الكاهن وكلام الله

 

"احترمت الكنيسة دومًا الكتب الإلهيَّة كما احترمت جسد الربِّ. فهي تأخذ خبز الحياة عن مائدة كلمة الله أو عن مائدة جسد المسيح لتقدِّمه للمؤمنين". ذاك ما قال المجمع الفاتيكانيُّ الثاني في دستور الوحي الإلهيّ. مائدتان: مائدة الكلمة ومائدة جسد الربّ. ومائدة الكلمة تسبق جسد القربان. ذاك ما تذكِّرنا به الكنيسة نحن الكهنة: "كُرِّسوا على صورة المسيح الكاهن الأعلى والأزليّ ليبشِّروا بالإنجيل ولكي يكونوا رعاة المؤمنين". كان لنا كلام سابق عن الكهنة في ممارسة الأسرار. وها نحن نتحدَّث عن دور كلام الله في خدمة الكهنة، ولاسيَّما في هذه السنة الكهنوتيَّة، حيث كاهن مثل خوري أرس الذي اعتُبر جاهلاً ترك خمس مجلَّدات من الوعظ نُشرت بعد موته وهي لا تزال تغذِّي الكهنة إلى الآن. فالكاهن الذي لا يحمل الكلمة يقوم بنصف واجبه، بل نقول لا يقوم بواجبه لأنَّ الفائدة المرجوَّة من الأسرار تكون قليلة إن لم تسبق "السرَّ" كلمة الله. فهي توضحه، تجعله حاضرًا في حياة المؤمنين، وإلاَّ يبقى "السرُّ" سرًّا مغلقًا يبقى المؤمنون خارجًا عنه. مثل تلك السيِّدة التي اعتبرت أنَّ القدَّاس لن يعود سرًّا إذا قيل الكلام الجوهريُّ في غير اللغة السريانيَّة.

يدور كلامنا في ثلاث محطّات: الكاهن حامل الكلمة. وذلك منذ أقدم العصور. فإليه يأتي الناس طالبين كلمة من الألوهة توجِّه حياتهم. في محطَّة ثانية نرى الصراع بين حامل الكلمة وذابح الذبيحة. سيطر العمل الثاني على الأوَّل، لأنَّه الأسهل وفيه ما فيه من "السحر". لهذا كان الأنبياء تجاه الكهنة. كان الكاهن هو من يدخل في سرِّ الله ليعطي جوابًا للمؤمنين فحلَّ محلَّه النبيُّ الذي صار رجل الكلمة بدون منازع فنبَّه الكهنة الذين غرقوا في الممارسات وغرَّقوا المؤمنين، بحيث تعب الربُّ من ذبائحهم. فقال بفم إشعيا: "لا تجيئوا إليَّ بتقدماتكم الباطلة، فرائحة ذبائحكم معيبة عندي" (1: 13). وفي المرحلة الثالثة أعاد يسوع الأولويَّة إلى الكلمة. فبان ذاك الذي "يسير في أنحاء الجليل، يعلِّم في المجامع ويعلن إنجيل الملكوت ويشفي الناس من كلِّ مرض وداء" (مت 4: 23). فهل حافظت كنائسنا الشرقيَّة على هذه الأولويَّة؟

  1. الكاهن حامل الكلمة

حين نعود إلى فعل "كهن" نقول: "قضى له بالغيب وحدَّثه به". إنسان في ضباب يريد أن يرى. ولكنَّه يرتطم بالسرِّ كما بحائط مسدود. من يفتح له الباب؟ الكاهن. فلا تعود المشكلة غائبة لذلك الإنسان، بل تصبح حاضرة. وهكذا يكون الكاهن في الديانات القديمة ذاك الذي يدَّعي معرفة الأسرار ويكشفها للآتين إليه. لهذا كانت "النبيئات" oracle، التي هي جواب من الإله إلى مؤمن يسأله. ومن يحمل الجواب المطلوب؟ الكاهن. اللفظ اللاتينيّ يرتبط بالكلام ora وبالفم os. وفي الكتاب المقدَّس نقرأ ما حدث لشاول الذي ضلَّت حمير أبيه، قيس (1 صم 9: 3). كيف يقدر أن يجدها؟ قال له خادمه: "هناك رجل من رجال الله في هذه المدينة، وهو محترم، وكلُّ ما يقوله يتمُّ، فتعال نذهب إليه علَّه يدلُّنا إلى الاتِّجاه الصحيح" (آ6). ومضوا إلى صموئيل "الرائي" (آ19) الذي قال لشاول: "أمّا الحمير التي ضلَّت لك منذ ثلاثة أيّام، فلا يشغل بالك عليها لأنَّها وُجدت" (آ20). ولكن ما هذا "السرُّ" البسيط الذي أراد شاول معرفته. فهناك سرٌّ آخر: سيكون شاول أوَّلَ ملك على القبائل العبرانيَّة: "أنا بنيامينيٌّ من أصغر أسباط بني إسرائيل، وقبيلتي أصغر قبائلها" (آ21). فهم شاول ما يُطلَب منه. ومن علَّمه: الكاهن الذي يخدم في بيت الربّ. "ويلبس أفودًا من كتّان" (1 صم 2: 18). وفي ليلة من الليالي سمع الربُّ يدعوه ويكلِّمه لكي يوصل كلامه إلى عالي الكاهن الذي أضاع بعض رسالته، فما كان يعلِّم حتّى أبناءه.

