صورة الراعي

 

حين نقرأ ما تركه أفرام السريانيُّ من أناشيد، نكتشف اللاهوتيَّ الذي يدخلنا في سرِّ الله، فيجمع بين الكلام والصمت، بين الاقتراب والابتعاد، لأنَّه يعرف أنَّ ذاك الذي يحيط بالجميع، لا يستطيع إنسان أن يحيط به، فيكتفي بالهمس والتمتمة مثل طفل في حضن أمِّه. ونكتشف أيضًا خبرة رعائيَّة أخذها في رفقة أساقفة المدينة. فذاك الذي لم يكن أسقفًا ولا كاهنًا، بل لبث شمَّاسًا بشكل خاصٍّ في مدينة نصيبين، تحدَّث عن الراعي، سواء كان أسقفًا أو كاهنًا، كما القليلون الذين نعرف. فنظرته كنسيَّة في الدرجة الأولى، وهو يفرح بأن يكون الخادم بجانب الأساقفة، على مثال ما كان السبعة قرب الرسل الاثني عشر. إسطفانس، فيلبُّس وغيرهما تسلَّموا خدمة الموائد، من أمور معيشيَّة وكلمة الله. ومثلهم أراد أفرام أن يكون وها نحن نرافقه لنتعرَّف إلى الصورة التي رسمها عن الراعي في أيّامه، فتصلح للراعي في أيّامنا، لأنَّ كلامه ينطلق من الكتب المقدَّسة. نتعرَّف إلى الأساقفة الذين عاصرهم أفرام. ثلاثة كانوا بحسب قلب الربِّ، فتاجروا بالوزنات خير متاجرة. فاستحقُّوا تهنئة الربِّ. أمّا الرابع فبدا مثل أسقف لاودكيَّة (رؤ 3: 14-16) في فتوره فاحتاج إلى تشجيع من أفرام.

  1. أسافقة ثلاثة

كرَّس أفرام السريانيُّ عددًا من أناشيد نصيبين للكلام عن ثلاثة أساقفة توالوا على رئاسة هذه المدينة. الأوَّل يعقوب أو القدّيس يعقوب الذي حضر مجمع نيقية سنة 325 برفقة أفرام، وربَّما لعب دورًا في نقل الإنجيل إلى أرمينيا. الثاني بابو الذي عايش حصار المدينة الثاني على يد الفرس سنة 346. والثالث ولچش الذي رأى محاولة يوليان الجاحد (331-363) بأن يعود إلى الوثنيَّة.

النشيد الثالث عشر يعلن في الردَّة: لك المجد يا من اخترتهم. وها نحن نقدِّم الأبيات الثلاثة الأولى:

1       ثلاثة كهنة مشهورين على مثال النيِّرين

تعاقبوا وسلَّموا الواحد إلى الآخر الكرسي واليد والرعيَّة

بكينا اثنين كثيرًا والأخير كان كلُّه عزاء.

هذا يعني أنَّ أفرام أنشد هذه القصيدة بعد موت يعقوب وبابو، وكان ولچش بعدُ حيًّا. بدوا مثل النيِّرَين المذكورَين في سفر التكوين (1: 16)، أي الشمس والقمر، وهكذا كانت المدينة في نور دائم فما عرفت الظلمة.

2       فالذي خلق النيِّرَين اختار لنفسه ثلاث منارات

وثبَّتهم في ظلمات ثلاث محبوسة

انطفأت منارتان اثنتان والأخير كلُّه شعاع.

3       ثلاثة كهنة قهارمة متمسِّكين بالحقيقة

بمفتاح الثالوث فتحوا لنا أبوابًا ثلاثة

كلُّ واحد منهم فتح في زمانه بابه.

والنشيد الرابع عشر أعلن في الردَّة: مبارك من اختارهم ثلاثتهم

1       أمام ثلاث رعاة أُجراء كثيرون

لأمٍّ واحدة في المدينة (نصيبين) بناتٌ في كلِّ الأقطار

خرَّبَ الغضبُ ديارها، ليبنِ السلامُ كنائسها.

