اقترب الملكوت، اشفوا المرضى

 

حين أرسل يسوع الاثني عشر، أرسلهم إلى الخراف الضالَّة، وأطلقهم في الطرقات لكي يحملوا البشارة، لكي ينشروا الإنجيل. قال: اقترب ملكوت السماوات، اشفوا المرضى (مت 10: 7). علامة الملكوت الاهتمام بالمرضى، في زمن يسوع، في زمن الرسل، وفي زماننا نحن كهنة المسيح الذين تسلَّمنا الشعلة في ظلام هذا العالم. تلك كانت العلامة التي أعطاها يسوع لتلميذَي يوحنّا المعمدان اللذين أتيا يسألان: "هل أنت هو الآتي، أم ننتظر آخر؟" (مت 11: 3). وكان جواب يسوع واضحًا للحاضرين: اسمعوا، انظروا. ماذا يسمعون؟ كلمة الحنان. ماذا ينظرون؟ العميان يبصرون، العرج يمشون، البرص يطهَّرون، الصمُّ يسمعون، الموتى يقومون (آ5). ويسمعون بشكل خاصٍّ ردًّا هائلاً من قبل الربِّ للذين لم يرضوا عن تصرُّفاته: "ما جئت من أجل الأصحَّاء، بل من أجل المرضى". قال: "لا يحتاج الأصحّاء إلى طبيب، بل المرضى، ما جئت لأدعو الأبرار، بل الخطأة" (مر 2: 17).

فالمسيح هو مثال الكاهن في اهتمامه بالمرضى. أعطيَ القدِّيسون أن يشفوا، أمّا خادم الرعيَّة، فيحمل شفاء من نوع آخر: حضوره مع القربان المقدَّس. كلامه المنطلق من كلام الربّ. حنانه الشبيه بحنان من قال لتلك النازفة: "ثقي يا ابنتي، إيمانك شفاك" (مت 9: 22).

*  *  *

ما إن أورد إنجيل متّى ما يُدعى "إنجيل الطفولة"، وتحدَّث عن عماد الربِّ والتجربة في البرِّيَّة، حتّى أعطانا ملخَّصًا عن برنامج يسوع أحاط بعظة الجبل (ف 5-7) وبعشر معجزات (ف 8-9)، وهكذا دلَّ على قدرة الربِّ في أقواله وفي أعماله، أنهى "العظة" التي بدأت: "هنيئًا للمساكين في الروح، لأنَّ لهم ملكوت السماوات" (5: 3). واختتمه بمثل البيتين (مت 7: 24-27). بالنسبة إلى الأقوال، قال الإنجيليّ: "ولمّا أتمَّ يسوع هذا الكلام، تعجَّبت الجموع من تعليمه، لأنَّه كان يعلِّمهم مثل من له سلطان، لا مثل معلِّمي الشريعة" (آ28-29). نلاحظ هنا سلطان الكلمة التي حملها يسوع، ويحملها الكاهن (والمؤمن والمؤمنة) باسم الربّ. هذه الكلمة تدخل إلى القلوب فتبدِّلها، وتدخل إلى الأجساد فتشفيها.

قبل بداية عظة الجبل، نقرأ: "وكان يسوع يسير في أنجاء الجليل، يعلِّم في المجامع، ويُعلن إنجيل الملكوت، ويشفي الناس من كلِّ مرض وداء" (مت 4: 23). هكذا فعل يسوع. وهكذا يفعل الكاهن. يزور الرعيَّة بيتًا بيتًا، فهو "أبونا" والأب يزور أولاده، يتفقَّدهم واحدًا واحدًا. وخصوصًا المرضى الذين يحتاجون إلى من يكون بقربهم فيشجِّعهم، والحزانى لكي يعزِّيهم ويدعوهم إلى الرجاء. والمهمَّشين لئلاَّ يحسُّوا أنَّ لا أحد يهتمُّ بهم يدلُّهم على الآب السماويّ الذي يهتمُّ "بطيور السماء" (مت 6: 26) و"زنابق الحقل" (آ28).

