يعقوب السروجيُّ الكاهن والأسقف

 

حين نسأل كاهنًا أو راهبًا أو راهبة وحتّى علمانيًّا عن فرنسيس الأسّيزيِّ ومنصور ده بول وإغناطيوس ده لويولا ودون بوسكو ودومينيك سافيو، الكلُّ يعطونا الجواب لأنَّهم قرأوا الكثير عنهم وعن سائر القدِّيسين في أوروبّا. والسبب لأنَّه منها جاء من يخبرهم بهؤلاء. ولكن حين نسأل عن فيلوكسين المنبجيّ ويعقوب السروجيّ وسويريوس الأنطاكيّ وغيرهم، لن نجد سوى القليل القليل من الذين يجدون جوابًا. فمنظِّم مؤتمر كامل عن الكهنوت يُفرد عشر دقائق للكلام عن الكهنوت في التراث السريانيّ. وأحد الرهبان يقول: ما عندنا في السريانيّ إلاَّ القدِّيس أفرام. وآخر من الرهبنات الغربيَّة يعتبر أنَّنا لا نجد شيئًا عند الموارنة. هو الجهل أوَّلاً لتراثاتنا. ثمَّ النظرة الضيّقة، فيصبح فيلوكسين هرطوقيًّا، وسويريوس اللعين، ويتساءل باحث عن أرثوذكسيَّة يعقوب السروجيّ. وحتّى أفرام لا نعرف عنه شيئًا في العمل الرعائيِّ سوى الأخبار التافهة التي تصوِّره لنا باكيًا، متذلِّلاً، لا ذاك العائش وسط الرعيَّة، يؤمِّن خروج الجميع من نصيبين قبل أن يترك المدينة، ويموت وهو يهتمُّ بمرض الوباء سنة 373.

أمّا نحن فيكون كلامنا اليوم عن يعقوب السروجيِّ، ذاك الكاهن والحبر، الذي قضى حياته قارئًا الكتاب المقدَّس، معلِّمًا كبيرًا، أبًا روحيًّا، منشدًا أجمل الأشعار بحيث ترك لنا 760 قصيدة تعدَّى بعضها الألف بيت من الشعر، هي أبعد ما ننشد في ليتورجيَّاتنا التي أَخذت من الأمور قشورها. ويأتي كلامنا في ثلاث محطَّات: العالِم والمعلِّم، الكاهن والمدبِّر، الأب الروحيّ.

  1. العالِم والمعلِّم

حين دوَّن ميخائيل السريانيّ الكبير (1126-1199) التاريخ الكنسيَّ، تحدَّث عن يعقوب السروجيَّ فقال: "وفي ذلك الوقت، عُرف المعلِّم الشهير يعقوب الذي كان أسقف بطنان سروج. تقبَّل موهبة التعليم الصحيح، من مسكن الروح القدس، لا من الدرس مع الناس. كان برديوط حورا (في منطقة) سروج، فبان واضع ميامر مجيدة ومملوءة من تعليم الحياة الحقيقيَّة"[1].

ما نلاحظ في هذه الأسطر القليلة صفة التعليم (ي و ل ف ن ا). فيعقوب هو "المعلِّم" (م ل ف ن ا) الذي يحمل التعليم (م ل ف ن و ت ا) والتعليم الصحيح. أمّا ما كتبه فهو مملوء من "تعليم" الحياة. وكلُّ هذا ناله من الروح القدس، لا من الناس.

فيعقوب هو العالم. والده كاهن ومعه قرأ الأسفار المقدَّسة منذ الصغر. وبما أنَّه صاحب ذكاء وقّاد، برع في العلم بكلِّ أشكاله، وهذا برز منذ بداية شبابه. فيُروى عنه أنَّه في الثانية والعشرين من عمره، ارتجل قصيدة في مركبة حزقيال، ضمَّت 700 بيت، وهي في ترجمة الأب إميل أبي حبيب في ينابيع الإيمان[2] 1400 سطر. جاءت بدايتها:

أيُّها السامي الجالس على مركبة لا تُستقصى

هبْ لي كلمتك فأكرز في الأرض أنَّك لا محدود.

أيُّها الخفيُّ الذي هو أعلى من العلويِّين فيحملونه،

ارتضِ أن أرتِّل لك بين السفليِّين المفديِّين بك (1-4).

درس بعضهم هذه القصيدة فوجد فيها 396 إيرادًا كتابيًا. أجل، العلم الأوَّل بالنسبة إلى آبائنا هو الكتاب المقدَّس على ما قال الرسول لتلميذه تيموتاوس: "فأنتَ منذ طفولتك عرفتَ الكتب المقدَّسة القادرة على أن تزوِّدك بالحكمة التي تهدي إلى الخلاص بالإيمان بالمسيح يسوع" (2 تم 3: 15). وهذا الميمر الذي هو "دائرة المعارف" كما قال بهنام سوني[3] في مقدِّمة هذا الميمر، فيه التفسير الكتابيُّ للمركبة الذي لا يكون "حرفيًّا" لئلاَّ يصبح "أضحوكة" للناس. فهذه المركبة مهما كانت، لا تستطيع أن تحمل من يحمل البرايا بإشارة منه وبقدرته، وفيه اللاهوت العميق حول سرِّ الله الذي لا يُسبَر. وهناك مكان لليتورجيّا بحيث إنَّ بعض أبيات هذا الميمر دخلت في الليتورجيّا السريانيَّة.

رسم الآب صورة ابنه قدَّام البرايا

صوَّره وبيَّنه كيف يُشرق بين الأرضيِّين.

تطلَّع الآب في صورة ابنه وجبل آدم

سبق فرسمه كما يُزمع أن يأتي إلى الأرض (1013-1016).

والعلوم البشريَّة حاضرة، كما عرفها يعقوب في عصره

ومن شهادة هذا الموضع الفارغ هناك

اعرف أنَّ العمق (الذي تحت الأرض وبناء الأرض ما وُضع على شيء ليكون) لا أساس له

ها أنت ترى أنَّ الرقيع (أو: الفلك) غير موضوع على شيء.

فالأعالي والأعماق وكلُّ الجهات ووسط الجهات،

البحر واليبس، الرقيع والأرض، وكلُّ الأقطار

ها هي قائمة، معلَّقة مثل الطير المعلَّق في الهواء (165-172).

