "كلام صعب، من يطيق سماعه" (يو 6: 60). أمّا بطرس فيقول ويعلِّمنا أن نقول: "إلى من نذهب، يا ربّ، وكلام الحياة الأبديَّة عندك" (آ68).

نحن في الكنيسة، نحن في أمان. لا يقدر أحدٌ أن يخطفنا. فالربُّ يسوع يحافظ علينا. ولكن إذا أردنا أن نترك "راعي نفوسنا"، يتألَّم الآب في أعماقه كما تألَّم أبو الابن الضالّ. ولكن مع ذلك يمضي "راعينا" ويبحث عنّا، ويفرح بعودتنا. فالمسيحيّ الذي عاش مع الربِّ منذ عماده، كيف يسمح لنفسه بأن يترك الربَّ ويروح وراء المعلِّمين الضالّين. قالت الرسالة إلى العبرانيّين عن هؤلاء: "يصلبون ابن الله ثانية لخسارتهم" (عب 6: 6)، وتشبُّههم بأرض "أخرجت شوكًا وعشبًا ضارًّا، فصارت مرفوضة فهدَّدتها اللعنة وكانت عاقبتها الحريق" (آ8). هل نرضى أن نكون مثل هؤلاء، أم نردَّ على أمانة الله بالأمانة؟ هو آمن بنا ووثق، فما يكون موقفنا منه؟

نحن نأتي إلى الكنيسة. نستمع إلى الكلمة. نشارك في الجسد والدم. نعيش مع الجماعة فيتقوّى الإخوة بنا ونتقوَّى نحن بهم. نفرح ونحزن لحزنهم. وهم يبادلوننا. ولكنَّ كثيرين يعيشون وحدهم. يبتعدون عن جسم الكنيسة. ولا يعودون إليها إلاَّ إذا كانت حاجة مادِّيَّة وغيرها لديهم. تأسَّف الرسول لهذا الوضع، ويمكن أن يتأسَّف اليوم إن جاء إلى بعض كنائسنا ووجدها فارغة. قال: "لا تنقطعوا عن الاجتماع، كما اعتاد بعضكم أن يفعل، بل شجِّعوا بعضكم بعضًا" (عب 10: 25).

كيف نشجِّع بعضنا بعضًا إذا كنّا لا نلتقي بعضنا مع بعض؟ كيف يهتمُّ الواحد بالآخر إذا كان لا يعرف شيئًا عن أخباره؟ وقالت الرسالة: "تعاونوا في المحبَّة والعمل الصالح" (آ24). كيف إذا كان لا يعاين الواحد الآخر، إذا كنّا مشتَّتين، مبعثرين، كخراف لا راعي لها. وكيف يمكن أن أحبَّ من لا أراه؟

فالمسيح راعينا يأتي كلَّ أحد، إن لم يكن كلَّ يوم، لكي يجمعنا حوله. ينادينا. يا ليتنا نسمع صوته ونلبّي نداءه!

الاثنين 9 ت2: عب 8: 1-6؛ يو 1: 1-6

الكلام هنا عن يسوع الكاهن الأعظم، والكاهن الأوحد، والكهنة الذين في المسيحيَّة هم في امتداد كهنوته، وينال القدرة من تلك القدرة التي ظهرت بشكل خاصّ على الصليب. في العهد القديم، كان كهنة عديدون ولكنَّهم لم يفوا بالمراد. أمّا المسيح الجالس عن يمين عرش الجليل، فهو "الكاهن".

الكهنة خدموا المعبد الأرضيّ الذي زال يوم دُمِّر هيكل أورشليم سنة 70ب.م. أمّا كاهننا فخدم المعبد السماويّ الذي لا يمكن أن يزول. كما لا يمكن أن ينتهي كهنوته وهو الذي يتشفَّع لأجلنا حتّى نهاية العالم. وموسى صنع الخيمة في البرِّيَّة. وفي النهاية لم تَعُدْ تُذكر. فهي خيمة موقَّتة. ولكنَّ الخيمة الحقيقيَّة لا يمكن أن تزول. فيقول الإنجيل: الكلمة صار بشرًا وسكن بيننا. حرفيًّا: نصب خيمته عندنا. هو عمّانوئيل أي الله معنا. لا خلال حياته على الأرض، بل حتّى انقضاء الدهر.

