مجيء الرب القريب البعيد

 

مرّات عديدة تحمل إلينا الأخبار عن كارثة يمكن أن تهدِّد العالم، مثل وجود نيزك يحمل النار والدمار. مرّات عديدة يكون الكلام عن طبقة الأوزون التي تكشف الأرض أمام الشمس فتحرق الأرض. مرّات عديدة نحسُّ باقتراب حرب ذرِّيَّة أو هدروجينيَّة أو بكتيريولوجيَّة فيعيش الناس في الخوف، ويبني بعضهم ملاجئ تقيهم خطر القنابل الذرِّيَّة. في هذا الإطار نسمع أصحاب الشيع يعلنون نهاية العالم. قالوا: سنة 1914، ولكنَّ العالم لم ينتهِ! والآن يقولون: 2014. ويأتي العرّافون من كلِّ حدب وصوب فيزرعون الرعب في قلوب الناس سنة بعد سنة. ماذا يكون المستقبل؟ وما هو مصيرنا؟ في هذا الجوِّ من القلق المسيطر، نقرأ الرسالتين اللتين أرسلهما بولس الرسول إلى أهل تسالونيكي، إلى جماعةٍ فرحَ بها الرسول وهي فرحَتْ بمَن حمل إليها البشارة. فتحدَّث عن »نعمة الله في كنائس مكدونية« (2 كو 8: 1) بعاصمتها تسالونيكي.

أمّا كلامنا فيتَّخذ ثلاثة أقسام: إنجيل الله في تسالونيكي، مجيء المسيح القريب كما نقرأ في الرسالة الأولى إلى تسالونيكي: »يوم الربِّ يجيء كاللصّ« (1 تس 5: 2)، »فعلينا أن نسهر ونصحو« (آ5). وأخيرًا، مجيء الربِّ البعيد الذي تقف في وجهه العوائق والمعاصي، كما نعرف من الرسالة الثانية إلى تسالونيكي.

1-  إنجيل الله

حين بدأ الرسول يتذكَّر الماضي واليومَ الذي فيه وصل إلى تسالونيكي، ذكر 'الإنجيلب خمس مرّات في 1 تس ومرَّتين في 2 تس.

منذ البداية، تحدَّث الرسول عن إيمان التسالونيكيّين بالإنجيل الذي حمله إليهم. قال: »إنَّ إنجيلنا ما صار إليكم فقط في الكلام، بل في القوَّة وفي الروح القدس، وفي يقين تامّ، كما تعلمون كيف كنّا بينكم لأجل خيركم« (1 تس 1: 5).

الإنجيل هو الخبر الطيِّب، هو البشرى والبشارة بحدث سعيد. الإنجيل هو إعلان النصر بالنسبة إلى المدينة، واعتلاء العرش بالنسبة إلى الإمبراطور. في العهد القديم، حامل الإنجيل أعلن نهاية المنفى ومجيء ملكوت الله: »ما أجمل على الجبال وقع قدمَيْ المبشِّر الذي يذيع سلامًا وينشر بشائر الخبر القائل لصهيون: ملك إلهُك« (إش 52: 7). مثل هذا البلاغ يحمل التعزية وغفران الخطايا وعودة الله إلى شعبه. »اصعدي إلى جبل شامخ يا حاملة البشارة، ارفعي صوتك بقوَّة با مبشِّرة أورشليم، اهتفي ولا تجزعي« (إش 40: 9).

والرسول حمل »إنجيلاً« إلى تسالونيكي. هو انتصار على الموت والخطيئة. لم نَعُد على مستوى الكلام الخادع والمواعيد الكاذبة . بهذا الإنجيل تبرز القوَّة وعملُ الروح القدس. قد تبرز »القوَّة« في معجزات يجريها الرسل باسم يسوع المسيح. ولكنَّ قوَّة الله تبرز في الكرازة بالإنجيل. قال الرسول: »إنجيل المسيح هو قدرة الله لخلاص كلِّ مؤمن« (رو 1: 16). وقال إلى أهل كورنتوس: »وكان كلامي وتبشيري لا يعتمدان على أساليب الحكمة البشريَّة في الإقناع، بل على ما يظهره روح الله وقوَّته« (1 كو 2: 4).

