الكاهن مسيح آخر

 

مَن أنت أيها الكاهن؟ ولماذا اختارك الله وشملك بنعم فريدة لم يشمل بها سواك؟ ولماذا أنت عظيم بالنسبة للكنيسة، وعظيم جداً بالنسبة للمسيح الكاهن الأبدي؟ أعتقد أنه إذا فهم أحد عظمة وسمو وكرامة الكاهن لترك كل شيء ليمكث أقرب ما يمكن منه، لأن المكوث بجواره يعني استنشاق عبير المسيح العطر. فالكاهن ليس إلاّ امتداد لحضور المسيح، الملك والنبي، الكاهن وسيط النعمة الإلهية. كل كاهن يشخّص ويجسّد المسيح بواسطة الروح القدس، فالكهنوت ليس إلاّ دعوة للتشبّه بالمسيح، لعيش حياة المسيح. وهذا ما أكّده المجمع الفاتيكاني الثاني: “إن الكهنة بسر الدرجة يتشبهون بالمسيح الكاهن، بوصفهم خدام الرأس، لبناء وتشييد جسده كله، أي الكنيسة… إذ أنهم بقبولهم الدرجة الكهنوتية تكرسوا لله بصورة جديدة فأصبحوا أداة حية بين يدي المسيح الكاهن الأبدي… (فكل) كاهن يقوم، على طريقته الخاصة، مقام شخص المسيح نفسه” .

وقد كتب القديس اغناطيوس الشهيد: “الكهنوت هو النعمة الأسمى بين كل النعم الإلهية المعطى للبشر”. وأكّد القديس ديونيسيوس الأريوباغي أن الكاهن “رجل الله، شخص يجمع بين البشري والإلهي، ولهذا فهو الرجل الإلهي”، والشخص الذي اختاره الله وحصّنه بنعمته الإلهية. وهل من نعمة أكبر أو أعظم مما قاله المسيح ذاته لتلاميذه: “من سمع منكم سمع مني ومن احتقركم قد احتقرني” (لو10: 16)، هذه الآية التي يجب أن يضعها كل كاهن أمام عينه خاصة عندما يشعر بالإحباط. كم هي عظيمة دعوتك أيها الكاهن، إنها دعوة مقدسة مغيِّرة مطهِّرة، فكم من عجائب صنعها الكهنة الذين فهموا عظمة دعوتهم، كالقديس دون بوسكو، واالأب بيو إنه نعمة عظيمة لدرجة أن القديس فرنسيس الأسيزي بكل قداسته رفض أن يقبلها معتبراً ذاته غير أهل لها. أنت عظيم أيها الكاهن، وقد دعاك الكلي العظمة لتقوم بعجائب، أو بالأحرى اختارك ليقوم هو من خلالك بعجائبه، فمن لا فم له اختارك لتكون فمه، ومن لا أيدي له اختارك لتوصّل نعمه…

اختارك وفي كل اختيار دليل على الحب، فمن لا يحب لا يختار. اختارك يسوع ليحيا معك في وحدة كاملة تشمل كل حياتك، وتحتاج كل قلبك، فهل من بهجة أكثر من أنك، خلال الذبيحة الإلهية، تقول: “هذا هو جسدي، هذا هو دمي”، وكأنه هو الذي يقول من خلالك. ففي الذبيحة، تصير أنت والمسيح واحد، وتقدم لله الآب جسدك ودمك تماماً كما فعل الابن في عشائه الأخير… أنت تقدم الذبيحة فتصبح أنت نفسك ذبيحة، تصير تلك القربانة التي تقدمها، لأنك تصير واحداً مع الحمل… إنها عظمة تدعو للرهبة، عظمة لا تُفهم إلا من خلال الحب الإلهي المجاني لك، أنت شخصياً رغم ضعفك.