عظيم الكهنة في العالم اليهوديّ هو من الأرض، ويحتاج إلى القرابين والذبائح. وإذا نفدت القرابين، لا يبقى الكاهنُ كاهنًا. أتُرى يسوع كان كاهنًا كهذا؟ كلاّ. فلو كان كذلك لكان كاهنًا بحسب الشريعة الموسويَّة. أمّا الخدمة التي نظَّمها موسى فهي صورة وظلٌّ للخدمة الحقيقيَّة. أمّا خدمة كاهننا فهي أفضل جدًّا من الخدمة الموسويَّة، وتتفوَّق عليها تفوُّق السماء على الأرض.

أراء بعض المسيحيّين أن يعودوا إلى "خدمة" موسى وطقوس الشريعة! كم هم مساكين. واليوم هناك أناس يطلبون "وسيطًا" و"مخلِّصًا" غير يسوع المسيح. ويطلبون طقوسًا وممارسات لا تعرف الصليب والقيامة. في النازيَّة عُبد هتلر. وفي الصين عبدوا ماوتس تونغ. ونحن من نعبد وبمن نحتفل؟ قال المزمور: ماذا يصنع لي الإنسان؟

الثلثاء 10 ت2: عب 8: 7-13؛ يو 10: 7-10

العهد الأوَّل كان مع موسى على جبل سيناء: هذا هو دمُ العهد الذي عاهدكم الربّ" (خر 24: 8). ولكنَّ هذا العهد لم يكن بلا عيب. فلو كان بلا عيب، لكان الربُّ حافظ عليه. وعادت الرسالة إلى الأنبياء، إلى إرميا الذي أعلن بفم الربِّ "عهدًا جديدًا". جاء الجديد فلم يعد من مكان للقديم: عُتق وشاخ. في العهد الأوَّل كُتبت الوصايا على الحجر. ولمّا كسر موسى لوحي الوصايا حين نزل عن الجبل، ضاعت الوصايا. والشعب نسيها حين عبد العجل الذهبيّ.

العهد الثاني يتهيَّأ مع الأنبياء ليصل إلى القمَّة مع المسيح، موسى الجديد: تُكتَب الوصايا في القلوب. تصبح جزءًا من الإنسان الذي لا يحتاج بعدُ من يعلِّمه. في هذا الوضع، لا تأتي الشريعة من الخارج فتطلب الإنسان أن يعمل بها بالرغم من ميله إلى الشرّ. فالخطايا الماضية الفاخرة، والمؤمن ينطلق من جديد، بعد أن اتَّحد قلبه بقلب الربّ، وإرادتُه بإرادة المسيح.

ونحن المؤمنين اليوم، دخلنا في العهد مع الربِّ، حين نلنا سرَّ العماد. تركنا الماضي وتطلَّعنا إلى المستقبل. كفرنا بالشيطان. والشيطان يعني كلَّ ما يعرقل مسيرتنا إلى الربّ، ويجرِّبنا كما جرَّب الذي أراد أن يكون مثل الله، فيقرِّر ما هو خير وما هو شرٌّ بحسب منفعته. وآمنّا بالله، ودخلنا إلى الكنيسة بانتظار الدخول إلى الملكوت. سأل الشابُّ الغنيّ ما الذي يعمل ليرث الملكوت؟ فدلَّه الربُّ على الطريق، بعد حِفظ الوصايا: "تعالَ اتبعني" (مر 10: 21).

عاهدنا الربّ يوم العماد. ونحافظ على العهد الذي يكون تامًّا حين ننتقل من السرِّ إلى الحقيقة، حين نموت حقًّا مع المسيح. ولكنَّ موتنا معه هو قيامة معه.

الأربعاء 11 ت2: عب 9: 15-23؛ يو 10: 11-16

المسيح هو وسيط. هو يقف في الوسط بين الله والناس. هذا يعني أنَّه من الله وأنَّه من الناس. فالمسيح هو الكلمة، هو ابن الله. ثمَّ هو ابن البشر الذي وُلد من امرأة ملء الزمان. ولا يمكن لبشر أن يكون وسيطًا، بل ليدلَّنا على الوسيط الوحيد.