أ‌-     يعقوب الأسقف الوديع

في هذه الأناشيد، ما فصل أفرام أسقفًا عن الآخر، فتحدَّث عن يعقوب، الذي هو الأوَّل (ق د م ي ا). ثمَّ عن بابو الذي هو في الوسط (م ص ع ي). والأخير (ا ح ر ن ا) هو ولچش. ونبدأ مع يعقوب الذي عُرف بوداعته وقساوته، على ما نقرأ في النشيد الرابع عشر وموضوعه نصيبين التي رافقها يعقوب طفلة، وبابو صبيَّة، وولچش ناضجة.

17 هذه الابنة التي تربَّت فصعدت درجة درجة

مع آبائها الذين ربُّوها. كانت طفلة مع الأوَّل،

وصبيَّة مع الثاني ومكمَّلة مع الثالث.

18     الأوَّل أحبَّها مثل طفلة وعلَّمها المخافة

الثاني وبَّخها مثل صبيَّة وملأ قلبها بالفرح

والأخير كان لها الراحة والعذوبة مثل متعلِّمة.

19     هكذا فعل العليُّ لابنة (الأسقف) يعقوب

الملاطفة والقضيب في طفولتها.

وضمَّ السيف إلى الناموس لوقاحتها وصباها

ومثل مؤدَّبة ومتعلِّمة أتى إليها راحةً وعذوبة.

20     الأوَّل ولد الرعيَّة وحمل طفولتها في حضنه

والثاني بوجهه البهيج أنشد صباها وأفرحها

والأخير بوجهه الوقور جعل شبابها عفافًا.

21     الكاهن الأوَّل الذي ولدها، وهب الحليب لطفولتها

والكاهن الثاني فسَّر (لها الكتب) ووهب الطعام لصباها

والكاهن الثالث غذّاها ووهب الأكل لنضوجها.

22     كان الأبُ الأوَّل مُجدًّا فوضع الكنوز لطفولتها

والأب الثاني أكثر الزادَ المؤدِّبَ لشبابها

والأب الثالث أكثر الزيت في أوانيها، عطرًا كريمًا.

23     حين بلغت إلى الغنيِّ أرته كنز الأوَّل

حين بلغت إلى المخلِّص أرته مخلَّصي الثاني

وحين خرجت للقاء الختن (العريس) أرته زيتَ الأنوار.

24     قدَّام مثيب التعبين قرَّبتْ عمل الأوَّل

قدَّام محبِّ الواهبين قرَّبت صدقة الثاني

قدَّام ديّان التعاليم (أو: المعلِّمين) قرَّبت تدريس الأخير.

بهذه الطريقة تحدَّث أفرام السريانيّ عن يعقوب الذي هو الأوَّل (ق د م ي ا). على يده وُلدت نصيبين إلى الإيمان، فكان أباها. غذّاها كما تغذِّي الأمُّ أولادها، حملها على ركبتيه فكانت بمثابة طفلة له. هنا نتذكَّر علاقة بولس الرسول بالكورنثيّين: بدأ معهم باللبن لأنَّهم كانوا بعدُ أطفالاً (1 كو 3: 2). وبدا الأسقف هنا في خطِّ هوشع النبيِّ الذي تحدَّث عن الله في علاقته مع شعبه بكلام ملؤه الحنان. قال الربُّ: "أنا الذي علَّمهم المشي وحملهم على ذراعه... كنتُ لهم كأبٍ يرفع طفلاً على ذراعه ويحنو عليهم ويطعمهم" (هو 11: 3-4). تلك هي طريقة الراعي التي يعتبر أولاد الرعيَّة أولاده. والرسول يقول: وإن كان لكم معلِّمون كثيرون، فما لكم آباء كثيرون، لأنِّي أنا الذي ولدكم في المسيح يسوع بالبشارة التي حملتُها إليكم" (1 كو 4: 15).