والإنجيل أيضًا كلام على ملكوت الله الذي أعلنه يسوع في بداية رسالته: »تمَّ الزمان واقترب ملكوت الله. فتوبوا وآمنوا بالإنجيل« (مر 1: 15). هذا الإنجيل هو إنجيلنا، نحمله إلى الناس لنزرع لديهم الإيمان والمحبَّة والرجاء، فنكتشف لديهم النشاط والجهاد والثبات (1 تس 1: 3). هذا ما كانت عليه كنيسة تسالونيكي. من أجل هذا فرح الرسول بما عمله الروح القدس مع أنَّ الرسالة كانت قصيرة، فاحتاج الرسول بعض الوقت لكي يُكمِّل تربية هؤلاء المؤمنين الجدد في إنجيل الله.

قال الرسول: »فمع كلِّ ما لقينا في فيلبّي من العذاب والإهانة كما تعرفون، كانت لنا الجرأة أن نقول لكم إنجيل الله في جهاد كثير« (1 تس 2: 2). فالإنجيل أبعد ما يكون عن كلام بشريّ وفلسفة من الفلسفات وكأنَّ يسوع معلِّمٌ مثل المعلِّمين في عصره أو كما يقولون اليوم: صاحب فكر مثل بودا وسقراط وأرسطو. لا يمكن أن يكون الإنجيل في خطِّ ما وصل إلينا من تعاليم. هذه تقف على مستوى البشر، أمّا الإنجيل فيرفعنا إلى الله فنكتشف وجه الله من خلال وجه يسوع المسيح كما عاش على الأرض ومات وقام. وبولس أعلن منذ البداية أنَّ الحكمة التي يعلنها تختلف عن »الحكمة« اليونانيَّة: هذه جهالة تجاه حكمة الصليب، هي كلام تجاه العمل والتضحية على ما قال الرسول: »أحبَّنا الربّ وضحّى بنفسه لأجلنا«.

وفتح الرسول قلبه لهؤلاء المؤمنين. فحملُ الإنجيل ليس بالأمر الهيِّن، بسبب المعارضة هنا وهناك. ماذا حصل في فيلبّي أوَّل مدينة أوروبيَّة حمل إليها الرسول البشارة؟ دخل الرسولان السجن وهُدِّدا بأن يُرمَيا للوحوش. هل توقَّف بولس ورفيقه عن العمل؟ كلاّ. بل وصلا إلى تسالونيكي ولم تكن الحالة هناك بأفضل، »ملأ الحسد قلوب اليهود فجمعوا من الرعاع رجالاً أشرارًا هيَّجوا الناس وأثاروا الشغب في المدينة« (أع 17: 5). وهكذا أُجبر بولس وسيلا على ترك المدينة ليلاً (آ10). ذاك هو الجهاد المطلوب من المرسلين: »إذا اضطهدوكم في مدينة فاهربوا إلى غيرها« (مت 10: 23). ويواصل الربُّ كلامه: »لن تُنهوا عملكم في مدن إسرائيل كلِّها حتّى يجيء ابن الإنسان«. أجل مجيء الربِّ قريب ولا وقت يضيِّعه الرسول. والربُّ نبَّه تلاميذه: »ها أنا أرسلكم كالخراف بين الذئاب« (لو 10: 3).

وواصل بولس الجهاد بعد تسالونيكي في أثينة وفي كورنتوس. ومن كورنتوس كتب رسالته إلى أهل تسالونيكي: أين صار هذا الإنجيل الذي غرسه؟ فسِفرُ الأعمال يقول لنا إنَّ عمل الرسول لم يدُم طويلاً. تحدَّث عن »ثلاثة سبوت« (أع 17: 2). غير أنَّ الرسول أقام بعض الوقت في تسالونيكي: عمل في مهنته التي هي حياكة الخيام. قال متكلِّمًا عن نفسه: »فأنتم تذكرون أيُّها الإخوة، جهدنا وتعبنا، فكنا نبشِّركم بشارة (إنجيل) الله ونحن نعمل في الليل والنهار لئلاّ نثقِّل على أحد منكم« (1 تس 2: 9). هذا ما اعتاد عليه بولس في مدينة يصل إليها، كما فعل في كورنتوس: أقام بولس عند أكيلا وبرسكلَّة »يعمل عندهما، لأنَّه كان من أهل صناعتهما، صناعة الخيام« (أع 18: 3). في النهار يعمل، وفي الليل يعلِّم. في أيّام الأسبوع يشتغل بيديه ليقوم بحاجات الجماعة، ويوم السبت يجادل اليهود واليونانيّين في المجمع محاولاً إقناعهم« (18: 4).

