لاهوت و ناسوت الكلمة

 

إن الآريوسيين تحولوا هم أنفسهم ، وفكروا بنفس طريقة تفكير الصدوقيين ، بأنه ليس شئ أعظم منهم أو خارجًا عنهم ـ إنهم أخذوا كتابات الوحى الإلهى وفهموها بمفاهيم وظنون بشرية (جسدية).

وحينما يسمعون (الكتب المقدسة تقول) إن ابن الآب هو الـ”حكمة” والـ”بهاء” والـ”كلمة” ، فإنهم اعتادوا أن يقولوا : كيف يمكن أن يكون هذا ؟ كأنه يمكن أن يكون غير ذلك ، وهذا هو الأمر الذى لا يستطيعون أن يفهموه . فهل حان الوقت لكى يفهموا هذا الأمر فيما يخص وجود كل الأشياء . 
فكيف تستطيع الخليقة ـ وهى غير كائنة البتة ـ أن تكون (وتوجد) ؟، أو كيف يتسنى لتراب الأرض أن يصيغ إنسانًا عاقلاً ؟ أو كيف يستطيع الفانى أن يكون غير فانٍ ؟ ،
 و كيف وضع الله أساسات الأرض على البحار ، وثبتها على مجارى الأنهار (مز2:24) ؟ .
 وكذلك ينطبق عليهم القول القائل “لْنَأْكُلْ وَنَشْرَبْ لأَنَّنَا غَداً نَمُوتُ” (1كو32:15) , لكى يهلك معهم أيضًا جنون آريوسيتهم عندما يهلكون .

 

 

إن تفكير الآريوسيين فانٍ وفاسدٍ ، وأما كلمة الحق التى كان يليق أن تكون فى فكرهم فهى هكذا :

إن كان المصدر (المنبع) والنور، والآب هو الله ، فليس من العدل أن يُقل إن المصدر (الينبوع) بلا ماء ولا أن يكون النور بلا إشراق ، ولا الله بغير كلمة ، حتى لا يكون الله غير حكيم أو غير ناطق أو بغير نور. 
 

ولهذا السبب نفسه ، فكما أن الآب أزلى يلزم أيضًا أن يكون الابن أزليًا كذلك . لأن كل ما نفكر به من جهة الآب فهو بلا شك للابن أيضًا ، كما يقول الرب نفسه 
 

“كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي” (يو15:16) وكل ما هو لى فهو للآب (يو 17: 10). لذلك فإن الآب أزلى ، والابن أزلى أيضًا ، 
 

لأنه “بِهِ أَيْضاً عَمِلَ الْعَالَمِينَ” (عب 2:1) فكما أن الآب كائن كذلك فمن الضرورى أن يكون الابن أيضًا كائنًا ، “الْكَائِنُ عَلَى الْكُلِّ إِلَهاً مُبَارَكاً إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ“ (رو5:9) كما قال الرسول بولس.

وكما أنه لم يجرِ العرف على أن يُقال عن الآب إنه جاء إلى الوجود على اعتبار أنه لم يكن موجودًا ، هكذا ليس من اللائق أن يُقال عن الابن إنه جاء إلى الوجود لأنه لم يكن موجودًا ـ فالآب قادر على كل شئ ، والابن قادر على كل شئ ، كما يقول يوحنا “الْكَائِنُ وَالَّذِي كَانَ وَالَّذِي يَأْتِي، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ” (رؤ8:1)
 

الآب نور ، والابن شعاع ونور حقيقى . الآب إله حقيقى والابن إله حقيقى. لأنه هكذا كتب يوحنا :
 

“وَنَحْنُ فِي الْحَقِّ, فِي ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ, هَذَا هُوَ الإِلَهُ الْحَقُّ وَالْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ”(1يو20:5) فليس هناك شئ على الإطلاق يخص الآب دون أن يخص الابن أيضًا . 
 

ولأجل ذلك فإن الابن هو فى الاب والآب هو فى الابن (يو11:14). وحيث إن أمور الآب هذه هى فى الابن ، فإن هذه الأمور نفسها أيضًا تُدرك فى الآب وهكذا يُفهم القول :

“أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ” (يو30:10) حيث إنه ليس فيه (فى الآب) أشياء وفى الابن أشياء غيرها ، بل إن ما فى الآب هو فى الابن . وحيث إنك ترى فى الابن ما تراه فى الآب ، لذلك فلتفكر جيدًا فى قول الرب “اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ” (يو9:14).