تلك هي الوداعة التي يتحلَّى بها الراعي، واللطافة التي تُعلِّمه كيف يتعامل مع الذين يهتمُّ بهم. ولكنَّ هذه اللطافة لا تعني الضعف. فمع الملاطفة (ش ا ل) هناك القضيب (ش ب ط ا). تلك كانت لهجة الرسول مع المؤمنين: "أيُّما تفضِّلون؟ أن أجيء إليكم بالعصا أم بالمحبَّة وروح الوداعة؟" (1 كو 4: 21). لهذا جاءت ألفاظ مثل "تربية"، "تأديب". فالأب مسؤول عن أولاده وهو يؤدِّبهم كما تقول الرسالة إلى العبرانيّين.

كان يعقوب "الكاهن" والكاهن الأوَّل في نصيبين. عمله عمل الفلاّح في كرمته. قال عنه أفرام:

الكاهن الأوَّل فلحها فنمت أغصانها في السماء

ها هو مائت ومقبور في داخلها وهو ثمرة في حضنها.

لهذا حين أتى المدمِّرون حفظها الثمر الذي في داخلها (13/19).

هدَّد الربُّ كرمته إن هي لا تعطي ثمرًا. والراعي يزرع في قلب رعيَّته المخافة لا من شخصه، بل من الله. وهكذا نقرأ النشيد السادس عشر:

17     في الوقاحة ودرجة الطفولة كان لي مربِّيًا بالمخافة

قضيبه زجرني من التلهِّي وارتعاده من الضلال

ومخافته من الشهوات.

18     حين تجاوزتُ درجة الطفولة والصبا

عبرتِ الرعدة أوَّلاً، عبر الخوف ثانيًا

ووهب لي راعيًا عذبًا.

ب‌-بابو صاحب العزيمة

ثمَّ تحدَّث أفرام عن بابو الذي اهتمَّ "بتربية" الكنيسة. يبدو أنَّه كان قاسيًا "فضمَّ السيف إلى الناموس" بسبب "الوقاحة" والسفاهة في المدينة. اتَّخذ إجراءات قاسية ضدَّ البعض فبان شبيهًا ببولس الرسول حين قبلت الجماعة بزانٍ يعاشر زوجة أبيه، بل "افتخرت" به، فدعاهم "لكي يزيلوا من ارتكب هذا الفعل" (1 كو 5: 1-2).

اشتكت "الكنيسة" فقالت في النشيد السادس عشر، البيت الثامن عشر: "كان قاسيًا بقدر ما لبثتُ طفلة (أو أظهرتُ خفَّة). ولكنَّه بدا متواضعًا حين أظهرتُ فطنة الشيوخ". لماذا هذه القساوة؟ يبدو أنَّ بدعة أريوس تسلَّلت إلى نصيبين فأجبر الأسقف على محاربتها. فهل يترك الراعي اللصوص يدخلون إلى الحظيرة؟ وهل يتراخى مع الخراف الذين يضيِّعون مراعيهم ويبحثون عن أجير يتاجر بهم ويتركون ذاك الذي يبذل حياته من أجلهم؟ وما تميَّز به بابو هو غيرته لافتداء الأسرى. ونقرأ النشيد الرابع عشر أيضًا:

1       الكاهن الأوَّل (يعقوب) بواسطة الصوم، أغلق باب الأفواه

والكاهن الثاني (بابو) فتح أفواه أكياس (الفضَّة) للمسبيّين.

والكاهن الثالث فتح الآذان ورمى فيها زينة الحياة.

وسبق وقرأنا البيت 23 حيث يقدر بابو أن ينال جزاء العبد الصالح حين يقدِّم للمخلِّص هؤلاء الذين خلَّصهم من السجون. وقال أفرام الشيء عينه عن بابو في 19/16:

الكاهن يعقوب الزاهر أزهرت الكنيسة معه،

لأنَّه ضمَّ الحبَّ إلى الغيرة، وارتدى المخافة معطفًا والحبَّ.