الملائكة يتمنون ويشتاقون أن يكونوا مكانك لحظة التقديس فالملائكة التي تحيا في حضن الثالوث، وتستطيع أن تعبد وتمجد الله إلاّ أنهم لا يستطيعون أن يلمسوه، أما أنت فكل يوم تجسد “الله الكلمة” فوق المذبح، ففوق مذبحك يولد المسيح، كما وُلد من أحشاء العذراء في بيت لحم.

المسيح وُلد مرة واحدة من مريم العذراء، الكاملة القداسة والطهر، ولكنه يولد من خلالك كل يوم في كل مرة ترفع فيها قداسك. إن كرامة الكاهن أعظم وأكبر من كرامة الملائكة، فالملائكة القديسون، تلك الأرواح السمائية، لا تستطيع أن تقوم بما تقوم به أنت، فلا الملائكة ولا رئيس الملائكة ولا الشاروبيم ولا السيرافيم يستطيعون أن يغفروا الخطايا “فالله وحده هو الذي يغفر الخطايا”، وقد اختارك وأعطاك هذا السلطان فأصبحت، منذ لحظة سيامتك، تشارك الله سلطان مغفرة الخطايا.

الملائكة بالرغم من أنهم يرون الله وجهاً لوجه إلا أنهم لا يستطيعون إلا أن يطيعوه، أما أنت فتأمره أن يترك سماء سماواته ليحل على القرابين المرفوعة فيلبي ويطيعك. الملائكة تحسدك لأنك تستطيع أن تتألم من أجل حبك للمسيح أمّا هم فلا. أنت تستطيع أن تشارك المسيح آلامه، أما هم فينظرون فقط. فكم من مرة تمنوا، ولا زالوا يتمنون أن يحيوا لحظات آلام وموت المسيح، ولكنهم لا يستطيعون! في حين أن أبسط كاهن يستطيع أن يحيا مع المسيح آلامه، يستطيع أن يصطحب المسيح في طريق الجلجثة، طريق الصليب. لكم هو عظيم أن تشارك من أحبك، ومن تحبه، آلامه. إن سرّ الآلام إذا ما فُهم على أنه مشاركة الحبيب آلامه يتحول من سبب حزن إلى ينبوع فرح ورجاء. كم أنت عظيم ومحبوب من الله، إنك النجمة التي تعكس بهائه، تبدّد الظلمات، وتزرع في القلوب الحزينة الرجاء، إنك الجمر الذي يطهر وينقي الشفاه النجسة، إنك الطريق الذي يوصّل الله بالبشر، والبشر بالله. فيداك أيها الكاهن هما المذود الذي يولد فيه المسيح كل يوم ومن خلالهما يحول الله الخبز والخمر إلى جسد ودم ابنه الحبيب. ومن خلالهما يمنح غفرانه للخاطئين. إنهما يدّان تحرران النفوس المقيدة بسلاسل الخطيئة وتوصلا رحمة الله وغفرانه. تفوق كرامتك كرامة وبهاء الملوك والملائكة، هذا ما يقوله القديس أمبروسيوس “إن الكاهن أعظم من الملك بمقدار ما الذهب أعظم من الرصاص”.

وكما يقول القديس فرنسيس الأسيزي: “إذا رأيت ملاكاً من الملائكة وكاهناً، اسجد أولا للكاهن ثم بعد ذلك اسجد للملاك”. فالكهنوت هبة المسيح للبشرية، والتي بها يواصل حضوره بيننا، فالكاهن، كل كاهن، هو موضوع حب الله، لأن الله يرى فيه وجه ابنه.