*  *  *

قال الإنجيل: "في أنحاء الجليل". منطقة واسعة يُطلَب من الأسقف أن يزورها لكي يعرف خرافه وتعرفه خرافه، فلا نلتقي به إلاَّ في مناسبات خاصَّة خاصَّة. وهكذا ننسى كلام بولس الرسول: لا أطلب ما لكم، بل أطلبكم أنتم. فالراعي يطلب الخراف، ويهتمُّ بالضعيفة والمريضة والمكسورة. ولا يطلب شيئًا آخر ممّا يطلبه أهل هذه الدنيا. وأمّا الكاهن فتكون زياراته في رعيَّته، بيتًا بيتًا، بحيث يختار هذا البيت ويترك ذاك لألف سبب وسبب. أذكر خبرة عشتها في رعيَّة كنتُ أخدمها. قيل لي: هذا البيت مشبوه. الأفضل أن لا تزوره. فأطعت ذلك الصوت البشريّ. ولكنَّ صوتَ الله جاءني في الليل ووبَّخني "أنا الفرِّيسيّ" لأنِّي حسبتُ نفسي غير هذا العشّار (لو 18: 12)، غير هذا الرجل والمرأة اللذين لا أولاد لهما. ندمتُ. عدتُ إلى نفسي. وفي اليوم التالي زرت ذلك البيت. ومع أنِّي زرت ألفَيْ بيت لا أتذكر سوى تلك الزيارة التي علَّمتني الكثير. فالرجل اسمه "زكّا" أي النقيّ والمنتصر. والمرأة اسمها زكيَّة. وكما اعترف زكّا أمام يسوع اعترافًا علنيًّا، كذلك فعل هذا الرجل ومثله فعلت امرأته، أحسستُ بنفسي صغيرًا، صغيرًا أمام هذه النفوس الكبيرة. "اليوم حلَّ الخلاص بهذا البيت، لأنَّ هذا الرجل (وهذه المرأة) هو أيضًا من أبناء إبراهيم" (لو 19: 10). حسبتُ هذا البيت بيت الهالكين، فإذا هو بيت الخلاص للكاهن وللذين زارهم.

والكاهن (والأسقف أيضًا) يزور من يستحقُّون الزيارة: أصحاب الشأن، الأغنياء، المتنفِّذين والذين لنا معهم مصلحة، ونترك الباقين: الفقراء، الودعاء، المتواضعين، مع أنَّ الربَّ قال: "المساكين يبشَّرون". والويل لمن يحسب نفسه من فئة رفيعة في الرعيَّة بحيث يستحقُّ زيارة الأسقف أو الكاهن. فيا ليتنا نتذكَّر كلام الرسول: "الله اختار ما يعتبره العالم حماقة ليخزي الحكماء. وما يعتبره العالم ضعفًا ليخزي الأقوياء. واختار ما يحتقره العالم ويزدريه ويظنُّه لا شيء ليُزيل ما ظنَّه العالم شيئًا" (1 كو 2: 27-28). هل يزور الكهنة هذه البيوت الفقيرة؟ أذكر أنِّي مرَّة زرت بيتًا، فقيرًا فقيرًا، بحيث لم يكن عنده كرسي يجلس عليها ضيفه. كدتُ أجلس على الأرض مثلهم، ولكنَّهم لم يقبلوا. فأتوا بكرسي من عند الجيران. ولا يمكن أن نتصوَّر فرح ربِّ البيت. وقال لي: منذ سبعين سنة لم يدخل كاهن بيتي، لأنِّي أعرف أنِّي فقير ولا أستطيع أن أقوم بواجبه... هو يأتي إلى الكنيسة، يقف في زاوية ولا من يسأل عنه. اعتاد أن يأتي إلى القدَّاس ويعتبر نفسه أنَّه لا شيء.

