شعب عباد الله

 

في تعارض قاسٍ أراده الكاتب، يتبع مشهدُ المختارين المختومين على جباههم مشاهد القلق واليأس بما فيها من مآسٍ. توقّفت العاصفة، ولكن جاء صمت مخيف فأعلن شيئاً لا نتوقّعه: "وإذا أخذت هذه تحدث، فانتصبوا قائمين وارفعوا رؤوسكم لأن خلاصكم قريب" (لو 21: 28). ففي كثافة الشقاء صار عون الله قريباً: تلك هي التعزية الممنوحة للجماعات الأولى: حين تصل الكوارث الطبيعية (صور عن القلق) والإضطهادات إلى الذروة، هذا يعني أن الله صار قريباً من الأمناء له.
إن ف 7 يستعيد السؤال المطروح في 6: 17: من يثبت أمام غضب الله والحمل الذي لا يفلت منه أحد؟ هل يلغي غضب الحمل كل أمل؟ هل يضرب البشرية كلّها فلا يفلت منها أحد؟ هنا نجد نفوسنا أمام قسمين. ويبدأ كل منهما بعبارة: "رأيت بعد ذلك" (آ 1، 9). رأى في 7: 1- 8: 144000. وفي 7: 9- 17: جمهور كبير لا يُحصى. في القسم الأول نرى الملاك الحامل الختم (آ 1- 3). ثم نسمع عدد الذين خُتموا على جباههم (آ 4- 8).

1- جماعة المئة وأربعة وأربعين ألفاً (7: 1- 8)
نحن أمام الكنيسة شعب الله. هي تشمل عدداً كبيراً جداً، كما تضمّ جمهوراً كبيراً من كل أمّة وقبيلة وشعب ولسان (4 مفردات. هذا ما يدلّ على العالم كلّه بأقطاره الأربعة).
أ- ختم الله الحي (آ 1- 3)
"ورأيت بعد ذلك أربعة ملائكة" (آ 1). يرى العالم اليهودي في زمن رؤ أن كل ظاهرة طبيعية قد أوكلت إلى ملاك مسؤول. هناك ملائكة الرعد والبحر والجليد والبرد. وسنجد في رؤ 14: 18 ملاك النار، وفي 16: 5 ملاك المياه. وهنا نجد ملاكاً لكل ريح.
يستلهم الكاتب هنا التمثّل الشعبي للعالم في العصور القديمة: فالكون هو مساحة مستطيلة. ومن كل زاوية تهبّ ريح خاصة تحمل السعادة أو الشقاء: وهكذا يذكر الملائكة الأربعة الذين سلمهم الله سلطاناً على الرياح الأربع (إر 49: 36؛ دا 7: 2).
أولاً: الدور الذي تلعبه هذه الرياح
يرى العهد القديم في هذه الرياح رسل الله (مز 104: 4) ومطيّته حين يذهب إلى القتال (زك 9: 14). هو رمز قريب من رمز الأحياء التي تحمل العرش. فالرياح هي الوسائل التي بها يفعل الله في أربع زوايا الكون، بشكل مفاجىء. بقوة، وفي أي مكان. والريح لا تنفصل عن العاصفة في التيوفانيات. ولهذا، قد يكون للرياح دور خيّر فتحمل مثلاً الحياة إلى العظام اليابسة (حز 37: 9). في العنصرة، هجمت روح عظيمة على العليّة (أع 2: 2). وقد تأتي هذه الرياح فتنفّذ قرارات مدمّرة أصدرها غضب الله، مثلاً ضد عيلام (إر 49: 36)، أو ضد افرائيم (هو 15:13).
من أين جاء رؤ بهذه الصورة؟ من رؤية زك 6: 5 الذي يماثل بين المركبات الأربع بأفراسها وبين الرياح الأربع التي تتفحّص الأرض. في رؤ 7: 1- 3، الرياح هي في خدمة غضب الله، لكي تؤذي الأرض والبحر والأشجار (آ 2- 3). أجل، أول ضحايا هذه الرياح العنيفة هي الأشجار.
الملائكة واقفون ومستعدّون للعمل. واقفون في أربع زوايا الأرض التي هي بشبه مستطيل. يوقفون الخاضعين لهم لحظة قصيرة ليعطوا مهلة للعالم قبل النهاية. نجد هنا من جديد موضوعاً عرفته كتب الرؤى اليهودية (مثلاً، 1 أخنوخ 66): الزمن الذي فيه بنى نوح السفينة (الفلك). الموضوع هو أن لا تمزج في عقاب واحد مخيّم العالم (من أشخاص وأشياء) ومخيّم الله. إنه اهتمام نعمة الله دفعه إلى أخذ مبادرة الوقفة القصيرة.
