هل تصلّي، هل تتألَّم؟

 

جاء مرَّة أحد الكهنة إلى خوري آرس، القدّيس يوحنّا ماري فيانّاي، الذي نذكره بعد مئة وخمسين سنة على موته، جاءه يسأله عن السبب الذي لأجله لا يجد النجاح في رعيَّته. فطرح عليه السؤال: هل تصلّي، لا بعض الوقت، بل الساعات الطويلة من أجل رعيَّتك؟ هل تتألَّم من أجلها؟ هل تتوب مع التائبين فيها؟ والكهنة اليوم لا يرضون بالجواب: ولكنَّنا نظَّمنا الكنيسة وأسَّسنا فيها الأخويّات والحركات الرسوليَّة، وبنينا القاعات الواسعة للاجتماعات، ونظَّمنا الاحتفالات الرائعة خصوصًا في عيد الشعنينة ويوم الجمعة العظيمة، فتدفَّقت الآلاف في الرعيَّة تسير وراءنا. ويأتينا الجواب من الربِّ يسوع: "مرتا، مرتا، أنت منشغلة، منهمكة في أمور كثيرة. والمطلوب واحد. اختارته مريم". اختارت النصيب الأفضل حين جلست عند قدمَي المعلِّم تسمع، تصغي. هنا يكون أساس حياة الكاهن: الحياة الروحيَّة أساس كلِّ حياته الكهنوتيَّة على جميع الصعد.

هل يصلّي وكيف يصلّي؟ لينظر إلى الربِّ يسوع. هل يقرأ الأسفار المقدَّسة ليغتذي منها بحيث ينمو فلا يبقى على مستوى سطحيّ؟ لينظر إلى الربِّ يسوع. هل يقرأ علامات الأزمنة والإشارات التي يرسلها الله إليه؟ ليرجع إلى الربِّ يسوع.

1. علِّمنا أن نصلّي

"كان يسوع يصلّي في أحد الأماكن، فلمَّا أتمَّ الصلاة قال له واحد من تلاميذه: يا ربّ، علِّمنا أن نصلّي" (لو 12: 1). يسوع، الربُّ الإله، يصلّي! ونتعجَّب. لماذا؟ لأنَّنا نحسب الصلاة طلبًا و"شحاذة": أعطنا يا ربّ هذا، وانتبه إلى زوجي وابني الوحيد، ووفِّق ابنتي في شهادتها... فالربُّ قال لنا إنَّ الله يعرف حاجاتنا قبل أن نسأله. تخيَّلوا أمًّا تنتظر ولدًا، أما تعدُّ له كلَّ شيء؟ والربُّ الذي هو أمٌّ وأبٌ معًا، هل يحتاج أن نمدَّ يدنا كلَّ يوم وكلَّ ساعة مثل "شحّاذ"؟ كلاّ ثمَّ كلاّ.

وهكذا أضعنا روح الصلاة، والكاهن أوَّل من يضيِّعها في هذا الركض والركض الذي لا يسمح لنا أن نتوقَّف دقيقة مثل الرسل الذين بعث بهم يسوع إلى الرسالة. قال لهم: "تعالوا أنتم وحدكم إلى مكان قفر واستريحوا قليلاً" (مر 6: 31). أجل، الصلاة هي راحة في حضن الآب. هكذا رآها يسوع. وإذ كان يصلّي كان مأخوذًا في صلاته، بحيث لم يتجاسر أحدٌ أن يقطع له مناجاته. انتظروه حتّى ينتهي. إلى مثل هذه الصلاة يحتاج الكاهن فيستعيد القوَّة بعد العمل، والراحة بعد التعب، ويجد النور الذي يدلُّه على الطريق الذي كاد يُضلُّه وسط شموع هنا وهناك فضَّلها على من هو شمس البرّ. على مثال ما نقرأ في إرميا النبيّ: "تركوني أنا ينبوع الماء الحيّ واحتفروا لهم آبارًا مشقَّقة لا تمسك الماء" (إر 2: 13).

ذاك ما يمكن أن يفعل الكاهن. يقرأ مقالاً هنا، ويسأل آخر هناك، ويملأ وقته بأمور عديدة، باطلة، كما يدعوها سفر الجامعة، ويبقى جائعًا، عطشان. إلاَّ إذا ملأ بطنه "ببعض الخرنوب" الذي اشتهاه الابن الضالّ ولم يُعطَ له (لو 15: 16). الصلاة مجيء إلى ينبوع الماء الحيّ الذي جعل السامريَّة تنسى جرَّتها وتمضي إلى أهل قريتها تخبرهم بهذا اللقاء الرائع الذي كان لها مع الربّ: "قال لي..." (يو 4: 39). قال لي يسوع، كلَّمني، بدَّل لي حياتي. لم تَعُد كما كانت في الماضي. أتت إلى "بئر يعقوب" وهي سوف تأتي كلَّ يوم وتبقى عطشانة، ولمّا شربت من الماء الذي يطلبه الربّ، "لن تعطش أبدًا" (آ15).

