سر الكهنوت

 

"وأما يسوع فأُقيم كاهناً بيمين من الله..."، "إذاً، هو رئيس الكهنة الذي يناسبنا هو قدوس.. لا حاجة به أن يقدم الذبائح..." (عبر7: 21- 26).

إذاً، يسوع هو الكاهن الأعظم ومنه تتفرع هذه النعمة إلى كل المكرسين كهنة، وقوة سر الكهنوت تأتي من يسوع كاهن الله العلي، لتفعل كل الأسرار فهي مصدر كل قوة وسلطة روحية في الكنيسة وهذه السلطة ببنيتها المواهبية توجه وتنسق مسيرة حياة الكنيسة الأسرارية لتتم الولادة في المعمودية والنمو والقوة بالميرون والغذاء والكمال الروحي عبر الإفخارستيا. وهذه القوة الروحية لها بعد شفائي مهم فتطرد قوى الفساد وتدعو كل أعضاء الكنيسة إلى المشاركة الصحيحة السليمة في جسد المسيح (الكنيسة). ومن هنا فالكهنوت، لم يعد مثل القديم، صلة وصل وواسطة بل هو الرأس المنظم والمركزي لسائر وظائف الجسد، فالكهنوت نعمة قيادة الجسد الكنسي لأن المسيح أصبح هو الكاهن الأوحد والوسيط الأول (1تيم2: 5). وهو الذي يجمع فيه مواهب حياة الكنيسة التي تجمع المؤمنين أي الكاهن والملك والنبي، صفة الكهنوت سبق الحديث عنها، أما الملوكية فلا يمكننا أن نفهم ونقبل ملوكية المسيح وملوكيتنا الجديدة فيه بمعزل عن سر الصليب الذي يُوحد تأكيدين اثنين مهمين:

الأول التأكيد على الإنسان وعلى دعوته إلى أن يكون ملكاً على خليقة الله.

وثانياً التأكيد على الملكوت الذي ليس من هذا العالم. فالصليب يوحدهما لأنه الإعلان الحقيقي والنهائي لهذا العالم الذي رفض الله وملوكيته.

الصفة الثالثة هي النبوية، فالمسيح الذي تحققت فيه النبؤات كلها هو النبي، ونبوية المسيح مثل ملوكيته وكهنوته، هي ملء الطبيعة البشرية التي فيه، وأنه نبي بسبب كونه الإنسان التام والكامل، أي أن الإنسان الذي خُلق ملكاً وكاهناً، مدعو إلى أن يكون نبياً أيضاً. وكل ما تقدم سنوضحه بتفصيل أكثر.

هذا السلطان الكهنوتي الذي نتكلم عنه والذي بالنعمة غير المخلوقة يجمع المؤمنين حول الكنيسة، يتفرع إلى كهنوت عام وخاص، وهذا الكهنوت العام (الملوكي) يتم تفرعه بالمسيح الكاهن الأعظم إلى كل الناس وهكذا تنتقل صفة الكهنوت من المسيح إلى كل المؤمنون، عندها يصبح كل إنسان هو كاهن في هذا العالم عليه أن يقدس نفسه ليقدس العالم ويقدمه ذبيحة، بالمسيح، إلى الله (أنافورا) ولهذا نرى الكاهن في القداس يحضر الذبيحة على (صينية مدورة) التي ترمز لكل العالم ليقدمها لله (التي لك مما لك نقدمها لك عن كل شيء ومن أجل كل شيء". فيقول القديس مكسيموس المعترف " الإنسان هو كاهن في وسط الكون" فالإنسان صلة الوصل بين الله والكون وبقداسته يتقدس الكون ليتجلى هذا العالم المادي، وعندها لا تظهر فقط صورة الله بالإنسان إنما في كل العالم الأرض والماء والحيوانات. 

وهذا ما هو واضح في كثير من سير القديسين الذين رأوا الله من خلال الطبيعة فتكلموا مع الحيوانات المفترسة ولم يصبهم الأذى، يقول القديس اسحق السرياني بهذا السياق إن قداسة الإنسان يشعر بها الحيوان أيضاً فيأتي إليه ويجالسه لأنه يشتم فيه رائحة آدم القديم قبل السقوط.

إذاً، العالم المادي يتجلى ويتروض لذلك نحن مدعوون كل يوم لنحيا سر الكهنوت من خلال السير في طريق القداسة مستخدمين الأسرار كوسيلة توصلنا إلى ملء قامة المسيح واتحادنا به.

لا يمكننا اختزال صفة النبوءة فقط بمعرفة الأمور المستقبلية. بل أيضاً هي القوة المعطاة للإنسان لكي يميز مشيئة الله دائماً ويسمع صوته ويكون له شاهداً "سيكون في الأيام الخيرة فيضٌ من روحي أسكبه على الناس أجمعين، فيتنبأ بنوكم وبناتكم..." (أع2: 17) فالنبي هو الذي يسمع صوت الله لينقله للعالم وهو الذي يرى بعيني الله ويصبح العالم شفافاً له ليرى بخلاله الله. إذاً، كل إنسان مؤمن حقيقةً هو نبي، فالراهب في ديره الذي ينقل كلام الله وصورته للعالم هو نبي، والعامل في معمله بصدق وإخلاص ليظهر وجه المسيحية هو نبي أيضاً والمتزوج والطالب وكل إنسان يعمل عمل الله وينقله للعالم هو نبي، وهذا العمل هو ما دعيناه منذ البداية بالسر، فكل إنسان هو سر بحد ذاته.