*  *  *

كان يسوع يمرُّ على المرضى ويشفيهم "فتتبعه جموع كبيرة..." (مت 4: 25). زار حماة بطرس فوجدها طريحة الفراش بالحمَّى فلمس يدها، فتركتها الحمَّى، فقامت وأخذت تخدمه" (مت 8: 14-15). هذا "الكاهن" لا يخاف من العدوى، ولا يبتعد عن المرضى لأنَّه يشمئزُّ منهم. ولا نقول شيئًا عن المعاقين. كان باستطاعته أن يبقى بعيدًا ويشفيها بكلمة وهو عند عتبة الباب. لم يفعل ذلك. اقترب، "لمس يدها" (آ15). هي لمسة الحنان والبركة. مرَّات يطلب منّا الناس أن نصلِّي على رأسهم أو على رأس ولدهم. نحن لا نتنازل. لباسنا، هندامنا، صحَّتنا... الناس يؤمنون بيدنا التي هي امتداد ليد يسوع، أمّا نحن، أو أقلَّه بعضنا، فيعتبر أنَّ هذه أمور سحريَّة. وفي أيِّ حال، مهما كان اعتبارنا، فلمسة الحنان تملأ قلب الإنسان، وخاصَّة ذاك الذي يُترَك فلا يهتمُّ به أحد.

ونودُّ أن نرافق يسوع إلى البرِّيَّة. هناك يقيم الأبرص ومعه جرس ينبِّه المقتربين من المكان: نجس، نجس. لا فقط: مريض، مريض ويمكن أن تمرضوا إن اقتربتم من هنا. من يجسر أن يمضي إلى هناك؟ يسوع مضى. وما اكتفى بأن يكلِّم هذا الأبرص من بعيد وهو يخاف منه! بل نظر إليه نظرة المحبَّة. اقترب منه. وأخيرًا "مدَّ يده ولمسه" (مت 8: 3). يا للمصيبة! تنجَّس! ولكن من هو الطهارة بالذات، صيَّر النجس طاهرًا وأرسله إلى الهيكل لكي يُريَ نفسه للكاهن ويقدِّم القربان الذي أَمرَ به موسى (آ4). لمس يسوع الأبرص، فهل انتقل البرص إليه؟ ومتى كان المرض يؤثِّر على معطي الصحَّة والحياة؟ ويقول الإنجيل: "طهُرَ برصه في الحال" (آ3). هنا نتذكَّر قائد جيش أرام الذي جاء يطلب الشفاء. أرسله إليشاع النبيّ فارتمى في مياه الأردنِّ سبع مرَّات. والنتيجة: "تعافى لحمُه وصار كلحم طفل وطهُر" (2 مل 5: 14). إذا كانت مياه الأردنِّ فعلت هذا الفعل بناء على كلمة إليشاع، فماذا يفعل يسوع لهذا الأبرص؟ صار إنسانًا جديدًا. أعاده إلى جماعة الصلاة. وهكذا عاد "إنسانًا" لا "طريدة" تُلاحَقُ في البرِّيَّة.

إلى المرضى أرسل يسوع تلاميذه، "فخرجوا يدعون الناس إلى التوبة، وطردوا كثيرًا من الشياطين، ودهنوا بالزيت كثيرًا من المرضى فشفوهم" (مر 6: 12). في خطوة أولى هي دعوة إلى التوبة. كان اليهود يعتبرون، خطأ أنَّ المرض هو عقاب الخطيئة. ومن المؤسف أن تكون هذه العادة متفشِّية بعدُ عندنا. لهذا، كان اليهوديُّ يبدأ فيطلب مغفرة خطاياه وبعد ذلك يمضي إلى الطبيب. قال يشوع بن سيراخ: "أكرم الطبيب لأجل فوائده" (38: 1). ولكن قبل ذلك: "عُدْ عن ذنوبك واعمل الحقّ. وطهِّر قلبك من كلِّ خطيئة" (آ10). بعد التوبة يأتي الشفاء. ولكن نحن لا ننسى أنَّ المرض هو مناسبة العودة إلى الله. يحسُّ الإنسان بضعفه. أمّا إذا كان في ملء الصحَّة، فيترفَّع حتَّى على الربّ. هذا يعني أنَّ الكاهن لا يأتيه من فوق، بل يكون قلبه مليئًا بالحنان، فيشبهُ أقلَّه السامريَّ الصالح. حين رأى الجريح، لم يقسِّ قلبه مثل الكاهن واللاويّ لأنَّهما في صحَّة جيِّدة، بل "تحرَّكت أحشاؤه"، كما الأمُّ تتألَّم حين ترى ابنها مريضًا. فإذا لم يكن الكاهن الأب والأمَّ، ماذا يفترق عن موظَّف في دائرة رسميَّة: يقوم بما يُطلَب منه من عمل ويأخذ أجرته.