في هذه العلوم التي تحدَّث عنها يعقوب وهو شابٌّ، سوف يتوسَّع في الأيّام السبعة التي تُرجمت في ينابيع الإيمان[4]. تفوَّق على اليونان الذين تكلَّموا على الأيّام الستَّة[5]، فوصل إلى اليوم السابع مع 3020 بيتًا. وأنهى قصيدته

فمي ضعيف، وحواسّي كلُّها ليست بأهل

كلُّ أعضائي من كلِّ جانب، وشخصي كلُّه

عيناي وأذناي، ورجلاي ويداي، وفمي وشفتاي،

كلمتي وصوتي، معرفتي وعقلي، قلبي وكليتاي

النفس والجسد، حركاتي كلُّها وأفكاري،

تَرفع لك المجد والتسبيح مع الخلائق كلِّها (3015-3020).

احتاج السروجيُّ إلى ذاته كلِّها لكي يتحدَّث عن عظمة الله من خلال خلائقه، ومع ذلك أحسَّ أنَّه ضعيف. تحدَّث في يوم أوَّل عن وجود الله الخالق (53-520)، وفي يوم ثانٍ عن الرقيع وجلد السماء (521-842)، وفي يوم ثالث عن المياه ببحارها واليابسة بنباتها (843-1180). وفي اليوم الرابع عن الكواكب النيِّرة (1181-1566) وفي اليوم الخامس عن تكوين الحيوانات (1567-1920). وفي اليوم السادس، خلق الله الإنسان على صورته ومثاله (1921-2562). وفي اليوم السابع استراح (2563-3020).

سعة العلوم الدنيويَّة، والعلوم الليتورجيَّة، خصوصًا في صلب ربِّنا يسوع المسيح[6] جاء النصُّ في 3370 بيتًا من الشعر يتحدَّث عن أسبوع الآلام انطلاقًا من مساء الاثنين حتّى أحد القيامة، وكانت البداية.

يا ابن الله، يا من صار ذبيحًا من أجل الخطأة

لك تُذبَح أقوالُ ميامري بامتياز.

يا قابل الذبائح، يا من أراد أن يكون أيضًا قربانًا،

اقبلْ بحبِّك قربان كلماتي وأنا ساجد (1-4).

يلتقي السروجيُّ هنا مع بولس الرسول الذي لا يتوقَّف عند الذبيحة الدمويَّة كما اعتاد اليهود أن يفعلوا، فطلب من المؤمنين في رومة "أن يجعلوا من أنفسهم ذبيحة حيَّة مقدَّسة مرضيَّة عند الله. فهذه هي عبادتهم الروحيَّة" (12: 1). فالسروجيُّ في مقالاته يدعو المؤمنين إلى العيش بحسب الإنجيل، كما يدعو اليهود لكي يخرجوا من ضلالهم ويعرفوا أنَّ العهد القديم يقود إلى العهد الجديد. وهنا نعود إلى مركبة حزقيال:

تعالَ أيُّها اليهوديُّ، يا رفيق الليل، واجلبْ معك

ملفَّ حزقيال الحبيب وابن الجلاء

اطلب في تابوت عهدك: إن كنت ما محوته، فهل هو هناك

اجلبْه لنقرأ فيه فننال التفسير على تجلِّيه.

إن ظلمتَ (أنكرت) البتول، وما تأكَّدتَ إطلاقًا

أنَّها حبلَت بابن الله وولدَت في بتوليَّتها،

فماذا تقول عن المركبة: إنَّها حملته

ظهر أنَّه إنسان مع أنَّه الله (931-938).

ولماذا يكون هذا الكاهن الأسقف عالمًا إن كان لا يعلِّم. فهو المعلِّم أيضًا وإلاَّ كيف تصل البشارة إن لم يكن هناك من يكرز بها (رو 10: 14-15). فميامر يعقوب كلُّها هي للتعليم، والمواضيع فيها كثيرة، من شرح للأناجيل إلى توسُّع في ما قاله الكتاب عن نوح وإبراهيم ويعقوب وسائر الآباء، من أجل استخلاص العقيدة للمؤمنين.

وأودُّ هنا أن أذكر رسالة من رسائله[7] حول الإيمان. هي الرسالة الثانية وبدايتها: "يا من يظنُّ أنَّه يفحص طريق تدبير المسيح، ضعْ حدًّا لاستفسارك، ولا تضلَّ لتطلب ما لا يُستطاع، ولا تعجِّل لتدرك ما لا يُدرك". هذه الرسالة تبدو بشكل مقال عقائديٍّ. فبعد أن يُبرز أنَّ طريق التدبير الإلهيّ يتجاوز الطبيعة البشريَّة، يتحدَّث عن مريم العذراء ذاك الباب الذي لم يُفتَح فلبث مختومًا. فالابن وُلد مرَّتين، ولادة إلهيَّة من الآب، وولادة بشريَّة من مريم البتول: "لبس المسيح اثنين لكن كان واحدًا، وهو واحدٌ لا يُفسَّر لكن يُسجَد له مع الآب، ويُؤمَن به أنَّه من الآب، ومن الروح القدس. ويُعرَف أنَّه ظهر في الجسد من البتول القدِّيسة".

فالتجسُّد ضروريٌّ من أجل خلاص البشر أسرى الخطيئة. فلا يحاول الإنسانُ أن يدرك سرَّ الطبيعة. فهو لا يقدر. فكيف يدرك سرَّ الله. ويتوقَّف المرسِل عند سرِّ الاتِّحاد في المسيح، وينهي كلامه مبرزًا عمل المسيح الفدائيَّ: "هو الواحد، وحيد الآب ومريم العذراء والوسيط بين الله والبشر، الذي به اتَّحد جانبا الغضبِ..."[8]. ويتواصل الكلام: "هو الذي بدم عهده نجَّى الأسرى من البئر الذي لم يكن فيه ماء، والذي بآلام صليبه ردَّ المنفيّين الذين كانوا مسجونين في أرض الأعداء".