أجل أقام الرسول في تسالونيكي أكثر من ثلاثة أسابيع فاستفاد من الوقت ليضمَّ إلى الإنجيل بعض اليهود، ثمَّ خائفي الله، وخصوصًا الوثنيّين: »قبلتمونا حين جئنا إليكم، اهتديتم إلى الله وتركتم الأوثان لتعبدوا الله الحيَّ الحقّ« (1 تس 1: 9). وبما أنَّ المدَّة طالت، احتاج الفريق الرسوليّ بعض المساعدة فجاءته من فيلبّي: »ففي تسالونيكي نفسها أرسلتم إليَّ مرَّة ومرَّتين بما احتجتُ إليه« (فل 4: 16).

ولكن سواء طالت إقامة الرسول في تسالونيكي أو قصرت، فقد اقتُلع اقتلاعًا فأحسَّ بالألم في قلبه. فمضى مُكرهًا، قلقًا على هؤلاء المسيحيّين الجدد الذين تُركوا وحدهم في مواجهة الاضطهاد. فكتب إليهم الرسول يشجِّعهم. ذكَّرهم بما حصل لإخوتهم في أورشليم واليهوديَّة (1 تس 2: 15-16). ومن أين قوَّتهم؟ من كلام الله الذي يعمل فيهم (آ14). وما هو رجاؤهم؟ »تنتظرون مجيء ابنه (ابن الله) من السماوات، وهو الذي أقامه الله من بين الأموات، يسوع الذي ينجِّينا من غضب الله الآتي« (1 تس 1: 10).

2-  انتظار المجيء

بعد القلق الفرح. أرسل الرسولُ تيموتاوس فجاءه بالأخبار الطيِّبة: »تذكروننا بالخير وتشتاقون إلى رؤيتنا كما نشتاق إلى رؤيتكم« (1 تس 3: 6). تلك هي عاطفة أبٍ تجاه أولاده (1 تس 2: 11-12). فهل ينساهم حين يُجبَر على تركهم؟ كلاّ. فهو يقول إلى جماعة كورنتوس: »فمن يضعف وأنا لا أضعفُ معه، ومن يقع في الخطيئة ولا أحترق من الحزن عليه« (2 كو 11: 29). أمّا مع جماعة تسالونيكي، فلا خوفَ بعد ولا همّ: »نحن نحيا الآن ما دمتُم ثابتين في الربّ. فأيُّ شكر نقدر أن نؤدّيه إلى الله من أجلكم على كلِّ هذا الفرح الذي نشعر به أمام إلهنا بفضلكم« (1 تس 3: 8-9).

ارتاح الرسول وها هو يكمِّل تعليم الجماعة حول مجيء الربّ. فبعد أن امتدح التسالونيكيّين، طلب من الربِّ »أن يقوّي قلوبكم فتكونوا بقداسة لا لوم فيها، أمام إلهنا وأبينا، يوم مجيء ربِّنا يسوع المسيح مع قدّيسيه« (1 تس 3: 13). أجل، الربُّ يأتي قريبًا. والمؤمنون تذكَّروا قول يسوع قبل خبرة جبل التجلّي: »الحقَّ الحقَّ أقول لكم: في الحاضرين هنا من لا يذوقون الموت حتّى يشاهدوا ملكوت الله آتيًا في قوَّة« (مر 9: 1). هذا يعني أوَّلا: يأتي المسيح وهم بعدُ أحياء فيرافقونه في موكبه المجيد. واللفظ »بقوَّة« يدلُّ على تجلّي ملكوت الله وانتصاره تجاه الخفاء في بدايته. وهذه القدرة تُعطى للمسيح منذ قيامته (رو 1: 4).

متى يكون هذا المجيء؟ بعضهم فكَّر في دمار أورشليم. وآخرون في ظهورات المسيح القائم من الموت: هو يأتي مثل ملك. وفئة ثالثة توقَّفت عند التجلّي حيث ظهر يسوع للتلاميذ يحيط به موسى وإيليّا. ذاك هو المعنى الذي أبرزه إنجيل لوقا: الإقرار بعظمة الربِّ القائم من الموت، كما تجلَّت أمام الرسل على الجبل (لو 9: 27).