في الماضي، كان الكاهن يصلّي "فرضه" في كتاب صغير. ويحقُّ له أن يتلو صلاة المساء منذ الساعة الثانية. وقيل له: خطيئة إذا كنتَ لا تصلّي "الفرض". فهذا أمرٌ مفروض عليك. هل يُفرَض على الطفل أن يرتمي في حضن أمِّه أو في حضن أبيه؟ ونحن ألا نرتمي في حضن الله الآب الذي هو الرحمة لأنَّه أمٌّ لنا أيضًا يعلِّمنا المشي ويحملنا على ذراعه، كما قال النبيّ هوشع؟ (11: 4). وسمعتُ أحد الكهنة يقول: "ارتحنا". صلّى "الفرض" وارتاح وها هو يمضي إلى أشغال أكثر أهمِّيَّة! ويُروى عن راهب في الطائرة. كان يصلّي "فرضه" فحصل في الطائرة ما يُقلق، فأغلق "كتاب الصلاة" وشرع يصلّي لكي يتغلَّب على خوفه.

في الصلاة تنمو الحياة الروحيَّة. وفي الصلاة الشخصيَّة لا التي فيها نكرِّر الكلام ونكرِّر، فيدعونا يسوع "مهذارين" لأنَّنا نحسب أنَّنا "بكثرة صلاتنا يستجاب لنا" (مت 6: 7). كان يسوع يصلّي في الأردنّ، فسمع صوت الآب يناديه: أنت ابني. ويقول الإنجيل: "وبينما هو يصلّي انفتحت السماء وحلَّ الروح القدس" (لو 3: 21-22). أجل، انفتحت السماء وكأنَّها كانت "مغلقة" كانوا يحسبون في الماضي أنَّ المطر ينزل من فوق، من نوافذ يفتحها الله فيأتي الماء ويحمل معه البركة. وتروحنت الفكرة فما عادوا فقط ينتظرون المطر، بل الربَّ ذاته: "ليتك تشقُّ السماوات وتنزل" (إش 63: 19).

ومرَّة كان يسوع يصلّي "فتغيَّرت هيئة وجهه وصارت ثيابه بيضاء لامعة" (لو 9: 29). في الصلاة نتغيَّر، نتبدَّل، لا نعود نتصرَّف كما من قبل. لا نعود من "سكّان الأرض". عندئذٍ نرى الأمور بعين جديدة. وتقولون: يسوع هو ابن الله. لا شكّ. ولكنَّ الإنجيل يتحدَّث عنه كإنسان. ويا ليت كان لنا أن نرى وجه القدّيس شربل وهو يصلّي! صلاة عميقة، عميقة بحيث ما تجاسر يومًا أن يتحدَّث عنها. فالكلام ضعيف ضعيف. وفي أيِّ حال، لم يكن لهذا القدّيس وقت لكي يكلِّم الناس. فهو كلُّه حوار دائم مع الله، بحيث إنَّ قداسته كلام. وكم تُروى الأمور عن البادري بيّو. والقدّيس فرنسيس الأسّيزيّ، قدَّم "عظة" وهو يسير في المدينة مع الأخ ليون. سأله الأخ: أين العظة التي تلوتَ على الناس؟ ومتى كانت العظة مجرَّد كلام؟

يسوع هو ابن الله، لهذا تبدَّل وجهه. لا شكّ. وموسى، ماذا قيل عنه؟ أمضى أربعين يومًا في الصلاة، فسمع كلام الربّ: "رضيتُ عنك، عرفتُك باسمك" (خر 33: 17). وماذا حصل له بعد هذا اللقاء بالربّ؟ "رأوا وجهه مشعًّا من مخاطبة الربِّ له" (خر 34: 29). ونلاحظ: ليس موسى الذي كان يتكلَّم كثيرًا، بل هو الربُّ "يخاطبه" كما الصديق يخاطب صديقه. كان يكتفي موسى بأن "ينظر إلى الله والله ينظر إليه" كما قالت أخبار خوري آرس. الطفل يعرف أنَّه تحت نظر أمِّه أو أبيه وهذا يكفي. ويروي الكتاب: قال الربُّ لموسى، وموسى قال للشعب. ما يقوله الربُّ يقوله موسى، ومثله سائر الأنبياء.