 

الكهنوت سر عظيم من أسرار الإيمان، أمامه نشعر بضآلتنا وبعظمة حب الله، سر يرتبط كل الارتباط بسر الكنيسة الواحدة الجامعة المقدسة الرسوليّة. ولذا فالكنيسة، الأم والمعلِّمة، أعطت طوال تاريخها وتقليدها المقدس مكانة عالية لسر الكهنوت، واعتبرت دائماً أن الكاهن هو “مسيح آخر”، لأن الكاهن عندما يبارك فالله هو الذي يبارك، وعندما يغفر فالله هو الذي يغفر، وعندما يصلي يتجسّد الله، إنه وكيل المسيح وتلميذه، ولهذا قال القديس توما الأكويني: “إن عظمة وكرامة الكهنوت تفوق عظمة وكرامة الملائكة”.

فالكاهن هو الخليقة الأكثر عظمة بين كل خلائق الله العظيمة. لو أدرك الكاهن عظمة دعوته لظل أمام بيت القربان يصلي ليلاً ونهاراً، يخاطب الله، يقصّ له خطايا شعبه وينقل إليه آلامهم ويريه كيف يحيون… ويأخذ منه نِعمَه وغفراناته ويعطيها لهم. فنِعَم الكهنوت التي لا تُحصى ولا تُعدّ تحل فقط على من يريدها ويطلبها بحرارة، وهي ككل النعم، لا تفرض نفسها فرضاً، بل تعرض نفسها مجاناً وتنتظر القبول.

فالكاهن الذي لا يصلي ولا يتكلم مع الله لا يستطيع أن يقود الصلاة ولا أن يتكلم عن الله. والكاهن الذي لا يعرف كونه خاطئ ومحتاج للغفران ولا يطلب الغفران من الله، لا يستطيع أن يعطي الغفران للآخرين. والكاهن الذي لا يتكلم مع شعبه ولا يحيا معه ولا يعرفه لا يستطيع أن يقدمهم لله أو أن يقدم الله لهم. فأنت أيها الكاهن وجود مقدس، أنت ممثل حضور الله على الأرض، أنت مسيح آخر. صحيح أنك إنسان كالآخرين، ولكن الله اختارك وقد تجاوبت مع اختياره، فأصبحت منذ لحظة رسامتك تابعاً له، تلميذ لديه، رسول له، فحياتك واختياراتك وأفكارك ومشاعرك وأفراحك وآلامك وأحزانك ليست لك وحدك بل له أيضاً. فيجب أن تعلم أن الكهنوت هو إتباع جذري للمسيح، فمن لديه الكثير سيطالب بالكثير، وما من أحد لديه ما لديك ولا حتى الملائكة.

وقد كتب الأب القديس بيو: “الكاهن يجب أن يكون مسيح آخر، مفكراً دائماً في المذود، يجب أن يكون متواضعاً وفقيراً، لأنه كلما صار كذلك كلما أعطى مجداً أكثر لله، يجب أن يكون متحرراً من كل شيء”، فسر نجاح الكاهن يكمن في فهمه لسر آلام المسيح، فكاهن يهرب من الصليب، كجندي يهرب من الحرب، فبلا صليب لا قيامة، وبلا ألم لا انتصار.

طريق الكهنوت طريق لا يحتمل “الوسط” فإما أن تكون مع المسيح أو تكون ضده. فليس التلميذ أفضل من معلمه، وقد تجلّت عظمة المسيح لا في المعجزات أو التجلي فحسب، بل عندما انحنى وغسل أرجل تلاميذه: “أنتم تدعونني معلماً وسيداً، وحسناً تفعلون لأني هكذا. وإذا كنت أنا السيد والمعلم غسلت أرجلكم فيجب عليكم أنتم أيضاً أن يغسل بعضكم أرجل بعض. وأنا أعطيتكم ما تقتدون به فتعلموا ما عملته لكم ما كان خادم أعظم من سيده ولا كان رسول أعظم ممن أرسله” (يو13: 13- 17). فالمسيح عندما غسل أرجل تلاميذه قام بعمل لا يقوم به إلا الخدم أو العبيد، مؤسساً معنى الكهنوت، فالكاهن هو خادم للجميع، لاسيما للأكثر احتياجاً.