جاءت هذه الرسالة ردًّا حول العقيدة المسيحيَّة في إطار التجسُّد والفداء، واتِّحاد الطبيعتين في أقنوم واحد. لم نعرف إلى من توجَّهت هذه الرسالة الثانية. أمّا التي أتت بعدها فتوجَّهت إلى كاهن اسمه توما، الذي هو ليعقوب "أخ حقيقيٌّ، وصديق صاحب سيرة فاضلة". بعد أن بيَّن يعقوب أنَّ الله هو علَّة كلِّ خير وكلِّ محبَّة، بيَّن ما صنعه للعالم ليعود إلى الكلام عن ولادة الابن من الآب ومن العذراء مريم. فلا نبحث عن المسيح، بل نكتفي أن نحبَّه في الإيمان. وهكذا تنتهي الرسالة الثالثة هذه: "ليمهِّد الآب طريق عقلك، وليتفقَّدها الابن، وليكحِّلها الروح. ولتكمل فيك إرادة الله، ولتظهر بواسطتك قوَّةُ الصليب، ولتكن كلُّ حركاتك وأفكارك وكلماتك لمجد يسوع. اذكُر ضعفي في صلاتك، يا أخانا محبَّ الله، كنْ معافى وفرِحًا بربِّنا في كلِّ وقت".

بدا السروجيُّ مثل بولس الرسول، فعلَّم من خلال رسائله التي وصل إلينا منها 43 رسالة، مع العلم إنَّها لم تصل كلُّها. وعلَّم أيضًا من خلال الوعظ. نُشرتْ بعضُ مواعظه منذ بضع سنوات[9] منها في التجسُّد الإلهيِّ، ثمَّ في الظهور الإلهيِّ أو عيد الدنح وعماد الربِّ. وفي أحد الشعانين... وها نحن نقدِّم بداية العظة حول الشعانين وهي تحدِّث المؤمنين عن الاقتراب إلى الله:

لو لم تغشِ محبَّةُ الله أنفسنا، ولئلاَّ ترى تدبير المسيح، لكانت الكنوز العظيمة الدفينة بأخبار الكتب المقدَّسة تُظهر لنا بوضوح، أنَّ جمال الكون كدخان كثيف، انتصب أمام أنفسنا وحجب نورها كي لا ترى الكنوز الخالدة جيِّدًا، تلك التي تطلُّ من تعليم الحياة نورًا وألقًا.

فلو وقفَت النفسُ عارية في رقَّة طبيعتها، وغير مرتوية محبَّة غريبة، يسهلُ عليها أن تنظر شاخصة وتطلب فتجد، وتسرع فتصل، وتأخذ ما تسأل، وتصنع ما تشاء. وتتكلَّم بما يُفيد. فيجب علينا إذن أن ندنو إلى كلِّ شيء يماثله، ونلتقيه بماله، ونفرح به حسب فائدته، ونتكلَّمه بلغته. كما يعلِّمنا الكتاب أيضًا أن نكون كلاًّ للكلِّ، لنستفيد من الكلِّ، وأن لا نقترب من كتاب الله بفكر دنيويٍّ ولا نعطي العالم محبَّة الله، بل نلتقي العالم برأي يشوبه الشكُّ كأنَّنا نعرفه دجّالاً ومضلاًّ وغير مفيد، ونقترب من الله بنفس مليئة بالحقِّ حيث يظهر لنا أنَّه وحده حقيقيٌّ فقط، وكلُّ إنسان كاذب[10].

  1. الكاهن المدبِّر

حين أرسل يسوع تلاميذه، دعاهم لكي يتلمذوا ويعمِّدوا ويعلِّموا (مت 28: 16-20). فالتعليم واجب أساسيٌّ في حياة الكاهن، فقال لنا مثلاً ملاخيا النبيّ: "والآن، إليكم من الربِّ هذه الوصيَّة أيُّها الكهنة..." (2: 1). عهدي معكم للحياة والسلام، شريعة الحقِّ في فمكم. وينتهي الكلام: "شفتا الكاهن تحفظان المعرفة، ومن فمه يُطلب التعليم، لأنَّه رسول الربِّ القدير" (آ7). ذاك كان واجب يعقوب الأوَّل. لهذا اعتادوا أن يسألوا فيرسل الرسائل ليجيب على صعوباتهم، ولاسيَّما العقائديَّة منها، هذا دون ذكر الشروح المتعلِّقة بالليتورجيَّا وعيش الأعياد. ولماذا هذا الاهتمام؟ لأنَّ يعقوب هو الكاهن. ثمَّ الزائر أو البرديوط، وأخيرًا الأسقف. أما يجب عليه أن يعطي جوابًا على الرجاء الذي فيه (1 بط 3: 15)؟

نعرف أنَّ يعقوب درس في مدرسة الرها. وقيل عنه: "تفوَّق على أقرانه"[11]. ولمّا تلا قصيدته في المركبة الإلهيَّة أمام خمسة أساقفة، بدا هذا الميمر بمثابة امتحان نجح فيه هذا الشابُّ. ونحن نعرف أنَّه رُسم كاهنًا ولبث زمنًا طويلاً في هذه الخدمة. ثمَّ كان البرديوط أو الزائر لبلدة حورا السروجيَّة. وأخيرًا، أقيم أسقفًا (سنة 519) على مدينة بطنان الواقعة في مقاطعة سروج. إلاَّ أنَّ أسقفيَّته لم تدم سوى سنة وأحد عشر شهرًا، فتوفِّي في 29 تشرين الثاني سنة 521.

قيل عنه إنَّه كان يزور الأديار في بلاد الفرات وسورية المجوَّفة، ناهضًا بعبء مهمَّته، فأحبَّه الرهبان والمؤمنون، وكانت علاقاته ممتازة مع الذين كان يزورهم. فالواجب الثاني للكاهن وبالأحرى للأسقف أن يكون ذاك "المدبِّر الحكيم" الذي يهتمُّ بمن يوكله الله بأمرهم (مت 24: 45-47). والرسائل أكبر شاهد على ذلك، وهي تدلُّ على قربه من الذين يكتب إليهم مع أنَّه بعيد عنهم. كتب مثلاً إلى "لعازر البارِّ والقدِّيس ومحبِّ الله القسِّ ورئيس متوحِّدي دير مار بس المقدَّس:

استلمت أسطر نقائك، يا عظيم الله، وتقتُ إلى ملاقاتها (= الأسطر) المحبوبة كأنَّما إلى شخصك العفيف. تعرفُ قداستك أنَّ الرسالة من بعيد، تحلُّ محلَّ مرسلها حين تُستَلَم بالمحبَّة.