أمّا جماعة تسالونيكي فاعتبروا أنَّ هذا المجيء يتمُّ وهم بعدُ أحياء، يتمُّ في القريب العاجل. لهذا بدوا مستعدِّين محتملين كلَّ الصعوبات والاضطهادات. وتساءلوا: والذين رقدوا؟ كيف يكونون في موكب الربّ؟ هنا كان جواب الإيمان ثمَّ الجواب العمليّ. أمّا جواب الإيمان فيربط موتنا بموت المسيح وقيامتنا بقيامته. هو مات ونحن نموت. هو قام ونحن نقوم. والمسيح صعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب، وكذلك يكون لنا نحن المؤمنين: »نؤمن أنَّ الذين رقدوا في يسوع، سينقلهم الله إليه مع يسوع« (1 تس 4: 14).

وكيف تتمُّ هذه »النقلة«؟ هنا يأتي الجواب العمليّ بالنسبة إلى جماعة تسالونيكي: يقوم الموتى أوَّلاً، والأحياء يُخطَفون في السحب. والجميع يمضون لملاقاة الربِّ في الفضاء (آ17).

نحن هنا أمام صُوَر من العالم الجليانيّ: الربُّ يتجلّى، يجلو لمؤمنيه، يكشف لهم الأساس: أنتم تقومون. إذًا، لا تحزنوا كما يحزن الذين لا رجاء لهم. الموت بالنسبة إلى الأقدمين هو الظلمة. أمّا الموت للمؤمنين فهو نور، وهو نهار لا ليل فيه، كما قال سفر الرؤيا (رؤ 21: 25). يموتُ الناس فينامون. أمّا المؤمن فيموت ليقوم. ولكن كيف التعبير عن هذه الحقيقة التي لا نراها بالعين البشريَّة المجرَّدة، بل بالإيمان؟

تحدَّث الرسول عن »الصوت«، عن »هتاف البوق«، عن »النزول من السماء«، عن »السُحب«. نحن لا ننسى أنَّ ابن الإنسان يأتي على سحاب السماء. كما قال دانيال، وكأنَّه في مركبة. قال الرائي: »ورأيتُ في منامي ذلك الليل، فإذا بمثل ابن إنسان آتيًا على سحاب السماء« (دا 7: 13). وردَّد يسوع هذا الكلام فطبَّقه على نفسه أمام المجلس اليهوديّ: »سترون بعد اليوم ابن الإنسان جالسًا عن يمين الله القدير وآتيًا على سحاب السماء« (مت 26: 64). فالسحاب يدلُّ على حضور الله الذي يرافق شعبه في مسيرة البرِّيَّة. السحاب يُظهر اللهُ ويخفيه في الوقت عينه، لأنَّنا أمام سرٍّ يعطينا بعض الضياء ويخفي الكثير عن أعيننا البشريَّة.

ويعود الرسول إلى خبرة جبل سيناء حيث »يُسمَع« صوت الله من خلال السحاب. قال الخبر: »وكان صوتُ البوق يرتفع جدٌّا، وموسى يتكلَّم والله يجيبه بقصف الرعد« (خر 19: 19). فالهتاف بالبوق يعلن مجيء الملك إلى مدينته. وأيُّ ملك مثل هذا الذي دعاه سفر الرؤيا »ملك الملوك وربّ الأرباب« (رؤ 17: 14).

والنزول؟ كان الأقدمون يتصوَّرون الإله آتيًا إليهم من السماء التي هي فوق. هو ينزل على رأس الجبل الذي يبدو من بعيد وكأنَّه يلامس السماء. هذا إذا كانت المعابد تُبنى على رؤوس الجبال. وإن لم يكن جبل، كما في العراق، يُبنى هيكل عالٍ بسبعة طوابق، فينزل الإله على الطابق الأعلى. أمّا الربُّ فنزل على رأس جبل سيناء ونادى موسى إلى رأس الجبل فصعد (خر 19: 20). في هذا الامتداد قال الرسول: »لأنَّ الربَّ نفسه سينزل من السماء عند الهتاف ورئيس الملائكة وصوت بوق الله« (1 تس 4: 16). تلك الطريقة البشريَّة للكلام عن حضور الربِّ على الأرض تعود إلى خبر برج بابل، حيث نزل الربُّ ليرى ماذا يفعل البشر. ولكن مع يسوع صار معنى النزول التجسُّد. »هو في صورة الله، أخذ صورة العبد، ظهر في صورة الإنسان« (فل 2: 6-7). هو »لمَّا تمَّ الزمان وُلد لامرأة وعاش في حكم الشريعة« (غل 4: 4). والصعود كان العودة إلى الآب كما حصل يوم تركهم يسوع: »ارتفع إلى السماء وهم يشاهدونه، ثمَّ حجبته سحابةٌ عن أنظارهم« (أع 1: 9). وشرحت الرسالة إلى أفسس هذا الصعود فقالت: »وما المقصود بقوله ''صعد'' سوى أنَّه نزل أوَّلاً إلى أعمق أعماق الأرض. وهذا الذي نزل هو نفسه الذي صعد إلى ما فوق السماوات ليملأ كلَّ شيء« (أف 4: 10).