المسيح وسيط عهد. كان موسى الوسيط في شعبه. ويسوع الوسيط في كلِّ الشعوب. عهدٌ أوَّل في سيناء، تبعه العهد النهائيّ والحقيقيّ على الصليب. العهد الأوَّل كفله البشر، لهذا بدا سريع العطب ووجب عليه أن "يتجدَّد"، من موسى إلى داود، إلى رئيس الكهنة. أمّا العهد الثاني فكافله يسوع المسيح الذي لا نهايةَ لكهنوته.

والمسيح وسيط "وصيَّة"، لأنَّ اللفظ اليونانيّ "دياتيقي" يعني العهد كما يعني وصيَّة الإنسان قبل موته. فكيف تكون وصيَّة المسيح "من دون موته"؟ لهذا مات على الصليب. وإذا كان العهد الأوَّل تمَّ برشاش الدم، فالمسيح سفك دمه على الصليب. وإذا كان لا شيء يطهَّر من دون إراقة دماء، كما قالت الشريعة (عد 35: 33)، فالمسيح أراد أن يتمِّم الشريعة ليُفهِم البشر أنَّ خطاياهم غُفرت.

ولكنَّنا لا نبقى على مستوى الطقوس البشريَّة. فخيمة الأرض صورة عن خيمة السماء. وكذلك المعبد الأرضيّ. وذبيحة المسيح حوَّلت كلَّ شيء لكي تصل كلُّ هذه الأمور إلى ملء دعوتها السماويَّة. ونحن لا نبقى في القدّاس على مستوى الخبز والخمر، بل نرتفع إلى الجسد والدم اللذين يدخلاننا في ملكوت السماء.

الخميس 12 ت2: عب 9: 24-28؛ يو 10: 17-21

من معبد إلى معبد. المعبد الأوَّل، أو هيكل أورشليم، صنعته الأيدي. وفي أيِّ حال، هدمته الأيدي. ما دخل إليه يسوع ليقدِّم الذبائح، لأنَّه لم يكن من قبيلة لاوي، بل من قبيلة يهوذا. بل هو دخل إليه ليقول: "لن يبقى فيه حجر على حجر".

والمعبد الثاني هو جسد المسيح. هو المعبد الحقيقيّ الذي "هُدم" على الصليب، ولكنَّه قام بعد ثلاثة أيّام. والمعبد الثالث هو جسد المسيح الممجَّد، الحاضر في السماء من أجلنا. دعاه سفر الرؤيا الحمل الذبيح والممجَّد، لأنَّ يسوع الذي هو عن يمين الآب، يحمل آثار جراحاته حتّى نهاية العالم.

كان رئيس الكهنة يدخل إلى قدس الأقداس مرَّة في السنة. فهل يحتاج المسيح أن يفعل مثله؟ كلاّ. وإلاَّ لوجب عليه أن يتألَّم مرَّات كثيرة. ذبيحة واحدة كانت كافية "عند اكتمال الأزمنة". فالمسيح تجسَّد مرَّة واحدة. ومات مرَّة واحدة. فهو إنسان، ومثل كلِّ إنسان يموت مرَّة واحدة، لا مرّات عديدة. والهدف من موته تمَّ تمامًا كاملاً: أزال خطايا البشر.

ولكن لماذا يجيء مرَّة ثانية؟ هو لا يأتي بسبب الخطيئة. فذبيحة واحدة كانت كافية لغفران خطايا البشر كلِّها. هو يجيء "لخلاص الذين ينتظرونه". ومن هم الذين ينتظرونه؟ المؤمنون. ونحن منهم. أجل، كلُّ واحد ينتظر الربَّ لأن ليس لنا هنا مدينة ثابتة، بل ننتظر الأخرى. فمن أراد أن يربط حياته بالأرض، لا يكون إنسانًا حلَّ روح الله فيه. ومن أراد أن يلتصق بالقبر يكون ابن الموت لا ابن الحياة. أمّا نحن فننتظر الربَّ ونقول له مع الكنيسة: تعال أيُّها الربُّ يسوع.