هذا الدير القريب من حمص والذي اشتهر بعدد رهبانه اسمه البس أو باسوس، كتب إليه يعقوب أكثر من رسالة. الثالثة عشرة، والرابعة عشرة، والخامسة عشرة، والسابعة عشرة. أمَّا التي  قرأنا مقدِّمتها فهي الرسالة السادسة عشرة. وفيها أراد يعقوب أن يدافع عن نفسه بعد أن اعتُبر هرطوقيًّا وعدوًّا للإيمان وابن الغضب. وما نلاحظ هو أنَّ يعقوب بادل عنف الرهبان بالحلم، فقال: "أمّا أنا فاتَّشحت حالاً بأمان الصليب، وقابلتُ غضبك بالمحبَّة الإلهيَّة... لو كانت حضرتُك قريبة منّي في الجسد وحملتك الرغبةُ لتصفعني (على وجهي)، لكنتُ أقبل الصفعة وأدير الآخر (مت 5: 39)...

فالوداعة صفة هامَّة من صفات المدبِّر في الرعيَّة وفي الأبرشيَّة، وسوف يقول يعقوب في الرسالة عينها: إن أزعجتْكُم الرسالةُ فأنا مستعدٌّ لأن أمزِّقها، لأنَّهم اتَّهموه أنَّه نسطوريّ. بهذه الروح كتب يعقوب أيضًا إلى رؤساء الأديرة المطوَّبين:

استلمتُ رسالة حضرتكم، يا أحبَّاء الله، ففرحتْ نفسي واستنارَتْ في الظلمة بسلامكم الإلهيِّ، وزال عن أعضائي المرض بافتقاد أسطركم. وكما أنَّ ظلَّ سمعان (أع 5: 15) كان يعطي العافية للمرضى، هكذا أبعدت رسالتكم الزاخرة بالمحبَّة الإلهيَّة، الكسل والتثاقل عن ضعفي.

أنتم ثمار حلوة تناثرت من عود الصليب، وبكم اتَّضح أنَّ طريق المسيح لم يكن عبئًا على العالم. أثمر يسوع، صورةُ مجد الآب وضياء أزليَّته (عب 1: 2)، كالوارث النشيط مثل هذه الثمار من غلاّت آلامه. وبجمال سيرتكم، عُرف أيَّة فوائد جرَتْ للعالم.

هكذا يكون الكاهن. ذاك المتواضع مع الذين يخدمهم. يدعو يعقوب نفسه: "أخوك يعقوب الناقص". كذا في الرسالة الثالثة. وفي الرسالة الرابعة: "يعقوب الناقص، الراكع أمام حضرتك". هكذا كتب لأنطونين أسقف حلب. ويختار الرسول الكاهنَ ممَّن يعرف أن يدبِّر بيته قبل أن يدبِّر بيت الله (1 تم 3: 4-5). كما ينبِّهه لئلاَّ "تسيطر عليه الكبرياء" (آ6). ومع التواضع الوداعة على مثال الربّ (مت 11: 30). قال بولس عن نفسه: "تصرَّفنا معكم بوداعة" (1 تس 2: 7). وكانت ترجمة أحلى: "حنونا عليكم حنوَّ الأمِّ على أولادها". ويمكن أن يقال للكاهن ما قاله الرسول لأهل أفسس: "كونوا متواضعين، لطفاء، صبورين، احتملوا بعضكم بعضًا بمحبَّة" (4: 2).

وإذ يكتب إليه يعقوب، فهو لا يحسب نفسه أنَّه أفضل منه، بل يريد أن يفيده:

وكتبتُ هذا، يا سيِّدي، لا مثل الملفان للتلميذ، لكن مثل عضو ناقص إلى عضو ندِّه وأفضل منه. وأنا أتوسَّل إلى مخافة الله الساكنة فيك لتصلِّي من أجل نقصي وتقدِّم التحيَّة للدير المقدَّس الذي تسكن فيه عفَّتك.

هذا الراعي يعرف أن يشجِّع المؤمنين، خصوصًا حين تكثر الإشاعات.

خرج قول من الكلمة الوحيد ابن الآب: "على الرها لن يتسلَّط العدوّ". ولا يمكن أن يرجع القول، كما لا يرجع المطر إلى السماء! (إش 55: 10). هذا ما يقوله قليلو الإيمان، وهم يشرحون نزوحهم (بحسب كلام النبيّ إر 18: 7-10)... والآن لا نخاف أن يحدث لنا مثل هذا ويزول وعدُ المسيح لأبجر المؤمن بسبب إثمنا وتسليم المدينة من جرَّاء خطاياها إلى العدوِّ، ولو قيل عنها: "إنَّها لن تُسلَّم". أمّا أنا فأقول: "إنَّ كلمة إرميا لا تهزم أحدًا من بلده، بل تهزمه فقط من الأعمال الشرِّيرة". أيُّهما أحسن، أن نتعلَّم من قول النبيّ أن نتوب من شرورنا، مثلما تعلِّم تلك الهجرة، أو أن نهرب من بلد إلى بلد ونحن نحمل أحمال شرورنا؟"

خاف الناس في الرها، وبدأوا يهربون، بعد أن جاءهم تفسير لكلام إرميا بأنَّه إن صمَّم الربُّ أن يفعل فهو يفعل. وطبَّق المضلِّلون الكلام على الوضع السياسيِّ بالرغم من وعد الله (كما يقولون) للملك أبجر الذي عاصر المسيح. ماذا يفعل المسؤول؟ هل يهرب كما يهرب الباقون أمام الخطر المحتمل فيفعل كما يفعل الأجير ويترك الخراف بين أنياب الذئاب (يو 10: 12)؟ بل هو يشجِّع المؤمنين وينبِّههم إلى التوبة الضروريَّة، دون الاستسلام للخوف. وبعد أن شرح السروجيُّ معنى كلام الربّ، شجَّعهم على البقاء في الرها:

لأجل هذا كتبتُ إلى محبَّتكم، لتحتقروا هؤلاء الذين يهربون، وتُشجِّعوا هؤلاء الذين يثبتون، وتوبِّخوا محبَّي الرؤى لرجسهم، وتحثُّوا كلَّ واحد على الأعمال الحسنة، وتُقرِّبوا الطلبة من أجل كلِّ البلد لئلاَّ يخرب، وتُثبِّتوا قلب إخوتكم باتِّكالكم على الله، يا أيُّها المختارون ومحبُّو الله.