 

 

وهكذا إذ قد برهنا على هذه الأشياء ، فإنه من عدم التقوى أن يُقال إن الابن مخلوق . لأنه فى تلك الحالة سيكون هناك اضطرار للقول بأن الينبوع المتدفق مخلوق ، وأن الحكمة مخلوقة ، 
 

وأن الكلمة مخلوق فى حين أن كل الأشياء هى خاصة بالآب . ومن هذه الأشياء يمكن للواحد منا أن يتبين عدم صحة ما فهمه مجانين الآريوسية. ولو كنا نحن متشابهين ، ولنا شخصيتنا ، ونحن من جوهر واحد ، لذا فالبشر متشابهون إذ لهم شخصيتهم ، ولنا جوهر واحد بعضنا مع بعض. 
 

إذ للجميع نفس الجوهر ، المائت الفاسد ، المتغير ، المخلوق من العدم . والملائكة أيضًا لهم نفس الطبيعة فيما بينهم وبين انفسهم وكذلك أيضًا جميع الخلائق الأخرى بالمثل. 
 

وإذا صح هذا الأمر فكيف يبحث المتشككون إن كان هناك أى تشابه بين الابن والمخلوقات ، أو كانت الأشياء التى تخص الابن يمكن أن توجد بين الأشياء المخلوقة ، فكيف تجرؤ الخليقة أن تنطق كلمة الله. 
 

ولكن ليت الساقطين والضالين لا يمسون إطلاقًا ما يخص التقوى ـ فإنه ليس بين المخلوقات من هو ضابط للكل ، وليس هناك (ضابط للكل) يضبط ويحفظ ضد ضابط آخر ، لأن كل واحد منهما يكون خاصًا بالله. 
 

لأن “اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ” (مز1:18)
 

و “لِلرَّبِّ الأَرْضُ وَمِلْؤُهَا” (مز1:24) 
 

و “الْبَحْرُ رَآهُ فَهَرَبَ” (مز3:114) 
 

وكل خدامه المختصون بالعمل : “فَاعِلِينَ أَمْرَهُ” (مز20:103) ، وطائعون أمره. فالابن ضابط الكل ، مثل الآب . وهذا هو ما كُتب وأُثبت. ومرة أخرى أيضًا ، فإنه لا يوجد بين المخلوقات ما هو غير متغير بطبيعته.

لأن بعض الملائكة لم يحفظوا رتبتهم الخاصة بهم، فحتى “الْكَوَاكِبُ غَيْرُ نَقِيَّةٍ فِي عَيْنَيْهِ”(أي 5:25) . وقد سقط الشيطان من السماء ، وحذا آدم حذوه ، وكذلك أيضًا كل الذين يعصون الله . أما الابن فهو غير متغير وغير قابل للتحول كالآب تمامًا . وها هو بولس يرجع بذاكرته إلى ما جاء فى المزمور فيقول :

“وَأَنْتَ يَا رَبُّ فِي الْبَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ. هِيَ تَبِيدُ وَلَكِنْ أَنْتَ تَبْقَى، وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى،. وَكَرِدَاءٍ تَطْوِيهَا فَتَتَغَيَّرُ. وَلَكِنْ أَنْتَ أَنْتَ، وَسِنُوكَ لَنْ تَفْنَى” (عب10:1ـ 12)
 

ومرة أخرى يقول “يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْساً وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ” (عب8:13).

وأيضًا فإن الأشياء التى وُجدت ، لم تكن موجودة ثم بعد ذلك وُجدت . لأنه صنع الأرض من العدم . وهو الذى “يَدْعُو الأَشْيَاءَ غَيْرَ الْمَوْجُودَةِ كَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ”(رو17:4)
 

وهى مصنوعة ومخلوقة ولذلك كانت هناك بداية لوجود هذه الأشياء . 
 

لأنه “فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ” (تك1:1) وكل ما فيها .

إذ يقول أيضًا “كُلُّ هَذِهِ صَنَعَتْهَا يَدِي”(إش2:66) والابن أيضًا هو إله كائن على الدوام كالآب أيضًا . وهكذا فإن هذا هو التعليم الذى قبلناه وتسلمناه، فإنه ليس مخلوقًا بل خالقًا . وهو ليس البيت المبنى بل هو بانيه، وصانع أعمال الآب . 
 