المسيح ينزل مع قدّيسيه. هم الملائكة. هم المؤمنون. ماذا نفعل نحن؟ ننتظر. ولكن هل نعرف متى يكون هذا المجيء؟ قال الربّ: هو أمر لا يعرفه أحد، حتّى الملائكة في السماء (مت 24: 36). ويستعيد بولس صورة اللصّ الذي يجيء في الليل (آ43). قال: »تعرفون جيِّدًا أنَّ يوم الربِّ يجيء كاللصِّ في الليل. فحين يقول الناس: سلام وأمان، يفاجئهم الهلاكُ بغتة كما يفاجئ الحبلى ألم الولادة« (1 تس 5: 3). أنتم لا تعرفون، إذًا كونوا ساهرين. كونوا مستعدِّين. سواء جاء المسيح في مجده، في نهاية العالم، سواء أتى إلى لقاء كلِّ واحد منّا حين ينتقل من هذا العالم إلى العالم الآخر. لهذا قال الربّ: »كونوا على استعداد، لأنَّ ابن الإنسان يأتي في ساعة لا تنتظرونها« (مت 24: 44). سُئل القدّيس أنطونيوس الكبير: »ماذا نعمل من أجل خلاصنا؟« أجاب: »استعدُّوا ساعة قبل الوقت«. فقالوا له: »نحن لا نعرف الوقت«. فأجاب: »كونوا مستعدِّين في كلِّ وقت«.

وكيف يكون الاستعداد؟ هل نترقَّبه كما يترقِّبون ظهور القمر، ونحن مكتوفو الأيدي؟ هل ننتظره على الجبل كما فعلت جماعة في كوريا الجنوبيَّة، فباعت كلَّ شيء وانتظرت على الجبل؟ هل نسأل السحرة والعرّافين لكي يقولوا إن كان عمرُنا يطول أو يقصر؟ وماذا يُنتظر من أحداث وكوارث؟ يقولون لنا: هو في المشرق، فنمضي إلى هناك. ويقولون لنا: هو في المغرب، فنمضي إلى هناك. هل ننتظر نهاية حياتنا لكي نتوب؟ ومن يعرف نهاية حياته؟

أخبر عن القدّيس لويس ده غونزاغا أنَّه كان يلعب مع رفاقه. فسألهم الكاهن: »إذا عرفتم أنَّكم تموتون بعد نصف ساعة، فماذا تفعلون؟ ''واحد قال: ''أمضي وأعترف بخطاياي''. وقال آخر: ''أذهب إلى الكنيسة وألتجئ إلى العذراء''. وقال ثالث، وقال رابع. أمّا لويس ده غونزاغا فلبث صامتًا. فسأله الكاهن: »وأنت يا لويس؟« فقال: »أتابع اللعب«. هكذا ننتظر مجيء الربِّ في حياتنا. نحن نأكل نتابع الأكل. نحن نعمل نتابع العمل. نحن ندرس نتابع الدرس. فلماذا الخوف والقلق من الغد وكأنَّ الربَّ رجل قاسٍ، ينتظرنا لكي يصبَّ علينا غضبه ويعاقبنا. المبدأ: نعيش بهدوء مع المبدأ البولسيّ: »إن أكلتم أو شربتم أو مهما عملتم، فليكن ذلك لمجد الله، وكونوا بلا عثار لأحد« (1 كو 10: 31).

3-  الدينونة عند مجيء المسيح

في الرسالة الأولى إلى تسالونيكي، كانت الفصول الثلاثة الأولى كلامًا عن الحاضر مع عودة إلى الماضي. يتذكَّر المؤمنون كيف بدأت البشارة، وكيف تنظَّمت الجماعة. ويفرحون الآن بما وصلوا إليه بعد أن بلغت إليهم كلمة الله فيقول لهم الرسول: »أنتم رجاؤنا وفرحُنا وإكليل افتخارنا أمام ربِّنا يسوع المسيح في مجيئه« (1 تس 2: 19).