كونوا متعافين وفرحين بأمان الله العظيم، البعيد عن خوف العدوّ، ذلك الذي بارك مدينة الرها المؤمنة، ليحفظ الوديعة إلى الأبد لنا جميعًا نحن الذين نحبُّ المسيح، إلى أبد الأبدين، آمين.

أجل، هذا الزائر، هذا الأسقف هو حاضر لدى رعيَّته، لا ليعظها فقط ويدعوها إلى التوبة، بل ليشجِّعها في الصعوبات والأخطار. هنا نعود إلى الرسالة الثامنة عشرة، التي وجَّهها إلى الحميريّين. نحن نعرف ما عانى هؤلاء المسيحيُّون من اضطهاد، وكيف أنَّهم لبثوا ثابتين على إيمانهم. بدأ رسالته وهو يمتدحهم فقال:

إلى الأبطال المنتخبين محبِّي الظفر الحقيقيّ، إلى العجيبين والأقوياء، إلى عبيد الله الحقيقيّين، إخوتنا المسيحيّين والمعترفين المشهورين في مدينة الحميريّين، في نجران.

وبعد أن يعلن يعقوب اسمه، والموضع الذي فيه يبعث برسالته (الرها)، يواصل مديحه

من لدنكم أيُّها الجميلون ومحبُّو الله، فاحت في بلدنا أخبار إيمانكم الحقيقيّ مثل روائح العطور الأصليَّة والمختارة، وعبقتْ رائحتكم اللذيذة في نفسنا بعبيرها مثل عطر المبخرة المُرضيِّ والكبير، فابتهجت بسماع احتمالكم. فلو أُرسل لنا من بعدكم البخور الأصليُّ أو الزيت الجيِّد أو العطور المختارة، لما كانت تطيَّبت روائحُها المتنوِّعة بلذَّتها مثل أخباركم الجيِّدة والقريبة من الله، التي عطَّرت ما سمعناه عن جبروتكم.

وصلت الأخبار إلى المؤمنين في الرها، وكيف يحتمل الحميريّون المضايقات من أجل المسيح، لذلك تضاعفت الصلوات لكي ينتصر المسيح ويدوس العدوَّ الذي هو الشيطان. وبعد أن يبيِّن يعقوب في رسالته أنَّ العالم يزول وجمال الله لا يتبدَّل، بحيث نسخر من الموت، أنهى كلامه داعيًا مسيحيّي نجران إلى الإيمان والثبات، متطلِّعين إلى يسوع المسيح الذي صار إنسانًا مثلنا، وصُلب وتألَّم من أجلنا ومن أجل خلاصنا نحن البشر:

أنتم، أيُّها الشجعان، يا أبناء اليمين (مت 25: 33)، تقوَّوا ولا تخافوا، وتحدَّوا الموت بالاتِّكال على الصليب، واحتقروا المضطهدين لأنَّهم مسلَّطون على الجسد فقط وهم لا يستطيعون أن يقتلوا النفس (مت 10: 28)...

إنَّ الله معكم، ولو شاء لما ترككم تُضطهدون، لكنَّه يسمح بذلك لأنَّه يحبُّكم، فيمحِّص حبَّكم ويُظهر حقَّكم وتشرق غلبتُكم ويتفاضل إيمانكم وتأخذون من الجهاد إكليل الظفر فيفرح الملائكة (لو 15: 10) بجميل صبركم.

تشجيع وتعزية للمؤمنين، ومحاربة الهراطقة الذين يعيثون خرابًا في كنيسة الله. فكيف يقف كاهن الربِّ (والأسقف) مكتوف اليدين أمام مثل هذا الخطر؟ وكما كتب إلى مسيحيِّي نجران في الجزيرة العربيَّة، ها هو يكتب إلى مسيحيِّي أرزون، في بلاد فارس، وهي مدينة لم يبقَ منها اليوم إلاَّ بعضُ الآثار. هي الرسالة السادسة، وتبدأ بالمديح لهؤلاء المؤمنين قبل تنبيههم من الهراطقة والمنشقِّين.

أُرسل إلينا نبأ إيمانكم الحسن المستقيم، مثل شعاع الصبح الآتي من الشرق، والد النهار. وانتشر جهرًا في بلدنا نورُ حقيقتنا مثل الظهر القويِّ. وتسلَّمنا بأسطركم العزيزة محبَّتكم لله بواسطة رجل الله الحسن السيرة والمزيَّن بكلِّ المحاسن الروحيَّة، القسِّ لعازر الغيور على الإيمان. وهو الذي مهَّد دربه بين الفخاخ، وسخر من بطش الأعداء، ومثل تاجر شجاع سرق أسطر (رسالتكم) معتبرًا إيّاها كاللآلئ، وأغنانا، نحن المساكين، بمحبَّتكم وأخباركم السارَّة.

وبعد هذه المقدِّمة التي تشدِّد على استقامة الإيمان، يأتي التحذير من "النساطرة":

علمنا منه (= لعازر) ومن مضمون أسطركم أنَّ أناسًا منقسمين ومسبِّبي الخصومات، يريدون أن يقاوموا جمال إيمانكم المستقيم، قائلين إنَّ نسطور ليس محرومًا في كنائس الرومان، وإنَّ المعلِّمين يقبلونه ويؤيِّدون إيمانه. فهذا لم يحدث أبدًا إلاَّ عند البعض الذين هم محرومون معه ومثله من كلِّ الكنيسة الجامعة (الكاثوليكيَّة) الموجودة تحت السماء. أمّا الذين يقولون إنَّ هذا ليس محرومًا، فهم محرومون هم أيضًا، وساقطون من كلِّ الحقيقة، هم غرباء عن الكنيسة الشاملة (في المسكونة) المنتشرة في العالم.