في الديانات القديمة، يقيم الكهنة بجانب المعبد ويستقبلون الآتين ويعلِّمونهم كما يذكِّرونهم بالتقاليد. فالهيكل في الحضارة المصريَّة هو منزل الإله والكهنة هم أهل بيته يوصلون إلى الناس وصاياه. وكذا نقول عن بلاد الرافدين منذ السومريِّين وصولاً إلى الأشوريِّين والبابليِّين. هذا يعني أنَّهم على اتِّصال معه. ولكنَّ هذه المعرفة التي يفترض أن تكون آتية من الإله، صارت فنًّا وصناعة وعرافة تستعمل وسائل بشريَّة: يتطلَّعون إلى الكواكب. يقرأون في أحشاء الحيوانات. يرسلون الطيور في الهواء ويفسِّرون الأمور بشكل لا يزعج أحدًا ويحمل أكثر من تفسير.

ومن الطرق التي نجدها في الكتاب المقدَّس، ما حصل لشاول حين استقبله جماعة من الأنبياء وهم يرقصون كما نعرف اليوم مع "الدراويش" (1 صم 10: 11). بل هو أراد أن يعرف إرادة الله، بعد أن تركه شاول، فمضى إلى عرَّافة عين دور (1 صم 28: 7)، مع أنَّه "نفى العرّافين والسحرة من البلاد" (آ3). لماذا الكلام عن هذه الأمور؟ لأنَّنا حتّى في القرن الحادي والعشرين قريبون من السحر في ممارساتنا. السرُّ يتمُّ بذات الفعل. شكرًا يا ربّ. فنحن نعرف أنَّنا لا نحوِّل الخبز إلى جسدك والخمر إلى دمك بقوَّة كلمتنا، بل بقوَّة كلمتك. ونحن نعرف أنَّنا لو كنّا خطأة، فأنت بالرغم من ذلك توصل عطاياك إلى المؤمنين بأيدينا. فما أعظمك يا ربُّ! ولكن هل يعني هذا أنَّ خادم السرِّ يكون مثل "أنبوب" تمرُّ فيه النعمة لتصل إلى طالبيها؟ وهل يعني أنَّ المؤمنين استفادوا من السرِّ أم لبثوا في الخارج؟ من هنا أهمِّيَّة التعليم.

الكاهن رجل الكلمة. فحين نعطي السرَّ لا ننسى أنَّ الكلام يُتلى على مهل من أجل المؤمنين. ونُفهم المؤمنين الرموز والحركات التي نقوم بها. نتذكَّر هنا ما فعله ملك أشور بالنسبة إلى الذين بقوا من السامرة بعد السبي سنة 722-721: "أُرسلوا إليهم واحدًا من الكهنة الذين سبيتُهم. فيذهب إليهم ويقيم بينهم ويعلِّمهم شريعة إله تلك الأرض" (2 مل 17: 27). أطاعوه "فجاء واحد من الكهنة الذين سباهم من السامرة وأقام في بيت إيل، وأخذ يعلِّمهم عبادة الربّ" (آ28). كما نتذكَّر ما فعله يوشافاط في السنة الثالثة من ملكه: "أرسل بعض الرؤساء... وبعض الكهنة "فحملوا كتاب شريعة الربِّ وكانوا في جميع مدن يهوذا يعلِّمون الشعب" (2 أخ 17: 7-9). نشير هنا بشكل عابر أنَّ جمعيَّة المرسلين اللبنانيِّين تأسَّست من أجل هذا الهدف: يمرُّون في الرعايا، يعظون الرياضات، يسمعون الاعترافات وينقُّون ضمائر المؤمنين. وحين تنظَّمت الرهبانيَّات اللبنانيَّة أرادت أن تأخذ خطَّ التعليم بعد أن انحصر عمل الكهنة في العمل الأسراريِّ والعباديِّ متناسين كلام الله. ويذكر الكتاب أيضًا ما فعله الكاهن عزرا بعد العودة من السبي وضياع المؤمنين: أحضر كتاب الشريعة أمام جميع الشعب "من الصبح إلى نصف النهار، وكلُّهم آذان صاغية إلى كتاب الشريعة" (نح 8: 3).

