بولس الرسول. أسقف كورنتوس وكاهنها

 

كورنتوس، تلك المدينة التي وصل إليها بولس آتيًا من أثينة سنة 49-50، كورنتوس حيث وجد عيلة يهوديَّة، أكيلا وبرسكلّة، »فأقام يعمل عندهما، لأنَّه كان من أهل صناعتهما« (أع 18: 3)، كورنتوس حيث بدأ بولس يشهد لليهود »أنَّ يسوع هو المسيح« (آ5)، كورنتوس حيث كان يجتمع الرسول في بيت ملاصق للمجمع، يخصّ رجلاً يونانيٌّا. من هذا البيت انطلقت مسيرة الإيمان في كورنتوس، تلك المدينة التي عُدَّت نصف مليون ننسمة ونيِّف: آمن رئيس المجمع هو وأهل بيته. وواصل أعمالُ الرسل الكلام: »وكان كثيرٌ من أهل كورنتوس يسمعون كلام بولس، فيؤمنون ويتعمَّدون« (آ8). وما كان بولس وحده في حمل البشارة. فهناك الفريق الرسوليّ الذي نعرفه: سيلا وتيموتاوس اللذان التحقا ببولس »من مكدونية« بعاصمتها تسالونيكي. كما جاء أبلّوس بفصاحته المعروفة ومعرفته العميقة بالكتب المقدَّسة. وبطرس عمل أيضًا في »عاصمة آخائية«، فكان له »حزبه« أو الذين تعلَّقوا به، لأنَّه لم يقطع كلَّ رباط مع الشريعة اليهوديَّة، فراعى الذين لبثوا متعلِّقين بالختان.

في كورنتوس ومنطقة آخائية، كان بولس »الأسقف والكاهن« في مفهومنا الحديث، فقام بمهامّ »خادم الرعيَّة والأبرشيَّة«، مع أنَّه لم يكن هناك مثل هذه التقسيمات الإداريَّة. ولكنَّنا نودُّ أن نقرأ الرسالة إلى كورنتوس من هذا المنظار، في هذه السنة الكهنوتيَّة التي أعلنها قداسة البابا بنديكتس السادس عشر، فنكتشف خادم الكلمة والكارز بالإنجيل، ومدبِّر الجماعة الذي يتعامل مع المؤمنين تارة بالقساوة وطورًا بالليونة والحنان، والأب الذي ولد هؤلاء الناس في »المسيح يسوع بالبشارة التي حملها إليهم« (1 كو 4: 15).

1- الويل لي إن كنتُ لا أبشِّر

كان الجدال مرَّة بين الرسول »ورعيَّته«: من يقوم بأود المرسلين، من يؤمِّن لهم معاشهم؟ قال: أما يحقُّ للمرسَل »أن يأكل ويشرب«؟ وفي مفهومنا اليوم: أن يؤمَّن للكاهن »البيت« الذي يقيم فيه و«المال« الذي يساعده على سدِّ حاجاته. ثمَّ هناك مرسلون يستصحبون »زوجاتهم«. في الأصل »امرأة أخت«. ويمكن أن يكون هناك أولاد. فبطرس الذي كان متزوِّجًا، أخذ زوجته معه. وكذا نقول عن »إخوة الرب«، يعقوب ويهوذا وسمعان ويوسي (مر 6: 3، أي أبناء مريم وكلاوبا، يو 19: 25). قالت الرسالة: »أما لنا حقّ مثل سائر الرسل وإخوة الربّ وبطرس أن نستصحب زوجة مؤمنة؟« (1 كو 9: 5).

هو أمر عاديّ أن تؤمِّن »الرعيَّة« حياة »راعيها« أو أقلَّه الكنيسة. فهناك مرسلون من أوروبّا وأميركا، رجل وزوجته وأولاده تُرسلهم الكنيسة المحلِّيَّة ليحملوا الإنجيل، وهي تعطيهم »الزاد« الضروريّ. ولنا مثَلٌ على ذلك في أعمال الرسل. أرسلت كنيسة أنطاكية برنابا وشاول (الذي سيصبح بولس). »وضعوا أيديهم عليهما وصرفوهما« (أع 13: 3). ولمّا عادا من الرسالة، قدَّما تقريرًا. قال سفر الأعمال: »فلمّا وصلا (بولس وبرنابا) إلى أنطاكية جمعا الكنيسة وأخبرا بكلِّ ما أجرى الله على أيديهما« (أع 14: 27).

أجل، الكاهن يسلِّم نفسه للكنيسة ومستقبله وإرادته، وهي تهتمُّ به. وهذا واضح جدٌّا في الرهبنات عندنا وفي سائر بلدان العالم: لا يُترَك الراهب (ولا الراهبة) حين يشيخ، بل يكون الاهتمام به حتّى مماته، بل بعد مماته، بما يُقدَّم عنه من الصلوات والقدّاسات. أسند بولس كلامه إلى الكتاب المقدَّس: »لا تكمَّ الثور وهو يدوس الحصاد«  (تث 25: 4). وشرح الكلام: »فهل بالثيران يهتمُّ الله؟ أما قال ذلك بالفعل من أجلنا؟ نعم، من أجلنا كُتب ذلك ومعناه: على الذي يفلح الأرض والذي يدرس الحبوب أن يقوما بعملهما هذا على رجاء أن ينال كلٌّ منهما نصيبه منه« (1 كو 9: 10).

