فيلوكسين المنبجيّ الراعي الغيور

 

عجيب أمر فيلوكسين. بدأ فتعلَّق بتيودور المصيصيّ قبل أن يعود إلى المونوفيسيَّة. أحسَّ أنَّ تيودور هو معلِّم نسطور، ونتائج تعليمهما أنَّ يسوع شخصان، أقنومان، أمّا المونوفيسيَّة فاعتبرها الخصوم قائلة بأنَّه في التجسُّد تُبتلَع الطبيعة البشريَّة في الطبيعة الإلهيَّة، فلا يبقى سوى طبيعة واحدة. وفي الخطِّ عينه انطلق ما دُعيَ المونوتليَّة، حيث المشيئة الإلهيَّة تبتلع المشيئة البشريَّة. تهرَّب نسطور من لفظ "والدة الله" ليقول "والدة المسيح"، والمعنى هو هو، إنَّما الاختلاف في الألفاظ، فاعتبر هرطوقيًّا. وكذا نقول عن أصحاب الطبيعة الواحدة حيث الاختلاف كبير بين أوطيخا في نظرته الجذريَّة، وبين سويريوس أو فيلوكسين وغيرهما. فحين يقول فيلوكسين "إنَّ المسيح نال أعضاء جسده الخاصِّ في تجسُّده من مريم. وهذا ما بيَّنه أوطيخا كونه صار إنسانًا" (العظة 13، عدد 619)، لا يمكن أن يشبه أوطيخا. فأوطيخا اعتبر أنَّ الطبيعتين امتزجتا (اختلطتا) في طبيعة واحدة. وربَّما قال: جاءت طبيعة المسيح البشريَّة من السماء وما كانت العذراء مريم سوى قناة مرَّ فيها. إن وُلد المسيح من مريم إلاَّ أنَّه لم "يُصنَع" منها، أي لم يأخذ أعضاء جسمه من أعضاء جسمها. أمّا فيلوكسين فما قال يومًا إنَّ الطبيعتين امتزجتا، ولا هو تحدَّث عن أمومة "كاذبة" (لا سمح الله) لمريم العذراء. ولكنَّه أخذ بالمونوفيسيَّة خوفًا من أن تعود النسطوريَّة إلى الوجود، وما استطاع أن يميِّز مع اليونان بين الطبيعة والأقنوم، بل أراد أن يبقى أمينًا للتقليد دون بحث جعل أفرام يقول: "نجِّني يا ربّ من سمِّ اليونان". خاف فيلوكسين من اجتماعات الأساقفة المتلاحقة حيث مجمع يرفض مجمعًا سبقه. وممّا قاله: الأساقفة يعطون المعموديَّة ولكنَّهم لا يكرزون المعمَّدين؛ كلُّ ما يفعلونه لهم هو أن يجعلوهم أناسًا طيِّبين بحيث يمارسون برَّ العالم لا برَّ المسيح. فالإنجيل نتعلَّمه ونعيشه في البرِّيَّة مع آباء البرِّيَّة والقدِّيسين. في هذا الإطار نفهم معارضة فيلوكسين للمجمع الخلقيدونيّ، وعزل عدد من الأساقفة وإرسالهم إلى المنفى، قبل أن يمضي هو ويموت في منفاه، ربَّما مخنوقًا من كثرة الدخان في "حبسه" وقد سُدَّت المنافذ مع نار مشتعلة.

أردنا هذه المقدِّمة الطويلة لنقول إنَّ الجوَّ الكنسيَّ العامَّ كان جوَّ صراع قاسٍ، مع تدخُّل الإمبراطور والسلطة السياسيَّة. والضعيف يزول بسرعة، أمّا القويُّ فيستفيد من الظروف ليغيِّر المعادلات. "الآن، وبعد أن صارت هذه الأمور بعيدة، فالسريان هم السريان بحضارتهم ولغتهم والآباء الذين سبقوهم. جميعهم يدعوننا لنأخذ بتأديب المسيح.

دعانا ربُّنا ومخلِّصنا يسوع المسيح في إنجيله الحيّ، أن نقترب بحكمةٍ من ممارسة الوصايا وحفظها، وأن نضع، كما هو لائق، في نفسنا أساس تأديبه لكي يرتفع البناء ويرتفع. فمن لا يعرف أن يبدأ، بالعلم، بناء هذا البرج الذي يُصعد إلى السماء، لا يستطيع أن يكلِّله ويوصله إلى ذروة الحكمة (العظة الأولى، عدد 3).

ويورد فيلوكسين كلام الإنجيل في مت 7: 24-27 (البناء على الصخر والبناء على الرمل)، وما كتب الرسول إلى أهل رومة حول العاملين بالناموس، لا السامعين له فقط. ويواصل فيلوكسين كلامه في العظة الأولى:

"ليفهم التلميذ أنَّ الله اختاره لكي يخدم في النظام الروحيّ، وإن كان عائشًا في النظام الجسديّ. فعليه أن يتقدَّم في طريقٍ يعلو الطبيعة". فإن هو لبث في نظام الطبيعة، لن تنتصر عنده شهوة على أخرى. "فبطبيعة جديدة نستطيع أن نقتني معرفة الخير (معرفة حيَّة، نصل إليها بالخبرة). لهذا ينبغي وضع الأساس منذ الصبا: نضع الخمرة الجديدة في زقاق جديدة. ونحن نصبُّ الخمرة الجديدة، خمرة تعليم المسيح في بداية صبانا، ساعة النبتة بعدُ جديدة، وقوانا فينا، وجديدنا لم يعتق في الخطيئة. وهكذا نستطيع أن نتحمَّل حرارة الحبِّ في التعليم المقدَّس، وإذ نحفظه يحفظنا من كلِّ الشرور، لأنَّ قوَّة نفسنا لم تكن سُلبَتْ وانتزعت بالعمل والخدمة عند الغرباء..." (عدد 19).

بعد هذه العظة الأولى التي جعلت كمقدِّمة للعظات الثلاث عشرة، نتعرَّف إلى هذا الكاهن والأسقف، الذي زار الأديار العديدة، ووعظ في عدد من الأماكن، وصلَّى مع المؤمنين صلوات ما زال المؤمنون يتلونها إلى اليوم، وقد دخل بعضها إلى كتب المزامير التي استعملتها الطائفة المارونيَّة في الماضي. مثلاً، في الفاتيكان السريانيّ 98 (الورقة 138ب، 142ب):

"سبحانك يا جبّارًا لا ينقهر، وقويًّا لا ينغلب.

سبحانك يا حاكمًا لا يظلم، ورؤوفًا لا يحقر.

سبحانك وتسبحة تصعد لك من كلِّ فم خلقته، ومن كلِّ لسان صنعته.

سبحانك يا حيًّا لا يموت وغنيًّا لا يفتقر.