من كان يعلِّم المؤمنين الآتين إلى الهيكل للصلاة والعبادة؟ الكهنة. من كان يذكِّرهم بالأعياد وممارساتها؟ الكهنة. من يحقُّ له أن يسكن في الجبل المقدَّس؟ يجيب الكهنة: من يسلك بنزاهة، من يكون صادقًا في أعماله، من لا دجل على لسانه (مز 15: 1-3). من يأتي إلى المقام المقدَّس، إلى الهيكل؟ لا كلُّ إنسان. بل "النقيُّ اليدين، الطاهر القلب، الذي لا يميل إلى السوء، الذي لا يحلف يمينًا كاذبة" (مز 24: 3-4). كيف يدخل إلى الكنيسة ويجلس في الأماكن الأولى من غمس يده بالدماء، من سرق الغريب واليتيم والأرملة؟ أهذا بيت الله أم مغارة اللصوص؟ وفي مز 118 نقرأ ليتورجيَّة الدخول: "افتحوا لي أبواب الصدِّيقين، فأدخل وأحمد الربَّ" (آ19). ذاك ما قاله الآتون إلى الهيكل، الواقفون عند الباب. فيجيب الكهنة من الداخل: "هي أبواب إلى الربِّ وفيها يدخل الصدِّيقون" (آ20). هل أنتم صادقون مع الربِّ ومع إخوتكم وأخواتكم؟ إذا نعم، ادخلوا. في العهد القديم، كان اللاويُّون يقفون عند القدس ليمنعوا المؤمنين من عبور الباب. واليوم هناك من يقف على باب الكنيسة ليؤمِّن الاحتشام للداخلين والداخلات. لا بأس. ولكن يبقى التعليم الذي ينبِّه المؤمنين ولا يبقيهم على فراش من حرير. ماذا قال يوحنّا المعمدان للآتين ليعتمدوا ويدلُّوا على توبتهم ساعة لا توبة عندهم؟ "أيُّها الحيّات أولاد الأفاعي، من علَّمكم أن تهربوا من الغضب الآتي؟" (مت 3: 7).

وننهي هذا المقطع في دعوة موسى. ماذا عليه أن يفعل؟ أن يحمل الكلمة: "قل لبني إسرائيل: أنا الربُّ إله آبائكم... اذهب واجمع شيوخ بني إسرائيل وقل لهم... فيسمعون لك" (خر 3: 15-18). تهرَّب موسى: هم لا يسمعون (4: 1). أعطاه الربُّ المعجزات، لبث معاندًا: "ما كنتُ يومًا رجلاً فصيحًا، لا بالأمس ولو من يوم كلَّمتني. أنا بطيء النطق وثقيل اللسان" (آ10). ردَّ عليه الربّ رافضًا عذره: "من الذي خلق للإنسان فمًا؟" (آ11). ثمَّ قال: "أنا أعينك على الكلام وأعلِّمك ما تقول" (آ12). هنا، بان موسى جسورًا إن لم نقل وقحًا على الله: "أرسل أحدًا غيري" (آ13). كأنِّي به يقول: لا أريد أن أعمل الكلمة. الربُّ أعطاك هذا الشرف أن تتكلَّم باسمه وأنت تتهرَّب! يا للأعذار الواهية! ومع ذلك، كثيرون منّا يتهرَّبون. هذا الكاهن أعطيَ له فنَّ الخطابة، أمّا أنا فلا. عمليًّا، هو الكسل: لا نقرأ الكتاب المقدَّس. لا نتأمَّل، لا نصلِّي، والإناء ينضح بما فيه. إذا كان قلبنا فارغًا، فماذا نعطي المؤمنين سوى الفراغ. عندئذٍ، نفضِّل أن لا نتكلَّم. وبالتالي يجب أن نترك مكاننا لآخر يوصل الكلمة، على مثال إشعيا الذي قال للربّ: "ها أنا فأرسلني" (إش 6: 8). لا شكَّ، الكلام عن الله صعب. والسماع أصعب. الإنسان يحسُّ بضعفه. و"ييأس" بعض المرّات حين يرى الناس لا يسمعون، فيكون هو في وادٍ وهم في وادٍ. تحمَّس بولس في أثينة وجاء بالفلسفة والشعر وكلِّ عبقريَّته. وفي النهاية، قلبوا الشفاه، وقالوا له: سوف نسمعك مرَّة أخرى (أع 17: 32).