ويقدِّم الرسول البراهين المأخوذة من الحياة اليوميَّة: »من هو الذي يحارب والنفقة عليه؟ من هو الذي يغرس كرمًا ولا يأكل من ثمره؟ من هو الذي يرعى قطيعًا ولا يأكل من لبنه؟« (آ7). والجواب لا أحد. لكنَّ هذا يفترض أنَّ »الجندي« يحارب ولا يختبئ حين يأتي الخطر. وكذا نقول عن »الراعي« الذي يبذل نفسه عن أحبّائه. وإلاَّ كان مثل الأجير الذي يعمل لقاء أجرة، ويتعب بقدر الأجرة التي تُعطى له: وأظنُّ أنَّ الرعيَّة التي ترى راعيها مثل »الراعي الصالح«، تعرف كيف تهتمُّ به. زرع فيهم الخيرات الروحيَّة وهو يحصد »الخيرات المادِّيَّة« (آ11).

ولكنَّ بولس أراد أن يكون »حرٌّا«، مع أنَّ له »الحق« أن يطالب كما يطالب غيره. فقال: »ولكنَّنا ما استعملنا هذا الحقّ، بل احتملنا كلَّ شيء لئلاَّ نضع عقبة في طريق البشارة بالمسيح« (آ12). وواصل كلامه: »ولا أنا أكتب هذا لأطالب بشيء منها، فأنا أفضِّلُ أن أموت من أن يحرمني أحدٌ من هذا الفخر« (آ15).

لماذا أراد الرسول أن يكون حرٌّا من كلِّ هذه الأمور؟ لماذا رفض وهو خادم المذبح »أن يأخذ نصيبه من الذبائح«؟ (لا 6: 9-19). لماذا رفض وهو خادم البشارة أن »ينال رزقه من البشارة«، مع أنَّ الربَّ قال: »إنَّ العامل يستحقُّ أجرته« (لو 10: 7)؟ لكي يتكرَّس بكلِّيَّته للبشارة. قال: »البشارة ضرورة فُرضَتْ عليّ، والويلُ لي إن كنتُ لا أبشِّر« (1 كو 9: 16). أجل، بولس هو تعيس إن لم يحمل الإنجيل. ويعتبر أنَّ حياته فاشلة إذا كان ينسى خدمة الكلمة التي هي مهمَّة مثل خدمة القربان. نحن نقوم بعمل فنطلب أجرة، أمّا بولس فيقلب المعادلة: »أجرتي هي أن أبشِّر مجّانًا وأتنازل عن حقّي في خدمة البشارة« (آ18).

كم مرَّة يكون المال عائقًا في طريق الإنجيل، فتصبح شهادتنا عقيمة، والنور الذي فينا يُضحي ظلامًا (مت 6: 23). أذكر مرَّة زرتُ كاهنًا، وأوَّل شيء قال لي: يجب أن أؤمِّن كذا مليونًا لكي أؤمِّن التعليم الجامعيّ لأولادي في أحسن جامعات البلاد. ومرَّة أخرى سمعتُ كاهنًا يقول: الرعيَّة تخدم الكاهن قبل أن يخدمها. وأحد الكهنة مضى إلى المهجر لكي يؤمِّن المستقبل لأسرته. وإذ لم يجد المستقبل الذي يريد، عاد إلى لبنان. كم نهتمّ بما نأكل وبما نشرب وبما نلبس! أمّا المسيح فقال لنا: »هذا يطلبه الوثنيّون. أمّا أنتم فأبوكم السماويّ يعرف أنَّكم تحتاجون إلى هذا كلِّه. فاطلبوا أوَّلاً ملكوت الله وبرَّه والباقي يُزاد لكم. لا يهمُّكم أمرُ الغد، فالغد يهتمُّ بنفسه. ويكفي كلَّ يوم شرُّه« (مت 6: 32-34).

لا شكَّ في أنَّ الكثيرين يبتسمون أمام هذا الكلام. فالذي يتكلَّم هكذا لا يعرف ماذا يقول ولا يحمل المسؤوليّات التي نحمل. لا شكّ، مع أنَّ المزمور قال: »إن لم يبنِ الربُّ البيت فعبثًا يتعب البنّاؤون. وإن لم يحرس الربُّ المدينة، فعبثًا يتعب الحارس. عبثًا لكم أن تبكِّروا في القيام وتتأخَّروا في النيام. فإنَّه يعطي في ذلك الوقت أحبّاءه لذّة النوم« (مز 127: 1-2). مثل هذا الموقف المتجرِّد يفترض الإيمان العميق الذي يُبعد عنّا الخوف. وإذ نحن نتذكَّر الخوري يوحنّا ماري فيانّاي، خوري آرس، بعد مئة وخمسين سنة على وفاته، نتساءل: لماذا رعايانا تموت؟ لماذا يتركنا المؤمنون ويمضون بعد أن خسروا كلَّ ثقة بنا؟ طلبوا خبزًا، فما وجدوا من يطعمهم، كما قال سفر المراثي. كما المسيح قال لتلاميذه الذين أرادوا أن يتهرَّبوا: »أعطوهم أنتم ليأكلوا« (مر 6: 37). في معنى أوَّل هو الخبز الفاني، كما قال الربُّ لليهود (يو 6: 27). وفي معنى ثانٍ، وهو الأهمّ، هو »القوت الباقي للحياة الأبديَّة«. وما يلفت انتباهنا في معجزة تكثير الأرغفة، هو أنَّ يسوع رأى الشعب الجائع، ومع ذلك ما بدأ فأطعمهم، بل أخبرنا الإنجيل: »فلمّا نزل يسوع من القارب رأى جمعًا كبيرًا، فأشفق عليهم، لأنَّهم كانوا مثل خرافٍ لا راعي لها، وأخذ يعلِّمهم أشياء كثيرة« (مر 6: 34)، أعطاهم خبز الكلمة.