مع بابو أحبَّت الصدقات وبالفضَّة افتدت الأسرى

مع ولچش فتحت قلبها للكتب، لكتاب الشريعة.

بك (يا ربّ) تكثر لها المساعدات، مبارك من عظَّم تجَّارها!

ج- ولچش

وهكذا نصل إلى الأسقف الثالث، ولچش الذي حمل إلى نصيبين "الراحة والعذوبة" أو "الطمأنينة والفرح". اشتهر هذا الكاهن – الأسقف بالتعليم الذي بدأه حين كان متوحِّدًا على الجبل القريب من نصيبين. دعاه أفرام "كنز المزايا والصفات الحسنة"، وتحدَّث عنه كعارف بالكتب المقدَّسة وشريعة الله. أما هذا الذي طلبه بولس من تلميذه تيموتاوس؟ قال: "فأنت (يا تيموتاوس) منذ طفولتك عرفتَ الكتب المقدَّسة القادرة على شأن تزوِّدك بالحكمة التي تهدي إلى الخلاص في الإيمان بالمسيح يسوع" (2 تم 3: 15). هكذا كان ولچش الذي ما اكتفى بأن يعطي الكنيسة اللبن والحليب، بل "غذّاها ووهب لها الطعام القويّ، لكي تصبح ناضجة، مكمَّلة. مع هذا الأسقف، كانت جماعة نصيبين برفقة العذارى الحكيمات مع "الزيت الذي يضيء السراج" للقاء العريس الآتي في نصف الليل.

وإذا كان ولچش عارفًا بالكتب المقدَّسة مثل تيموتاوس، فهو يسمع من بولس ما يجب أن يعمله أو بالأحرى ما عمله بحيث يقف أمام الديّان ويقرِّب له التعليم مع الذين علَّمهم. قال بولس: "أناشدك (يا تيموتاوس) أمام الله والمسيح يسوع الذي سيدين الأحياء والأموات، أن تبشِّر بكلام الله وتلحَّ في إعلانه بوقته أو بغير وقته، وأن توبِّخ وتنذر وتعظ صابرًا كلَّ الصبر في التعليم" (2 تم 4: 1-2).

يبدو أن ولچش عرف الصعوبات في رعيَّته، فاعتبر المؤمنون وداعته كأنَّه ضعف. هكذا كان شبيهًا بالقدّيس بولس، الذي حاول أن يدافع عن نفسه بوجه الخصوم: فالإساءة إلى الأسقف هي إساءة إلى الكنيسة وبداية دمارها. لهذا دافع أفرام عن أسقفه وكرَّس له النشيد الخامس عشر كلَّه مع الردَّة: مبارك من اختارك فخرًا لشعبنا. الأسقف هو الرأس والشعب الأعضاء، فيا ليتهم يقتدون براعيهم، في هدوئه وصفائه وعذوبته وقداسته ونقاوته، وبالحكمة في تعليمه.

1       إن لم يكن الرأس مستقيمًا ربَّما يتململ الأعضاء

فإذا كان الرأس زائغًا تبلبل توازن الأعضاء

لأنَّهم يتعلَّقون بالرأس.

2       إن كان الرأس كلُّه جمال، نعلِّق (نربط) به بشاعاتنا

فماذا يكون إذا كان بشعًا! والله نفسه وهو العذب

يلومه أهل المرارة.

عاد الشاعر إلى خبرة الربِّ مع الشعب العبرانيِّ عند مياه مارة (خر 15: 23-24). جاء اللوم على موسى وبالتالي على الله. فمرمروه بتشكِّياتهم. إذا كانوا لاموا الله، ماذا لا يفعلون مع خدَّامه؟ ويبدأ مديح الأسقف مع نداء الاقتداء به، على ما طلب الرسول من أبنائه (1 كو 11: 1):

3       أيُّها الأعضاء، اقتدوا بالرأس، اقتنوا السكون في صفائه

والعذوبة في هدوئه، وفي قداسته النقاوة

وفي حكمته التعليم.

