أنتم رسالتنا المكتوبة في قلوبنا

 

ذاك ما كتب بولس الرسول إلى أهل كورنتوس سنة 56-57، من مكدونية. »أنتم رسالتنا المكتوبة في قلوبنا« (2 كو 3: 1). مضت بضعة أشهر على الرسالة الأولى إلى كورنتوس وفيها الحلول على الفوضى المسيطرة في الجماعة، والردود على أسئلة طُرحت على الرسول المقيم في أفسس. وها هي الرسالة الثانية التي بدت أكثر من رسالة، فحدَّثنا عن الخدمة الرسوليَّة في قلب التدبير المسيحيّ، عن المحن التي عاناها الرسول والآمال التي وضعها أمامه. هو سفير المسيح وهذا يكفيه، وفي النهاية يسير في موكبه موكب النصر (2 كو 2: 14) الذي به غلب العالم.

قيل عن الرسالة الثانية إلى كورنتوس إنَّها كُتبت على مراحل. وقيل هي ثلاث رسائل إن لم تكن أربعة جُمعت في رسالة واحدة بيد تلاميذ الرسول ولاسيَّما حين تكوَّنت المجموعة البولسيَّة التي تحدَّثت عنها رسالة بطرس الثانية فقالت فيها: »وردت فيها أمور غامضة يحرِّفها الجهّال وضعفاء النفوس، كما يفعلون في سائر الكتب المقدَّسة، لهلاك نفوسهم« (2 بط 3: 16).

وقيل عن هذه الرسالة إنَّها تكشف شخصيَّة بولس ونفسيَّته وتعطينا التفاصيل عن حياته اليوميَّة والرسوليَّة، بل الصوفيَّة فيقول لنا: »أعرف رجلاً مؤمنًا بالمسيح خُطف قبل أربع عشرة سنة إلى السماء الثالثة. أبجسده؟ لا أعلم. أم بغير جسده؟ لا أعلم. الله يعلم وإنَّما أعلم أنَّه خُطف إلى الفردوس: أبجسده أم بغير جسده؟ لا أعلم. الله يعلم. أنَّما أعلم أنَّه خُطف إلى الفردوس وهناك سمع كلامًا لا يقدر بشرٌ أن ينطق به ولا يجوز له أن يذكره« (2 كو 12: 2-4).

كلامنا يروح في ثلاث محطّات متَّصلة: دفاع بولس عن نفسه، دفاعه عن رسالته، انطلاقاته من الكنيسة المحلّيَّة إلى الكنيسة الجامعة انطلاقة تصل بنا إلى ما قيل في الرسالة إلى أفسس: »المسيح هو رأس الكنيسة (أف 5: 23)، وقد أحبَّها »وضحّى بنفسه من أجلها« (آ25).

1- دفاع بولس عن نفسه

ما إن ترك بولس كورنتوس حتّى جاء الخصوم إلى هذه الكنيسة التي أحبَّها واعتبر أنَّه الأب لها، بحيث يختلف عن الذين يأتون إليها: مثل »زائرين« أتوا ليزرعوا الفتنة ويطلبوا منفعتهم لا منفعة الجماعة، مثل »فلاسفة متجوِّلين« يطلبون المال حيث حلُّوا ويتَّهمون بولس بأنَّه متكبِّر لأنَّه يرفض كلَّ إعانة مادِّيَّة من كورنتوس. وهاجموا الرسول أيضًا لأنَّه »ضعيف وكلامه سخيف« (2 كو 10: 10). ثمَّ هو ما رأى الربَّ مثل سائر الرسل ولا اختبر قيامته مع الذين اختبروها، لهذا يُعدُّ رسولاً من الدرجة الثانية. إذا كان المسيح ما أرسله كما أرسل الآخرين 'الذين أعطاهم سلطانًا يطردون به الأرواح النجسة، ويشفون الناس من كلِّ داء ومرض« (مت 10: 1). بل هو عارض مشروع الرسالة الذي أطلقه الربُّ واعتبر أنَّ خبز البنين لا يُعطى للكلاب (مت 15: 27). فالربُّ قال لرسله: »لا تقصدوا أرضًا وثنيَّة، ولا تدخلوا مدينة سامريَّة بل اذهبوا بالأحرى إلى الخراف الضالَّة من بيت إسرائيل« (مت 10: 5-6). أمّا هذا الذي دعا نفسه »الرسول إلى الأمم« فيقول لليهود: »كان يجب أن نبشِّركم أنتم أوَّلاً بكلمة الله، ولكنَّكم رفضتموها، فحكمتم أنَّكم لا تستأهلون الحياة الأبديَّة، ولذلك نتوجَّه الآن إلى غير اليهود (أي: الأمم الوثنيَّة) فالربُّ أوصانا قال: »جعلتك نورًا للأمم لتحمل الخلاص إلى أقاصي الأرض« (أع 13: 46-47). وفي كورنتوس عينها حاول اليهود أن يقفوا في وجه الرسول، فعارضوه وشتموه. حينئذٍ »نفض ثوبه وقال لهم: »دمكم على رؤوسكم. أنا بريء منكم. سأذهب بعد اليوم إلى غيركم من الشعوب« (أع 18: 6). ثمَّ اشتكوا إلى غاليون، قنصل كورنتوس، فردَّهم خائبين فما استطاعوا سوى أن يصبُّوا غضبهم على رئيس المجمع سوستانيس. أمّا غاليون فما اهتمَّ لما يفعلون (آ17).