أمّا أحداث نهاية الزمن فلا تتوقَّف عند 1 تس 4: 13-5: 11 كما يبدو في النصّ. فرجاء عودة المسيح هو يقين يتوزَّع الرسالة كلَّها (1: 10؛ 2: 19؛ 3: 13) ويؤسِّس السلوك المسيحيّ: فالمسيحيّ هو إنسان ينتظر، ويا ما أحلاه انتظارًا على مثال ما في المزمور: »فرحتُ بما قيل لي إلى بيت الربِّ ننطلق«. تحدَّث العهد القديم عن يوم الربّ، ذلك اليوم الذي فيه يتجلّى الله على أنَّه ديّان الأبرار والأشرار، كلِّ واحد بحسب أعماله. أمّا بولس فرأى فيه يوم المسيح: هو يأتي في مجده كابن الله من أجل خلاص المؤمنين وهلاك الأشرار. عندئذٍ يجب على المؤمنين أن يكونوا بلا لوم، أن لا يهتمُّوا ولا يقلقوا، بل أن يسهروا وينتظروا أطيب ضيفٍ كما انتظرت العذارى عريسهنَّ بمصابيح نيِّرة (مت 25: 1-13).

ذاك ما قرأنا في 1 تس. أمّا في 2 تس فيتبدَّل الموضوع، واهتمامات الكاتب. هنا تختلف عن اهتمامات الرسول حين كتب 1 تس. كانوا يقولون: »دُوَّن بولس 1 تس وبعد أشهر قليلة دوَّن 2 تس. غير أنَّ الدراسات أظهرت أنَّ المناخ مختلف جدٌّا بين رسالة ورسالة. في 1 تس، مجيء الربِّ قريب جدٌّا، ولا شيء يقف في وجهه. أمّا في 2 تس فيبدو أنَّ الربَّ أتى، ولا حاجة بعدُ إلى الانتظار. وكيف يكون ذاك المجيء؟ علَّمت 1 تس أنَّه عبور من سلام ظاهر إلى الهلاك والدمار (1 تس 5: 3). أمّا 2 تس، فصوَّرت تسلسل مراحل تاريخ البشر قبل تجلّي المسيح المجيد. كل هذا يقودنا إلى خمسين أو ستين سنة بعد الرسالة الأولى إلى تسالونيكي.

تحدَّث الإنجيل عن جوٍّ جليانيّ يذكِّرنا بما في سفر الرؤيا مع موضوعين اثنين: فجاءة الموت والعلامات التي تعلن النهاية: »سيجيء كثير من الناس منتحلين اسمي فيقولون: أنا هو المسيح! ويخدعون أناسًا كثيرين« (مر 13: 6). فانتبهوا أيُّها المؤمنون ولا تضلُّوا (آ5). ولا ترتعبوا ولو سمعتم بالحرب وبأخبار الحروب (آ7)، ولو قامت 'أمَّة على أمَّة ومملكة على مملكة، ووقعت زلازل وحصلت مجاعات« (آ8). كلُّ هذا لا يكون الآخرة. فلماذا أنتم معجِّلون؟ كلُّ هذا هو البداية من أجل ولادة عالم جديد. فكأنَّ الآخرة حاضرة كلَّ يوم ويُشرف عليها كلَّ يوم موتُ المسيح وقيامته.

أمّا الرسالة الثانية إلى تسالونيكي فانطلقت من هذا المناخ وتحدَّثت عن حقبة من الجحود وعن مجيء الأنتيكرست أو المسيح الدجّال كما قالت رسالة يوحنّا الأولى وكرَّرت: »يا أبنائي الصغار، جاءت الساعة الأخيرة، سمعتم أنَّ مسيحًا دجّالاً (أنتيكرست، ضدَّ المسيح) سيجيء. وهنا الآن كثير من المسحاء الدجّالين. ومن هذا نعرف أنَّ الساعة الأخيرة جاءت« (1 يو 2: 18).

ويقول يوحنّا الرسول عمَّن يحمل الكذب لكي يُضلَّ المؤمنين: »فمَن هو الكذَّاب إلاَّ الذي يُنكر أنَّ يسوع هو المسيح. هذا هو المسيح الدجّال (ضدّ المسيح) الذي ينكر الآب والابن معًا« (آ22). وفي إطار الكلام عن المسيح، يعود الكلام عن »الأنتيكرست«، المسيح الدجّال: »كلُّ روح لا يعترف بيسوع لا يكون من الله، وهذا هو المسيح الدجّال الذي سمعتم أنَّه يجيء وهو منذ الآن في العالم« (1 يو 4: 3).