ولكنَّ الربَّ يعرف ضعفنا، ولكنَّه لا يريد أن يعرف كسلنا. يعرف أنَّ الناس لا يريدون أن يسمعوا لأنَّهم لا يريدون أن يبدِّلوا حياتهم. ولكن نجد دومًا من يسمع. حتَّى في أثينة، قال سفر الأعمال: "بعضهم انضمُّوا إليه وآمنوا" (آ34). وإيليّا حسب نفسه وحده، فإذا مع الربِّ "سبعة آلاف لم يركعوا للبعل" (1 مل 19: 18). ولهذا قال له الربُّ: "ما بالك هنا يا إيليّا؟" (آ13). اذهب، احمل الكلمة. إن أنت هربت أحتاج إلى آخر غيرك، لأنَّه يجب أن لا تسكت الكلمة التي هي مثل نور. فإن انطفأ النور، يسير الناس في الظلمة. ومن هو أوَّل من يحمل الكلمة؟ الكاهن. هذا مع العلم أنَّه ليس وحده. وإن هو تهرَّب مثل موسى، غضب الربُّ عليه (خر 4: 14). وأرسل إليه من يعينه. أخوه هارون. هكذا يفعل الربُّ مع عدد من الكهنة: يُرسل من يعينهم من رهبان وراهبات، من مؤمنات ومؤمنين. ولكن كيف يرضى بذلك وهو المحرَّر لعمل الله! ذاك ما حصل للكهنة في العهد القديم: توقَّفوا عند تقدمة الذبائح وتأمين الشعائر الدينيَّة، فحلَّ الأنبياء محلَّهم بانتظار أن يأتي الكتبة وناسخو الكتب المقدَّسة. فما عاد المؤمنون يذهبون إلى الكهنة الذين منهم يُطلَب التعليم.

  1. من الكهنة إلى الأنبياء

كتب النبيُّ ملاخي: "شفتا الكاهن تحفظان المعرفة، ومن فمه تُطلَب الشريعة، لأنَّه رسول الربِّ القدير" (2: 7). أهذا هو الكاهن؟ كلاَّ. لهذا جاء توبيخ لهم من الربِّ: "أين مهابتي أيُّها الكهنة الذين تحتقرون اسمي" (1: 6). وتأتي الدعوةُ إليهم: "فالآن استعطفوا أيُّها الكهنة وجه الله ليحنَّ علينا. من أيديكم وبسببكم ما جرى لنا. فكيف يرفع الربُّ القدير شأنكم؟" (آ9).

كلام قاسٍ توجَّه إلى الكهنة وهو يتوجَّه إلينا الآن نحن الكهنة. هو صراع بين رئيس كهنة ورئيس كهنة آخر، وفي النهاية، يغلب صادوق أبياتار، لأنَّ الحزب الذي سانده نال المُلك. ساند أبياتار أدونيّا وصادوق سليمان، ولمّا صار سليمان ملكًا لا أخوه الأكبر، فقال الملك لأبياتار الكاهن: "انصرف إلى حقولك في عناتوت. أنت رجل تستوجب الموت... وعزله سليمان عن خدمة الربِّ كاهنًا..." (1 مل 2: 26-27). أمّا الصراع حول مداخيل الكهنة، فحدِّث ولا حرج. ولاسيَّما في زمن الملك يوشيّا: "جميع المال المنذور والمال الوارد إلى هيكل الربِّ بدلاً من الذبائح... ترمِّمون به هيكلَ الربِّ" (2 مل 12: 5-6). ولكنَّهم لم يفعلوا. فسألهم الملك: "لماذا لا ترمِّمون ما تهدَّم من هيكل الربِّ؟" (آ8).