في بداية رسالته، صلّى يسوع (لو 3: 21). وحين اختار تلاميذه "صعد إلى الجبل ليصلّي وقضى الليل كلَّه في الصلاة" (لو 6: 12). هو "كالجنديّ" الذي ينتظر "أمر اليوم" من قائده، لأنَّه لا يعمل شيئًا من تلقاء نفسه ولا يقول إلاَّ ما يعلِّمه الآب (يو 8: 28). فهو في كلِّ حين يعمل ما يُرضي الآب (آ29). هذا يعني أنَّه يسمع. أتذكَّر مرَّة سألت أحد الكهنة: هل تصلّي في الصباح؟ قال: أفيق متأخِّرًا. ويبدأ العمل وأعود في المساء تعبًا. أمّا يسوع، فبعد "يوم كفرناحوم الطويل" (مر 1: 16-34)، "قام قبل طلوع الفجر، فخرج وذهب إلى مكان مقفر، وأخذ يصلّي هناك" (آ35).

من هو قائدنا؟ يسوع. ممَّن نأخذ الأوامر؟ أمن البشر؟ أمن نفوسنا وذكائنا ونظرتنا البعيدة؟ كلاّ. بل من الربّ. ذاك ما حصل لإيليّا بعد خبرة جبل الكرمل. تغلَّب عليه الخوف. هرب من الموت. طلب الموت لنفسه (1 مل 19: 4). ولكنَّه التقى الربَّ في جبل حوريب: صوت هادئ خفيف. أو بالأحرى: صمت عميق على جبل الله (آ12). وماذا قيل له: "ارجع في طريقك" (آ25). اشتكى إيليّا. أتى يبكي، هل يعود إلى "المعركة" من أجل الله، أم يبقى مختبئًا هنا؟ ولكن كان كلام الربِّ قاطعًا: ارجع. فالرسالة تنتظرك. وخوري آرس، أكثر من مرَّة، حاول أن يترك الرعيَّة، لأنَّه رأى نفسه غير أهلٍ. وكان الربُّ يعيده. هو لا يعمل مشيئته، بل مشيئة الآب الذي أرسله (يو 6: 38). ها هنا هي الصلاة. ها هنا حياة الكاهن الروحيَّة. ها هنا الحياة "الناجحة" التي لا تنتظر المديح من الناس، بل من الله.

2. وقام ليقرأ

"وجاء يسوع إلى الناصرة حيث نشأ، ودخل المجمع يوم السبت كعادته وقام ليقرأ" (لو 4: 16). تلك هي الطريق الثانية من أجل الحياة الروحيَّة: قراءة الكتاب المقدَّس. هكذا بدأت انطلاقة القدّيس أوغسطين حين كان في الحديقة. قيل له: "خذ واقرأ". وتبدَّلت حياته بعد أن كان قرأ الكثير عن الفلاسفة، ولاسيَّما عن المانويّين الذين يتحدَّثون عن إله للشرّ وإله للخير. ومن لا يتذكَّر أنطونيوس الكبير الذي سمع الإنجيل: "امضِ فبعْ كلَّ ما تملك ووزِّعه على المساكين وتعالَ فاتبعني". أعطى أخته حصَّتها ومضى في البرِّيَّة يتفرَّغ للحياة مع الله. كلُّ همِّه أن يرضي ربَّه (1 كو 7: 32). وأفرام السريانيّ دعانا إلى الولوج في المعنى العميق للكتاب المقدَّس: "هناك من يكتفي بأن يتعلَّق بأهداب الحقيقة وهي بدورها تمنعهم من السقوط. أمّا أنت فلا تتوقَّف عند ظاهر الكلمات ولمعانها، فهي تخفي بقشرتها الخارجيَّة المعنى الحقيقيّ للخبر. ولكن اجتهد في أن تتبيَّن معناها العميق وأن تعرف حقًّا ما تقول هي عنه. لا تلجأ إلى طرق منحرفة، بل في يقين متين وصحيح في العهد الذي فيه رسم الروح أعضاء المسيح، لكي يدلَّ بأسرار جليَّة، على شكلها الخفيّ. فقد بيَّن أمورًا كبيرة عبر الصغيرة وأبرز الخفيّات من خلال ما هو جليّ".