متى كُتبت رسائل يوحنّا الثلاث؟ في نهاية القرن الأوَّل. هذا يعني أنَّ الرسالة الثانية إلى تسالونيكي كانت في هذا المناخ عينه. انطلق واحد من تلاميذ بولس ممّا قرأه في 1 تس، فقدَّم جوابًا »بولسيٌّا« على وضع جديد طرأ على الجماعة المسيحيَّة التي رأت أنَّ مجيء المسيح تأخَّر. فطلبت السبب فوجدته في حقبة الجحود وفي مجيء الأنتيكرست أو المسيح الدجّال. ماذا تعني هاتان العبارتان؟ هنا نقرأ نصَّ الرسالة:

3     لا يخدعكم أحد بشكل من الأشكال: يأتي الارتداد أوَّلاً ويُعتلَن إنسانُ المعصية، ابنُ الهلاك.

4     ذاك المقاوم والمرتفع على كلِّ ما يُدعى إلهًا أو معبودًا إلى أن يجلس هو نفسه في معبد الله مظهرًا نفسه أنَّه هو الله.

نفهم أوَّلاً أنَّ المؤمنين خُدعوا، بعد أن غاب عنهم رسولهم. ونحن لسنا أفضل منهم حين نسمع 'المسحاء الدجّالينب العديدين، الذين يقتلعوننا من جذورنا، ويرموننا على أمواج البحر فلا يستقرَّ لنا قرار. غاب الرسول فجاء من يعلِّم تعليمًا ضالاٌّ. وما هو هذا التعليم؟ جاء يوم الربّ، فلا حاجة بعد إلى الانتظار، وبالتالي نعيش كما نشاء. نعيش في البطالة! (2 تس 3: 6). نترك التقليد الذي تسلَّمناه والتعليم الذي تعلَّمناه. وما أكثر التعاليم في أيّامنا؟! ما الذي سلَّمنا آباؤنا؟ الجواب: هي أمور قديمة ونحن نبحث عن كلِّ جديد. ويكون الضياع إن لم يكن الهلاك. الرسول مات من زمان، فلماذا نتعلَّق بالموتى وننسى الأحياء؟ ولكن متى يكون المؤمن في عالم الموت لكي يبقى فيه؟ الرسول حيٌّ في الكنائس التي أسَّسها والتلاميذ الذين يواصلون تعليمه.

»البطالة«. حرفيٌّا: حياة لا نظام فيها ولا ترتيب. الأخ البطّال هو من لا يريد أن يعمل (آ10). الأخ البطّال هو »الذي يتشاغل بما لا نفع فيه« (آ11). الأخ البطّال هو الذي يعيش في القلق وينقل هذا القلق إلى الآخرين. نحن نحذَرُه، ونحذر تعليمه الذي ينقله من بيت إلى بيت وكأنَّ لا شغل له. إنَّه يشبه هؤلاء الأرامل اللواتي »يتعلَّمن البطالة والتنقُّل من بيت إلى بيت، كما يتعلَّمن الثرثرة أيضًا والتشاغل بما لا يعنيهنَّ والكلام بما لا يليق« (1 تم 5: 13).

ظنَّ المؤمنون أنَّ رسالة جاءتهم من الرسول؟ كلاّ. ظنُّوا أنَّ قولاً قاله الرسول وما كتب هو ينيرهم؟ كلاّ. ظنُّوا أنَّ نبوءة وصلت إليهم؟ كلاّ. لا حاجة إلى الرؤى ولا إلى التنبُّؤات وإلى معلِّمين جدد يحسبون أنَّ التعليم توقَّف عندهم. كلام الله يكفي، وهو مصباح لخطانا ومنارة سبيلنا كما قال المزمور.

أمّا الجحود فهو موقف فيه يترك الناس الله، كما يقول العالم الجليانيّ اليهوديّ، وإنسان المعصية هو ذاك الذي يعصي وصايا الله. وهو يدلُّ على عدد كبير من الناس على ما يقول متّى: »تجفُّ المحبَّة في القلوب، يعمُّ الفساد« (مت 24: 12). وابن الهلاك هو ذلك الهالك الذي يمكن أن يسمع كلامَ الربِّ مع الخاطئين: »ابتعدوا عنّي، يا ملاعين، إلى النار الأبديَّة المهيَّأة لإبليس وأعوانه« (مت 25: 41). هناك يقيم الكذّاب وأبو الكذب (يو 8: 44).