سبحانك يا بحرًا لا ينقص، وسيلاً لا يقلّ.[2]

*  *  *

1. فيلوكسين قارئ الكتب المقدَّسة

هو كاهن يعرف التأمُّل والمناجاة، ويغذِّي مناجاته حين يقرأ الأسفار المقدَّسة. ففي كتاب العظات، الذي نُقل إلى الفرنسيَّة[3]، هناك عشرة عواميد من الإيرادات الكتابيَّة. ونقرأ مثلاً عن تأمُّل ينطلق من سفر التكوين: "يترك الرجل أباه وأمَّه ويتبع امرأته" (2: 24).:

إنَّ العلاقة الطبيعيَّة للرجال مع النساء، جُعلَتْ منذ البدء بوصيَّة الخالق. وحين تكون بحسب مشيئة الخالق، تُدعى علاقة شرعيَّة وإن كان غير ذلك، تُدعى زنى وفجورًا. صُوِّر هذا اللغز في الرمز في النفس والجسد: إذا كان للنفس علاقة مع الجسد، هو زنى. وإذا كان للجسد علاقة مع النفس، فهو اتِّحاد شرعيّ. وكلمة الكتاب (المقدَّس) هي موافقة أيضًا لهذا المعنى: "يترك الرجل أباه وأمَّه ويتبع امرأته". هو ما قال عن المرأة: تترك والديها وتتبع زوجها، مع أنَّ عادة العالم هي هكذا، وإنَّ النساء يتركن والديهنَّ العالميِّين ويتبعن أزواجهنَّ. من الواضح، في العادة، ما يحصل في العالم يعارض كلمة الكتاب. إذًا، بما أنَّ الكلمة قيلت عن الرجل، فهي لغز موضوع بالنسبة إلى الجسد، لكي يترك كلَّ لذَّة وينضمَّ إلى النفس. فلو أنَّ الكتاب قال: تترك المرأة والديها وتتبع زوجها، لكان علَّم النفسَ أن تقيم علاقة مع الجسد. ولكن بما أنَّه قال عن الرجل: يترك والديه وينضمَّ إلى امرأته، فهذا رمز التعليم الذي ترسمه الكلمة لنا: هي تدفع الجسد لكي يتخلَّى عن ملذّاته ويبغض شهواته ويقيم علاقة مع النفس، في كلِّ خير. فالجسد يقيم علاقة مع النفس، والنفس مع الروح القدس، والروح القدس مع الثالوث الأقدس. وهكذا تتمُّ حقًّا هذه الكلمة: "الله هو فوق الكلِّ وفينا كلِّنا" (أف 4: 6). وهذه أيضًا: "أنتم هيكل الربّ، وروح الله يقيم فيكم" (2 كو 6: 16). (العظة 12، عدد 523-524).

ورد في هذا المقطع إيرادان من القدِّيس بولس. ففي كتاب العظات هناك ثلاثة عواميد من الرسائل البولسيَّة، تجاه سبعة لكلِّ الكتاب المقدَّس، القديم والجديد. ممّا يعني مكانة بولس في تأمُّلات فيلوكسين. نقرأ هنا بداية الرسالة الأولى إلى كورنتوس، فنكتشف بعض نفسيَّة فيلوكسين حول الحكمة الحقيقيَّة:

الروح المحتال يبني ويغلب في كلِّ وقت أفكارًا متعارضة: يربط ويحلّ، يصدق ويكذب، يوافق ولا يوافق ويختار آخر مكانه. هو قناة الأفكار الغامضة ولا يلبث في أيِّ فكر ليعتقد به، ويستند إليه. أمّا بالبساطة فهي عكس الحيلة في كلِّ شيء، كما يدلُّ عليها اسمها، لأنَّ ليس لها أفكار يردُّ فيها الواحدُ على الآخر. نالت البساطة اسمًا يليق بالله: نحن ندعو الله "بسيطًا" لأنَّ لا تركيب فيه ولا أجزاء... (العظة 4، عدد 81).

وكذلك أيضًا بالنسبة إلى الرسل. فمن الأكيد أنَّهم حين اختارهم يسوع، كانوا أبسط من أيِّ شخص آخر. اختارهم يسوع ليهزأ، ببساطتهم، من حكمة العالم، وليبيِّن، بجهلهم، بطلان علم الذين هم علماء ومتعلِّمون، كما قال بولس أيضًا: "اختار الله جهّال العالم ليخزي حكماءه (= حكماء العالم، 1: 27). وقال أيضًا: "أما جعل الله حكمة العالم جهالة؟" (آ20). وقال أيضًا: "لأنَّه، في حكمة الله، ما عرف العالم الله بالحكمة، أراد الله أن يخلِّص الذين يؤمنون بجهالة الكرازة" (آ21). وسبق وقال أيضًا لبعض تلاميذه الذين يفاخرون بعلم العالم: "يا إخوتي ليس فيكم كثيرون حكماء حكماء في اللحم (والدم)" (آ26).

لا أريدُ أن أقول هنا إنَّه لا حكمة إلاَّ في تعليم المسيح، بل إنَّ حكمة المسيح هي حكمة فوق العالم، وحكمة العالم خصمُها في كلِّ شيء، كما الظلمة خصم النور، والمرُّ خصم الحلو، والمرض خصم العافية، لأنَّ حكمة الله لا تنتصر في التأمُّل والاعتناء بالأمور الأرضيَّة، بل إنَّ اهتمامها كلَّه هو في الأمور الروحيَّة، وتحرُّكاتها وأفكارها هي فوق العالم. كما يشهد الرسول عن نفسه: "أنا جاهل في حكمة العالم، ولكنِّي أمتلك بعلمي حكمة فوق العالم" (2: 1-2). وعلَّم أنَّ كلَّ إنسان لا يسعه أن يسمع ويتقبَّل الحكمة التي عنده، فكرز قائلاً: "الحكمة التي نتكلَّم عنها وسط الكاملين، هي حكمة لا تخصُّ هذا العالم ولا رؤساء هذا العالم، لأنَّهم إلى الدمار، بل نتكلَّم سرِّيًّا عن حكمة الله التي لم يقدر أحد من حكماء هذا العالم أن يسمعها" (آ6، 8). فحكمة العالم لا يسعها أن تتقبَّل بنيان حكمة الله، ولهذا وضع ربُّنا البساطة أساسًا (لنا) (العدد 82-83).