ويبقى الكلام الأقسى ما يقوله الأنبياء. قال إرميا: "في أرضنا عجب عجاب: "... والكهنة يجمعون ما تصل إليه أيديهم". ثمَّ عاد النبيُّ فقال: "لأنَّهم جميعًا من صغيرهم إلى كبيرهم يطمعون بالمكسب الخسيس، ومن النبيِّ إلى الكاهن يمارسون أعمال الزور، ويداوون جراح شعبي باستخفاف..." (6: 13-14). ويعود النبيُّ إلى الطمع بالمكسب الخسيس وممارسة الكذب (8: 10). ويواصل: "هل يستحون إذا اقترفوا رجسًا؟ كلاَّ، لا يستحون ولا يعرفون الخجل. فلذلك يسقطون مع الساقطين" (آ12). ويأتي العقاب المريع: "سأبيدهم إبادة، يقول الربُّ، فلا يكون عنبٌ في الكرمة، ولا تين في التينة. حتّى الورق يسقط، وكلُّ ما وهبته لهم يزول" (آ13).

أمّا هوشع فيكون أكثر قساوة. يقول الربُّ: "ولكن لا يخاصم أحد شعبي ولا يوبِّخه. فخصومتي معكم أنتم أيُّها الكهنة. تسقطون في النهار والليل... فأنتم علَّة دمار شعبكم" (4: 4-5). قيل لي مرَّة عن حلقات التلفزيون: ما هذه الأسئلة التي يطرحونها عليك؟ فأجبت: هل تعلِّمون في الرعيَّة؟ وانتهى السؤال عند هذا الحدِّ. "فلا معرفة الله" في الشعب (آ1). ومن المسؤول؟ "على قدر ما تكثرون، أيُّها الكهنة. تكثر خطاياكم. فسأبدِّل مجدكم هوانًا. تأكلون من ذبائح التكفير عن خطايا شعبي، فتحملونهم على الإكثار من الإثم. فكما أعاقب الشعب، فكذلك أعاقبكم أيُّها الكهنة على طرقكم وأجازيكم شرًّا على أعمالكم. فتأكلون ولا تشبعون..." (آ7-9). ولماذا كلُّ هذا الدمار؟ شعبي لا يعرفونني. ولهذا "فأنا أرفضكم فلا تكونون لي كهنة، وبما أنَّكم نسيتم شريعة (أو: تعليم) إلهكم، فأنا أيضًا أنسى بنيكم" (آ6). ويأتي النداء: "فاسمعوا، أيُّها الكهنة... صرتم فخًّا... وشبكة ممدودة... وهاوية عميقة... فها أنا أؤدِّبكم" (5: 1-2).

أخذ الكهنة بتقدمة الذبائح، وتنظَّموا في فرق لكي يكون لكلِّ واحد دوره. يُعطى الذبيحة فيذبحها ويأخذ حصَّته. أو تصله تقدمة. وبعد السبيِّ بشكل خاصٍّ، تنظَّمت الذبائح كما تحدَّث عنها سفر اللاويِّين: المحرقة، ذبيحة السلامة، ذبيحة الخطيئة سهوًا، ذبيحة الجماعة، ذبيحة الرئيس، ذبيحة الخطيئة أيضًا. وهناك أيضًا ذبيحة الفقراء. المهمُّ أن يُعطوا. إن لم يكن كثيرًا فأقلَّه قليلاً. وأخيرًا ذبيحة التكفير. وتكاثرت الشرائع فضاع المؤمنون وسلَّموا أمرهم إلى الكهنة. تكثر الذبائح والتقدمات ويكثر المدخول، فلماذا التفكير بأمر آخر. وهكذا "ترنُّ الفضَّة" بجانب المذبح. في الماضي كما اليوم، الزواجات، الجنّازات، العمادات، القدَّاسات، مسحة المرضى... كلُّ هذه مناسبات تنسينا كلام الله الذي يجب أن يُعطى للمؤمنين. المهمُّ أن يكون الاحتفال كبيرًا، ناجحًا، مع تكريم الناس والكلام عنهم، لا عن الله الذي نجتمع حوله في أفراحنا وفي أحزاننا.