لأنه “بِهِ أَيْضاً عَمِلَ الْعَالَمِينَ” (عب 2:1) “وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ”(يو 3:1). كما علّم الرسول بما جاء فى المزمور، لإنه من البدء أسس الأرض والسموات هى عمل يديه (مز26:102)
 

وأيضًا فليس شئ من المخلوقات هو بالطبيعة إله. بل إن كل الأشياء المخلوقة تكونت، وهذه الأشياء سُميت : الواحدة سماء ، والأخرى أرضًا والبعض أنوار فى السماء وأخرى نجومًا، والبعض بحرًا وأغوارًا عميقة ودوابًا وأخيرًا الإنسان.

وقبل كل هذه المخلوقات ، خلق ملائكة ورؤساء ملائكة ، وشاروبيم ، وقوات ، ورئاسات وسلاطين ، وأربابًا ، وفردوسًا .

وهكذا ظل كل واحد من المخلوقات موجودًا. فحتى إذ دُعيت آلهة فهى ليست آلهة بالطبيعة ، بل عن طريق اشتراكها فى الابن. لأنه هكذا قال أيضًا: 
 

“إِنْ قَالَ آلِهَةٌ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللَّهِ” (يو35:10) وعلى هذا الأساس فلكونهم ليسوا آلهة بالطبيعة ، فإنهم عندما يلتقون ، يسمعونه قائلاً:

“أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو الْعَلِيِّ كُلُّكُمْ. لَكِنْ مِثْلَ النَّاسِ تَمُوتُونَ” (مز 82: 6-7)
 

بعد أن استمع لقولهم “وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلَهاً” (يو 10: 33) . أما الابن فهو إله حقيقى كالآب لأنه كائن فى الآب والآب كائن فيه(يو14: 10) . 
 

وهذا ماكتبه يوحنا بحسب ما قد أُعلن له . كما يرتل داود “كُرْسِيُّكَ يَا اللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ” (مز6:45) 
 

وإشعياء النبى يصرخ قائلاً : “تَعَبُ مِصْرَ وَتِجَارَةُ كُوشٍ وَالسَّبَئِيُّونَ ذَوُو الْقَامَةِ إِلَيْكِ يَعْبُرُونَ وَلَكِ يَكُونُونَ. خَلْفَكِ يَمْشُونَ. بِالْقُيُودِ يَمُرُّونَ وَلَكِ يَسْجُدُونَ. إِلَيْكِ يَتَضَرَّعُونَ قَائِلِينَ: فِيكِ وَحْدَكِ اللَّهُ وَلَيْسَ آخَرُ. لَيْسَ إِلَهٌ, حَقّاً أَنْتَ إِلَهٌ مُحْتَجِبٌ يَا إِلَهَ إِسْرَائِيلَ “ (اش 45: 14-15) 
 

فمن هو إذن الإله الذى يكون الله فيه إن لم يكن هو الابن القائل “أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ” (يو10:14).


 

فبما أن هذه الأشياء قد حدثت وكُتبت ، فمن يجهل أن كل ما هو للآب فهو للابن (يو15:16) ، حيث إن الابن ليس شبيه بين المخلوقات ، لأن الابن هو من نفس جوهر الآب ؟ . فإنه إن كان هناك شبه بين مخلوق وآخر فإنه يكون بينهما قرابة أيضًا إذ هما من نفس الجوهر ، هكذا يكون الغريب أيضًا بالنسبة لجوهر الأشياء المخلوقة .

وبالمثل أيضًا فإن كلمة الآب لا يكون مختلفًا عن الآب . وطالما أن له كل ما هو للآب فمن المعقول أن يكون من نفس جوهر الآب ، لأن الجوهر المخلوق لا يستطيع أبدًا أن يقول “كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي” (يو15:16). لأن الجوهر المخلوق إذ له بداية تكوين، ليس كائنًا بذاته ، أما الله فهو كائن “مُنْذُ الأَزَلِ” (مز 90: 2) . 
 

ولهذا فحيث إن الابن له كل هذه الصفات ، وكل ما قيل عن الآب قبل ذلك ، هو عن الابن أيضًا فمن الضرورى أن يكون جوهر الابن غير مخلوق ، بل هو واحد مع الآب فى الجوهر .