والرسول هو من يعطي مثل هذا الخبز، كما طلب اليهود من يسوع (يو 6: 34)، لأنَّ من يأكل من هذا الخبز لا يجوع أبدًا (آ35). فإذا جاع المؤمنون مضوا إلى حيث يجدون الطعام. دُعيتُ مرَّة إلى بيت رجل من إحدى الشيع. تحدَّثت معه فأقنعته سريعًا. فدعا »الشيخ« الذي يعلِّمه، فمضى واقتنع الذين كانوا يلجون ذلك البيت أنَّهم يضيِّعون كنيستهم. عند ذاك سألته: أنت غنيّ ولا تحتاج إلى مال، فلماذا تبعتَ هذه الشيعة؟ وكان جوابه: أنا سريانيّ أرثوذكسيّ. لم أسمع مرَّة شرحًا للإنجيل في كنيستي، فمضيت إلى حيث أجدُ خبز الكلمة. وأنا مرتاح جدٌّا.

أين هي البشارة في رعايانا؟ ما هو مستوى العظات التي نقدِّمها للمؤمنين؟ هل هناك لقاءات حول الإنجيل؟ والأخويّات هل نطعِّمها بكلام الله، أم نتركها تكرِّر الفرض الذي لا غذاء فيه البتَّة، لأنَّ لا وجود لكلام الله. نبدِّل المزامير التي يحملها الكتاب، نكرِّر مزامير القدّيس بوناونتورا التي نتلوها كلَّها في سرعة فائقة، ولا نختار منها كلَّ مرَّة »مزمورًا«. ومرّات عديدة نرى الكهنة يهربون حين يكون الموضوع كلام الله. أو هم يعتبرون أنَّهم يعرفون، أو هم يجدون نفوسهم غرباء. اكتفوا بما درسوا في الجامعة، وذاب ما درسوه كما الثلج في زمن الصيف. قال النبيّ هوشع: »مثل سحابة الصبح، أو كالندى الذي يتبخَّر ما أن تطلع الشمس« (هو 13: 3). ونطرح سؤالاً على أنفسنا: هل نستطيع أن ندافع عن إيماننا بالحجَّة؟ بل نستعمل العنف ونُسكت محاورنا. فيمضي إلى من هو »مستعدٌّ للردِّ على كلِّ من يطلب منه دليلاً على الرجاء الذي فيه« (1 بط 3: 15). وكيف يكون كلامنا مع الذين ليسوا من رأينا؟ »بوداعة واحترام« (آ16). ولكن إذا كانت معرفتنا ضعيفة نغطّي جهلنا بالصوت العالي الذي يغطّي عجزنا.

كانوا يقولون: »عالم مثل كاهن ماروني«. ونقول هذا الكلام عن كلِّ كاهن، لأنَّ عليه أن يكون »معلِّمًا« في خطِّ المعلِّم الأوحد يسوع المسيح. كان الكاهن وحده يجيد القراءة والكتابة، فيأتي الجميع إليه. وماذا نقول عن الذين حملوا العلم إلى أوروبّا من السمعانيّ إلى الصهيونيّ إلى الدويهيّ إلى الحصرونيّ... إلى ميشال الحايك ويواكيم مبارك والمونسنيور ميخائيل الفغالي والمونسنيور جوزف الفغالي والمطران بطرس ديب الذي كتب ما كتب في »قاموس اللاهوت الكاثوليكي« الفرنسيّ، ومثله المطران اغناطيوس زياده، والأب ميشال بريدي وغيرهم وغيرهم. أين نحن من أشخاص مثل المطران يوسف الدبس الذي ارتفعت كتبه فامتدَّت فوق رأسه؟

غذاء الكاهن في رعايانا كان الكتاب المقدَّس يقرأه كلَّ يوم، ويقوله للمؤمنين بكلِّ بساطة. إلى أن جاءت الكتب التقويَّة التي فرضت نفسها لأنَّها آتية من الغرب. أذكر في بداية حياتي الكهنوتيَّة ذاك الكاهن الشيخ يقرأ بعض العظات التي عرفها الكبار منّا. وما زال غيرها يترجم، فقيل بسبب كثرة الكتب »التقويَّة«، ضاع الكتاب الكتاب، الكتاب المقدَّس. وكيف نعظه؟ نقرأه في الفصحى، ونعيده في اللغة العامِّيَّة وكأنَّ الناس لم يفهموه. أو نقول بعض الأمور الأخلاقيَّة التافهة، هذا إذا كنّا لا نتكلَّم عن الأشخاص ونبخِّرهم فيكون لنا من هذا التبخير أكثر من فائدة.

كم نحن بعيدون عن بولس الرسول! قال لنا في الرسالة إلى العبرانيّين: »كلام الله سيف ذو حدَّين، يَنفذ إلى الأعماق« (عب 4: 12). فإذا كان ما نقوله كلامًا بشريٌّا، فماذا يفيد؟ الجميع يعرفون مثلنا وأكثر. أتى اليونانيّون وقالوا لأندراوس وفيلبُّس: »نريد أن نرى يسوع« (يو 12: 21). أرونا وجهه، أسمعونا صوته، أعطونا كلامه. جاء كلام بولس قاسيًا: »نحن لا نتاجر مثل كثير من الناس بكلام الله« (2 كو 2: 17). ويمكن أن نقول: لا نشوِّه، لا نحرِّف. وقال في 1 كو 4: 2: »لا نسلك طريق المكر، ولا نزوِّر كلام الله، بل نُظهر الحقّ...«. لن أتحدَّث هنا عن شروح ضعيفة للإنجيل، أو خاطئة لأنَّنا نطلب أنفسنا، لا المسيح ربَّنا. وكم يفرح المؤمنون حين يسمعون كلمة الله، ولاسيَّما في وقت الحزن، فيجدون العزاء الحقيقيّ والشجاعة. وفي قدّاس الأحد، يكون لهم الزاد طوال الأسبوع. شكرًا لك يا ربّ على مثل هؤلاء الكهنة الذين يبشِّرون!