غاب الكهنة عن كلام الله، فحلَّ محلَّهم الأنبياء، ولاسيَّما إذا فُعل كما فعل يربعام حين أخذ كهنة من الشعب لم يكونوا من بيت لاوي (1 مل 12: 31)، أي غير مؤهَّلين للخدمة الكهنوتيَّة، وأهمُّها غير مستعدِّين لحمل الكلمة. فكم مرَّة نسمع: يجب أن يكون الكاهن متعلِّمًا، ولاسيَّما في الكتاب المقدَّس وفي اللاهوت. فهو اختصاصيٌّ في ذلك، وهذا كلُّ ما يطلبه منه المؤمنون.

كهنة عديدون كانوا في زمن إيليّا. قسم اختبأ. والقسم الأكبر صار كاهنًا عند الملك أخاب، بل عند الملكة إيزابيل. هم يأكلون على مائدتها، فماذا ينقصهم بعد؟ وبما أنَّ الأمر كذلك، فيجب أن يرضوها ويُرضوا زوجها. نابوت يضايق بكرْمه ساحة قصر الملك. لا بأس، نجعل عليه شهود زور فيرجمونه بحيث يعود الكرم إلى الملك. أين هو صوت خدَّام الملك، لا خدَّام الله؟ اختفى هؤلاء الذين "لا يخدمون المسيح ربَّنا، بل بطونهم، ويخدمون بالتملُّق والكلام المعسول" (رو 16: 18). وحده إيليّا كان حاضرًا، وما خاف الملك لأنَّه لا يعتاش من الملك. قال له: "بعتَ نفسك وفعلتَ الشرَّ أمام الربِّ" (1 مل 21: 20). وحين خطئ داود مع بتشابع وقتل لها زوجها، لم نسمع صوت الكهنة الذين كانوا بقرب الملك. بل جاء ناتان. قال الملك: "الرجلُّ الذي صنع هذا (قتل، زنى) يستوجب الموت" (2 صم 12: 5). فقال ناتان: "أنت هو الرجل" (آ7) الذي صنع كلَّ هذا. مع أنَّ الله أعطاك وأعطاك، وها هو الربُّ يقول لك: "فلماذا احتقرتَ كلامي وارتكبتَ القبيح في عينيَّ؟ قتلتَ أوريّا الحثيَّ بالسيف، وأخذت امرأته زوجة لك" (آ9). وأين الكهنة وعظماء الكهنة في زمن يوحنّا المعمدان لا يوبِّخون الملك هيرودُس على ما فعل. قال المعمدان: لا يجوز لك أن تأخذ امرأة أخيك. أمّا الصدِّوقيّون فهم متَّفقون مع السلطة الحاكمة وجماعة هيرودس، لهذا يتحاشون أن يزعجوهم لئلاَّ ينزعج موردُ رزقهم.

  1. من كلام الأنبياء إلى من هو الكلمة

لا مجال للكلام عن الأنبياء الذين أوصلوا تعليم الربِّ إلى الشعب في جميع فئاته. حيث الظلمُ تدخَّلوا: "ويل للذين يضمُّون بيتًا إلى بيت ويصلون حقلاً بحقل" (إش 5: 8). وحيث الترف والغنى تجاه الفقراء الذين ليس لهم ما يأكلون: "اسمعن هذه الكلمة يا نساء السامرة، يا من هنَّ كبقرات باشان، تظلمن الفقراء وتسحقن البائسين وتقلن لأزواجكنَّ: هاتوا لنشرب" (عا 4: 1). لهم البيت الشتويُّ والبيتُ الصيفيُّ، بيوت كبيرة مطعَّمة بالعاجّ (عا 3: 15). وماذا يعملون؟ احتفالات دينيَّة ترضي الكهنة والعاملين في الهيكل وفي المعابد. ماذا أجاب الربُّ بفم نبيِّه عاموس؟ "أبغضتُ أعيادكم ورفضتُها، ولا أرتاح لاحتفالاتكم. إذا أصعدتُم لي محرقاتكم وتقدماتكم لا أرضى بها، ولا أنظر إلى ذبائح السلامة من عجولكم المسمَّنة... بل ليجرِ العدلُ كالمياه، والصدقُ كنهر لا ينقطع" (عا 21: 24). هل يجسر أنبياؤنا اليوم أن يقولوا مثل هذا الكلام؟ كلاَّ. فالأمور تسير كما يريدون، ويدخل المال إلى الكنيسة، وكلُّنا يعرف كيف يشوِّه المال وجهَ الكنيسة وخدَّامَها. إرميا عاش فقيرًا. يا ليته جامل العظماء وقبل بعض المال من الملك الذي دعاه لأن يقول كلمة "كذب" يرضي به الشعب. وعاموس طُرد من عند معبد بيت إيل لأنَّ أمصيا هو كاهن الملك. فكيف لا نكون في خدمة الملك؟ ومتى كان الكاهن في خدمة الناس ومصالحهم وهو الذي اختاره الله؟