لاحظنا هنا أمرين. الأوَّل، التشديد على البساطة الإنجيليَّة في وجه تقلُّبات هذا العالم. هكذا فعل الآباء القدِّيسون حين قرأوا الأسفار المقدَّسة، وهكذا نفعل نحن أبناءهم. والأمر الثاني، حضور النصوص البولسيَّة التي تغذِّي صلاة أسقف منبج وتأمُّله. فالكاهن (أو الأسقف) الذي لا يعرف أن يناجي الربَّ مناجاة تصل به إلى المشاهدة، لا يستطيع أن يخبر الناس عن الله. هنا يقف فيلوكسين مع آباء الكنيسة الذين تركوا العظات والأناشيد، حيث جاء كلامُهم نسيجًا من آيات الأسفار المقدَّسة. ونقدِّم مثلاً من ذلك نقرأه في العظة السابعة في كلام عن مخافة الله:

ويعرِّفنا النبيُّ (داود) أيضًا مخافته لله في مقاطع أخرى: "لحمي تجعَّد بمخافتك، وخفتُ أحكامك" (مز 119: 20). وقال أيضًا: "صرتُ مثل زقٍّ في المرآة وما نسيتُ وصاياك" (آ83). وقال أيضًا: "الحزنُ في قلبي النهارَ كلَّه" (13: 3). ثمَّ: "إلى متى تميل بوجهك عنِّي" (آ2) وأيضًا في الآية عينها: "إلى متى تنساني يا ربّ؟ أإلى الأبد؟". وفي آ3: "إلى متى تضع الفضَّة في نفسي". وقال أيضًا: "اشفني يا ربُّ لأنَّ عظامي مبلبلة ونفسي مبلبلة جدًّا" (مز 6: 3). وأيضًا: "تعبتُ من النواح، وغمرتُ سريري ببكائي، وسقيتُ فراشي بدموعي، وتألَّمتْ عيني من غضبك (آ6-7). ومن الأكيد أنَّ كلَّ هذا سببه مخافة الله. وقال أيضًا: "أندبُ بسبب زئير قلبي (38: 9). وقال أيضًا: "اهدني، يا ربُّ، بمخافتك وبرِّك" (5: 9). وقال أيضًا: "جسمي (لحمي) غير معافى بسبب غضبك، وعظامي غير سليمة بسبب خطاياي، لأنَّ ذنوبي تجاوزت رأسي، وثقلت عليَّ مثل حملٍ ثقيل جراحي أنتنت وقيَّحت، وتبلبلت بسبب ذنوبي. أمشي في الحداد النهار كلَّه، لأنَّ عقبيَّ امتلأتا بلبلة. تبلبلتُ وكنتُ تعيسًا" (38: 4-9). وقال أيضًا في آ11: "تحوَّل قلبي وغادرتني قوَّتي ونور عيني غاب عنِّي". وقال أيضًا: سكتُّ وصرتُ حزينًا، وتعيسًا ويائسًا، وزاد ألمي اضطرابًا. قلبي جفَّ في داخلي، ونارٌ اتَّقدت في جسدي" (39: 3-4). وقال بعد هذا: "سكتُّ وما فتحتُ فمي، لأنَّك أنتَ فعلت. فنيتُ بتوبيخ خطاياي" (آ10).

في مقطع آخر، هنَّأ الإنسان الذي يخاف الله، وعرَّفه ما تمنحه مخافة الله من خيرات للذي يخافه: "طوبى للرجل الذي يخاف الربّ" (112: 1). هنا يُهنَّأ ذاك الذي يخاف الله. ومع أنَّ الربَّ جعل تطويباته في أعمال أخرى. فالنبيُّ داود هنَّأ ذاك الذي يخاف الربّ: "طوبى للرجل الذي لا يسير في طريق الأشرار" (1: 1). لا شكَّ في أنَّه ما سار في طريق الأشرار، لأنَّه يخاف الله. وقال أيضًا: "طوبى للرجل الذي تؤدِّبه، يا ربّ، وتعلِّمه شريعتك" (94: 12). من الواضح أنَّ مخافة الله تعلِّم الشرائع، والإنسان الخائف يُقرُّ بتأديبه. وقال أيضًا: "طوبى للذي يداوم في الطريق ويسير في شريعة الربّ" (119: 1). وهنا أيضًا هي مخافة الله التي تحفظ الإنسان من كلِّ لطخة وتدفعه لكي يمشي في طريق الشريعة. وقال أيضًا: "طوبى لمن غُفرت معصيته وسُترت خطاياه" (32: 1).

نوقف هذه المسبحة الطويلة من الآيات الكتابيَّة. فهي أساس التأمُّل والصلاة وبما أنَّ الأقدمين اعتادوا أن يردِّدوا المزامير، صاروا يعرفونها عن ظهر قلبهم فتأتي على شفاههم بدون أيِّ تعب. ذاك ما فعل فيلوكسين وغيره من الآباء. فالعودة إلى الأسفار المقدَّسة هي عودة إلى "ينبوع الماء الحيّ"، لا إلى "آبار مشقَّقة لا تمسك ماء" (إر 2: 13).

2. فيلوكسين وإرشاد النفوس

ذاك دور آخر، مهمٌّ جدًّا، للكاهن. هناك من يمضي إلى أحد الديورة، أو إلى أحد الحبساء. هذا يعني خبرة عميقة مع الله، وإلاَّ كيف يستطيع ذاك الذي لم يمشِ في الطريق أن يدلَّ السائل كيف يتوجَّه؟ هناك مثل سلبيٌّ مهمٌّ نقرأه في سفر صموئيل الأوَّل: فراغ تامٌّ حول المعبد: "كلمة الربِّ نادرة، والرؤى قليلة" (3: 1). ماذا؟ هل صار الله صامتًا فشابه الأصنام؟ ولكنَّ الله أرسل كلمته إلى العالم، أتُراه لا يتكلَّم؟ فغياب الكلمة لا يعود إلى الله، بل إلينا. نحن لا نسمع أو لا نريد أن نسمع. وإن سمعنا لا نعرف أن نميِّز صوت الله بين الأصوات التي تصل إلينا. قال بولس الرسول: إذا كان الشيطان يتزيّا بزيِّ ملاك، فماذا نقول عن خدَّامه؟!

أخفى الله كلامه وستر وجهه بحيث لا يراه أحد! ذاك كلام الذين لم يعرفوا أن يعيشوا مع الله. ومنهم عالي، كاهن معبد شيلو. يقول الكتاب إنَّ الربَّ نادى صموئيل (آ4). هو شابٌّ وربَّما صبيّ. صوت ينادي في معبد لا يقيم فيه سوى الكاهن وصموئيل. ظنَّ صموئيل أنَّ الكاهن يدعوه. أجاب الكاهن بسرعة: "ما دعوتك، ارجع ونمْ" (آ5). أما كان أحرى بهذا الكاهن أن يتساءل عن مصدر هذا الصوت؟ ونادى الربُّ صموئيل مرَّة ثانية ومرَّة ثالثة. في النهاية، فهم عالي فقال لهذا الصبيّ: "اذهب ونمْ. وإن دعاك صوتٌ فقل: تكلَّم يا ربُّ لأنَّ عبدك يسمع" (آ9). وكلَّم الربُّ صموئيل ولبث يكلِّمه "فما أهمل كلمة من كلماته" (آ19).