4       اقتنوا الفطنة في رصانته، والطهارة في وقاره

والعطاء في فقره لأنَّه طيِّبٌ كلُّه

لنكن كلُّنا طيِّبين مع طيبته.

وشدَّد أفرام على صفات أسقفه:

8      هو مشهور بين الكارزين، عالم بين القارئين

متكلِّم بين الحكماء، عفيف بين إخوته

ووقور بين محبِّيه.

9      في المسكنين كان متوحِّدًا في أيّامه

قدِّيس في جسده، متوحِّد في بيته

عفيف في الخفاء وفي الجلاء.

فلماذا تتصرَّف الجماعة معه بهذه الصورة؟ لماذا نضع البلبلة حيث الاعتدال والانتظام؟ هل نريد أن نعلِّم من دعانا إلى الكمال؟ وانجلى الأفق وزالت الغيوم، بعد أن نبَّه الأسقف شعبه وأكثر من الصلاة. وعاد الهدوء إلى الكنيسة.

  1. إبراهيم تلميذ ولچش

طالت الأيَّام لولچش فتوفِّي سنة 361 أو 362 أي سنة أو سنتين قبل سقوط نصيبين بيد الفرس. فحلَّ محلَّه نائبه العامُّ إبراهيم. قال عنه أفرام: كان تلميذ الثالث (أي ولچش) فصار المعلِّمَ الرابع أو سيِّد (ربَّ) المدينة. هو الراعي ورئيس الرعيَّة (17/1). حين اختير أسقفًا فرح به أفرام، وقال فيه: "مبارك (الربُّ) الذي جعله تعزية لنا، ومع أنَّ أفرام كان شمَّاسًا، إلاَّ أنَّ كبر سنِّه سمح له بأن يعطي بعض النصائح العامَّة لهذا الأسقف الجديد. هو تلميذ ولچش فلا عليه أن ينسى هذه التلمذة. يكون صورة تامَّة لمن كان معلِّمه. شبَّه أفرام ولچش بموسى وإبراهيم بيشوع. نقرأ في سفر العدد: "فعل موسى كما أمره الربُّ. أخذ يشوع وأقامه بمحضر من إلعازار الكاهن وكلِّ الجماعة ووضع يديه عليه وأقامه خلفًا له" (27: 22-23). ونقرأ ما تركه أفرام في النشيد التاسع عشر، البيت السادس:

خدم يشوع موسى، وبدل أجر خدمته

قبل منه اليمين (وضع اليد). وأنت (يا إبراهيم) خدمتَ الشيخ الجليل

فوهب لك اليمين أيضًا. موسى سلَّم ليشوع

القطيع الذي قسَّمته الذئاب، وإليك أوكلَت الرعيَّة

الذي ربعها وثلثها مقدَّس. مبارك من زيَّن رعايتك!

كما كان تيموتاوس بعد بولس فقال له: "لذلك أنبِّهك أن تضرم الهبة التي جعلها الله لك بوضع يدي" (2 تم 1: 6)، وكما كان كيرلُّس خلفًا لأتناز في بطريركيَّة الإسكندريَّة، كان إبراهيم بالنسبة إلى ولچش. الهرطقة تغلغلت، فماذا ينتظر الأسقف الجديد ليعمل ضدَّ الزؤان؟ هل يتركه ينمو دون أن يعمل شيئًا؟

أيُّها الفلاّح، أين غيرتك على الزؤان

الذي نمت جذوره وتشابكت بين الحنطة؟

سهل عليك أن تقتلع الشوك بجذوره الضعيفة

فإن أخذ الزرع بعض الهواء يتواقح وينتصر

ثلاثة فلاّحين زرعوه فيأتي بثلاثة أشكالٍ

ثلاثين وستِّين ومئة. مبارك من يكثر غلاَّتك (20/1).