أين الكهنة، أين عظماء الكهنة؟ قال عنهم يسوع: "يحبُّون مقاعد الشرف في الولائم ومكان الصدارة في المجامع والتحيّات في الأسواق" (مت 23: 7). قال عنهم: يأكلون بيوت الأرامل بعلَّة تطويل صلواتهم. وبيَّن كيف يتلاعبون بالشريعة "فيصفّون البعوضة ويبلعون الجمل" (آ24). وأخيرًا، في الظاهر يبدون أتقياء، أمّا في الداخل فيشبهون "القبور المكلَّسة" (آ27). هم غائبون من حياة الناس ولا نراهم سوى ناقدين لرسالة يسوع وتعليمه. وفي النهاية تآمروا على قتله. وأجمل ما عندهم هو أنَّ قيافا رئيس الكهنة "تنبَّأ أنَّ يسوع يموت... ليجمع شمل أبناء الله" (يو 11: 52). ما قال هذا الكلام من عنده (آ51)، فهو أكبر منه.

لا. يسوع لم يكن من هؤلاء الكهنة. بل أخذ خطَّ الأنبياء. هو ما دخل الهيكل ليقدِّم ذبيحة، وكلُّ ما نعرفه عنه هو أنَّه دفع الدرهمين مع بطرس (مت 17: 24-27). هو النبيُّ بحسب الناس الذين رافقوه. أحيا ابن أرملة نائين، فهتفت الجموع: "ظهر فينا نبيٌّ عظيم، وتفقَّد الله شعبه" (لو 7: 16). تصرَّف يسوع في خطِّ إيليّا الذي أقام ابن الأرملة (1 مل 17: 21-24). سأل يسوع تلاميذه عن هويَّته: "من هو ابن الإنسان في رأي الناس؟" (مت 16: 13). هو يوحنّا المعمدان، إيليّا، إرميا، نبيٌّ من الأنبياء (آ14). ما جعلوا يسوع كاهنًا مع الكهنة مع أنَّ هناك أناسًا كبارًا مثل صادوق الذي امتدَّ نسله حتَّى دمار أورشليم سنة 70 ب.م. أو يوياداع الذي قام بثورة على عثليا وأقام يوآش في عودة إلى عبادة الإله الواحد (2 مل 11: 4-17). أو سمعان بن أونيَّا الذي امتدحه يشوع بن سيراخ فشبَّهه "بكوكب الصبح بين الغيوم. وبالبدر عند تمامه" (سي 50: 6).

كلُّ رسالة يسوع على الأرض كانت حمل الكلمة، من البداية إلى النهاية. "توبوا لأنَّ ملكوت السماوات اقترب" (مت 4: 17). ثمَّ كانت عظة الجبل وسائر العظات. في المجمع هو يعلِّم. في البيوت وفي الساحات، عند شاطئ البحر وعلى الجبل. كلُّ وقت وكلُّ مكان هما مناسبة لحمل الكلمة. حين طُلب منه أن يبقى في مكان ما، قال: "يجب عليَّ أن أبشِّر سائر المدن بملكوت الله، لأنِّي لهذا أُرسلتُ" (لو 4: 43). أجل، ذاك هو هدف رسالة يسوع الوحيدة. أن يعلِّم، أن يحمل البشارة. ويتابع لوقا: "ومضى يبشِّر في مجامع اليهوديَّة" (آ44).

لا. ما أُرسل يسوع لكي يقوم بممارسات طقسيَّة مهما كان نوعها. هذا لا يعني أنَّ الكنيسة أخطأت حين نظَّمت أمورًا عديدة. ولكن ما نلاحظ هو أنَّ الرسل خافوا من كثرة الممارسات في العالم اليهوديِّ، بحيث تفرَّق الأساس الذي هو كلام الله. بدأ بطرس عظته يوم العنصرة: تحدَّث عن يسوع المسيح، عن أعماله وعجائبه، وأخيرًا عن موته وقيامته، فتحرَّكت قلوب السامعين. وبعدها نالوا العماد. وبولس نفسه سوف يقول: "ما أُرسلت للتعميد، بل للتبشير" (1 كو 1: 17). أجل، البشارة هي الأولى، والممارسة تأتي بعدها. فالكلمة تبقى السراج الذي يضيء طريق المؤمنين.