ويعلن السروجيُّ إيمانه بالثالوث. بالابن، ابن الله وابن البشر:

الإيمان الحقيقيُّ هو أنَّني أعترف بأنَّ الله الآب الضابط الكلَّ واحد، وأسجد للابن الحقيقيّ منه، يسوع المسيح، وأختم إيماني بالروح القدس...

فالمسيح واحد وحيد، هو إله وإنسان، والوسيط بين البشر. ومن قال غير ذلك يكون مجدِّفًا، مثل نسطور، المحروم والهالك... وتنتهي الرسالة بهذه الكلمات:

واحد هو المسيح الذي نزل من السماء، وحلَّ في البتول، وتجسَّد من الروح القدس والحضن الطاهر. وظهر في العالم، وتجبَّر على الموت بالآلام، وصعد على صليب العار ومات بإرادته ليقتل الموت المعادي، وقُبر وقام في اليوم الثالث كما أعلنته الكتبُ المقدَّسة، وأُعلن بين الشعوب (1 تم 3: 16) وصعد بالمجد عند أبيه.

  1. الأب الروحيّ

إلى العفيف والفاضل في السيرة، والحكيم في كلِّ شيء، الكاهن يوحنّا

يعقوب الوضيع الذي يركع أمامك في ربِّنا، وهو الذي يُغني فهمك بمحبَّتك. سلام. علمتُ عن سيرة عفَّتك، أيُّها السيِّد المستحقُّ الله، من أناس قدِّيسين وفاضلين، توجَّهوا نحونا بمحبَّة المسيح، وحدَّثونا عن رجاحة عقلك (يا حضرة الكاهن) وطريقة تفكيرك يا محبَّ الهدوء والمحبَّة والإيمان.

كاهن اسمه يوحنّا. يعيش العفَّة وهو يتوق إلى الحياة الكاملة، على مثال الشابِّ الغنيِّ الذي جاء يطلب نصيحة من يسوع (مت 19: 21: "إن أردتَ أن تكون كاملاً"). فيوحنّا هذا يحتاج إلى الهدوء والسكينة. تحدَّث إلى أناس فأخبروا عنه يعقوب. امتدحه هذا "الأب الروحيّ"، لأنَّه أراد أن يعتزل هموم العالم ليكون مع الله وحده. والتقدُّم في الفضيلة أمرٌ ضروريٌّ، لهذا يدعوه السروجيُّ لكي يواصل المسيرة.

يا محبَّ المسيح، يلزم نفسك العاقلة أن تهرب من العالم وتحسبه خارجًا عنك. وأنت تكون في داخلك. وتسكن في ذاتك، وتربط عشرتك بالله وحده. فهو وحده الميناء والأمان، وفيه يستريح كلُّ المتعبين.

موقف سلبيٌّ: الهرب من العالم. ثمَّ الموقف الإيجابيّ: السير إلى الأمام بحيث يترك هذا الكاهن وراءه المعاشرات الباطلة، واللقاءات المضرَّة، والشهوات المختلفة.

أقول لك، يا محبَّ الفضائل، يحسن بك أن تفكِّر، وتتأمَّل أن تتقدَّم إلى الأمام. ويجدر بك أن تحسب أنَّ هناك سيرة أعظم من سيرتك. لو فكَّرتَ أنَّك تسلَّقت بواسطة الفضيلة بقدر ما كان ينبغي أن تتسلَّق، لكان سعيُك يبطل. وكنتَ تبدأ بالهبوط بسبب الادِّعاء الذي خامر نفسك، فتنحدر من جمال التواضع.

وتأتي نصيحة الأب لابنه: أنت كاهن في العالم، فلا تترك العالم. فالكمال لا يقوم بأمور خارجيَّة نقوم بها، بل في الداخل، على ما قال الربُّ: ملكوت الله في داخلكم (لو 17: 21). والكمال يكون في لقاء شخصيٍّ مع الربِّ على مثال ما قالت عروس نشيد الأناشيد: "وجدتُ من يحبُّه قلبي، وها أنا أمسكه ولا أرخيه" (3: 4).

أنصحك كأخ ناقص بأن تكتفي بالسيرة الحميدة التي تعيشها، إذ بواسطتها تخدم الله الذي يُعطي ذاته لكي يحيا كلُّ إنسان به، ولكي يخدمه حسب رغبته.

توقَّفنا عند إرشاد يعقوب لكاهن اسمه يوحنّا، يسأله نصيحة لتوجيه حياته: هل يبقى في العالم أم يمضي إلى البرِّيَّة؟ وجاءنا الجواب في خطِّ ما قاله بولس الرسول في الرسالة الأولى إلى كورنتوس: "يبقى كلُّ واحد في الحال التي كان فيها حين دعاه الله" (7: 17). وها هو إسطفان ابن الصوديلي يحتاج إلى من يوجِّه له حياته. ونقرأ بداية الرسالة الأولى:

يجمل بك، يا محبَّ الله، أن تقوم بالأعمال الحسنة، ويليق بنفسك العاقلة أن تزرع الخيرات كلَّ يوم، بواسطة محبَّة الله وعلى رجاء الله. وسيأتي زمن تحصد فيه ولا تضجر من غلاّت زروعك الجيِّدة. وعندما يزرع الفلاّح لا تحدق (عين) فكره بالزرع، لكن بالبيدر المليء بالغلاّت. لهذا فهو يزرع لكي يجمع الغلاّت.

أتُرى إسطفان هذا طالت حياته فضجر، فصار ينظر إلى الوراء حيث ألقى الزرع؟ لا شكَّ في أنَّ هناك حبّات تضيع، ولكنَّ الغلَّة النهائيَّة قد تصل إلى مئة مقابل حبَّة واحدة. أمّا المثال فهو المسيح المعلِّم. هو الكاتب (س ف ر ا) الذي نزل من السماء وصار معلِّمًا للعالم. استنارت المسكونة بتعليمه لئلاَّ يشتهي أحدٌ بعدُ المقتنيات غير الثابتة (مت 10: 9). الدرب مريع ومساراته مليئة بالفخاخ. اعبروا، اعبروا! اخرجوا من العالم ولا تؤخَذوا بأموره (مت 6: 34). أسرعوا الخطى لئلاَّ يمسككم العالم بشروره. إن صادفك جمال، احتقرْه. إن وجدت غنى، دُس عليه وألقِ المقتنى وراءك...