"رأيت ملاكاً آخر يطلع من الشرق (الشمس الشارقة)" (آ 2). ترتبط وظيفته بالرحمة التي تمسك الرياح المدمّرة. الشرق هو الوجهة التي منها يأتي الله بمبادراته الخلاصيّة: عدن (تك 2: 8)، كورش (أش 41: 25)، المجد (حز 43: 2؛ رج لو 1: 78؛ مشرقاً من العلاء). إن هذا الملاك يوازي الأربعة الأولين. وصوته القوي يدلّ على أهمية تعليمه وسلطته. سيعطي الأوامر لزملائه بأن لا يفلتوا الرياح المدمّرة إلى أن "نختم عباد إلهنا على جباههم". من يمثل هؤلاء "نحن" (نختم نحن)؟ ملائكة آخرون؟ الكنيسة؟ مهما يكن من أمر نحن نفهم سبب هذه المهلة.
هذا الملاك أمسك ختم الله الحيّ. يحب يوحنا هذا الإسم الإلهي الذي يطبّق على المسيح في 4: 9، 10؛ 10: 6؛ 15: 7؛ رج 1: 8. هذا يعني أن الختم يهب الحياة. إنه صورة عن المعمودية التي فيها نحمل إسماً جديداً.
ثانياً: ماذا يفيد الختم
ينجّي الناس الذين يحملونه على جباههم من سلطان قوى الهاوية (9: 4). هذا لا يعني أن المسيحيين يفلتون من محن هذا العالم خصوصاً من النكبات التي حرّكتها الختوم الستة الأولى. هم لا يُعفون من أي شيء يحدث في حياة البشر. بل إن المحن والإضطهادات ستصبّ على المسيحيين الأمناء: نستطيع القول إنهم وُعدوا بالاستشهاد. ولكن حتى في هذا الموضع، هم لا يُتركون: فالمسيح هو معهم وهو يحفظهم (3: 10). لهذا فهم يستطيعون أن يواجهوا أسوأ الأخطار: فمصيرهم الأبدي مؤكّد. والمحن تكشف فقط أنهم يختلفون عن سائر "سكّان الأرض": هم منذ الآن ينتمون إلى عالم الله. فالموت الجسدي الذي قد يصيبهم لا يؤثّر على الكارت الجديد والنهائي الذي صاروه.
ثالثاً: من يُختم، من يُطبع بهذا الختم
ظنّ البعض أن 144000 هم المسيحيون الآتون من العالم اليهودي، الذين خرجوا من أسباط إسرائيل الاثني عشر. وهكذا يدلّون على فئة خاصة من المسيحيين. والحال أن الملاك ختم "عباد الله"، لا بعضاً منهم. وهذا اللقب يدلّ في رؤ على المسيحيين (1: 1؛ 2: 20؛ 6: 11؛ 19: 1، 5؛ 22: 7- 6). في 9: 4 نجد فقط مجموعتين: أولئك الذين خُتموا وخلِّصوا. أولئك الذين لم يختموا فهلكوا. والمجموعة نفسها (144000) في 14: 3 تمثّل (كما يقال لنا) "المفتدين في الأرض". إذن نحن أمام المسيحيين جميعاً.
رابعاً: الختم في سفر الرؤيا
تلمّح آ 3 إلى حز 9: إن العقاب سيصيب أورشليم. أما الأناس الذين لا يتحملون الشرك فقد طبعوا على جباههم بحرف التاء (في العبرية. هو قريب من الصليب) (حز 9: 4). حين تُرجم العهد القديم إلى اليونانية، صارت هذه المفردات (التاء): علامة، آية (سامايون، في اليونانية). وهكذا عفا المدمّر عن الذين طُبعوا بهذه العلامة. نحن هنا أمام مبدأ الختم بالدم في خر 12: 7، 22، 23: الدم على العتبة. غير أن يوحنا ابتعد عن هذا النموذج وذاك ساعة سمّى هذه العلامة. ففي نظره، ليست تاء ولا صليباً ولا علامة من العلامات. إنها ختم (سفراغيس).