قال لنا الرسول: ابكوا مع الباكين وافرحوا مع الفرحين (رو 12: 13). هكذا يكون الكاهن. أما هكذا فعل يسوع عند قبر لعازر؟ رأى الناس يبكون على هذا "الشابّ" فتساقط الدمعُ من عينيه. فقال الحاضرون: "انظروا كما كان يحبُّه" (يو 11: 36). فمحبَّة يسوع ينبوع محبَّتنا للذين أرسلنا إليهم. نتذكَّر وجع بولس حين أتاه أبفروديتس ومرض لديه: "كان مريضًا جدًّا حتَّى أشرف على الموت، ولكنَّ الله ترأَّف به وبي أنا أيضًا، لئلاَّ أزداد حزنًا على حزن" (فل 2: 27). قيل لي عن أحد الكهنة إنَّه كان يتألَّم مع الذين يفقدون أولادهم وكأنَّهم أهله وأقاربه. يا لها من شهادة رائعة لا ينساها الناس! وبولس الرسول الذي اعتاد أن يحمل همَّ الكنائس وهمَّ المؤمنين، قال لجماعة كورنتوس: "من يضعف ولا أضعف أنا، ومن يقع في الخطيئة وأنا لا أحترق من الحزن عليه" (2 كو 11: 29).

*  *  *

كنت مرَّة أزور بيوت الرعيَّة. وسألني شابّ: يا أبتِ، أرى أنَّك تفضِّل بيتًا على بيت. فأنت ما زرتنا منذ أشهر، أمَّا جارتنا فتزورها كلَّ أسبوع أو أسبوعين. فرحتُ بهذا السؤال الصريح، لأنِّي أفضِّله على كلام في غياب الكاهن يتبعه افتراء. أمّا المرأة فكان اسمها "نعجة". هذا يفهمكم كم كان عمرها. ولماذا يزورها الكاهن مرارًا؟ لأنَّها كانت عجوزًا ومريضة جدًّا، فكنت آخذ لها المناولة كلَّ مرَّة تطلبها وتسنح لي الفرصة. وقلت لذلك الشابّ: المرضى هم حصَّة الكاهن كما كانوا حصَّة المسيح. نمرُّ عندهم. نصلِّي معهم. نقرأ مقطعًا من الإنجيل. نشجِّعهم على تحمُّل مرضهم بإيمان مترجِّين كلَّ قوَّة من الربّ. وفي الرعايا الكبيرة، هناك استمارة باسم كلِّ مريض، بحيث لا ننسى أحدًا، من زيارة أو مناولة أو ربَّما اعتراف.