2. غذَّيتكم باللبن الحليب، لا بالطعام القويّ

اعتبرت الجماعة في كورنتوس أنَّها لا تحتاج إلى تعليم. فاليونان حملوا الأدب والفلسفة والفكر إلى العالم. وماذا يعطيهم هذا »الثرثار«، كما قال عنه الآثينيّون؟ ولكنَّ بولس الآتي من الشرق ما خاف أن يجادل فلاسفة من تيّارات متعدِّدة. فهو ابن الجامعة في طرسوس موطنه. والشعراء سمعوه يقول مقاطع تعود إلى القرن السادس ق.م. ما كان بولس »معقَّدًا« لأنَّه جاهل، بل كان يعرف كما يعرفون. فخطَبَ حيث خطبَ سقراط، أبو الفلاسفة الكبار. ولكنَّ تعليمه غير تعليم »الحكمة« اليونانيَّة. أذكر هنا خاطرة من حياة خوري آرس. سأل ولدًا عن الطريق إلى آرس. فدلَّه. ثمَّ قال له: »وأنا أدلُّك على طريق السماء«. ابتسم ذاك الولد: هو لا يعرف الطريق إلى آرس ويعرف الطريق إلى السماء! ويمكن أن لا يعرف الكاهن علوم الفلك والكيمياء والفيزياء، أن لا يعرف الصعود إلى القمر. لا بأس. فهذا ليس اختصاصه. اختصاصه الكلام عن يسوع. علمُ يسوع هو علمُ العلوم. معرفة يسوع هي معرفة المعارف. وهي الأولى في حياة الكاهن، وإلاَّ يقع علينا حكم سعيد عقل القاسي: »دكتور في العلوم و... في علم الله«. أناس لا يتعدَّون التعليم المسيحيّ حين المناولة الأولى، ولا نريد أن نرفعهم مرّات عديدة. نتركهم وشأنهم. فأنا الكاهن مسؤول عن أبناء رعيَّتي، عن أبناء الكنيسة. فالربُّ نفسه قال في »صلاته الكهنوتيَّة«: »حفظتهم باسمك الذي أعطيتني، فما خسرتُ منهم واحدًا« (يو 17: 12). وحزقيال النبيّ يذكِّر الرعاة بمهمَّة التدبير: »يا ابن البشر، جعلتك رقيبًا في بيت إسرائيل، فتسمع الكلمة وتنذرهم عنّي« (حز 33: 7). فإن »قصَّرتَ عن إنذاره، من يدك أطلب دمه« (آ8). ذاك هو واجب الكاهن.

جاء مرَّة إلى مدينة آرس معلِّمون كبار من باريس، وتعجَّبوا حين رأوا الجموع تحتشد في كنيسة ذاك الكاهن الذي خافوا أن يرسموه لأنَّه لم يعرف اللاتينيَّة لكي يفهم الدراسة التي تُعطى له. هم توقَّفوا عند العلوم، أمّا هو فوصل بالآتين إلى هذه الرعيَّة الصغيرة التي ما أراد أحد أن يهتمَّ بها، وصل بهم إلى يسوع. فتابوا وبدَّلوا حياتهم السابقة. هكذا قال يسوع للخاطئة: »مغفورة لك خطاياك... فاذهبي بسلام« (لو 7: 48-49). وبولس الرسول ما توقَّف في أثينة عند معارفه في الفلسفة والشعر، بل وصل بهم إلى يسوع المسيح، وهو عارف أنَّهم لن يقبلوا مثل هذا التعليم. أنهى خطبته فقال: لأنَّ الله »وقَّت يومًا يدين فيه العالم كلَّه بالعدل على يد رجل اختاره، وبرهن لجميع الناس عن اختياره بأن أقامه من بين الأموات« (أع 17: 31). والنتيجة: استهزأ به بعضهم. وآخرون قالوا: »سنسمع كلامك في هذا الشأن مرَّة أخرى« (آ32). أما كان يمكن أن يتجنَّب هذا الكلام الأخير؟ لو فعل، لشابه الأثينيّين »الذين يقضون أوقات فراغهم كلَّها في أن يقولوا أو يسمعوا شيئًا جديدًا« (آ21). جاءهم بولس بالجديد الجديد، فرفضوه. وهل يبدِّل موقفه؟ كلاّ. فهو الذي قال لأهل غلاطية: »لو كنتُ أريد أن أرضي الناس، لا أكون عبدًا ليسوع المسيح« (غل 1: 10).

هكذا يكون الأسقف، الكاهن »مدبِّرًا حكيمًا«. يهتمُّ بالمؤمنين والمؤمنات، يزورهم، يكون معم في الأفراح والأحزان. ويوصل إليهم محبَّة الله وحنانه. وخصوصًا المرضى الذين لا يزورهم بعضنا ولا يحملون إليهم القربان إذا لم يكن هناك »بعض المال«. ومرّات كثيرة يكون الكسل مسيطرًا، مع أنَّنا نعرف كم اهتمَّ يسوع بالمرضى خلال حياته الرسوليَّة. قلت مرَّة لأحد الكهنة: »هل تزور الرعيَّة؟« قال: »كلاّ«. فأجبته: »لا بأس. شهود يهوه يزورونها«. ويعرفون متى يزورون ويكوِّنون جماعة »متلاصقة« في قلب رعيَّتنا. أمّا نحن فيأتي المؤمنون ونحن لا نعرفهم. يأتون إلى القدّاس لأنَّ ذلك واجب عليهم. ولكن هل يلتقون بالكاهن؟ هل يعرفهم ويعرفونه؟ هم يأتون إليه فقط إن احتاجوا ورقة رسميَّة ويدفعون ثمنها كما في إحدى الدوائر الرسميَّة.