وجعل الوحش أيضاً علامة على جباه "مؤمنيه" (الأمناء له) (13: 16). في هذه الحال لا يستعمل يوحنا كلمة "سفراغيس" (التي كان بإمكانها أن تشدد على التوازي)، بل كلمة "خرغما" (سمة). لماذا؟ لأن لكلمة "ختم" "خَتَمَ" معنى محدداً جدًّا، معنى يكاد يكون مخصّصاً. وهذا ما يتيح إستعماله في وضع ويمنع إستعماله في وضع آخر. ففي كنيسة القرن الثاني دلّ "الختم" على المعمودية. نقرأ في "راعي هرماس" ما يلي: "نال الموتى (الروحيون) ختم أبناء الله ودخلوا في ملكوت الله. فالإنسان ميت قبل أن يحمل اسم إبن الله. وحين يتقبّل الختم، يرذل الموت ويتقبّل الحياة. والختم هو الماء: إذن، ينزلون في المياه أمواتاً ويخرجون منها أحياء". وحتى عند القديس بولس، كانت الكلمة عنده إحدى المفردات العمادية. نقرأ في 2 كور 1: 21- 22: "إن الذي يثبتنا وإياكم في المسيح ويعطينا المسحة هو الله الذي طبعنا بختمه وجعل في قلوبنا عربون والروح". يدلّ الختم على حقّ الملكية التي لله على إنسان يُصبح خاصته في المعمودية. والختم هو أيضاً العلامة الخلاصية التي تحمي المعمد ساعة الدينونة الاسكاتولوجية.
هذا هو معنى الكلمة في رؤ. فإن 14: 1 يحدّد أن 144000 يحملون على جباههم (نحن أمام الختم) إسم المسيح وإسم أبيه (يعمّد باسم الآب والابن). وبدت العبارة عينها في 3: 12: أنقش إسم إلهي، أنقش اسمي، تلميحاً إلى المعمودية. فالروح القدس يطبع فينا صورة المسيح الذي هو التعبير المنظور للآب. وهكذا نفهم لماذا أدخل الكاتب لفظة "ختم" حين أشار إلى حز 9، ولماذا لم يستعملها حين تحدّث عن الوحش. فلا معمودية لدى الوحش. بل هناك معمودية واحدة باسم الآب والابن والروح القدس.

2- 144000 (آ 4-8)
"عدد المختومين" (آ 4). فالملاك الصاعد من الشرق، من حيث تشرق الشمس، من مسكن الله المميّز، يمسك بيده ختم الله الحي (آ 2). وعليه أن يختم المختارين.
العدد هو رقم رمزي. 12: عدد قبائل إسرائيل المدعوة لتكون شعب الله 12 × 12: تعبير عن الطابع الكامل والحصري (6: 11: يكتمل عدد رفاقهم. كلّهم. ولا أحد سواهم). 1000: رمز إلى جمع كبير جداً لا يمكن إحصاؤه. إنهم في الأصل أبرار شعب إسرائيل الذين يشكّلون النواة الأساسية للشعب الإسكاتولوجي. وفي النهاية كل شعب الله وإسرائيل الحقيقي.
إذن، نحن أمام جماعة المعمّدين. ولكن لماذا أحصاهم حسب القبائل وأعطى رقم الاحصاء؟ الرقم كما قلنا هو رمزي (وليس بحقيقي كما تقول بعض الشيع): هو رقم شعب الله وقد ارتفع إلى مستوى لا يتخيّله عقل بشر. وهذا الرقم له أهميته، وسيورده الكاتب مرة أخرى في 14: 1: "ونظرت فرأيت على جبل صهيون حملاً ومعه مئة وأربعة وأربعون ألفاً ظهر اسمه واسم أبيه مكتوباً على جباههم".
لماذا قدّم لنا هذا الرقم حسب القبائل؟ ليقول لنا إن إسرائيل الحقيقي وشعب الله الحقيقي هو الشعب المسيحي. ليس هو مجموعة أفراد (كل يتدبّر أمره، يخلّص نفسه)، بل شعب منظّم فيه يجد إسرائيل القديم كماله.
لائحة من 12 إسماً. وفيها بعض الأمور التي تسترعي الانتباه. هي تحذف "دان" وتجعل مكانه "منسى" (فيبقى الرقم 12) الذي يتضمّنه يوسف أبوه. كان بالإمكان أن يلغى يوسف (والد افرائيم ومنسى) ويوضع مكانه إفرائيم ومنسى. ولكن الكاتب لم يفعل، بل ألغي "دان". فسمعة دان سيّئة في الكتاب المقدّس. أقامت هذه القبيلة في الطرف الشمالي من فلسطين، بعد إحتلال الأرض، فخسرت كل إتصال سياسي وروحي مع سائر القبائل بسبب بعدها الجغرافي وتأثير الفينيقيين عليها. وهكذا زالت من ذاكرة الأجيال المقبلة (قض 17- 18؛ 1 مل 12: 29- 30: العجل في دان وعبادة الأوثان). نقرأ في تك 49: 17: "يكون دان ثعباناً على الطريق، وافعواناً على السبيل. يلسع رسغ الفرس فيسقط الراكب إلى الوراء". ستنطلق الكنيسة الأولى من تك 3: 15 وتجعل من دان المناوىء للمسيح (أنتيكرست) فيقبرل إيريناوس: "لهذا السبب لم يحسب دان في رؤ بين الأسباط الذين خلِّصوا".