وما أحلى هذا "الأب" يرشد أبناءه الرهبان في الرسالة الثالثة عشرة:

أمّا أنتم، يا سيِّدي، فإنَّكم تحسنون حين تفخرون بالصليب، لأنَّكم به صُلبتم للعالم وبه صُلب العالم لكم. فغلاّت الصليب هي أنتم والقدِّيسون أمثالكم، أنتم الثمار الروحيَّة التي أزهرت ونضجت وجمعت الحلاوة بين أغصان الصليب. لأجلكم بيَّن المسيح للآب أنَّه لم يَمُتْ عبثًا، لكنَّه وجد ما كان يطلبه: بدل الزناة، القدِّيسين. بدل الأردياء، العفيفين. بدل محبِّي المال، محبِّي الفقر. بدل الشرهين، الصائمين. بدل السكارى، المتنسِّكين. بدل أناشيد ألحان يوبال (تك 4: 21) السمجة، ترتيلاً روحيًّا يُنشَد من سفر المزامير في قيثارة داود الأفراتيّ (1 صم 17: 12).

في هذا المجال، نسمع مع الرهبان كلام السروجيّ حول الجهاد الروحيّ الذي يتمُّ خلال الصوم الكبير.

ما أجمل الحديث عن الصوم! إذا وجدت محبَّةُ الصوم آذانًا صاغية، فتناول الكلام الذي سنقوله بمحبَّة. أمّا البرهان على محبَّة الصوم فهو: عندما تستقرُّ المحبَّة في نفس السامعين، يتوقون لتكميلها بالأفعال، هذه التي ترنُّ بالأصوات كلامًا الآن.

فما أعظم وما أرفع أن يصوم المرء من أن يتكلَّم عن الصوم بإسهاب.

فالقول والفعل كلاهما يتمَّان بحبٍّ مسترسَل. فإذا وصلَتْ إليه النفس، لتتكلَّمْ بما عندها، وبه تفعل ما تفعل. فالحبُّ هو الأساس، وعليه تقوم كلُّ الفضائل...

هذه الأمور وغيرها يمكن أن يكون وجَّهها يعقوب خلال اجتماعه مع الرهبان في أديرتهم. ولكنَّ هناك عملاً يتمُّ مع كلِّ شخص بمفرده، على ما يقول الرسول: كنت أطلب كلَّ واحد بمفرده. هو الأب قبل أن يكون أيَّ شيء آخر. كتب مثلاً إلى حبيب (الرسالة الثامنة) بمناسبة الجمعة العظيمة وعيد القيامة، بعد أن انتصر على الشرّ: "اليوم يفرح بك سيِّدك، ويرضى عليك إلهك. تحرسك النعمة، تستنير أفكارك بشروق الصليب. تنجو من الشيطان وتُحفظ من كلِّ الشرور. تغتني بكلِّ الخيرات. يُخلَق فيك قلب نقيٌّ وتتجدَّد في باطنك الروح المستقيمة وترضي الله في كلِّ وقت".

وتتوجَّه الرسالة التاسعة إلى رئيس الشمامسة فتقدِّم له الإرشاد. اسمه يوليان. ربَّما هو يتهامل ولا يعرف أنَّ الأيّام تمضي بسرعة ولا يكون الإنسان مستعدًّا للقاء الربّ: "لو استنارت نفسنا بمحبَّة الله، لكنَّا نرى بوضوح تغيير الأزمنة التي تمتطي العجلات وتسير بسرعة حثيثة، بعضها وراء بعض كالعقل. غير أنَّه بسبب دخان محبَّة العالم الموجود في نفسنا، أظلمتْ نفسُنا كسحابة دكناء وقلقت وتحيَّرت فما عادت ترى هذه الأشياء رؤية واضحة". أجل، الزمن يمرُّ ولا يرحم. والعالم يكذب علينا ويدجِّل. "هو طريق، جسر، عبور، مظلَّة، مسكن وقتيّ، ظلٌّ سريع، خدر يوم واحد، زهرة جميلة نقطفها فتذبل حين نمسكها". بدا كلام يعقوب بشكل اعتراف أمام من يطلب منه تعليمًا: "أوصلتني (الحركة) وجعلتني شيخًا. أجلستني في المقدِّمة وأغوتْني بتحيّات الشباب، بينما هي تمكر بي لتطردني من الكون. جرَّتْني الأزمنة بهدوء وقادَتْني بتمهُّل. ودون أن أشعر جعلتني أركض مسرعًا وهي تهدم حياتي التي ينقطع حيلُها مثل خيمة الرعاة". ويختم المرشد كلامه معلنًا فرحه بعد أن مزج الله حياته بحياة كاهنه: "إن كنّا فيه، نتنعَّم معه".

وننهي كلام الإرشاد في قراءة الرسالة 43، التي وجَّهها يعقوب إلى صديق له لم يُذكَر اسمه. بدأ فحدَّثه عن الحياة القصيرة: هي خيط وينقطع. وتتسارع الأيّام لتطردنا من هذا العالم. فماذا ينبغي علينا أن نفعل؟ نستفيد من الوقت لكي نتوب: أيّامنا تركض وراءنا، وخطايانا قدَّامنا، قصُرتْ حياتنا وطالت ديوننا (أو: ذنوبنا).

ويتوجَّه الكلام في صيغة المخاطب المفرد: "أنت يا من تحبُّ المقتنيات، فهي غشَّتك، وأنت لا تريد أن تهيِّئ لنفسك المؤونة من أجل طريقك المملوءة بالرعب، وأنت خارج من العالم". فالموت لا ينتظر. فماذا تنتظر لتفي بما وعدتَ به من أعمال التوبة؟ "فأنت ما وعدتَ اليوم بأن تتوب، بل من زمان، وعدتَ ووعدتَ ولكنَّك ما وفيتَ. اليومُ الحاضر هو لك، ولكنَّك لا تعرف ما يكون الغد، فقد تنتظر عند الباب أرجل من يدفنك، في الليل". وبعد أن يعلِّم السروجيُّ تلميذه كيف يتوب يدعوه لكي يترك المسيح يجدِّده.