مرشد النفوس الأوَّل هو الروح القدس، كما يقول فيلوكسين. وبقدر ما نعرف أن نسمع الروح يتحدَّث في أعماقنا، نستطيع أن نقول للمؤمنين "ما يقوله الروح للكنائس" (رؤ 2: 7، 11، 17...) وما يقوله لكلِّ مؤمن من المؤمنين. حين كان الرسل يصطادون على البحيرة، وما أصابوا شيئًا، كلَّمهم يسوع من على الشاطئ. من عرفه؟ فقط التلميذ الحبيب. فالحبيب وحده يعرف صوت الحبيب. أمّا الآخرون فلبثوا خارج هذه المعرفة.

الروح يعمل ولكن هل نحسُّ بحضوره؟ من هنا الحاجة إلى الإيمان: "كلُّ ما هو روح، وعالم الكائنات الروحيَّة، يراه الإيمان، يُحسُّ به الإيمان. وإذا لم يكن الإيمان فينا فلا نستطيع أن نفهم شيئًا إلاَّ ما نراه. عندئذٍ لا حاجة إلى الإيمان. فالعيون تكفي "عالم الروح يراه الإيمان ويحسُّ به، وإن لم يكن من إيمان، فكأنَّ هذا العالم غير موجود". وهذا الروح هو روح الحرِّيَّة، إنَّه يعمل فينا بحيث يظفر التلميذ بهذه الحرِّيَّة الروحيَّة التي هي الكمال. فالمرشد يقود تلميذه لكي يضع يده على حرِّيَّته، وبعزم وشجاعة. "طبيعتنا جُعلت لكي تنتصر. إذًا، سوف تنتصر. الأهواء ضعيفة وجُعلت لكي تُقهَر. لا قوَّة لها إلاَّ تلك التي نعطيها". القتال، الظفر، لفظان يعودان مرارًا في أقوال فيلوكسين. لا على طريقة الرواقيِّين، بل بنعمة الله التي ننالها في الصلاة فتجاه القتال والظفر هناك النعمة والصلاة.

وهذا المرشد دقيق الملاحظة، متنبِّه، بحيث لا ينتصر هوى على هوى آخر. وتكون النتيجة عبورًا من عبوديَّة إلى عبوديَّة. فالموضوع هو امتلاك الحرِّيَّة، ولا حرِّيَّة إلاَّ تلك التي يعطيها الروح القدس، الذي هو روح المحبَّة.

المحبَّة هي ثمرة المخافة. ونحن لا نحصد الحبَّ قبل أن نفلح ونزرع في المخافة. وكما أنَّ غلَّة مزارعي العالم هي بين يدَي الله، فيبقى لإرادتهم أن يفلحوا ويزرعوا، كذلك يكون لإرادتنا أن نفلح ونزرع في المخافة، ولإرادة الله أن تصل إلى مقدار المحبَّة ونجمع ثمارها. قبل وحي المسيح الذي أتى بالمحبَّة إلى العالم، هي المخافة التي كانت تفعل في العالم لدى البشر. ومع أنَّ خالقنا دعانا أبناءه، بنعمته، ليرفعنا وينمينا، فمع ذلك يليق بنا أن نبقى في التواضع ومخافة العبيد. لسنا نحن من ندعو نفوسنا أبناء، بل نعمة الذي دعانا. لسنا نحن من يطلب الأجر بوقاحة، فلنا فقط أن نخدم في المخافة، ولله أن يعطينا أجرَ المحبَّة. لا يخطأ أحدٌ فيدعو المحبَّة أجر المخافة: فكما أنَّ العالم ينال أجرًا بعد عمله، كذلك يجعلنا يسوع نتذوَّق حلاوة محبَّته بعد خدمته في المخافة.

حينئذٍ يصل إلينا الفرح، فنقف بثقة الأبناء (أمام الله). حينئذٍ يجد إنساننا السرِّيُّ الحرِّيَّة لدى الله، وذهننا يستقي في كلِّ وقت الفرح الروحيّ، ويُخلَق سرِّيًّا من جديد في رؤية النور السماويّ، ويُولَد في النفس احتقار كلِّ ما هو منظور. فكأنَّ منزلنا هو منذ الآن في الملكوت المعدِّ للقدِّيسين. هذه الأمور وما يشبهها هي علامة النفس التي تذوق الحبَّ الإلهيّ، لأنَّ الإنسان الذي هو في الحبِّ الكامل، هو في الله. وأيَّةُ سعادة تشبه هذه السعادة، وأيَّةُ راحة تساوي هذه الراحة، بأن نكون في الله. فالحبُّ الكامل هو التنقية من كلِّ الشرور وإكمال كلِّ الخيرات. غير أنَّ يسوع لا يقبل أن يعطي غنى الحبِّ هذا إلاَّ للإنسان الذي عرف أن يستحقَّه (العظة 7، عدد 210-211).

إلى هذه الدرجة يحاولُ المرشدُ أن يقود تلميذه، والكاهن أن يساعد كلَّ مؤمن يأتي إليه. لا يقبل معه ببعض الأمور الخارجيَّة التي تجعل منه إنسان مجتمع، بل يكون متطلِّبًا معه. "قيل لكم: لا تقتل، أمّا أنا فأقول لكم". لا تكفي الوصايا لكي تدخلنا إلى الملكوت، ملكوت الحبّ. فالمرشد يطلب أكثر على مثال ما فعل الربُّ مع الشابِّ الغنيّ. سأله: ماذا أعمل لأرث الحياة الأبديَّة؟ فأجاب يسوع: احفظ الوصايا. قال الشابُّ: حفظتها منذ صغري. عندئذٍ قال له يسوع: ينقصك بعد... لا يحسبُ المؤمن يومًا أنَّه بلغ إلى الكمال في بعض ممارسات، على مثال ذاك الفرِّيسيّ الذي أتى إلى الهيكل يصلِّي، ورأى نفسه متفوِّقًا على العشّار. وإن هو أضلَّ نفسه، يكون المرشد هنا، فيدعوه إلى التواضع والاتِّكال الدائم على نعمة الله. فهي التي تسندنا في أيَّة ساعة. وإن نحن أردنا أن نستقلَّ عنها يصيبنا ما أصاب بطرس: شكَّ في إيمانه فبدأ يغرق. ولكنَّ يد الربِّ كانت هنا. حذَّرته من نفسه، دعته إلى الإيمان والثقة. لهذا أراد روح الله أن يعلِّمنا مخافة الله بواسطة الأنبياء كلِّهم: "ليخف الربَّ كلُّ عابري الأرض، وجميعُ الهابطين إلى الجحيم يحنون ركبهم قدَّامه" (مز 22: 30). وقال أيضًا: "وجهتي في مخافتك، يا ربّ، وفي برِّك" (مز 5: 8-9). وبما أنَّه عرف أهمِّيَّة مخافة الله، طلبها من الله مثل موهبة، لا أكثر.