بعد أن اعتمد "ثلاثة آلاف" (أع 2: 41)، قال سفر الأعمال: "وكانوا يداومون على الاستماع إلى تعليم الرسل وعلى الحياة المشتركة وكسر الخبز والصلاة" (2: 42). أوَّلُ عمل يقوم به الرسل هو التعليم وحمل كلمة الله. ونلاحظ في حياة بولس الرسول ما حصل له في ترواس. قال الراوي: "وفي يوم الأحد اجتمعنا لكسر الخبز. فأخذ بولس يعظ الحاضرين، فأطال الكلام إلى منتصف الليل" (أع 20: 7). نعس الناس "وبولس يسترسل في الكلام" (آ9). أضعنا اليوم في كنائسنا الشرقيَّة الاستماع إلى كلام الله. في السينودس الأخير، قال أحد الآباء: "أعجبُ في كنائسنا كيف يتعب المؤمنون بعد خمس دقائق من الوعظ، ساعة في كنائس أخرى يسمعون كلام الله ولا يتعبون". اعتدنا على الطقوس والممارسات واعتبرناها تكفي، لأنَّها لا تطلب منّا الكثير من الاستعداد. أما يليق بنا أن نرجع إلى الجذور، إلى ما فعله يسوع، إلى ما فعلته الكنيسة الأولى؟ أين الكاهن يعيد تقييم حياته ورسالته، ينطلق من كلام الله الذي يقرأه في الكتب المقدَّسة ويوصله إلى المؤمنين، بحيث يكتشفون من خلال كلامه من هو الكلمة يسوع المسيح؟ فهو الألف والياء والبداية والنهاية وهو هو أمسِ واليوم وإلى الأبد. وإذا رجعلنا إلى كلام بولس حيث يقابل بين الإيمان والرجاء والمحبَّة ويعلن أولويَّة المحبَّة، التي وحدها تبقى، نستطيع القول إنَّ كلَّ ممارساتنا تنتهي وتبقى كلمة الله التي تقودنا إلى من هو الكلمة. نعرفه على الأرض ونتعرَّف إليه في السماء على مدى الأبد.

الخاتمة

الكاهن خادم الأسرار. ذاك كان حديثًا سابقًا. واليوم توقَّفنا عند الكاهن خادم الكلمة. فأقام المؤمن مائدتان: مائدة الكلمة التي فيها "نعرف المسيح وقوَّة قيامته فنشاركه في آلامه ونتشبَّه به في موته على رجاء القيامة من بين الأموات" (فل 3: 10). والمائدة الثانية هي مائدة القربان حيث نستعدُّ في العماد والتثبيت للمشاركة في جسد الربِّ ودمه. ما نلاحظ في تاريخ البشريَّة هو أنَّ الكلمة التي هي الأولى تنحدر سريعًا إلى ممارسات تطمسها وتنسينا قوَّتها في العالم الوثنيّ. لم يعد الكاهن ذاك المتَّصل بالإله، بل ذاك الممارس بعض الأمور "السحريَّة" لكي يرضي الآتين إليه. وفي العالم اليهوديِّ، سيطرت الطقوس والذبائح سيطرة تامَّة، فما عاد الهيكل يستوعب التعليم والتبشير. يكفي أن نقرأ سفر الخروج الذي هو الخبر الأساسيُّ في حياة العبرانيِّين والذي يجب أن يُشرَح في العيد (خر 12: 26: الربُّ خلَّصنا)، لنعرف أن نصفه تقريبًا يهتمُّ بالكهنة وملابسهم والمذبح وتابوت العهد، كما يتواصل هذا السفر بسفر اللاويِّين الذي لا يترك ذبيحة أو تقدمة إلاَّ ويتحدَّث عنهما. واليوم تحتاج كنائسنا إلى كهنة يحملون الكلمة لأنَّ الأطفال يطلبون الخبز فلا يكن من يعطيهم (4: 4). فإن لم نعطهم نحن مضوا إلى آخرين وقد يعطونهم حجرًا بدل الخبز وحيَّة بدل السمكة وعقربًا بدل البيضة.