دمج أفرام مثل الزؤان في الحقل (مت 24: 25) مع مثل الزرع بغلاَّته (آ8). وتجاه صورة الراعي ها هي صورة الفلاّح الذي يصبر وينتظر ويثابر (يع 5: 7). فالرعيَّة هي "فلاحة" الله في المعنى الأصليّ، هي الحقل الذي يزرعه الله (1 كو 3: 9). ماذا ينتظر إبراهيم والزؤان ينمو بكثرة، والذئاب ملأت المدينة؟ فليقتدِ بمن سبقوه.

صُوِّر معلِّمُك (ولچش) في شخصك، تكاوينه عليك كلِّك

انفصل عنّا ولكنَّه معنا، فيك نرى الثلاثة (= الأساقفة)

المشهورين الذين انفصلوا عنّا. كن لنا سورًا مثل يعقوب

وينبوع رحمة مثل بابو، وكنز كلمات مثل ولچش

مبارك من صوَّرهم في (راعٍ) واحد! (17/11).

نلاحظ هذه الصفات المطلوبة في الراعي، أن يكون "السور" كما كان إرميا حين قال له الربُّ: "جعلتك سورًا من نحاس... فيحاربونك ولا يقوون عليك" (1: 18-19). ما قيمة الراعي الذي يخاف على نفسه وينسى أن قوَّته من الله؟ والرحمة أساسيَّة وخصوصًا في الظروف الصعبة. فالكاهن أبٌ وأمٌّ لشعبه. وأخيرًا، هو حامل الكلمة فكيف يسكت. فإن سكت شابه أولئك الرؤساء الذين تحدَّث عنهم إشعيا: هم حرَّاس هذا الشعب، "كلُّهم كلاب لا يقدرون أن ينبحوا، حالمون مضطجعون محبُّون للنوم، كلاب شرهة لا تعرف الشبع، وهم رعاة يجهلون التمييز. كلُّ واحد منهم مال إلى طريقه وسعى وراء الربح إلى النهاية" (56: 10-12).

النوم، الكسل، الخوف، البحث عن الربح، ذاك ما يهدِّد الراعي. وإبراهيم الذي دلَّ على غيرته في محاربته الأصناميَّة مع معلِّمه فاختفت مثل الدخان (18/5)، ماذا ينتظر لكي يتحرَّك.

ينبغي على الراعي الجديد أن يتفقَّد الرعيَّة بطريقة جديدة

فيعرف ما هو عددها ويرى أين هي حاجاتها

فالرعيَّة مشتراة بدم من هو عظيم الرعاة

أُدعُ القطيع باسمه وأعبرْه. فالرعيَّة كُتب اسمها

وعددها في سفر الحياة. مبارك من يتابع أعدادها (20/3).

أسلوب جديد في الرعاية. فالكاهن يتفقَّد المؤمنين. يكون لديه إحصاء، يتطلَّع إلى حاجة كلِّ واحد في القطيع، على ما قال حزقيال: الضعيفة، المريضة، المكسورة، الشاردة، المفقودة (34: 4) وصرخة الربِّ في الماضي كما اليوم: "تبعثرت من غير راعٍ وصارت مأكلاً لكلِّ وحوش البرِّيَّة" (آ5). ويتذكَّر أفرام كلام بطرس الرسول حول يسوع "عظيم الرعاة". قال للمؤمنين: "كنتم خرافًا ضالِّين فاهتديتم الآن إلى راعي نفوسكم وحارسها" (1 بط 2: 25). ودعا بطرس الشيوخ أو القسس "أن يرعوا رعيَّة الله التي في عنايتهم ويحرسوها طوعًا لا جبرًا، كما يريد الله، لا رغبةً في مكسب خسيس، بل بحماسة، ولا تتسلَّطوا على الذين هم في عنايتكم، بل كونوا قدوة للرعيَّة، ومتى ظهر راعي الرعاة تنالون إكليلاً من المجد لا يذبل" (5: 2-4). فيسوع هو "راعي الخراف العظيم" الذي يجعل الرعاة كاملين (عب 13: 20). فالرعيَّة مشتراة "بدم كريم، دم الحمل الذي لا عيب فيه ولا دنس، دم المسيح" (1 بط 1: 19). فكيف "يفرِّط" الراعي بها. ليتطلَّع إلى الراعي الصالح (يو 10: 1ي) الذي يعرف رعيَّته ويدعُ كلَّ واحد باسمه بحيث يقوده إلى المراعي الخصبة (مز 23)، فاسم كلِّ واحد مكتوب في سفر الحياة (فل 4: 3). وها هو أفرام يلحُّ على إبراهيم بأن يكون النور المضيء في خطى الربّ:

كان يوحنّا سراجًا فعرَّى النجسين ووبَّهم

فعجَّلوا وأطفأوا السراج ليرتموا في شهوتهم كما يريدون.

كن بنقاوتك قنديلاً فتتوقَّف أعمال الظلمة

فكم أنار تعليمك! فلا يتجاسر إنسان بظهوره (= التعليم)

فيخدم رغبة الظلمة. مبارك من جعلك قنديلنا!

يوحنّا المعمدان لم يخف أن يَقُل الحقيقة فكلَّفه كلامه الموت. تحدَّث عنه يسوع (يو 5: 35) وها هو أفرام يذكِّر إبراهيم بذلك السراج ويدعوه لكي يظهر تعليمه ويشرق (د ن ح)، فلا يسمح للظلمة بأن تظهر بعد. ولكن ماذا يجب على إبراهيم أن يفعل؟ ألا يرى سيطرة المال في الكنائس؟ والعادات السيِّئة؟ ثمَّ عودة الوثنيَّة بعد أن حاول أن يحييها يوليان الإمبراطور الجاحد. نقرأ النشيد 21:

7      قمْ فاخجلْ مامون (إله المال) الذي صار سيِّد حريَّتنا

ليُبطلُ منّا هذا المرض الذي اعتدنا عليه واستعذبناه

بطِّلْ (ألغِ) الغلال التي تمسك عوائد مليئة بالنقائص

اقتنانا الشرُّ فاعتدنا عليه، ليقتَنِنا الخير فنعتاد عليه

كن يا ربّ سبب مساعدتنا. مبارك من اختارك من أجل حياتنا!

صار المال سيِّدًا في الكنيسة التي فضَّلت عبادة المال على عبادة الربِّ (مت 6: 24)، فاعتاد الرعاة على تكديس الفضَّة وما تحمل معها من شرٍّ، ونسوا كلام الربِّ: "مجّانًا أخذتم، مجّانًا أعطوا" (مت 10: 8). ويتواصل الكلام في الخطِّ عينه:

8      لتُقتلَع العاداتُ الرديئة، فلا تملك الكنيسة الأموال.

لتكتفِ بأن تملك النفوس. إن هي اكتفت بها نالت إعجابنا.

والأموات لا يُقبَرون في قطع الرجاء مثل الوثنيّين

بالثياب والولولة والندب. الحيُّ يلبس القميص

أمّا الميت فكلُّه غياب. مبارك من أعادنا إلى ترابنا!

ماذا تريد الكنيسة أن تمتلك؟ النفوس (حرفيًّا: الأرواح) أم الأموال؟ قال الرسول لأهل كورنتوس: أنا لا أريد ما لكم بل أريدكم أنتم. فالكنيسة عروس خطبها الراعي للمسيح. فهي ليست ملك الكاهن. وهذا ما يفرض التجرُّد التامّ. كلَّم بولس تلميذه تيموتاوس ونبَّهه: "فما جئنا العالم ومعنا شيء، ولا نقدر أن نخرج منه ومعنا شيء. يكفينا القوت والكسوة. وأمّا الذين يطلبون الغنى فيقعون في التجربة والفخِّ وفي كثير من الشهوات العمياء المضرَّة التي تغرق الناس في الدمار والهلاك. فحبُّ المال أصلُ كلِّ شرٍّ" (1 تم 6: 7-10). وخصوصًا حين يأتي الراعي من محيط فقير، كما كان الأمر بالنسبة غلى إبراهيم.