وبالإضافة إلى ذلك فإنه بحسب هذا الأمر لا يجوز أن تُنسب لأى جوهر مخلوق الخصائص الخاصة بالله . فمن بين تلك الخصائص المتعلقة به ، والتى يُعرّف بها الله :

أنه ضابط الكل ، وأنه الكائن ، وأنه غير المتغير ، والصفات الأخرى التى سبق أن أخبرنا بها ، حتى لا يبدو الله ذاته من نفس جوهر المخلوقات ، كما يقول الجهلاء أنه يمتلك ما يستطيع أن يحصل عليه مثله مثل المخلوقات .


 

وهكذا يمكن للإنسان أن يكشف ويفضح ويدحض تجديف الذين يقولون بأن كلمة الله مخلوق . إن إيماننا بالآب والابن والروح القدس ، نابع من قول الابن نفسه للرسل : 
 

“اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ”(مت19:28) لقد تكلم هكذا حتى نعرف وندرك ، تلك الأمور التى سبق الإخبار بها. 
 

لذا فمثلما قلنا إن الآباء هم مصدر الأبناء ، ومع ذلك فهم والدون ولم يقل أحد إننا نحن أنفسنا خِلقة آبائنا بل أبناء لهم بالطبيعة ، ومن نفس جوهر آبائنا . 
 

وهكذا فإن كان الله أبًا ، فمما لا شك فيه أنه أب لابن بالطبيعة وهذا الابن الابن هو من نفس جوهره . فإبراهيم إذن لم يخلق اسحق بل وَلَده ، أما بصلئيل و اهولياب فلم يَلِدَا كل الأعمال التى فى الخيمة بل صنعاها (خر1:36)
 

وصانع السفن ، والبنّاء لا يلدان ما يصنعان بل كل واحد منهما يعمل : فالأول منهما يصنع السفينة والثانى يبنى المنزل . ومع ذلك فإن اسحق لم يصنع يعقوب بل وَلَده بالطبيعة ومن جوهره.

وهكذا كان يعقوب أبًا ليهوذا واخوته. فكما أن أى شخص يُعتبر مجنونًا إذا قال إن المنزل من نفس جوهر البانى الذى بناه، وإن السفينة هكذا أيضًا بالنسبة لصانعها ، فإنه يكون من اللائق والمناسب أن يُقال إن كل ابن هو من نفس جوهر أبيه نفسه . 
 

فلو كان الآب هكذا مع الابن أيضًا، فمن الضرورى أن يكون الابن ، ابنًا بالطبيعة ، وبالحقيقة، وهذا هو الجوهر الواحد مع الآب كما يتضح من أمور كثيرة . 
 

ففيما يختص بالمخلوقات يقول لأنه تكلم فصاروا “لأَنَّهُ أَمَرَ فَخُلِقَتْ”(مز 148: 5) , 
 

أما عن الابن فيقول “فَاضَ قَلْبِي بِكَلاَمٍ صَالِحٍ” (مز1:45). ودانيال عرف ابن الله ، وعرف أعمال الله ، ورأى الابن يُطفئ الأتون ، 
 

وقال عن هذه الأعمال “باركى الرب يا جميع أعمال الرب” (دا 3: 57) وقد أحصى جميع المخلوقات ولكنه لم يحصِ الابن بينها ، عارفًا أنه (أي الابن) ليس من بين أعمال الرب بل أن هذه الأعمال قد صارت بواسطته ، وهو فى الاب مُمجد ومُعظم ومُكرّم غاية التكريم . 
 

إذن كما أن الله ظهر وأُعلن بواسطته للعارفين ، هكذا أيضًا فإن البركة والتسبيح والمجد والقدرة يُعترف بها للآب بواسطته وفيه ، كى يصير مثل هذا الاعتراف مقبولاً أيضًا ، كما تقول الكتب . 
 

إذًا يتضح ويتبين من هذا كله أن من يقول إن كلمة الله مخلوق ، فهو مُجدف وعديم التقوى .


 

ولكن بما أنهم يتعللون بالمكتوب فى الأمثال “اَلرَّبُّ قَنَانِي أَوَّلَ طَرِيقِهِ مِنْ قَبْلِ أَعْمَالِهِ”(أم22:8) ويرددون مع أنفسهم قائلين ها قد خلق ، وها هو المخلوق . 
 

لذلك فمن الضرورى أيضًا أن نوضح من هذا أنهم يضلون كثيرًا غير عالمين هدف الكتاب الإلهى . إذن فإن كان هو الابن فحاشا أن يُقال إنه مخلوق . وإن كان مخلوقًا فحاشا أن يُقال إنه ابن . لأننا قد برهنا فيما سبق على أنه يوجد اختلاف كبير بين المخلوق والابن . 
 