لا نعود نجد شجرة سلسلة القبائل في أي مكان من الكتاب المقدس. ثم إن يهوذا يُذكر أولاً بسبب النبوءات المسيحانية المرتبطة به. لا ننسَ هنا ما قيل لنا في 5: 5 عن المسيح الذي هو "أسد قبيلة يهوذا". 

3- جمهور كبير لا يُحصى (7: 9- 17)
إن شعب الله في العهد الجديد هو جماعة مؤلّفة من "يهود ووثنيين". وجّهت آ 4- 8 أنظارنا إلى العالم اليهودي في الدرجة الأولى. أما آ 9- 17 فوجّهتنا إلى مسيحيين من أصل وثني، أو بالأحرى إلى مسيحيين جاؤوا من أقطار الكون الأربعة، من العالم كله. فأبناء ابراهيم ليسوا فقط "الشعب اليهودي"، بل جميع أبناء الوعد من أية أمّة أو قبيلة كانوا (روم 9: 6 ي؛ 11: 17 ي). والهدف الأخير لكل شعب الله هو الليتورجيا الأدبية الواجبة "للجالس على العرش وللحمل".
هناك سمات عديدة تجعل هذه الرؤية تتعارض مع سابقتها. من جهة، هناك جمهور معدود (144000). ومن جهة ثانية، جمهور لا يُحصى. الأولى تعود بنا إلى العهد القديم، والثانية إلى الكون كلّه. واحدة تقوم على الأرض والأخرى في السماء. واحدة مطبوعة بالختم لمجابهة المحنة الآتية. وسيُقال لنا عن الأخرى إنها جابهت المحنة وانتصرت عليها.
إذن، كل شيء يميّز بين هذين الجمهورين. والذين رأوا في آ 1- 8 تلميحاً إلى المسيحيين من أصل يهودي، يرون هنا صورة عن المسيحيين من أصل وثني. ولكن إذا كان 144000 المفتدين من الأرض (14: 3)، وإذا كان الحمل قد افتدى أناساً من كل أمة وقبيلة وشعب ولسان (آ 9؛ رج 5: 9)، فهذا يعني أن الشعبين متشابهان، وأن المئة والأربعة والأربعين توازي المفتدين من كل أمة...
ولكن ما هو مرمى هذه الرؤية الثانية؟ سندرس النصّ في التفصيل ونميّز الرؤية في حدّ ذاتها (آ 9- 12) ثم تفسيرها بفم أحد الشيوخ (آ 13-17).
أ- الرؤية في حدّ ذاتها (آ 9- 12)
أولاً: جمهور كبير (آ 9)
إن العدد اللامحدود لهذا الجمهور يحيلنا إلى الوعد الذي أعطي لإبراهيم بنسل كبير يشبه نجوم السماء والرمل على البحر (تك 15: 5؛ 22: 17). هذا يعني أننا أمام التتمّة الأخيرة.
"كانوا واقفين أمام العرش". إطار المشهد هو هو في هذا المقطع وفي ف 4- 5. والليتورجيا التي ستقام في آ 10- 12 ستكون إمتداداً لمجدلات ف 5. ولكن في الماضي، إقترب الأحياء والشيوخ وحدهم من العرش. أما الآن، وللمرة الأولى في رؤ، يُقبل أناس (من كل أمة) في الموضع الذي تتمّ فيه العبادة السماوية. بل هم يشاركون في هذه العبادة. ويقتربون من العرش بواسطة الكهنة (5: 10). نحن هنا أمام استباق لما في ف 21- 22 حيث نرى حضور الله في أورشليم السماوية حضوراً مباشراً ومستمراً.
هذا تفصيل ينبّهنا بأن لا نرى في رؤ مراحل متعاقبة لتاريخ يسير في خطّ متواصل. هناك إنطلاق وتقدّم في الكتاب، ولكننا دوماً أمام الواقع عينه الذي يخفيه الظل فيخرج شيئاً فشيئاً إلى النور. إن رؤ هو شروق شمس: نحن أمام المواضع عينها والأشخاص نفسهم، ولكن كل شيء يتحوّل بنور ذلك الآتي.