ماذا يعطيك الله إن كنت تكفُّ عن الشرّ، كما تكفُّ عن البرّ؟ فمنذ الآن تعالَ إلى ذاك الذي مات لكي يجعلك تحيا. هو حيٌّ وأنت ميت! نركض بسرعة لكي نُفلت من العالم. أهي زهرة؟ هي لا تغويك. أهو حلم؟ هو لا يحرِّكك. أهو ظلّ؟ هو لا يبلبلك...

الخاتمة

هكذا أردنا أن نتعرَّف إلى كاهن من شرقنا، أنهى حياته أسقفًا في بطنان من مقاطعة سروج القريبة من الحدود السوريَّة الشماليَّة. ما كتب أحدٌ سيرته ولا هو دوَّن سيرة حياته. بل حاولنا أن نكتشف عمق كهنوته من خلال كتاباته، ولاسيَّما رسائله. بدا لنا أوَّلاً ذاك العالم بالأمور المدنيَّة، كما هو العالم بشكل خاصٍّ في العلوم اللاهوتيَّة والكتابيَّة. فكيف يعطي الإنسان ما لا يملك، وكيف يستطيع الكاهن (والأسقف) أن يعلِّم إن لم يكن ذاك العالم والمتعلِّم؟ والوجه الثاني، كان يعقوب كاهنًا ابن كاهن. فتربّى على يدي والده، ولكنَّنا لا نعرف في أيِّ سنة من عمره نال درجة الكهنوت. غير أنَّنا نعرف أنَّه حين صار زائرًا في حورا، دلَّ على غيرة رسوليَّة كبيرة، فكان ذلك المدبِّر لرعايا الربِّ في منطقة من المناطق. يزور، يعيش مع الناس، ينتقل من دير إلى دير، فأحبَّه الرهبان وتعلَّقوا به. إن تألَّموا تألَّم معهم. إن تضايقوا تضايق معهم. ويمكن أن نتخيَّل لياليَ أنشد فيها أجمل قصائده اللاهوتيَّة فدوَّنوها. إنَّه يحتاج إلى أكثر من كاتب لكي يملي عليه القصائد الكثيرة والطويلة. قال فيه ابن العبريّ: "إنَّ سبعين ناسخًا كانوا يكتبون قصائده". ومن له سوى الرهبان يشرح لهم أهمَّ أحداث العهد القديم والعهد الجديد، ويبحث معهم في الإيمان والفضائل والتوبة، ويقدِّم التقريظ بعد التقريظ للعذراء مريم والأنبياء والرسل والشهداء والقدِّيسين. وأخيرًا تعرَّفنا إلى يعقوب ذاك الأب الذي استطاع أن يقول مثل الرسول: "أنا ولدتكم في المسيح للبشارة" (1 كو 4: 15)، فأرشد الجماعات كما أرشد الأفراد. ولا شكَّ في أنَّه رافق هذا الراهب أو ذاك في مسيرته الروحيَّة. فلنا ومضات من كلِّ هذا في رسائله، وكم لبثت أمور في الخفاء لا يعرفها سوى الله. يبقى علينا في هذا الشرق أن نتعرَّف إلى آبائنا في الإيمان ومعلِّمينا، فنفتخر بهم ونقتفي خطاهم. فلولاهم لما وصلت إلينا كلمة الإيمان.

 


[1] نشره شابو، الجزء الرابع (السريانيّ)، ص 260-261، الجزء الثاني (فرنسيّ)، ص 161-162.

[2] يعقوب السروجيّ، في مركبة حزقيال وفي السيل الجاري من الهيكل، الأب إميل أبي حبيب الأنطونيّ، الجامعة الأنطونيَّة، 2005، ينابيع الإيمان، 9.

[3] الأب الدكتور بهنام سوني، ترجمة من السريانيَّة إلى العربيَّة وتعليق ودراسة على ميامر الملفان مار يعقوب السروجيّ، الجزء الرابع، الميامر 122-168، روما، 2002، ص 2722.

[4] يعقوب السروجيّ، الأيّام السبعة، الخوري بولس الفغالي، الجامعة الأنطونيَّة، 2005، ينابيع الإيمان، 11.

[5] S. GIET, Basile de Césarée, Homélies sur l'Heaxaéméron, SC 26, 1968.

[6] يعقوب السروجيّ، في صلب ربِّنا يسوع المسيح، الخوري بولس الفغالي، الجامعة الأنطونيَّة، 2009، ينابيع الإيمان، 18.

[7] G. OLINDER, Jacobi Sarugensis. Epistolae quotquot supersunt (CSCO 110/57), Louvain, 1937.

تُرجمت إلى العربيَّة: الدكتور الأب بهنام سوني، رسائل مار يعقوب السروجيّ الملفان، الرهبانيَّة الأنطونيَّة المارونيَّة، 1995، موسوعة "عظماء المسيحيَّة في التاريخ"، ترجمات، 3.

وإلى الفرنسيَّة: Micheline ALBERT, Les Lettres de Jacques de Saroug, Kaslik, Liban, 2004, Patrimoine syriaque, 3

[8] في هذه الأسطر القليلة، أورد السروجيّ 1تم 2: 5؛ يو 1: 14؛ 1 تم 2: 5 (مرَّة ثانية)، أف 2: 3-5؛ وإن تابعنا القراءة نجد تك 2: 24؛ أف 5: 32؛ خر 24: 33؛ 1 كو 3: 13؛ 2 كو 3: 14؛ مر 3: 17؛ يو 1: 14؛ لو 1: 48؛ رو 9: 5؛ زك 9: 11. صار الكتاب جزءًا منه، شأنه شأن آباء الكنيسة الذين أتوا بالمؤمنين إلى "ينبوع الماء الحيّ"، لا إلى "الآبار المشقَّقة التي لا تحتفظ بماء" (إر 2: 13).

[9] مواعظ القدِّيس مار يعقوب السروجيّ الملفان، ترجمة الخوري برصوم أيّوب، بيروت، 1991.

[10] المرجع السابق، النصّ السريانيّ، ص 38، والترجمة العربيَّة ص 88.

[11] الأب ألبير أبونا، أدب اللغة الآراميَّة، دار المشرق، بيروت، 1996، ص 194.