وحيث إن معنى الكمال لا يشمل الخالق والمخلوق بل الآب والابن ، فالضرورة تمنع أن يُقال إنه مخلوق، بل بالحرى أن يُقال إن الرب ابن . وقد يقول البعض، ألم يكن هذا مكتوبًا إذن ؟ 
 

نعم قد كُتب ، ولكن من الضرورى أن يُقال إن الهراطقة ، يفكرون تفكيرًا سيئًا فى الأقوال الحسنة. لأنهم لو فهموا وعرفوا خاصية المسيحية لَما قالوا إن رب المجد مخلوق ، ولَما تعثروا فى الكلام الصالح المكتوب. لذلك فأولئك “لاَ يَعْلَمُونَ وَلاَ يَفْهَمُونَ” (مز5:82) 
 

كما هو مكتوب يسيرون “فِي الظّلاَمِ” (يو35:12) ومع ذلك فمن الضرورى أن نتكلم لكى يظهر أن أولئك أغبياء فى هذا ، ولا نسكت عن إقامة الدليل ضد عدم ايمانهم حتى وإن تراجعوا عنه.

فالخاصية التى تميز الإيمان بالمسيح هى هذه : أن ابن الله هو كلمة الله لأن “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ … وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ” (يو1:1)
 

وهو حكمة الآب وقوته “بِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ”(1كو24:1) هذا الذى صار إنسانًا فى آخر الدهور لأجل خلاصنا ، لأن يوحنا نفسه الذى قال “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ” (يو1:1)

ما لبث بعد قليل أن قال “وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً”(يو14:1) ، هذا القول يعنى أنه قد صار إنسانًا . والرب أيضًا يقول عن نفسه لماذا “تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي وَأَنَا إِنْسَانٌ قَدْ كَلَّمَكُمْ بِالْحَقِّ”(يو40:8) 
 

وبولس الذى تعلم منه اعتاد أن يقول “يُوجَدُ إلَهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ, الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ”(1تي5:2) فالإنسان الذى كوّنَ الأجناس البشرية ودبرها(يو 1: 3) ، 
 

وطرد الموت وأبطله عنا (2تي1: 10) يجلس الآن عن يمين الآب (اع 7 : 55) وهو كائن فى الآب والآب كائن فيه (يو10:14) ، كما كان دائمًا (رو5:9) وسيكون إلى الأبد (عب8:13).


 

إن هذه الخاصية قد وصلتنا من الرسل بواسطة الآباء ، لذلك يجب أن نختبر ونميز ما جاء بالكتاب ، فإنه أحيانًا يتكلم عن ألوهية الكلمة وأحيانًا أخرى عن إنسانيته ، لدرجة أن الإنسان يمكن أن يضل إذا لم يفهم الخاصيتين (لاهوته وناسوته) ، مثلما حدث للآريوسيين.

ومن أجل ذلك ، كما أننا نعرف الكلمة نفسه ، ونعرف أن “كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ” (يو3:1) 
 

وأيضًا “بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ” (مز6:33)
 

وأيضًا “أَرْسَلَ كَلِمَتَهُ فَشَفَاهُمْ” (مز20:107)
 

ولأننا نعرف أنه هو الحكمة ، نعلم أن الله “بِالْحِكْمَةِ أَسَّسَ الأَرْضَ” (أم19:3) وصنع الآب كل شئ بحكمته (مز24:104).

ولأننا نعرف أنه إله قد آمنا أنه هو المسيح ، لأن كما يرتل داود “كُرْسِيُّكَ يَا اللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ. أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلَهُكَ بِدُهْنِ الاِبْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ رُفَقَائِكَ.” (مز45: 7-8)
 

وفى إشعياء يقول عن نفسه “رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي” (إش1:61) 
 

أما بطرس فقد اعترف قائلاً : “أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ الْحَيِّ” (مت16:16). وهكذا لأننا نعرف أنه صار إنسانًا ، فإننا لا ننكر الأقوال المتعلقة بإنسانيته ألاّ وهى الجوع والعطش والضرب والبكاء والنوم وفى النهاية قبول الموت من أجلنا على الصليب .