"يلبسون ثياباً بيضاء". لقد انتصروا. هم أطهار أنقياء. بل تجدّد كيانهم تجدداً أساسياً. هم أناس جدد، أناس سماويون. قدّمت الثياب البيض إلى المنتصرين (3: 4) والشهداء (6: 11) وهم يمثّلون فئتين قريبتين تدلاّن على المثال المسيحي.
"بأيديهم أغصان النخل". النخل يدلّ على الغلبة والانتصار (1 مك 13: 51؛ يو 12: 33). بعد ذلك الوقت، سيُحفظ النخل للشهداء. أما هنا، فلا يميّز الشهداء عن سائر المؤمنين. ما يقال ينطبق على جميع الأمناء للمسيح. رأى بعضهم في هذا المشهد تلميحاً إلى عيد المظالّ. كان هذا العيد يذكّر العبرانيين بإقامتهم تحت الخيام في البرية، ولا حماية لهم إلاّ حماية الله. كانوا يبنون أكواخاً من ورق الشجر في كل بيت. ويذهبون في طواف (زيّاح) إلى الهيكل وهم يحرّكون أغصان النخل حول المذبح (إنتصار الله). وكان عيد المظالّ عيد المياه التي تحمل من سلوام، وعيد النور الذي ينفذ في الظلام، وعيد الفرح والانتظارات المسيحانية والاسكاتولوجية. وكانوا ينشدون هوشعنا، يا ربّ خلّص. إن نهاية الأزمنة ستكون آخر عيد مظال يعرفه شعب الله (زك 14: 16).
نحن هنا أمام فرضية لا بأس بها. فيكون النصّ الذي نقرأ "عيد مظال" نحتفل فيه بتحريرنا النهائي في الهيكل السماوي. ونكتشف التجمّع حول الله، النخل (آ 9). هوشعنا (آ 10). شعائر العبادة ليلاً ونهاراً (آ 15). حماية الله كما الخيمة (آ 15- 16). ولماذا لا تكون خلفيّة هذا النص مناخ عيد المظال؟ يستفيد الكاتب من صور قديمة ليعبّر عن خبرة حماية الله لشعبه خلال المحنة.
ثانياً: الخلاص لإلهنا (آ 10- 12)
هذا يعني أن الله يمارس حقاً عمل الخلاص، يخلّص. هذا هو ترجمة "هوشعنا" عيد المظال في مز 118: 25: "يا ربّ خلّص يا رب أنجح". لقد تمّ الخلاص. لهذا نهتف هوشعنا. ونحرّك أغصان النخل. 
وسيظهر الخلاص في 12: 11 (الآن حصل الخلاص): سقط الشيطان وانتصر الشهداء. في 19: 1- 2 (لإلهنا الخلاص والمجد والقوة): دانَ الله الزانية وانتقم لدم عباده. فالخلاص يكون حاضراً حين يجعل الناس حبّ المسيح يمرّ قبل حبّهم لذاتهم. أو حين يُجبر المنافقون على أن يروا في مصائبهم علامة عن فشلهم وعن انتصار الله (السحرة في مصر: خر 8: 19: هذه إصبع الله). الخلاص يكون حين تتمّ مشيئة الله وتُعرف في وضح النهار. وهذا الخلاص هو لله والحمل. فغلبة الشهداء هي في النهاية غلبة الحمل. نقرأ في 12: 11: "غلبوا بدم الحمل"، أي بالصليب. 
وكان جواب الملائكة والشيوخ والكائنات (الحية) (5: 12) على مديح الشهداء علامة على موافقتهم لما يقولون: "آمين". حين يُعلن البشر بحياتهم أن خلاص الله يتحقّق الآن وفي هذا المكان بالذات. أي، حين يمجّدون الله، تنضمّ إليهم السماء فتصبح عبادتهم وعبادة السماء واحدة: كما في السماء كذلك على الأرض.
تتضمّن المجدلة سبع مفردات (الحمد، المجد، الحكمة، الشركة، الإكرام، القوة، القدرة) كما في 5: 12 (الكمال المديح والتمجيد). هناك ست مفردات مشتركة بين المقطعين وإن اختلف الترتيب. وكلمة "غنى" (في 5: 12) يحل محلها "الشكر" (في 7: 12). وهكذا عدنا إلى العبادة الأبدية التي يصوّرها ف 5. ولكن البشر يشاركون فيها في هذه المرة فلا تقتصر على الشيوخ والكائنات الحيّة. كل شيء قد قيل الآن، ولم يبقَ شيء. ولكن حواراً بين يوحنا وصديقه "الشيخ" القديم (رج 5: 5) يتيح لنا أن نتعمّق في معنى هذا المشهد.