نمتنع عن الشرِّ ثمَّ نخضع للشريعة. وذلك خوفًا من الشريعة، وأخيرًا نمارس الخير طوعًا لنكون فوق الشريعة كما علَّمنا بولس حين قال إنَّ الشريعة لم تُجعَل للأبرار. درجات البرِّ الثلاث هذه، نعمل بها في العالم، والذين يخدمون الربَّ في هذه الدرجات هم الرجال والمستقيمون والأبرار، لا الروحيُّون والكمّال. فالدرجتان الأوَّليّان جُعلتا فوق معرفة الشريعة، والدرجة الثالثة هي فوق الضغط والخوف من الشريعة، لأنَّ في هذه الدرجة، يُعمل الخير بروح خفيٍّ حيث الشريعة لا تقدر أن تنظر ولا أن ترى. فعين الشريعة ترى العمل العلنيَّ، لا الأفكار الخفيَّة. والذي يحبُّ الله من كلِّ قلبه ومن كلِّ فكره ومن كلِّ نفسه يحبُّه سرِّيًّا: أحبَّ الله، هي فوق الشريعة والوصيَّة. خفِ الله هي تحت، لأنَّ للشريعة سلطة على المخافة لا على المحبَّة. فالمحبَّة هي فوق وصايا الشريعة، والشريعة لا سلطة لها على الذين تقودُهم المحبَّة.

هي الأشياء الثلاثة علَّمها ربُّنا للأبرار الذين في العالم، وفيها تجتمع كلُّ الأعمال الحسنة. تمارَسُ في الصدقة، ولدى الملاَّكين تجاه الفقراء، بواسطة غناهم فيها وُضعت قوَّةُ هذه الوصيَّة: لا تعمل لقريبك ما تبغضه لنفسك، كما شرح المعلِّم" "هنا الشريعة والأنبياء" (مت 23: 40).

ولكنَّ برَّه الذي هو فوق الشريعة، قاله بهذه الكلمة: "ادخلوا في الباب الضيِّق" (مت 7: 13). قرب الشريعة، أنت مرَّة محشورًا وطورًا موسَّعًا، مرَّة تعمل ومرَّة ترتاح. أمّا قرب قاعدة المسيح فقد كُتب: ادخلوا من الباب الضيِّق. وبحقٍّ أصعد الربُّ تلاميذه كمعلِّم حكيم وصالح، وأتى بهم درجة درجة بما يتعلَّق أوَّلاً بالعهد القديم، ثمَّ بما يتعلَّق بالعهد الجديد، أوَّلاً لكي يبيِّن أنَّه هو من يعطي الوصايا الأولى والأخيرة، ثانيًا ليصعد تلاميذه من الأشياء الصغيرة إلى الأشياء الكبيرة. من "أحبَّ إلهك" إلى "أحبَّه أكثر من نفسك" من "أعطِ ممّا لك" بل وزِّع كلَّ ما لك". من "بعض خيراتك" إلى "كلِّ خيراتك" (العظة 9، العدد 335-336).

هكذا يكون الكاهن المرشد. فكما الأب يوجِّه أولاده والأمُّ مثله، كذلك الكاهن الذي يدعوه الرسول ذاك الذي وَلَد الجماعة للمسيح. يدخله إلى الباب الضيِّق، لا في الباب الواسع. يدعوه إلى الصعود والصعود. لا مجال للراحة. ففي السماء تكون لنا الراحة. وهذا الصعود يفترض التجرُّد من كلِّ شيء لكي نُعطي كلَّ شيء. فمن كان على ظهره الحمل الثقيل لا يستطيع أن يصعد لكي يصل إلى القمم. لهذا قال الربُّ لتلاميذه: لا تحملوا ذهبًا ولا فضَّة... لا حاجة إلى ثوبين وحذاءين، لا حاجة إلى العصا. كلُّ هذا يعيق المسيرة إلى الربِّ وهو الذي ما "تلبَّك" بشيء فقال: "للثعالب أوجرة، ولطيور السماء أعشاش، وأمّا ابن الإنسان فما له موضع يُسند إليه رأسه" (لو 9: 58). فمن كان حرًّا، متجرِّدًا، يستطيع أن يسمع قول الربّ: "اتبعني" (آ59). "واترك الموتى يدفنون موتاهم" (آ60). فعالم الموت للأموات. أمّا الأحياء "فيذهبون ويبشِّرون بملكوت الله"، ولا يطلبون سوى الملكوت. إلى هنا يصل الكاهن، وإلى هنا يوصل من جاء يسترشد لديه.

والكاهن لا يتعلَّم فقط ما تعلَّمه من معلِّميه ومن الذين سبقوه، بل ما سبق له واختبره بنفسه. ولا يودُّ أن يسمع تلميذُه فقط أقواله، بل أن يسمع اللهَ يتكلَّم معه: فالإيمان هو في جوهره فعلٌ حرّ. وإن تكلَّم الله وسمعه التلميذ، حينئذٍ يستفيد المعلِّم والتلميذ من الكلمة. هذا ما نقرأ في العظة السادسة:

لنتكلَّم عن مخافة الله بروحٍ يخاف الله ولنستفد من الكلمة من أجل منفعتنا الشخصيَّة ومنفعة الآخرين، بحسب موهبة نعمة الله. فنحن لا نكتب لنُظهر أنَّنا علماء، بل لنجعل ما نستفيد منه ينتقل إلى الآخرين. فالذي يسمع فإن لم يكن ليصغي إلى كلمة الله، إن كان لا يتقبَّلها مثل علم بشريّ، وإن كان لا يتعلَّمها ليفتخر بها افتخارًا باطلاً، فهذه الكلمة تعطي في كلِّ وقت ثمارًا روحيَّة من لدنه. فالتعليم الذي يُعطى مع العلم، والذي يُسمَع بتميُّز، ينتج ثمارًا روحيَّة من جهتين، في لسان الذي يزرع، وفي أذن الذي يتقبَّل، شرط أن يكون الذي يعلِّم معلِّمًا حقيقيًّا، لا قناة يمرُّ فيها تعليم الآخرين (عدد 160-161).