هذا ما يغذّي الحياة الروحيَّة: مطالعة الكتب المقدَّسة. قال الرسول لتلميذه تيموتاوس: "فالكتاب كلُّه من وحي الله، يفيد في التعليم والتفنيد والتقويم والتأديب في البرّ، ليكون رجل الله كاملاً مستعدًّا لكلِّ عمل صالح" (2 تم 3: 16-17). فالوحي تعليم خاصّ يزرعه الله في قلوبنا، كلام يقوله، والربُّ حين يقول فكلمته فاعلة. هو يحوِّل قلوبنا وحياتنا، ويجعلنا على نغم واحد معه. لهذا نسمع المرتِّل ينشد: "يا ربّ، عرِّفني طرقك وعلِّمني سبلك، بحقِّك اهدني وعلِّمني، أنت يا الله مخلِّصي" (مز 25: 4-5). ويهتف ويكرِّر في مز 119: "مبارك أنت يا ربّ، علِّمني إرشاداتك" (آ12). "أصلحتُ سيرتي فأعنتني، يا ربّ علِّمني حقوقك" (آ26). "من رحمتك امتلأت الأرض، فعلِّمني يا ربّ إرشاداتك" (آ64).

والتعليم مع الربِّ هو الحياة. تأتي كلمته فتفعل فعلها فينا كما المطر يفعل في الأرض. في هذا المجال قال الربُّ بفم إشعيا: "كما ينزل المطر والثلج ولا يرجعان ثانية إلى السماء، بل يرويان الأرض ويجعلانها تجود فتنبتُ نبتًا وتعطي زرعًا للزارع وخبزًا للأكل، كذلك تكون كلمتي تلك التي تخرج من فمي، لا ترجع فارغة إليَّ، بل تعمل ما شئتُ أن تعمله، وتنجح في ما أرسلتها له" (إش 55: 10-11).

ألا نلاحظ كيف تحوَّلت حياة الأنبياء الروحيَّة في الاتِّصال بالله؟ ماذا كان عاموس؟ رجل "في "تقوع" تلك القرية الواقعة في جنوب بيت لحم. يهتمُّ بمواشي الملك وينكز الجمَّيز. وهكذا يؤمِّن حياته وحياة عياله. غير أنَّ كلمة الله حوَّلته من الداخل. نعرف أهمِّيَّة الطقوس الخارجيَّة وتنبِّه إلى أنَّها لا تفيد كثيرًا إن كانت لا تبدِّل القلب. قال عن نفسه: "أخذني الربُّ من وراء الغنم" (عا 7: 15). وكذا نقول عن داود الذي مسحه صموئيل، فحلَّ روح الربِّ عليه. هو أيضًا "نبيّ" في التقليد اليهوديّ والمسيحيّ الأوَّل. وإشعيا أحرقته نارٌ آتية من عند الربّ. وإرميا صار "سجين" الربّ. قال: "يا ربّ، أنت تعرفني..." (إر 15: 15). ويواصل: "سمعتُ كلامك فوعيته، فكان لي كلامك سرورًا وفرحًا في قلبي. فأنا دعيتُ باسمك أيُّها الربُّ الإله القدير" (آ16).

وبولس الرسول. لولا كلام الربِّ الذي عرفه وفهمه في العمق لما كان انتقل من عبد للشريعة إلى عبد ليسوع المسيح، إلى رفيق للصليب. هذا الذي قبل موته بقليل طلب الكتب المقدَّسة لكي يقرأها فتحوِّل حياته من الداخل، ونظرته إلى الأمور. قال لتيموتاوس: "أحضر الكتب" (2 تم 4: 13). فبالكتب المقدَّسة تنمو الحياة الروحيَّة لدى كلِّ مؤمن، وبالأحرى لدى الكاهن. فهو بها يغتذي ويغذّي المؤمنين.

ما الذي غذّى حياة خوري آرس وصلاته؟ الكتب المقدَّسة. هذا الذي رُفض فما أرادوا أن يرسموه كاهنًا، لأنَّه لا يعرف اللاهوت ولا اللغة اللاتينيَّة، أين تعلَّم؟ الربُّ هو الذي علَّمه وأتذكَّر هنا كهنة كبارًا لم يكونوا يعرفون اللغات الأجنبيَّة. أين كانوا يتعلَّمون؟ بعد الظهر يقرأون الكتاب المقدَّس، يمتلئون من كلام الله، فتفعل الكلمة فيهم فعلها.