أمّا بولس فكان يعرف المؤمنين. يكفي أن نقرأ نهاية الرسالة إلى رومة لنكتشف عدد الأشخاص الذين يرسل سلامه إليهم. وقال لأهل فيلبّي: »أنتم دائمًا في قلبي وفي وثاقي (لأنَّه كان في سجن أفسس) وفي الدفاع عن الإنجيل« (فل 1: 7). يقول الكهنة: وكيف نزور الرعيَّة؟ هي كبيرة. قال المثل الصينيّ: مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة. ومن نزور؟ قال يسوع: المساكين يبشَّرون. أمّا نحن فتقتصر زياراتنا على بيوت دون أخرى. في رعيَّة كنت فيها، والكهنة كثيرون، زرتُ بيتًا لم يطأه كاهن منذ سبعين سنة. بيت فقير. لا كرسيّ فيه. ولا نقول شيئًا عن الذين تهجَّروا وأتوا إلى رعايانا. يعطينا الحقّ القانونيّ حدود الرعيَّة: نحن نعمِّد، نحن نحتفل بالزواج في تلك البقعة، نحن نرشّ في الغطاس وفي عيد القدّيسين بطرس وبولس. والويل لمن يدخل إلى حدودنا. بل الزواج باطل. كم نستحقّ حكم النبيّ حزقيال علينا: »تأكلون اللبن، وتلبسون الصوف، وتذبحون الخروف السمين، ولكنَّكم لا ترعون الغنم« (حز 34: 3). ويعدِّد النبيّ: الضعيف، المريض، المكسور، الشارد، المفقود. ويتواصل الكلام: »تاهت غنمي في جميع الجبال (هناك كانت تقام العبادات الوثنيَّة)، وعلى كلِّ تلَّة عالية، وتشتَّتت على وجه الأرض ولا من يسأل ولا من يبحث« (آ6). وقال الربّ: أنا أتفقَّد غنمي، أُنقذها، أجمعها، أرعاها، أعيدها إلى حظيرتها. وفي ذلك الوقت ينام رعاتها.

ويبيِّن لنا الرسول كيف تعامل مع المؤمنين. أوَّلاً، جعل أمامهم صليب المسيح: »لا أعرف فيكم سوى يسوع المسيح وإيّاه مصلوبًا«. ثمَّ أفهمهم أنَّ الحكمة البشريَّة، بما فيها من حسابات، هي جهالة لدى الله. ونزل إلى مستواهم ليرفعهم إلى مستوى كلام الله. بدأ فغذّاهم بالحليب مثل أطفال. وانتظر بعض الوقت لكي يعطيهم الطعام القويّ، طعام الناضجين (1 كو 3: 2). وترافق مع الجميع. هذا بلا شريعة (يهوديَّة)، صار معه »بلا شريعة« (مع أنَّ شريعتي هي المسيح). قال: »وصرت للضعفاء ضعيفًا لأربح الضعفاء. وصرت للناس كلِّهم كلا شيء لأخلِّص بعضهم بكلِّ وسيلة. وأعمل هذا كلَّه في سبيل الإنجيل« (1 كو 9: 22-23).

هناك خلاف في الكنيسة، لا يتركه الرسول يستفحل. لماذا التعلُّق بالأشخاص؟ فكلُّنا خدّام لكم. وكلُّ واحد منّا يعمل بحسب موهبته. وإن أنتم »تحزَّبتم« بيَّنتم أنَّكم لم تزالوا »جسديّين«. فكيف تطيقون أن يكون »الحسد والخلاف« (1 كو 3: 3) في ما بينكم؟

ويأتي الافتخار، وهو الخطر الكبير في العمل الرعائيّ، أو في ما بين الكهنة. لا أريد أن أكون مثل الآخرين، فالسرّ الذي قبلته أسمى من السرّ الذي قبلوه. أريد أن أتميَّز عن الآخرين، بالاسم، بالوظيفة، بالكرامة، بالتسلُّط. رفض بولس كلَّ افتخار بشريّ: »لا يفتخر بشر أمام الله« (1 كو 1: 29). افتخر هؤلاء »المعلِّمون« على خوري آرس، فما كان لهم من افتخارهم! دعوه »حمارًا«. لا بأس. وكان جوابه جواب الحكماء: الله يعمل بي ما يعمل. ونحن نتذكَّر جحشة بلعام، ذاك الذي اعتبر نفسه نبيٌّا. يقول سفر العدد: »رأت الجحشة ملاك الربِّ واقفًا في الطريق... فمالت عن الطريق« (عد 22: 23). أمّا بلعام فاحتاج إلى وقت طويل لكي يعرف مقصد الله. قال: »خطئتُ لأنّي ما عرفت« (آ34). أمّا الجحشة فعرفت. وقال إشعيا النبيّ: »عرف الثور قانيه والحمار معلف صاحبه، أمّا شعبي فلا يعرف، ولا يفهم شيئًا« (إش 1: 3). أمّا جواب خوري آرس فكان رائعًا. قال لهؤلاء المعلِّمين منطلقًا من خبر شمشون وفكّ الحمار الذي به قتل كثيرًا من الأعداء، قال: »بفكِّ حمار قتل شمشون ألف رجل، فماذا يفعل الله بحمار كامل؟« فمضوا يلتحفهم الخزيُ والخجل. وأذكر كاهنًا خدم بلدتنا. تعلَّم 12 شهرًا فقط في مار يوحنّا مارون. ما كان مع هذا الحزب ولا مع ذاك، بل كان فوق هذا وذاك. كان رجل الصلاة. يقضي الساعات في الكنيسة يقرأ الكتاب المقدَّس وسائر الكتب. وبعد بعض سنوات جمع الرعيَّة كلَّها حوله وحول الربّ. بتواضعه وحضوره وخدمته ربح قلوب الجميع، فتفوَّق على الكثيرين الذين نظروا إليه من فوق لأنَّهم حملوا بعض الشهادات.