ب- تفسير الرؤية (آ 13- 17)
"فقال لي واحد من الشيوخ" (آ 13). سؤال الشيخ سؤالا شكلي، ولكنه يبرز أهمية الوحي الذي وصل إلى يوحنا، ويدعو القارىء ليبحث عن معناه الخفي. رج حز 37: 3- 4 (يا ابن البشر، أترى تحيا هذه العظام؟)؛ زك 4: 2، 5 (قال لي: ماذا أنت راءٍ). هذا الكلام يعبّر عن تساؤلنا وتساؤلا الرائي. من هم بالتحديد هؤلاء اللابسون ثياباً بيضاء؟ ويشدّد النصّ على الطابع النهائي للخلاص كما سيعيشونه.
"جاؤوا من المحنة الكبرى" (آ 14). قبل أن يطلع الصباح العظيم، كان التقليد الجلياني ينتظر تفاقم العذاب والضيق. قوة الخلاص تخرج من قوة الانخذال، كما في آلام يسوع (مر 15: 33- 34). إن دا 12: 1 يعلن من أجل النهاية محنة لم يسمع بها أحد (رج مر 13: 19؛ رؤ 3: 10). سيعود الناس من هذه المحنة الأخيرة بعد أن حملوا صليبهم ونالوا إكليل الشهادة. إنهم معاصرو النهاية، معاصرو تتمّة كل شيء. 
"غسلوا ثيابهم وبيضوها بدم الحمل". الدم أحمر، فكيف يجعل الثياب بيضاء؟ نتذكّر هنا أن صور رؤ لا تُرسم في لوحة، بل تدلّ على معنى عميق. فاللون الأبيض علامة الغلبة. أجل، قد غلبوا بدم الحمل. نقرأ في 22: 14 أن الذين غسلوا حللهم يدخلون إلى أورشليم السماوية وتكون لهم شجرة الحياة. ولكن منذ الآن، ومنذ حياتهم على الأرض، تسلّم الغالبون الحلّة البيضاء (3: 4- 5) وعلامة أورشليم الجديدة (3: 12). نحن إذن أمام الخلاص النهائي الذي يقدّم منذ الآن إلى المسيحيين. فمع أنهم ما زالوا يعيشون على هذه الأرض، فهم منذ الآن في السماء. إنهم هذا الكيان الجديد الذي سيكونون في الملكوت، بعد أن جُعلوا وراء تقلّبات الزمن. ثم إن الأفعال في صيغة الماضي تدلّ على أننا في وقت محدّد من حياة هؤلاء الأشخاص، في وقت المعمودية. فالمعمودية هي تطهير بالاغتسال كما يقول العهد الجديد (أع 22: 16؛ 1 كور 6: 11؛ أف 5: 26؛ تي 3: 5؛ عب 10: 22). أما هنا فالمعمّد يغتسل بدم الحمل. والمعمودية هي مشاركة مع المخلّص الذي مات، "تهيئة للقيام بشعائر العبادة لله (آ 15). نجد في عب 9: 14 هذه العناصر الثلاثة: التطهير بالدم من أجل العبادة. "فما أولى دم المسيح الذي قدّم نفسه إلى الله بالروح الأزلي قرباناً لا عيب فيه، أن يطهّر ضمائرنا من الأعمال الميتة لنعبد الله الحي".
وهكذا تكون الرؤيتان في ف 7 قد أشارتا إلى المعمودية: كختم الله الحي. كتطهير (وتأليه) في اتحاد بموت المسيح. أما المحنة فقد تكون اضطهاداً من الخارج وإنقساماً في الداخل. أعطي للمؤمنين اللباس فنالوا الخلاص. ولكن عليهم أن يتوقوا بشجاعة وتواضع إلى هذا الخلاص ويشاركوا فيه. فالعماد لا يجد مفاعيله كلها إلاّ في ساعة الموت مشاركة في موت المسيح وقيامته.
"لذلك هم أمام العرش" (آ 15). ينتج عن تفسير اللباس الأبيض تفسير الحضور أمام العرش كما لاحظناه في آ 9. إذا كانوا واقفين (علامة النصر) بحضور الله، فلأن المعمودية جعلت منهم أناساً جدداً، قرّبتهم إلى الآب، صالحتهم (روم 5: 2؛ أف 2: 18؛ 3: 12؛ عب 10: 19). 