يبدو أنَّ هذا الراعي كان شابًّا فنبَّهه أفرام كما احتاج الرسول أن ينبِّه تيموتاوس (1ذ تم 4: 12):

لا تُعطِ أذنك لكلِّ إنسان لئلاَّ يغرقك الكذّابون .

لا ترافق رِجلُك كلَّ إنسان لئلاَّ يضيِّعك النجسون.

لا تعطِ نفسك لكلِّ إنسان لئلاَّ يدوسك الوقحون.

احفظ يدك من الرقَّة ولا تلتقط بيدك الشوك.

كن بعيدًا وقريبًا، مبارك من (الربّ) هو بعيد وقريب!

تنبيه هامٌّ نسمعه من الرسول إلى أهل أفسس: "فلا نبقى أطفالاً تتقاذفهم أمواج المذاهب وتميل بهم كلُّ ريح فيخدعهم الناس ويقودونهم بالحيلة إلى الضلال" (4: 14). نلاحظ الألفاظ: د ج ل، الدجل، الكذب. ثمَّ "ز ا ف ن ا" الزيف، الكذب، الخداع. ويأتي فعل "ف ه ا": تاه، ضلَّ، فراغ. نلاحظ هذا الجوِّ الذي يعيش فيه الأسقف الذي تنقصه الخبرة. ما العمل في هذا الواقع؟ يد الرحمة تستأصل المرض.

18     العالم كلُّه مثل جسمٍ سقط في مرضٍ خطير

حمّى الوثنيَّة هاجت وكضمته فسقط.

جسَّته يمين الرحمة (مثل طبيب) عالجت نفسه بحنان

قطعت بعجلٍ الوثنيَّة التي هي سبب مرضه (العالم)

فانتفض وعرق واستعاد (صحَّته). مباركة اليد التي أفتقدته!

الخاتمة

قدَّمنا صورة عن الراعي، كما رآه أفرام من خلال أربعة أساقفة، أو كهنة كما دعاهم. كان بالإمكان أن نعطي توسُّعًا مجرَّدًا حول بضعة أفكار. ولكنَّنا فضَّلنا أن نجعل أمام الرعاة في أيّامنا وجوهًا مختلفة، ومع كلِّ وجه الموهبة الخاصَّة به. ففي نصيبين، هناك الراعي الذي يجب أن يكون مثل راعي الرعاة. والفلاّح الذي ينتبه إلى الزؤان في الحقل. هذا الراعي يكون رحيمًا مع أبناء رعيَّته لاسيَّما المسجونين والأسرى الذين يجب تحريرهم، لاسيَّما إذا كان هناك خطر بأن يفقدوا إيمانهم. وهو المعلِّم الذي يعرف الكتب المقدَّسة كما دلَّ أفرام على معرفتها فكانت الآيات تسيل بسهولة على شفتيه. الراعي لا ينام ولا يهدأ مثل الله نفسه فلا يسمح أن يتشتَّت القطيع فيكون عرضة للذئاب. أمّا الصفات التي يتحلّى بها الراعي فهي التجرُّد والعفاف والنقاوة والطهارة، وخصوصًا الغيرة على النفوس. تلك هي صورة الراعي كما رآها أفرام. هو الرئيس، هو الذي يقاتل عن الرعيَّة ويدفع عنها الأعداء. ونقول في النهاية: "هو ذاك الذي أخذه الله فجعله مثل النفس في الجسم" (17/3). فالجسم بدون النفس لا حياة فيه. وماذا تكون الرعيَّة بدون راعيها؟