أخبرني مرَّة أحد المرضى أنَّه يجدِّف على الربّ. فقلتُ له: أمامك طريقان. إمّا تفعل مثل الملك حزقيَّا "الذي أدار وجهه إلى الحائط" (إش 38: 2). هو صلَّى، أمّا أنت فتستطيع أن تضرب رأسك بالحائط إلى أن تكسر الحائط أو... وتجدِّف قدر ما تشاء لأنَّ الربَّ أرسل إليك هذا المرض، وكأنَّ لا أحد أمامه يضربه سواك. والطريق الثانية، تعرف فيها أنَّك إنسان، والإنسان يضعف، يمرض، ينعطب، يتوجَّع، فتقول للربّ: صليبي ثقيل ولا أستطيع وحدي أن أحمله. هلاَّ تساعدني! ونتذكَّر كلام بولس: ما من تجربة تأتي علينا وتفوق قوانا. فالله يعطينا دومًا مخرجًا من التجربة. هل نؤمن بهذا؟ هل نقبل بكلام الربّ: من أراد أن يتبعني يكفر بنفسه ويحمل صليبه كلَّ يوم ويتبعني. يمكن أن ييأس الإنسان فيزداد وجعه وجعًا، ويمكن أن ينفتح على الله فيحمله الله ويحمل صليبه معه. القدِّيسة رفقة علَّمتنا الكثير حين طلبت من يسوع أن تشاركه في آلامه. لا يمكن أن يبقى "الحبيب" وحده. وما أنار قلب هذه القدِّيسة كلام بولس الرسول: "أكمِّل في جسدي ما ينقص من آلام المسيح، لأجل جسده الذي هو الكنيسة" (كو 1: 24).

هي ما شفيَتْ بالرغم من قداستها، ولا اشتكت إلى الله لأنَّه يعاملها بقساوة. ومثلها برناديت التي ظهرت عليها العذراء في لورد في فرنسا. كانت صبيَّة، ومرضت مرض عضال. قيل لها: لماذا لا تطلبين من مريم أن تشفيك؟ أجابت: هي تعرف إرادة الربِّ أكثر منِّي. أمّا أنا فلا أطلب شيئًا. وروَتْ سيِّدة اعتادت أن تمضي كلَّ سنة إلى لورد. حدَّثت أحد الكهنة: انظر، كلَّ سنة آتي إلى لورد وأطلب من العذراء أن تشفيني وهو لا تستجيب لي. قال لها الكاهن: وهل أنت "زعلانة" من مريم؟ أجابت: كلاّ. ومن "يزعل" من أمِّه؟ وهل سوف تأتين كلَّ سنة إلى لورد؟ وكان جوابها بلا شكّ. مع أنَّك ما شفيتِ! قالت: أنت يا أبتِ لا تعرف الفرح الذي أحسُّ به حين آتي إلى لورد. ربَّما لو شفيتُ لن آتي أيضًا.

وماذا نقول عن خبراتنا ككهنة في زيارات المرضى، وكم نتعلَّم منهم. في إحدى الرعايا، كانت امرأة تمشي بواسطة عكّازين. بصعوبة ولكنَّها كانت تتدبَّر أمرها. اعتدتُ أن أزورها مرَّة في الشهر وآخذ لها القربان المقدَّس. ولكن قبل زيارتي ببضعة أيّام، وقعت وكسرت يدها. إذًا، لا مجال لها بعدُ أن تتحرَّك. سُمِّرت على الفراش. وأخذتُ أفكِّر ماذا أقول لها لكي أشجِّعها، أعيد إليها القليل من الفرح. وكم كانت دهشتي عظيمة حين كلَّمتني هي قبل أن أستطيع أن أقول كلمة واحدة... وتلك المريضة بالسرطان التي تنتظر أيّامها الأخيرة.