لأن كل هذه الأشياء قد كُتبت عنه . وهكذا أيضًا فإن الكتاب لم يُخفِ ، بل قال إن كلمة “خُلِقَ” تناسب البشر (ما هو بشرى) لأننا نحن البشر مخلوقون ومصنوعون. 
 

ورغم أننا سمعنا أنه جاع ونام وضًرب إلاّ أننا لا ننكر ألوهيته ، نحن الذين نسمع كلمة “خُلِقَ” ، بل نتبع ما يتفق مع تذكرنا لله لأن الله كائن أما الإنسان فقد خُلِقَ .

لأن الخلقة تخص الناس مثلما قيل من قبل عن الجوع وما شابهه .


 

ولأن ذلك الذى يُقال عنه إنه صالح وجميل يعتبر لديهم قبيحًا ورديئًا ، أقول بالتأكيد إنه حسن أنه أخذ فى اعتباره عندما قال :

“أَمَّا ذَلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ الاِبْنُ”(مر32:13)

لأن أولئك الذين يفكرون فى القول “وَلاَ الاِبْنُ” (مر32:13) ، يعنون به أن الابن مخلوق . وحاشا أن يكون هكذا .

لأنه عندما يقول “قَنَانِي”(أم22:8) فإنه يتكلم بشريًا ، وعندما يقول “وَلاَ الاِبْنُ”(مر32:13) فإنه يتكلم عن المعرفة البشرية . 
 

وهناك سبب معقول يجعله يقول مثل هذا القول ، إذ بما أنه قد صار إنسانًا ، كما هو مكتوب ، فإنه يكون مشابهًا للبشرية تمامًا فى عدم المعرفة ، كما فى الجوع وغيره من الصفات (البشرية), لأنهم لا يعرفون إن لم “يَسْمَعُوا وَيَتَعَلمُوا” (تث 31: 12)
 

من أجل هذا أيضًا، فإنه إذ قد صار إنسانًا فقد أظهر جهل البشر فى نفسه، أولاً لكى يُظهر أن له جسدًا بشريًا حقًا، وثانيًا ، لكى ـ عندما يكون له فى جسده جهل البشر ، يقدم للآب جنسًا بشريًا مُفتدى من بين الجميع ، وطاهرًا وكاملاً ومقدسًا .


 

فهل لا يزال يوجد لدى الآريوسيين أى إدعاء يدّعون به . فلماذا إذن يتهامسون ويدمدمون عندما يفكرون فى هذا الأمر. لقد أُدينوا لأنهم لا يعرفون:

“اَلرَّبُّ قَنَانِي … مِنْ قَبْلِ أَعْمَالِهِ” (أم22:8) وظهروا بأنهم لا يفهمون “أَمَّا ذَلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ الاِبْنُ” (مر32:13).

لأن ذلك مثل من يقول إن “خلق” الإنسان تعنى ، أن الإنسان قد تكوّنَ وخُلِقَ . أما ذلك الذى يقول “أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ” (يو30:10)
 

وأيضًا “اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ” (يو9:14) و “أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ” (يو10:14) فهذه الأقوال تعنى الأزلية والوحدة مع الآب فى الجوهر .

ولذلك فإن من يقول لا أحد يعرف “وَلاَ الاِبْنُ” (مر32:13) فإنه يقول هذا كإنسان صار مشابهًا للبشر تمامًا فى عدم المعرفة .

أما من يقول “لَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الاِبْنَ إِلاَّ الآبُ وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الاِبْنُ” (مت27:11) فإنه بالأحرى يعرف الأشياء المخلوقة أكثر بكثير ، فإن التلاميذ قالوا للرب فى إنجيل يوحنا “اَلآنَ نَعْلَمُ أَنَّكَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ” (يو30:16)إذن فمن الواضح أنه لا يوجد شئ لا يعرفه ذلك الذى هو الكلمة الذى ” كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ” (يو3:1) .

و“ذَلِكَ الْيَوْمُ” (مر32:13) هو حتمًا من بين تلك الأشياء التى تصير به ، وهكذا فإن الآريوسيين يتمزقون أربًا ربوات المرات بسبب جهالتهم .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* جزء من رسالة أبينا القديس أثناسيوس إلى الأسقف سرابيون, وقد تمت ترجمتها عن “مجموعة الآباء باليونانية” المجلد رقم 33 ، والتى نشرتها هيئة “أبو ستوليكيس دياكونياس ـ الخدمة الرسولية” التابعة للكنيسة اليونانية ، أثينا سنة 1963م