حين أخذ القدّيس بولس تلميذه تيموتاوس معه، كان شابًّا لا خبرة له في الحياة الروحيّة. "فأوصاه: "لا تدَعْ أحدًا يستخفّ بحداثتك... واظب على القراءة والوعظ والتعليم" (1 تم 4: 11-12). هكذا استطاع هذا التلميذ أن يواصل رسالة المعلِّم. يقول التقليد إنَّه صار أسقف أفسس. وهذا ما يمكن قوله عن آباء الكنيسة. يكفي أن نقرأ بعض رسائل يوحنّا الذهبيّ الفم لنعرف كيف كوَّنت فيه الكتب المقدَّسة هذا "الأسقف" الذي أراد عيش الإنجيل. هو في القسطنطينيَّة عاصمة الإمبراطور. القصر الأسقفيّ غنيّ مثل قصر الإمبراطوريّ. باعَ الذهب والفضَّة ومظاهر الغنى، فأعطى الفقراء وبنى المستشفيات. كيف يبقى الكاهن "إنسانًا من الناس" بعد أن يرافق يسوع المسيح في كلمات إنجيله وفي مراحل حياته؟ قال الطوباويّ شارل ده فوكو: "أحببتُ الفقرَ لأنَّ يسوع أحبَّه". ونستطيع القول: أحببتُ التواضع، أحببتُ اللطف، أحببتُ الحياة الخفيَّة التي عاشها يسوع ثلاثين سنة. أمّا عن فرنسيس الأسّيزيّ فقيل إنَّه تزوَّج "الفقر" كما يتزوَّج عريسٌ عروسًا له.

قال يسوع لتلاميذه: "طعامي أن أعمل مشيئة من أرسلني" (يو 4: 34). أين يجد الربُّ طعامه؟ في مشيئة الآب. وأين يجد هذه المشيئة؟ في الكلام الإلهيّ. فحين قرأ إشعيا النبيّ، قال: "اليوم تمَّت هذه الكلمات التي تلوتُها على مسامعكم" (لو 4: 21). ومرَّات عديدة نحسُّ أنَّ حياة يسوع هي ثمرة الكتب المقدَّسة التي يقرأها ويقرأها فيجد فيها النور والقوَّة. نقرأ مثل الكرّامين الذي يستند إلى نشيد الربِّ لكرمته، كما في نبوءة إشعيا. أمّا الابن الذي يريد الكرّامون أن يقتلوه ويأخذوا ميراثه (مت 21: 38)، فهو يسوع نفسه. رذله شعبه، ولكن عرف أنَّه حجر الزاوية الذي عليه تُبنى الكنيسة (آ44). ووليمة الملك هي وليمة يسوع، وقد قرأ عنها في سفر الأمثال: "أنا أناديكم أيُّها الناس" (أم 8: 4). وعلى الصليب، رأى يسوع في مز 22 نفسه من خلال عابد الربِّ المتألِّم الذي أحسَّ أنَّ الجميع تركوه، بمن فيهم "الربُّ الإله": "إلهي، إلهي، لماذا تركتني، وامتنعتَ عن نجدتي وسماع أنيني؟" (مز 22: 2). ولكنَّه في النهاية يعلن: "سأبشِّر باسمك إخوتي وفي الجماعة أهلِّل لك" (آ23). البشارة هي القيامة. ليس فقط لعازر الذي أقامه، بل يسوع الذي قام وجعل في قلوب الرسل الإيمان بالقيامة.

الخاتمة

من المسيح إلى المسيح، من الإنجيل نعود إلى الإنجيل. في هذا الإطار تُبنى الحياة الروحيَّة عند الكاهن. في الصلاة التي بدَّلت "وجه" يسوع وتبدِّل كلَّ يوم حياة القدّيسين، وفي قراءة الكتب المقدَّسة. فمتى نترك الربَّ يبنينا بكلمته؟ ولماذا نريد أن نبني نفوسنا بنفوسنا فيكون بناؤنا على الرمل. وحين يأتي المطر والرياح يسقط بناؤنا؟ نحن نبني حياتنا على أساس الرسل، ويكون حجر الزاوية يسوع المسيح. وهذا العمل يكون بالإصغاء في الصلاة، في الغرق في كلام الله الذي هو "حياة حياتنا". وعنده نتذكَّر كلام خوري آرس إذا أردنا لرسالتنا أن تنجح ولرعيَّتنا أن تزدهر. فالحيُّ يعطي الحياة. والكاهن الذي يعيش الحياة الروحيَّة ينقلها إلى المؤمنين. فماذا ننتظر، نحن كهنة الربِّ، للانطلاق في مسيرة جعلت من شاول ذاك الفرّيسيّ، بولس عبد يسوع المسيح، ومن سمعان ذاك الخائف، بطرس الذي هو صخرة، ومن كاهن "جاهل" أرسل إلى آرس القرية المغمورة، فصار القدّيس يوحنّا ماري فيانّاي، شفيع الكهنة في العالم، والحيّ في ما بيننا بعد مئة وخمسين سنة على وفاته؟