في هذا قال بولس: »إن الله اختار ما يعتبره العالم حماقة ليُخزي الحكماء، وما يعتبره العالم ضعفًا ليخزي الأقوياء. واختار الله ما يحتقره العالم وما يزدريه ويظنُّه لا شيء، ليزيل ما يظنُّه العالم شيئًا« (1 كو 1: 27-28). والخلاصة: »من يفتخر فليفتخر بالرب« (آ31). ويواصل الرسول: »لا يخدع أحد نفسه. فمن ظنَّ أنَّه حكيم في هذا الدهر فليصر جاهلاً لكي يصير حكيمًا« (1 كو 3: 18). كم ننغشّ في حياتنا! كم نؤخذ بالظواهر البشريَّة! من أعظم، الخادم أم السيِّد؟ كلُّنا نقول السيِّد. أمّا يسوع فقال للرسل: أنا بينكم كالخادم. من أعظم، الأخ إسطفان نعمه أم الرئيس الذي كان في أيّامه! من أعظم، الرسل الأميُّون، أم قيافا وحنّان وعظماء الكهنة والكتبة الذين يسيرون بالحلل ويحبّون مقاعد الشرف والتحيّات في الأسواق (مت 23: 6-7). كم سوف نخجل في السماء حين نرى أنَّنا نحن الأوَّلين صرنا الآخرين، وكم دينونتنا ستكون كبيرة حين نعرف أنَّ الربَّ جعلنا »خدّامًا »للرعيَّة فأردنا أن نترأَّس ونعوِّض عمّا كنّا في العالم بسلطة روحيَّة فنشبه سيمون الساحر الذي رأى أن ينمّي سلطانه حين ينال الروح القدس (أع 8: 18-21). فجاء جواب بطرس قاسيًا. ويكون كلام بولس محذِّرًا: تذكَّروا، ما كان فيكم كثير من الحكماء بحكمة البشر ولا من الأقوياء ولا من الوجهاء« (1 كو 1: 26). ولا من الأغنياء ولا من الزعماء. وهكذا نصير من العالم (يو 15: 19) »ننتمي إلى العالم« (يو 17: 14) فنقع في حبال الشرّير. ونريد أن نقول مثل الرسول: »اقتدوا بي كما أنا أقتدي بالمسيح« (1 كو 11: 1).

3 - أنا الذي ولدكم في المسيح

من يهتمُّ بالمؤمنين مثل هذا الاهتمام، من يفتخر بأن يكون خادمهم على مثال المعلِّم الإلهيّ، من يكون على أقدامهم لكي يغسلها، فهو الأب والأمُّ معًا. وهكذا نرى الرسول يقول لأهل كورنتوس: عندكم معلِّمون كثيرون. ولكن لكم أبٌ واحد: »أنا الذي ولدكم في المسيح يسوع بالبشارة التي حملتُها إليكم. فأناشدكم أن تقتدوا بي« (1 كو 4: 15-16). وأيُّ ابن لا يقتدي بأبيه، كما قيل: »الولد سرُّ أبيه«. منذ بولس والناس يدعوننا »أبونا، أبانا«، لأنَّنا وَلدنا الأولاد العديدين في المعموديَّة، وغذَّيناهم بجسد المسيح ودمه، ورافقناهم من بداية حياتهم إلى نهايتها. فبعد حمل البشارة، وتدبير الكنيسة، ها هي وظيفة التقديس التي يقوم بها الأسقف، الكاهن. لا فقط على مستوى الأسرار التي تفعل بذات الفعل، بل على مستوى حياة من القداسة يُقال فيها عن كلِّ واحد منّا، ما قيل عن المسيح: عمل ثمَّ علَّم (أع 1: 1).

الكاهن يلد المؤمنين في جرن المعموديَّة. وهذا السرُّ هو أوَّلاً سرُّ الإيمان. ممّا يعني دعوة الوالدين والعرّابين إلى الإيمان. يذكِّرهم الكاهن بما عرفوه في الماضي وبما يجب أن يعرفوه اليوم. حين كنت في إحدى رعايا باريس، كانوا يعدُّون الوالدين لمعموديَّة أولادهم. اجتماع أو اجتماعان أو أكثر. نحن نعمِّد الطفل لأنَّنا نعتبر أنَّ والديه مؤمنان ومثلهما العرّاب والعرّابة. هنيئًا إن كانت الرعيَّة على هذا المستوى، وإلاَّ وجب على الكاهن أن يستعدَّ ويعدَّ أولاده.