والفداء جعل منهم كهنة (1: 6؛ 5: 10) أي أناساً يستطيعون أن يقتربوا من الله في هيكله (3: 12). هم يشاركون في الليتورجيا السماوية. وسيكونون منذ الآن في وضع سينكشف كلياً في نهاية 22: 3: سيكون الله حاضراً لهم حضوراُ مباشراً وأزلياً: هذا هو أساس حياة المسيحي.
"والجالس على العرش يظلّلهم بخيمته". أي: يجعل فوقهم خيمته لكي تحميهم من حز الشمس في النهار ومن البرد في الليل. بعد هذه الجملة، تصبح الأفعال في صيغة المضارع: لن يجوعوا، لن يعطشوا... في آ 9- 13، كانت الأفعال في صيغة الماضي. في آ 14- 15أ صارت في الحاضر. في آ 15 ب- 17 صارت في المضارع (المستقبل). ونهاية آ 15 تدلّ على البداية التي هي في الحاضر. هذا يعني أننا نستطيع أن نتحدّث عن الواقع المسيحي وكأنه شيء ينتظر تمامه (روم 8: 24). هو حاضر هنا، ولكنه لم يتمّ بعد. والحياة المسيحية (وخصوصاً العبادة المسيحية) هي استباق للملكوت.
"نصب خيمته". هو فعل "سكانون" في اليونانية. يستعمل في يو 1: 14 (الكلمة صار بشراً ونصب خيمته بيننا)؛ رؤ 7: 15؛ 12: 12؛ 13: 6؛ 21: 3. نتذكّر عيد المظالّ أو أش 4: 5- 6: مجد الله هو خيمة تحمينا من الشمس. نحن في النهاية أمام مسكن ثابت ونهائي. الله يقيم وسط أخصّائه بشكل مستمرّ ونهائي. وحضور الله هذا يسمّى عند اليهود "شكينة" (سكن، سكاني في اليوناني، أي خيمة): جعل الله حضوره عليهم. هذه هي نهاية كل تحرّك العهد القديم والجواب على رغبة البشر العميقة: عمانوئيل، الله معنا. كل أسرار المستقبل تعود إلى هذا اليقين (رج 1 تس 4: 17؛ لو 23: 43).
"لن يجوعوا ولن يعطشوا ..." (آ 16- 17). هذه صورة عن الحياة الأبدية. تبدو آ 16- 17 أب تتمة لنبوءة أش 49: 10: "لا يجوعون ولا يعطشون، لا يقرعهم الحرّ ولا الشمس، لأن راحمهم يهديهم، وإلى ينابيع المياه يوردهم". أعاد الكتاب تدوين النبوءة على ضوء المسيح. فالقائد الذي يعلنه ليس الله، بل الحمل الذي يقف في وسط عرش الله. لن يذهبوا إلى ينابيع الماء البسيطة، بل إلى ينابيع مياه الحياة (يو 4: 14؛ 7: 38). وفعل "هدى" (قاد) يذكّرنا بعمل الروح القدس الذي يقودنا يوماً بعد يوم إلى الحقيقة كلها (يو 16؛ 13).
في آ 16- 17 نجد إستباقاً للوضع النهائي الذي نقرأه في ف 21- 22. وكما وجدنا آ 15 في 21: 3، كذلك يتواصل التوازي في 21: 4 ويبدو 7: 15- 16 قريباً جداً من 21: 3- 6.
وها نحن نجمل معنى آ 9- 17. يتألف الجمهور الكبير من مسيحيين جعلتهم أمانتهم للحمل المذبوح (على الصليب) غالبين وقد تجعلهم شهداء. خلِّصوا منذ الآن. وهم اليوم ما سيكونون فيما بعد: عبّاد قريبون من الله، يعيشون منذ الآن في حضرته، وينعمون بعطاياه العجيبة.
إن السؤال في 6: 17 (من يقوى على الثبات) وجد في هذا المجال جوابين. يثبت أولاً أولئك الذين صاروا بالمعمودية ملك الله وشعب الله. ويثبت ثانياً أولئك الذين اتحدوا بالمسيح في محنهم فما خافوا أن يخسروا حياتهم (نفوسهم)، فاختبروا القيامة في ذواتهم. "طوبى للمضطهدين من أجل البرّ فإن لهم ملكوت السماء" (مت 5: 10).