3. صفات الكاهن

في هذا الإطار من الإرشاد، نتوقَّف عند ثلاث صفات ينبغي أن يمتلكها الكاهن. هو أوَّلاً أبٌ يلد التلميذ إذ يعطيه حياة من حياته. وهو الطبيب "ينبغي أن نكون أطبّاء لنفوسنا وللآخرين". وإلاَّ سوف نسمع كلام الربِّ: أيُّها الطبيب طبِّبْ نفسك! أو: أنت تحاول أن ترى القشَّة في عين أخيك ولا ترى الخشبة في عينك. إنَّ الطبيب الحكيم لا يعمل إرادة المريض، ولا يخضع لنزواته وإن كانت ضارَّة. فيستعمل بعض المرّات الحزم، حين يرى مريضه ضعيف الإرادة. وهناك "الغنُّوج" الذي يخاف من أيِّ شيء فيدعو الطبيب. يهتف إلى المرشد الذي هو الطبيب الروحيّ. وتأتي الأمثال من عالم الطبِّ والأمراض:

إن رأى على جسمه دحلة صغيرة، فيرى فيها ورمًا خبيثًا. إن أحسَّ ببعض التعب، حسب أنَّه في مرض خطير. أقلّ انزعاج هو سبب كافٍ لكي يتوقَّف عن العمل. ويعلك آلامه قدَّام الجميع ليقنع جميع سامعيه بالجهود التي يقوم بها.

هنا يأتي الطبيب. يهزُّ مريضه. يبيِّن له السبب. لا يسمح له بالتكاسل، ولا بالعودة إلى الوراء، حين كان "التلميذ" بعدُ طفلاً. فالعودة إلى الوراء تعني الذهاب إلى الموت، أو ما هو أبشع، التراجع إلى الطفولة. فما أتعسَ الراهب أو النفس المؤمنة، الذي يفرح حين يتصرَّف مثل طفلٍ. في أيِّ شيء يطلب نصيحة، مساعدة، تعزية، يحتاج إلى تشجيع، إلى من يوافقه الرأي.

والكاهن هو فلاَّح في كرم الربّ. هو الزارع الذي لا يتوقَّف عن الزرع مهما كانت النتيجة المنظورة. يرمى أربع حبّات، فتموت ثلاثٌ وتبقى حبَّة واحدة. هل يقنط، هل ييأس؟ كلاَّ. فالحبَّة التي أثمرت تعطي ثلاثين، ستِّين، مئة. وفي أيِّ حال، ليس "الفلاَّح" هو من ينمي الزرع. هو يزرع، يسقي. ولكنَّ الله هو الذي يُنمي ونتذكَّر المثل الإنجيليّ كما نقرأه في إنجيل مرقس: "رجل يبذر الزرع في حقله، فينام في الليل ويقوم في النهار، والزرع ينبتُ وينمو، وهو لا يعرف كيف كان ذلك" (4: 26-27).

والصعوبة الكبرى التي لا يتحمَّلها الكاهن هي حين يجد الزؤان وسط القمح. كلُّ التعب الذي قام به لكي يزرع زرعًا جيِّدًا. وإذا بأناس يأتون ويسألونه: "يا سيِّد، أنتَ زرعتَ زرعًا جيِّدًا في حقلك، فمن أين جاء الزؤان؟ فأجابهم: "عدوٌّ فعل هذا" (مت 13: 28). الزؤان حاضر، ولن يُقتلَع قبل نهاية العالم، أي في وقت الحصاد (آ30). فالكاهن يقبل بالوضع، ويعمل قدر الإمكان لئلاَّ يسيطر الزؤان على القمح، والتعاليم الضالَّة على تعاليم الكنيسة المستقيمة.

أمام وضع عاشه فيلوكسين في أبرشيَّته، كنيسة منبج، ويعيشه الكاهن في سنوات من الخدمة تصبح في النهاية مملَّة، نتطلَّع إلى الوراء، ونتعلَّق بأمور لم يتعلَّق بها يسوع. هنا يتذكَّر الكاهن كلام الربّ: "من وضع يده على المحراث ونظر إلى الوراء، لا يصلح لملكوت الله" (لو 9: 62). فيلوكسين، هذا الرجل البليغ، الذي عرف التعامل مع الكبار وعلى رأسهم الإمبراطور، أما ندم لأنَّه أخذ طريق الكهنوت، طريق الأسقفيَّة؟ كان بإمكانه أن ينجح أكثر لو بقيَ في العالم. وماذا كان له في النهاية سوى الاضطهاد المرير! ولكنَّ صوت الربِّ يدعو كلَّ واحد منّا. أمّا الذين يتخاذلون، فهذا يعني أنَّهم لم يطلبوا المسيح في العمق، بل طلبوا نفوسهم. وهكذا نقرأ بعض العظة التاسعة:

كثيرون يتتلمذون لكي يكرَّموا باسم المسيح، لا ليكرِّموا المسيح. يؤجِّرون نفوسهم لكي يكونوا في ملذّات الجسد لا ليتحمَّلوا نسكيّات الوصايا. وآخرون يقتربون من هذه القاعدة التي تفترض التجرُّد، تدفعهم رغبة المال (مامون) ولكي يقتنوا من خارج العالم (= في الدير) ما لم يستطيعوا أن يقتنوا في بيوتهم. ففي شخص التلميذ الوحيد الذي تسجَّل في إنجيل مخلِّصنا، لام يسوع هذه الفكرة لدى الآخرين كلِّهم... ابتعدْ عنّي يا تلميذًا شرِّيرًا. لا أستطيع أن أعطيك ما ترغب فيه، ولا تستطيع أن تتقبَّل ما أعطيك. أنا أعرف ماذا تطلب فلا أعطيك ما تبحث عنه. سُررتَ أن تأتي إليَّ حبًّا بالغنى، خرجت تطلب الظلمات في النور، والفقر في امتلاك الغنى، والموت في الحياة. أتيتَ إليَّ وأنت تريد أن تقتني ما أوصيتُ الجميع أن يتركوه لكي يتبعوني. فالباب الذي عجَّلْتَ أن تدخل فيه لكي تأتي إليَّ، هو ذلك الذي أريد أن أخرجك به. ولهذا لا أستقبلك. أنا فقير في وضعي في العالم، ولهذا سبب ليس لي غنى عالميّ أعطيه في العالم الذي أتيت إليه. تراءيت مثل غريب، لا بيت لي ولا سقف. ومن أراد أن يكون تلميذي، يرث الفقر منِّي: لماذا تريد أن تأخذ منِّي ما أجعلك تتخلَّى عن امتلاكه؟

وقبل أن نعود إلى الأبوَّة، نتحدَّث عن الطبِّ الذي يمارسه الكاهن. فهو ضروريّ جدًّا من أجل صحَّة النفس. هذا معاق! لا أستطيع أن أفعل شيئًا له. وفي أيِّ حال، لا أراه، وأهله لا يسمحون لي بأن أراه. هذا مريض! أبدأ فأعالج الأصحّاء، مع أنَّ يسوع قال أتيت من أجل المرضى، لا الأصحّاء. هذا خاطئ! كم مرَّة نبَّهته وما استفدتُ شيئًا. إذًا أمضي إلى الأتقياء في الرعيَّة، الذين لا يعارضونني في شيء ويملأون الكنيسة بعض المرّات فلا أحسُّ بالفراغ في كنيسة، كما في عملي. وهذا مع أنَّ يسوع جاء من أجل الخطأة، ومضى إلى الخروف الضالِّ تاركًا التسعة والتسعين في أمان. إلى هؤلاء الكسالى يوجِّه فيلوكسين كلامه منبِّهًا كلَّ كاهن بأنَّه طبيب النفوس:

ما من مرض للنفس إلاَّ وكلمة الله أعطته العلاج. وكما أنَّ هناك أدوية ممزوجة يركِّبها الطبيب من أجل أمراض الجسد، هناك أدوية أعدَّها الروح القدس وركَّبها ضدَّ أهواء الخطيئة، بحيث إنَّ الذي يحسُّ أنَّه مريض، يجد دواء بجانبه فيجد العون المباشر لنفسه. جميع الأمراض تشفى بما هو عكسها: الآتية بالبرد، نباتات حارَّة. الآتية بالحرارة نباتات مبرِّدة. الآتية من الرطوبة، نباتات مجفِّفة. فخذ من هنا مثلاً، أيُّها الإنسان الحكيم الذي يريد أن يشفي أمراض النفس، وافعل لنفسك ما يفعله فنُّ الطبِّ للجسد. لأنَّ أمور النظام الخارجيِّ وُضعت أمام عيوننا كمثال الأمور النظام الداخليّ، بحيث نشفي النفس كما الجسدُ يُشفى.

لنعدَّ إذًا لكلٍّ من الأهواء، العلاج الذي يعاكسه: ضدَّ الشكّ، الإيمان. ضدَّ الضلال، الحقيقة. ضدَّ الظنّ، اليقين. ضدَّ الكذب الصراحة، ضدَّ الاعوجاج، البساطة. ضدَّ الاحتيال، الصدق... ضدَّ التكبُّر، التواضع. ضدَّ التعجرف، احتقار الذات... ضدَّ الغنى، الفقر. ضدَّ الامتلاك، التجرُّد... (عدد 21-22).

لائحة طويلة يقدِّمها فيلوكسين، وهي تساعد المرشد لكي يرافق تلميذه، والطبيب لكي يشفي النفوس الآتية إليه. هذا يدلُّ على القتال، المصارعة الروحيَّة. وأعطى الواعظ مثلَ أيّوب: أيَّ ثمرة علَّمه طبُّ الروح أن يضع على المائدة قبل الطعام؟ "نحيبي أُدخلُ قبل خبزي، وزئيري فاض مثل الماء" (أي 3: 24). فما من أحد أرضى الله في العالم بدون الأعمال القاسية، لأنَّ تلك هي طريق ملكوت العلاء: "ضيِّق السبيل الذي يقود إلى الحياة" (مت 7: 14). إذًا لننطلق في السبيل الضيِّق الذي رسمه الله لنا لنقبل أن نكون في الضيق هنا لكي "نترحرح" هناك. لنجُعْ هنا لكي نشبع هناك. لنخفِّف أكلنا وشربنا هنا لكي يكون لنا هناك وفرة من طعام الروح... لنعمل هنا مثل أولاد النعمة في بيت أبي الحقّ، لكي ينال هذا الميراث المملوء سعادة الذي وُعد به الأولاد" (العظة 11، العدد 491-492).

وهكذا نعود إلى مفهوم الكاهن الذي هو أب، وأبوَّته امتداد لأبوَّة الله. إذًا، يتميَّز بعواطف الأب والأمِّ مع أولادهما. والعاطفة الأولى: المحبَّة. فيسوع في ذروة عمله، أحبَّ تلاميذه وأحبَّهم إلى غاية الحبّ" (يو 13: 1) ومثله يكون الكاهن.

لنسمع، يا أحبّائي، صوت الله الحيِّ الذي دعانا لكي يعطينا الحياة الأبديَّة فصوته مليء بالحياة، وهو يعطي الحياة لمن يسمعه. الصوت الحيُّ تقوله الحياة، والحياة يعطيها الصوتُ الحيُّ للذين يسمعون كلامه بأُذن حيَّة (العظة الأولى، العدد 9).

ونقرأ في العظة الثالثة التي تعالج الإيمان، ما يُطلب من التلميذ تجاه أمِّه:

تعالَ اسمعْ، أيُّها التلميذ، انتصارات الإيمان المرغوبة. تعال اسمعْ صوت والدتك لأنَّها تعطيك الحياة بأناشيدها الطيِّبة. تعال ارضعْ حليب التعليم الحيِّ من ثدي أمِّك الحيِّ التي ولدتك. تعال قفْ على النبعِ الذي يسقي الأجيال. لأنَّ من لا يشرب منه يبقى عطشان. تعال اجلسْ إلى المائدة المليئة بطعام الحياة، لأنَّ الذي لا يغتذي به، ليس له حياة في حياته. تعال، مِلْ أذنك واسمع، تعال، افتحْ عينيك وانظر المعجزات التي يدلُّك عليها الإيمان. تعال: كوِّن لنفسك عينين جديدتين، تعال، اخلقْ لنفسك أذنين خفيَّتين: أنت مدعوٌّ لكي تسمع الخفيّات، فلا بدَّ لك من أذنين خفيَّتين. أنت مدعوٌّ لترى الروحيّات، وأذنا الروح مفيدة لك. تعال فترى نفسك ما لستَ أنت، وتجدَّدْ قبل أن تُجدِّدْ (العدد 52).

هو الحبُّ يملأ قلب الكاهن. هو الحنان، أين منه حنان الأمّ. وهو الاهتمام والعناية، كما الأمُّ تعتني بطفلها. كم نحن بعيدون عن تشبيه الكاهن بالراعي، في نبوءة حزقيال. هنا، الكاهن هو أب وأمّ. فما أجمل هذه التسمية الوالديَّة! وهل أرفع منها في الكون. من أجل هذا، كان فيلوكسين محبوبًا لدى الكهنة والرهبان. فيعتبرون مجيئه إليهم عيدًا. ونقرأ العدد 19 في العظة الأولى:

ينبغي على الذي يبدأ في هذه القاعدة، خلال طفولته، أن يجعل نفسه تحت عناية معلِّميه وسهرهم، أن يطيع أقوالهم، ولا يحكم على نقائصهم. وينبغي على هؤلاء المعلِّمين أيضًا أن يعتبروا نفوسهم بمثابة مربِّين أوكل إليهم ابن ملك سماويّ: أبوه ملك. أخوه ملك. أمُّه ملكة. وكما أنَّ الذين يربُّون ابن الملك، في العالم، يعتنون اعتناء لا حدود له، لكي يعلِّموه، ويجتهدون ليرضوا الوالدين بواسطة أولادهم، وليرضوا الأولاد أنفسهم حين يبلغون كرامة المُلك، كذلك معلِّم التلاميذ يرى نفسه بمثابة مربِّي ابن الملك، فيتنبَّه داخليًّا وخارجيًّا، لكي يحفظهم وينمِّيهم.