وبما أنَّ الأمر ليس هكذا، لماذا لا نستفيد من ممارسة السرِّ لكي نعلِّم أبناء الرعيَّة وبناتها. أوَّلاً، نمارس السرَّ على مهل، لأنَّ ما نقرأه من نصوص فيه تعليم كبير. ثانيًا، حين نقرأ ما نقرأ من الكتاب المقدَّس، نشرحه، نفسِّره، مع عظة صغيرة. وما نقوم به من حركات وأعمال، يحتاج إلى أن نوضحه. ما معنى الكفر بالشيطان؟ والمسح بالزيت؟ ماذا يعني الماء الذي نصبُّه على رأس الطفل أو الطفلة؟ ونشير هنا وهناك إلى فكرة جميلة مرَّت في الصلوات. مثلاً، الماء هو الحشا الجديد الذي يلد البنين. كان رمز الموت فصار رمز الحياة، بفعل الروح القدس.

أذكر أوَّل مرَّة عمَّدتُ ابنة أختي. سألني الحاضرون: هذه الصلوات من عندك؟ قلت: لا. بل قرأتُها في ممارسة السرّ. قالوا: كم هي جميلة! مرَّات يكون الأهل معجَّلون، يريدون أن تنتهي الحفلة في الكنيسة لأنَّ حفلة أخرى تنتظرهم. ومرَّات يكون الكاهن معجَّلاً، لأنَّ عمادة أخرى تنتظره. أمّا في عيد الغطاس، فحدِّث ولا حرج. تتوالى العمادات في سرعة جنونيَّة. عشر دقائق كافية. لماذا لا يكون العماد جماعيٌّا؟ ويتواصل مع الذبيحة الإلهيَّة. من أطيب الذكريات في رعيَّتي كفرعبيدا، المعموديَّة بعدد من الأطفال. صورة تورد أسماء المعمَّدين كلِّهم. الضيافة لجميع الحاضرين. ويتناول الوالدون والعرّابون. تمتلئ الكنيسة بالمؤمنين، ويفهم الحاضرون ما هي المعموديَّة التي تقبَّلوها منذ سنوات لا يعودون يذكرونها.

حين نعمِّد أحد الأولاد، نقدِّسه بالماء والميرون. هو الله يفعل بأيدينا مهما كانت هذه الأيدي. والقدّيس أوغسطين قال: عمَّد بطرس المسيح عمَّد. عمَّد يهوذا المسيح عمَّد. وولكن أين دور خادم السرّ؟ هل هو دور سحريّ؟ هل تذكَّر أنَّه معمَّد وأنَّه صار منذ ذلك الوقت هيكل الروح القدس. والوالدون والعرّابون؟ هل يعرفون ماذا يعملون حين يحملون الطفل إلى جرن العماد؟ في بدايات الكنيسة كان العرّاب الشابّ يأتي بالمعمَّد الشابّ. ومعًا يستعدَّان للشهادة بإيمانهم. وربَّما بالاستشهاد. ويُحكى عن أوريجان، هذا المفسِّر الكبير للكتب المقدَّسة، أنَّه كان يقبِّل صدر ابنه: هو هيكل للثالوث الأقدس. »إليه نأتي وعنده نصنع منزلا«.

والولادة الثانية التي هي سرُّ التوبة. حين عيِّنت أوَّل مرَّة خادم رعيَّة، طُلب من المطران كاهن »يعرِّف«. لأنَّ الذين يعمِّدون ويزوِّجون ويجنِّزون كثيرون، أمّا من يعرِّف، فلا نجد... ولمّا وصلت إلى الرعيَّة، دققت الجرس الساعة الرابعة. كان ذلك في السابع من تشرين الأوَّل سنة 1963. واعتاد الناس على الاعتراف في الرعيَّة بعد أن كانوا يمضون إلى الدير القريب. أمّا في الأعياد الكبرى فكان الاعتراف يبدأ في الثانية بعد الظهر وينتهي في الثانية بعد منتصف الليل.

في رعايا كثيرة، لا كرسيّ اعتراف. وإذا وُجد كرسيّ، لا أقول ماذا نجد فيه. تلك كانت خبرتي حين أعظ الرياضات في لبنان وأبعد من لبنان. لماذا الاعتراف؟ الناس لا يعترفون. قلت: ولماذا يذهبون إلى بعض المعابد والأديرة؟ ولماذا يروحون إلى رعيَّة مجاورة؟ لا جواب.

علَّمونا حين كنّا في الجامعة أنَّ الكاهن في كرسيّ الاعتراف هو القاضي والطبيب والغافر. هو يدين؟ أمّا الربُّ فقال لنا: لا تدينوا لئلاّ تدانوا. هو الطبيب؟ ويمكن أن يقال لنا: أيُّها الطبيب طبِّبْ نفسك. وهو الغافر؟ في الأصل يقال: يحلُّك الله. الله وحده يغفر الخطايا. ونتذكَّر يسوع في شفاء المخلَّع. قال: »مغفورة لك خطاياك« (مر 2: 5). والكلام عينه قاله للخاطئة. ولمّا أتوا بالزانية إلى يسوع وأرادوا أن يحكموا عليها بالرجم، قال لهم يسوع: من منكم بلا خطيئة؟ فمضوا كلُّهم. حينئذٍ قال لها يسوع: »أما حكمَ عليك أحدٌ منهم؟« فأجابت: »لا، يا سيِّدي«. فقال لها يسوع: »ولا أنا أحكم عليك. اذهبي ولا تخطئي بعد الآن« (يو 8: 10-11).