أما الكهنوت الخاص فهو الذي يناله الشخص المكرس بالسيامة (أسقف- كاهن –شماس) ببركة الكنيسة، المستمدة من المسيح، والكهنوت الخاص يستمد قوته من الكاهن الأول المسيح، حيث يعطيه القوة لقيادة خراف الكنيسة في طريق الخلاص ويصد هجمات العدو ويعمل على البشارة بشكل قوي ليشهد لاسم المسيح في كل العالم (2تيم1: 8)

فالكهنوت الخاص هو خدمة بالنعمة الإلهية تجعل نمو الكنيسة وتوسعها أمر ممكن، ولكن هذه الموهبة لا تفعل إلا داخل الكنيسة وبحضور الشعب المؤمن، فلا يستطيع أي كاهن القيام بمفرده بالقداس الإلهي عندها تصبح هذه النعمة مركزية فردية تخص الأنا، وهذا خطأ لأن مواهب الروح القدس هي للجميع أي لكل أعضاء الكنيسة ولا تفعل بدونهم، إذاً، لدينا رابط مشترك قوي بين الكهنوت الملوكي والخاص، فلا نستطيع من جهة تهميش دور الشعب (الكهنوت العام) وإبراز الكهنوت الخاص (الشخص المكرس) وبالمقابل لا نستطيع إلغاء الكهنوت الخاص وعدم الاعتراف بسر الكهنوت، وذلك بحجة الكهنوت الملوكي أي أن كل الشعب يستطيع القيام بهذه المهمة، كنيستنا الأرثوذكسية ترفض الطرحيّن وتؤكد على تلازمها سويةً.

مما تقدم، يجب أن نشعر نحن الشعب المؤمن بكافة مستوياته أن سر الكهنوت ليس محصوراً فقط بشخص الكاهن، بالرغم من تميزه هو بالذات بالقيام بهذا السر ليتورجياً، بل علينا نحن أيضاً أن نقدم هذه التقدمة لله أي جهاداتنا اليومية التي لا تنتهي والتي بمساعدتها وتحت ظل الكنيسة نصل إلى القداسة لأننا كلنا مكرسين وليس الكاهن فقط، لأن التكريس (الفرز) هو منح مواهب الروح القدس، لإتمام الرسالة المسيحية، لكل مؤمن. وبالتالي كل مؤمن هو مكرس. هذا نجده في سر الميرون الذي يأتي ليكمل سر المعمودية بمنح النعم الإلهية للمؤمنين ليصبحوا مكرسين ويبنوا معاً كنيسة المسيح، فيقول بولس الرسول "رعيةٌ مع القديسين وأهل بيت الله" (أف19:2) أي الكل رعية واحدة في المسيح، لذلك علينا نحن كشعب علماني (مكرس) أن لا نطلب من الكاهن ما لا نطلبه لأنفسنا، أي بمقدار ما يكون الشخص المكرس (الكاهن) قدوة لنا في كل شيء، يجب علينا بالمقابل أن نرى صورة المسيح في أنفسنا أيضاً فنجاهد تماماً مثلما يجاهد الشخص المكرس (الراهب في ديره مثلاً) كل منا في موقعه في العمل أو الجامعة أو البيت حتى ترتسم فينا صورة المسيح بأجلى بيان.

هذا هو العمل المشترك والرابطة الأساسية بين الكهنوت الملوكي والخاص وهذا ما يدعى (ليتورجيا) أي عمل الشعب الذي يتطلب اشتراكاً كاملاً وضرورياً مسؤولاً من قبل كل فرد لتبنى الكنيسة.

يقول القديس يوحنا كرونشتادت في هذا السياق: "عظيم الكهنوت وعجيبة النعمة المرتبطة به! بالكهنوت يحقق الله أعمالاً عظيمة وخلاصية بين البشر: يطهر الناس والحيوانات والعناصر كافة ويقدسها، يحرر البشر من أعمال الشرير المفسدة النفس، يحيي ويعطي القوة، يحول الخبز والخمر إلى جسد ودم الإله- الإنسان نفسه، يزوّج الشعوب ويجعل الزواج شريفاً والمخدع الزوجي طاهراً، يغفر الخطايا، يشفي المرضى، يجعل الأرض سماءً، يوحّد بين الأرض والسماء، ويُتحد الإنسان به، يجمع بين الملائكة والبشر في اتحاد واحد... ما الذي ينقص هؤلاء الشعوب الذين لا كهنوت لديهم! هم محرومون من الخلاص. ليس عبثاً أن الرب الذي يتمّم خلاصنا يُدعى رئيس الكهنة، هو مؤسس الكهنوت ومحققه مقيماً إياه على الأرض بالروح القدس الذي يقدس ويتمّم."