وتتذكَّر الرسالة سفرَ دانيال وما قاله عن أنطيوخس الرابع إبيفانيوس ومعنى اسمه »تجلّي الله«. و»يفعل الملك كيف يشاء، ويترفَّع ويتعاظم على كلِّ إله، ويتكلَّم الأباطيل (الأقوال المذهلة) على إله الآلهة (الربّ الإله) وينجح...« (دا 11: 36). بدا هذا الملك وكأنَّه خصم الله بالذات. ذاك ما يحدث بالنسبة إلى الملكوت وانتشار الإنجيل. أمّا الصورة الأساسيَّة في العهد الجديد فهي نيرون الذي قيل عنه إنَّه مات وقام (رؤ 13: 3)، وكأنَّه يسوع المسيح.

خطر من الداخل وخطر من الخارج يهدِّد الكنيسة. أمّا الجحود فيدلُّ على المؤمنين الذين يتراجعون عن إيمانهم بسبب الصعوبات والتجارب والمغريات والاضطهادات. وأمّا رجل المعصية الذي يجعل نفسه إلهًا فهو السلطات الرومانيَّة التي تضطهد المؤمنين ومعها النبيّ الكذّاب الذي دعاه سفر الرؤيا: وحش البرّ برؤوسه السبعة، مع أسماء التجديف على رؤوسه (رؤ 13: 1). وهذا يعني مرَّة أخرى أنَّ الرسالة الثانية إلى تسالونيكي عرفت مناخ سفر الرؤيا، الذي دُوِّن في نهاية القرن الأوَّل مع اضطهاد دوميسيان على الكنيسة. وبدلاً من أن يشدِّد المؤمنون عزائمهم، تراخوا وكان ذلك خطرًا كبيرًا لا بدَّ من التنبيه إليه. لهذا كُتبت 2 تس.

قالت لنا: إبليس ما زال يعمل في هذا العالم. والاضطهادات تقسم العالم قسمين: المؤمنين الثابتين والأشرار العاصين. كما تجعل الناس يضيعون بين الحقِّ والباطل، بين البرِّ والجور. فهلاَّ يتذكَّر المؤمنون في تسالونيكي تعاليم الرسل حول السهر وتمييز التعليم الصحيح من التعليم الكاذب؟ لا شكَّ في أنَّ المسيحيّين مدعوّون إلى مشاركة المسيح في مجده، ولكن قبل المجد هناك الألم والاضطهاد. لهذا هم يحتاجون أن ينموا في المحبَّة والإيمان والصبر. وتبقى الكلمة الأخيرة: »لكنَّ الربَّ أمين، وهو يقوِّيكم ويحفظكم من الشرّير، ولنا كلُّ الثقة في الربِّ أنَّكم تعملون ما أوصيناكم به وتتابعون عمله. هدى الربُّ قلوبكم إلى ما في الله من محبَّة وما في المسيح من ثبات« (2 تس 3: 3-5).

الخاتمة

هكذا قرأنا رسالتين بولسيتين، حُسبتا في التقليد الكنسي قريبتين، الواحدة من الأخرى، بل لا يفصل بينهما سوى بضعة أسابيع أو أشهر. ولكن المناخ المتبدّل غيّر النظرة كلها. في الأولى، المجيء قريب. في الثاني، المجيء بعيد، وربّما لا يأتي الرب، فيكون المؤمن مثل العبد الشرير الذي يعتبر أن سيّدة يتأخر »فيأخذ يضرب رفاقه ويأكل ويشرب مع السكيرين...« (مت 24: 48-49). ويلعب الكسل ويضيع الانتظار الذي نعيشه اليوم في كل احتفال نقوم به. ونسأل: إذا كان بولس وسلوانس وتيموتاوس كتبوا الرسالة الأولى، فمن كتب الثانية؟ والجواب هو المدرسة البولسية، التي ورثت فكر هذا الرسول، وتأمّلت فيه وقدّمت جوابًا جديدًا لوضع جديد. وتسلّمت الكنيسةُ الرسالتين كما تسلّمت الأسفار المقدسة، لأن كاتبها الأساسيّ هو الروح القدس الذي أرسله الابن ليذكرنا بما قاله لنا، وليعلّمنا ما لم نقدر أن نحتمله. أما الكاتب البشري فهو يد الله، ويا ما أحلاها يدًا   أوصلت إلينا تعليمًا نحتاج إليه كثيرًا في أيامنا!