الكاهن في كرسيّ الاعتراف هو أب وأمّ. يأخذ الآتين إليه بالوداعة، ويعرف أنَّه أوَّل خاطئ. ذاك ما قال الرسول عن نفسه: »جاء المسيح إلى العالم ليخلِّص الخاطئين، وأنا أوَّلهم« (1 تم 1: 15). وسُئل مرَّة فرنسيس الأسّيزيّ عن نفسه. قال: أنا أكبر الخطأة، ولولا نعمة الله لكنت أوَّل الهالكين. وقال القدّيس أوغسطين: ما من خطيئة إلاَّ وأستطيع أن أقع فيها لولا نعمة الله. ولا »نستلشق« بأحد ولاسيَّما بالصغار. كان الخوري مارون مطر يقول: الولد بيحرز. لا نعرِّفه بسرعة. بل نربِّيه شيئًا فشيئًا. والذين يعترفون بتواتر، لا نقبل أن يكرِّروا كلَّ مرَّة ما يقولون. نحرِّك ضميرهم ونفهمهم معنى هذا السرّ. فالله يريد أن يربّي المؤمنين في سرِّ التوبة، وهو يطلب من كهنته أن يساعدوه.

قال بولس عن نفسه إنَّه لم يعمِّد الكثيرين. »فالربُّ أرسلني لا لأعمِّد، بل لأعلن الإنجيل« (1 كو 1: 17). لماذا قال الذي قاله؟ لأنَّ المؤمنين كانوا يتعلَّقون بمن عمَّدهم، على مثال تلاميذ الفلاسفة، فبولس لا يريد المؤمنين له، بل للمسيح. لهذا قال لهم: »لا يقدر أحد أن يقول إنَّكم باسمي تعمَّدتم« (آ15).

وقال للذين أرادوا أن يتعلَّقوا به: »هل بولس هو الذي صُلب من أجلكم؟ أو باسم بولس تعمَّدتم؟« (آ13). فالكنيسة ليس كنيسة هذا الأسقف أو هذا الكاهن. الكنيسة هي كنيسة المسيح. والذي أراد أن يعمِّد الكثيرين لكي يتبعه الكثيرون، أسَّس كنيسته الخاصَّة، لا كنيسة المسيح. لهذا كثر الذين ضلُّوا وأضلّوا الكثيرين، مثل ماني مثلاً الذي أسَّس كنيسة في مواجهة »الكنيسة الكبيرة«. أمّا نحن فنريد أن نعمِّد الكثيرين لأنَّ في مثل هذا العمل فائدة. وإذا كثر الأولاد، نعرف من نختار.

وفي ما يتعلَّق بالتوبة، نتذكَّر كيف حكم بولس على ذلك الرجل »الذي يعاشر زوجة أبيه« (1 كو 5: 1). كما حذّر من الذهاب إلى المحاكم. ونبَّه من الزنى (1 كو 6: 18) الذي كان منتشرًا في كورنتوس. وقال: »أما تعرفون أنَّ الظالمين لا يرثون ملكوت الله.؟ لا تخدعوا أنفسكم، فلا الزناة... ولا السارقون (الأشخاص) ولا الفجّار ولا السكّيرون ولا الشتّامون ولا السالبون (الأموال) يرثون ملكوت الله. كان بعضكم على هذه الحال، ولكنَّكم اغتسلتم، بل تقدَّستم بل تبرَّرتم باسم الربِّ يسوع المسيح وبروح إلهنا« (آ9-11).

وننهي كلامنا على مستوى التقديس في سرِّ الإفخارستيّا. لن نطيل الكلام هنا، بل نتذكَّر أنَّ الكاهن يوزِّع خبز الكلمة، كما يوزِّع خبز القربان. والمجمع الفاتيكانيّ الثاني أعلن أنَّ مائدة الخبز مهمَّة مثل مائدة القربان. أي غذاء يعطي »الأبونا« لرعيَّته؟ هل يمجّون من طعام هو هو، لا يعطي أيَّ غذاء لحياة المؤمنين. عندئذٍ لا نتساءل: لماذا يخفُّ عدد المؤمنين الذين يشاركون في الاجتماع الأسبوعيّ. سبقتنا كنائس الغرب فرأت الكنائس فارغة ثمَّ مقفلة. فهل نتعلَّم نحن؟ نحن مثل »تجّار« جعل الربُّ في يدنا »الوزنات«. هل نعرف أن نقدِّم للمؤمنين الآتين إلينا غنى المسيح الذي لا يُستقْصى (أف 3: 8)؟ أم نخفي »الوزنة« في الأرض فنستحقُّ توبيخ الربِّ حين يأتي ويطالب بالحساب: »يا لك من خادم شرّير كسلان!« (مت 25: 26). وإن عرفنا أن نتاجر، نلنا جزاء الخدّام الأمناء.

الخاتمة

وهكذا رافقنا بولس الرسول وتعرَّفنا إليه أسقفًا وكاهنًا في كنيسة كورنتوس. هو أوَّلاً حامل الإنجيل، هو يبشِّر، ويعظ في وقته وفي غير وقته. وهو ذاك المهتمّ بكلِّ واحد من أبناء رعيَّته. حدَّثنا مرَّة عن »اهتمامه بجميع الكنائس«. قال: »فمن يضعف ولا أضعف أنا؟ ومن يقع في الخطيئة (أو: يترك الكنيسة) ولا أحترق من الحزن عليه؟« (2 كو 11: 29). وأخيرًا هو الأب الذي أُعطِيَ سلطة التقديس، وهو يوجِّه المؤمنين والمؤمنات إلى القداسة التي بدونها لا يرى أحد وجه ربِّنا. ذاك هو وجه بولس الكهنوتيّ الذي لا يعرف الكلل ولا التعب، الذي ما خاف الشدائد والمشقّات والضرب والسجن، الذي تصرَّف بالنزاهة وطول البال والرفق وروح القداسة والمحبَّة الخالصة، بالكلام الصادق وقدرة الله، وسلاح الحقّ في الهجوم وفي الدفاع (2 كو 6: 4-7). ذاك يكون برنامجنا إن أردنا أن نكون كهنة بحسب قلب الله.