الجمعة 13 ت2: عب 10: 1-10؛ مر 2: 18-28

في العهد القديم، كانت تقدَّم ذبائح عديدة، خصوصًا في الأعياد الثلاثة الكبرى: الفصح والعنصرة والمظالّ. أمّا المسيح فذبيحة واحدة. قرَّبها على الصليب. كانوا يقدِّمون ذبائح خارجة منهم، من الغنم أو البقر أو المعز. يضعون يدهم على الذبيحة وكأنَّهم يقرِّبون نفوسهم مع ما يقرِّبون. أمّا يسوع فقدَّم ذاته. قدَّم جسده على الصليب.

وهو ما قدَّم ذاته فقط يوم الجمعة العظيمة، بل قدَّمها طوال حياته على الأرض. قال هنا: "جئت لأعمل مشيتئك". كم مرَّة تكلَّم يسوع عن هذه المشيئة الأبويَّة. "طعامي أن أعمل مشيئة الآب الذي أرسلني". إرادة الآب أهمّ من الطعام والشراب. بل هي أهمّ من الحياة البيتيَّة. "يجب أن تعلما (قال لمريم وليوسف) أنَّه يجب أن أكون لما هو لأبي". فمشيئة الله هي خيرنا وبنياننا. لهذا قال الربّ: ما جئت لأعمل مشيئتي، بل مشيئة الآب الذي أرسلني. قال هنا: "ما أردتَ".

ونحن ما هي مشيئة الآب بالنسبة إلينا؟ ماذا يريد الربُّ منّا وهو من يعرفنا أكثر ممّا نعرف نفوسنا. يمكن أن أعمل "مشيئتي" كما فعل آدم وحوّاء في الجنَّة. والنتيجة: صارا عريانين من نعمة الله. ونحن الذين "لبسنا المسيح" في العماد نصبح عريانين ونختبئ من وجه الله كما فعل آدم في الفردوس. لهذا نصلّي وننتبه إلى ما نقول: لتكن مشيئتك.

السبت 14 ت2: عب 3: 1-6؛ مر 1: 21-28

إخوتي. المؤمنون هم إخوة الرسول وأبناء الآب الواحد. وله يقولون: أبانا. إذا كان المسيح لم يستحِ، فهل يستحي المبشِّر والكاهن بإخوته؟ هذا مستحيل. "القدّيسين". هم كذلك لأنَّ الله اختارهم ودعاهم إلى القداسة والعيش بحسب مشيئة الله. لا يحقُّ لهم بعد أن يعيشوا كما كانوا يعيشون من قبل. لا يحقُّ لهم بعد أن يعيشوا كما يعيش أهل العالم. "المشتركين". فالمسيحيّون عائلة، كنيسة، شركة. كلُّهم ينعمون بالخيرات عينها، وهنيئًا لهم إن عرفوا أن يستفيدوا منها. "كلُّهم مدعوُّون". الله أرادهم مشابهين لابنه يسوع.

بمن يتطلَّع هؤلاء المدعوّون؟ بموسى. موسى هو خليقة الله. هو بناء بناه الله، كما بنى المرأة في بداية الخلق (تك 2: 22). موسى هو "بيت" وهو كريم جدًّا في عيني الربّ. فهل نتوقَّف عند البيت وننسى الذي بناه؟ أي يسوع المسيح. هذا يعني أنَّ الابن هو الله، لأنَّه يشارك الآب الذي هو "باني كلَّ شيء".

توقَّف أولئك الذين كتب إليهم الرسول عند موسى وعند المجد الذي ناله! كم هم مساكين! يشبهون من ينظر إلى نور الشمس وينسون خالقها. في الإنجيل الرابع، قابل اليهود بين المنّ الذي "نزل من السماء" وبين "جسد الربِّ ودمه". أكلوا من المنِّ وماتوا، أمّا من يأكل جسد الابن فيحيا إلى الأبد. وها هم أبناؤهم يتطلَّعون إلى موسى وينسون ربَّ موسى. فموسى هو صورة عن ابن الله، ولا يمكن أن يحلَّ محلَّ الابن.

موسى بيت الله. والمؤمنون هم بيت الله. هو يبنينا حجرًا بعد حجر. فهل نثق به ونفرح بما يعمل لنا ونفتخر؟ أم نريد أن نبني أنفسنا بأنفسنا؟