حين فتح الحمل المذبوح الختوم، دشّن في هذا العالم سلطاناً يمارسه باسم الله. بدأ مجيئه كراعي نهاية الأزمنة. وأطلّ اليوم العظيم، يوم الغضب ويوم الخلاص، لأنه يوم الحقيقة. فالدينونة (والتمييز) تتمّ وسط العذابات. فغضب الله والحمل يحلّ بسكّان الأرض (6: 16- 17. يرعاهم بعصا من حديد 22: 27؛ 12: 5؛ 19: 15. كلهم يرتعبون من الخوف). وخلاص الله والحمل (7: 10) يضع جانباً عباد الله (7: 1- 8)، الذين عاشوا المحنة في قدرة دم الحمل (7: 14): هو يرعاهم ويقودهم إلى ينابيع مياه الحياة (7: 16- 17). ومنذ الآن يبدو شعب المعمّدين كبداية العالم المقبل (6: 9- 1)، وهم يعيشون واقعه العميق والنهائي في شعائر العبادة. سفر الرؤيا هو كتاب التفاؤل والتعزية.


خاتمة
نتعلّم من ف 6- 7 الأمور التالية:
- إن تعليم الكتاب الذي فضت ختومه يذهلنا. يجب على الجماعات الأولى أن تقرّ بواقع تنامي الاضطهادات في المستقبل. فطريق الكنيسة مطبوع بهجومات تشتدّ قساوة يوماً بعد يوم. وانتصار المسيح الفصحي (لاهوت المجد) هو علامة تميّز الكنيسة المجاهدة (في مسيرتها على الأرض): فدرب الصليب سيبقى دربها حتى نهاية الأزمنة. وعدد الذين سيُقتلون من أجل كلمة الله لم يبلغ بعد إلى ملئه (6: 9- 11).
- ويتضمّن فتح الختوم تعليم تعزية. لا يعطى سلطان للموت "إلاّ على ربع الأرض" (6: 8). فالذين ينجون من الشرّ بين البشر هم أولئك الذين "خُتموا على جباههم" (7: 3). ففي قلب الفوضى الزاحفة على العالم، تستطيع "البقية المقدسة" أن تقاوم وتنجو بفضل حماية خاصّة من قبل الله. في الخارج، كل شيء يبدو متعارضاً مع واقع يقول إن عهداً جديداً (ملكوت الله) بدأ مع المسيح. إلاّ أن على المسيحيين ألاّ ينسوا كلام الرب: "إذا أخذت تحدث هذه الأمور، فانتصبوا قائمين وارفعوا رؤوسكم لأن خلاصكم يقترب" (لو 21: 28). ما يدهش البشر ويتعارض مع انتظارهم، هذا الوضع المبلبل، هو البداية النهائية للخلاص. وساعة انتظر الناس إنتصار الشرّ إنتصاراً نهائياً، تحقّقت غلبة المسيح. فلا يجب أن يضلّ الإيمان المسيحي بسبب هذه الكوارث الكونية وإن كانت مخيفة ولا مخرج منها.
- عرف رؤ تدوينه النهائي في نهاية القرن الأول المسيحي. في ذلك الوقت، تراخى انتظار عودة المسيح. ولكن المؤمنين كانوا يتعلّقون في الخفاء بمجيء الرب القريب. أصاخوا بآذانهم حين سمعوا: "إنتظروا قليلاً" (6: 11) تجاه الاضطهادات الأرضية. لأن هذه العبارة ذكّرتهم بما نقرأ في يو 16: 16: "بعد قليل لا ترونني ثم بعد قليل تشاهدونني".
- تتنوّع نظرة الإيمان المسيحي. قيل للأموات وخصوصاً للشهداء الذين هم تحت المذبح ويلبسون الثياب البيض (8:6- 11)، أنهم لم يدخلوا بعد إلى ملء أسرار الله ومقاصده. ولكن ما يدهشنا هو أن مختاري السماء ينقصهم الكمال والصبر. هذا يعني أن هناك نمواً داخلياً لسكان السماء، نضوجا لمعرفتهم وازدياد سعادتهم قبل اليوم الأخير. فالقديس ليس إنساناً وصل. هو في الطريق.
- يتضمن رؤ اسكاتولوجيا ديناميكية. وهكذا نفهم أن المسيحيين الأولين لم يفصلوا هذه الدنيا عن الآخرة. هناك واقع واحد يضم هذا العالم والآخر. فيوم الله الأبدي يحمل رباطات من أجل التعاون المتبادل والتعزية. ولكن، إن كان الشهداء قد تركوا هذا العالم المنظور، فقد وجدوا في المسيح القائم والمتجليّ، علاقة أعمق مع هذا العالم وإقتراباً منا لم يعرفوه خلال حياتهم على الأرض