وأخيرًا، لا يكون الأبُ ضعيفًا، فيكوِّن عند ولده المخافة: "فالمخافة تليق طبيعيًّا بالطفولة. فالمخافة تقود الإنسان إلى النضوج. إذًا، ترافق المخافة التلميذ الذي بدأ يشقُّ طريقه في البرّ". وكان فيلوكسين قد قال: "كما أنَّ المخافة ترافق الطفولة في هذا العالم وتدفعه أكثر من أيِّ تعليم ليعرف القراءة والكتابة، كذلك مخافة الله أيضًا، تليق بطفولة النفس وتدفعها لكي تمارس الوصايا، وتمنعها من احتقار ما نُقل إليها من كلام الله، والاستخفاف به. فالمخافة تقود الإنسان إلى سنِّ الرشد، والرعب والفزع من المشترع، يمسكان التلميذ إلى أن ينكشف فيه البرُّ الذي يدين، ويعلِّمه أنَّه يُطلَب منه أن يمارس ما تطلبه الوصايا وأن يحفظ الشرائع التي أعطيَت له. وحين ينكشف فيه البرُّ وتقوم فيه النعمة التي وُضعَتْ طبيعيًّا في نفسه، فهي تفرض عليه أن يوضع مثل دائم دَيْنَ ممارسة الوصايا... حتّى الآن قادتنا مخافةُ الطفولة. فالأقدمون كلُّهم أرضوا الله بهذه المخافة، لأنَّها ضروريَّة لمن لم يزَلْ بعد في درجة العبد" (العظة السابعة، العدد 194-195). يا ليت هذه المخافة تكون في قلب المعلِّم قبل أن تكون في قلب التلميذ.

مثل هذه "القساوة" لا تجعل التلميذ يخاف من المرشد، بل من الله. ولا تدعوه فقط أن يخاف الديَّانَ الآتي، وتهدِّده بالعقوبات، بل أن "يخاف الديّان الحاضر" حيث النفس لا تعود تتذكَّره، فتمضي إلى الموت. هنا نقرأ العظة السادسة (العدد 170-171) مع درجات تذكُّر النفس لله.

كلُّ إنسان هو تجاه تذكُّر الله، كما تجاه نفسه. إن كان في درجة الخطأة، يرى الله كديّان، إن صعد إلى الدرجة الثانية، درجة التائبين، يأتي إليه الله مع غفرانه. وإن كان في درجة الرحماء، يكتشف غنى رحمة الله. إن ارتدى الوداعة واللطف، يظهر لطف الله قدَّامه. إن اقتنى الفهم والحكمة، يشاهد غنى حكمة الله التي لا تُدرَك...

الخاتمة

مشوار طويل سرناه مع فيلوكسين المنبجيّ، وما استنفدنا ما كتب لنا. فهو الكاهن المثاليُّ للكهنة، والأسقف المثاليُّ للأساقفة. هو الذي عرف الكتب المقدَّسة، قرأها، تأمَّلها، صلاَّها، وفي النهاية أوصلها إلى المؤمنين من نبعها، لا من نبع العالم. هو الذي كان الطبيب للنفوس التي أتت إليه. فلحها، زرع فيها كلمة الله، فما تعب ولا توقَّف ولا يئس. أمّا المريضة، فقدَّم لها الدواء. لهذا أحبَّه الجميع، وكانت كلمته مسموعة، لدى الكبار والصغار، لدى الرهبان وأهل العالم حيث اشتهر بعظاته التي تدفع الإنسان لكي يعود سريعًا إلى حياة التقوى وحفظ الوصايا. وأخيرًا هو الأب والأمُّ معًا. قال الربُّ في إشعيا: هل تنسى الأمُّ طفلها، رضيعها؟! هذا مستحيل. ومع ذلك، إن نسيت، فالله لا ينسى لأنَّه أبونا الذي يحبُّنا بقلب أمّ: فيه الحنان والقساوة، وفي الحالين تسيطر عليه المحبَّة. هكذا حاول فيلوكسين أن يكون. وهكذا يحاول الكاهن في القرن الحادي والعشرين. إن كان المسيح هو هو، أمسِ واليوم وإلى الأبد، فالكاهن الذي هو مسيح آخر، يقتدي بمعلِّمه اليوم وكلَّ يوم، ويتعلَّم من الآباء القدِّيسين الذين سبقوه. أمّا نحن فأمامنا فيلوكسين المنبجيّ ويعقوب السريانيّ وإيليّا النصيبينيّ وغيرهم وغيرهم. يا ليتنا نتعرَّف إليهم فيحثُّنا مثالهم لكي نبقى النور الذي ينتظر أبناء البيت كما الآتون من الخارج. عندئذٍ لن تنطفئ شعلة المسيح من هذا الشرق.

 


[1] وُلد في بلدة "تحل" الواقعة في مقاطعة بيت كرماي، في المنطقة الفارسيَّة، حوالى سنة 440. هرب مع أهله من الاضطهاد الذي أثاره الملك الفارسيّ يزدجرد الثاني على المسيحيِّين سنة 446. أتى إلى دير قرتمين وإلى دير تلعدا قبل أن يلتحق بالرها، فتأثَّر بتعاليم تيودور المصيصيّ. ولكنَّه تركها بدعوة من الأسقف نونا، فأخذ بالمونوفيسيَّة أو تعليم الطبيعة الواحدة. ولمّا تضلَّع من العلوم اللاهوتيَّة، أخذ يحارب النسطوريَّة بكلِّ اندفاع. طرده قلنديون، بطريرك أنطاكية سنة 483-484 فمضى يشتكي إلى زينون الإمبراطور القسطنطينيّ، وحثَّه على عزل قلنديون. وهكذا أقيم بطريرك مونوفيسيّ، بطرس القصّار، الذي جعل فيلوكسين أسقفًا على منبج (تبعد 60 كلم في الشمال الشرقيّ من أنطاكية). سنة 518 تغيَّر الحكم مع الإمبراطور يوستينوس، الخلقيدونيّ المذهب، فهرب سويريوس بطريرك أنطاكية إلى مصر، وأرسل فيلوكسين إلى المنفى، وهناك توفِّي في 10 كانون الأوَّل سنة 523. اشتهر بثلاث صفات: البلاغة، الثقافة السريانيَّة، الغيرة على الإيمان. مؤلَّفاته كثيرة...

[2] أخذنا هذا النصَّ من كتاب المزامير في الطقس المارونيّ، للأب يوحنّا تابت (الكسليك، 1991) الذي وضع تجاه نصِّ فيلوكسين ما أخذه الموارنة.

[3] PHILOXÈNE de MABBOUG, Homélies (CSCO 44), Paris, Le Cerf, 1956.