*  *  *

حين نقرأ الأناجيل تستوقفنا المَشاهد التي فيها يلتقي يسوع بالمرضى. هذه المرأة المنحنية الظهر الذي يكاد فمها يلامس الأرض. هي ما عادت إنسانًا من الناس. لمسة واحدة، كانت كافية لكي تنتصب وتقوم في الحال وتمجِّد الله (لو 13: 13). هو المعنى المادِّيّ. والمعنى الروحيّ هامٌّ جدًّا. كلمة واحدة من الكاهن. القربان الذي تتناوله، كانت "مربوطة" فحُلَّت من رباطها (آ16) ويا ما أكثر الذين يشبهونها. وذلك الرجل الذي يحتاج إلى أن يشرب ويشرب بسبب مرض ألمَّ به. ماذا فعل يسوع؟ "أخذه بيده" (لو 14: 4). هل يشفيه يوم السبت، كما قال الكتبة والفرِّيسيّون؟ "شفاه وصرفه". وتألَّم يسوع مع ذلك الأب الذي لم يستطعْ أحد أن يشفي له ابنه. سأله يسوع: أتؤمن؟ وجاءت الصرخة من أعماق أحشائه. أؤمن. ولكن إيماني ضعيف، فأعنْ قلَّة إيماني. وتلك النازفة. هي مريضة. هي نجسة. هل يحقُّ لها أن تلمس يسوع؟ هي تنجِّسه! اكتفت بأن تلمس طرف ثوبه. دعاها يسوع إلى الوسط. لا، لم تعد مريضة. لم تعد نجسة. "إيمانك شفاك". وصاحب اليد اليابسة. وقال لوقا: يده اليمنى. إنَّه لا يستطيع أن يعمل ليعيل أهل بيته. ونلاحظ قساوة القلوب لدى الحاضرين. هو مريض ليبقَ كذلك! لا. فيسوع لا يستطيع أن ينتظر. "مُدَّ يدك". مدَّها فاستقامت مثل أختها.

ما أجمل الكاهن يعرف حالاً بأنَّ أحد أبناء (أو: بنات) الرعيَّة مريض. هو أوَّل من يكون حاضرًا. يزوره. يكون بقربه. لا يكثر الأسئلة لكي يتبعه. إن سأل المريض يجيبه بدون أن "يعظه" ويطوِّل له العظة: احتملْ، تألَّمْ. هكذا تربح السماء! وهناك كهنة يعتبرون نفوسهم أفهم من الطبيب الذي لم يعرف الدواء الملائم. زيارة المريض ذات وجهين: أو تجعل الكاهن محبوبًا فيطلب الأهل زيارة ثانية. أو تجعله مكروهًا فيتمنَّى المريض أن يمضي بسرعة ولا يعود. كلُّنا نتذكَّر أصدقاء أيُّوب، الذين تكلَّموا وتكلَّموا، فقال لهم أيُّوب وهو مريض، يائس: "يا ما سمعتُ مثل هذا الكلام، وكم تُتعبني تعزيتكم! أما للكلام الفارغ نهاية؟... لو كنتم مكاني لتكلَّمتُ كلامكم، ونمَّقته وهززتُ عليكم رأسي..." (أي 16: 2-4).

 

الخاتمة

الكاهن وزيارة المرضى. رسالة وما أرفعها رسالة! عملٌ وما أدقَّه عمل! الأب يزور ابنه، ابنته. ويكون مثله قلب أمٍّ على مثال ذاك الوالد الذي استقبل ابنه العائد إليه. الحنان لا الشفقة. نتألَّم مع المتألِّم ولا نحسب نفوسنا فوق الألم. قال أيّوب: لو كنتم مكاني! أنا الكاهن أجعل نفسي مكان المريض فتتغيَّر لهجتي، بل نظرتي إلى ذاك المُلقى على الفراش. كلُّ إنسان محتاج إلى شفاء، والربُّ يرسلني أنا الكاهن، لا لأحلَّ محلَّ الطبيب، بل لأواصل عمل المسيح فأكون مريضًا بجانب المريض، وبائسًا بجانب البائس، وأكون كلاًّ للكلِّ لأربح أكبر عدد ممكن. ابن طيما تبع يسوع حين دعاه، وغيره وغيره. ونحن إن لم نقدر أن نعطي شفاء الجسد، فبإمكاننا أن نبلسم القلوب ونأتي بها إلى يسوع فيكون المرض مناسبة صرخة إيمان يردُّ عليها الربُّ بطريقة لا يعلمها إلاَّ هو. وأكون أنا شاهدًا لما حصل مثل صديق العريس الذي "يصغي فرحًا لهتاف العريس" (يو 3: 29).