هؤلاء هم الخصوم الأوَّلون، وهجومهم عليه هجوم شخصيّ. ورافقهم من ندعوهم »اليهومسيحيّين«، أي أولئك المسيحيّون الذين أتوا من العالم اليهوديّ لا من العالم الأمميّ، أو الوثنيّ. ومن المؤسف أن يكون هناك مسيحيّون انجرُّوا في هذا التيّار ليعارضوا الرسول، ناسين أنَّهم إن »دمَّروا« الرسول دمَّروا الرسالة في الوقت عينه. قال عنهم بولس في الرسالة إلى فيلبّي: »عاقبتُهم الهلاك، وإلههم بطنهم (يهتمُّون بالأطعمة، فلا يأكلون ما هو نجس، رو 14: 1ي)، ومجدُهم (أي الختان. به يفتخرون) عارهم وهمُّهم أمور الدنيا« (فل 3: 19).

من أين جاء هذا الرسول؟ لا من قبل يسوع، ولا من قبل بطرس، وخصوصًا لا من قبل يعقوب أخي الربّ. أمّا برنابا فنفهم أنَّ كنيسة أورشليم أرسلته في مهمَّة خاصَّة إلى أنطاكية (أع 11: 22). ولكنَّ بولس يعلن بالفم الملآن: »ما استشرتُ بشرًا، ولا صعدتُ إلى أورشليم لأرى الذين كانوا رسلاً قبلي، بل ذهبتُ على الفور إلى بلاد العرب (حيث قضى ثلاث سنوات يتعرَّف إلى يسوع داخل الجماعات المسيحيَّة في حوران وفي شرقيِّ الأردنّ) ومنها عدتُ إلى دمشق« (غل 1: 16-17).

*  *  *

ماذا كان ردُّ بولس على هؤلاء الخصوم الآتين من العالم اليهوديّ، والمحاولين أن يدمِّروا الرسالة إلى كورنتوس، كما حاولوا أن يفعلوا في جماعات غلاطية حيث سُحرت عقولُهم ونسوا صورة المصلوب المرسومة أمامهم (غل 3: 1)؟

قالوا: هو متكبِّر فيرفض أيَّة مساعدة مادِّيَّة. تلك هي حرِّيَّة الإنجيل التي نادى بها بولس في كلِّ مكان مضى إليه لا على مستوى 'الفقرب فقط، بل على مستوى الحياة الزوجيَّة أيضًا. قال: »أما لنا حقٌّ مثل سائر الرسل وإخوة الربّ وبطرس أن نستصحب زوجة مؤمنة؟« (1 كو 9: 5). تحرَّر الرسول من واجبات الحياة الزوجيَّة، لكي »يهتمَّ بأمور الربِّ وكيف يرضي الربّ« (1 كو 7: 32). وتحرَّر من الأمور المادِّيَّة من طعام وشراب ومال، مع أنَّ له حقٌّا في ذلك. قال إلى جماعة كورنتوس: »أما لنا حقٌّ أن نأكل ونشرب؟ (1 كو 9: 3). وواصل كلامه: »أم أنا وبرنابا وحدنا لا يحقُّ لنا إلاَّ أن نعمل لتحصيل رزقنا؟ من هو الذي يحارب والنفقة عليه؟ من هو الذي يغرس كرمًا ولا يأكل من كرمه؟ من هو الذي يرعى قطيعًا ولا يأكل من لبنه؟« (آ6-7). وقدَّم الرسول شرحًا لعبارة وردت في سفر التثنية (25: 4 حول الثور الذي على البيدر) وأنهى كلامه. »من يخدم الهيكل يقتات من تقدمات الهيكل، ومن يخدم المذبح يأخذ نصيبه من الذبائح. وهكذا أمر الربُّ للذين يعلنون البشارة أن ينالوا رزقهم من البشارة« (آ13-14).

ورأى بولس أنَّ كلامه »بشريّ« (آ8). فبدا وكأنَّه يطالب بحقِّه، لأنَّ »غيرنا يأخذ« (آ12). هذا يعني أنَّ لنا حقٌّا. ويواصل الرسول: »ولكنَّنا ما استعملنا هذا الحقّ، بل احتملنا كلَّ شيء لئلاَّ نضع عقبة في طريق البشارة« (آ12).

كتب الرسول فظنُّوا أنَّه يطالب. فقال: »أنا لا أكتب هذا الآن لأطالب بشيء منها، فأنا أفضِّل أن أموت على أن يحرمني أحدٌ من هذا الفخر« (آ15). إذًا، بما أنَّه يأخذ مساعدة من غيرهم (2 كو 11: 7) ويحمل إليهم الإنجيل مجّانًا، فهذا يعني أنَّه لا يحبُّهم. وجاء جواب الرسول مليئًا بالعاطفة: »ألأنّي لا أحبُّكم، الله يعلم كم أنا أحبُّكم« (آ11). وهو سوف يقول لهم: أنا أريدكم أنتم، ولا أريد مالكم. ثمَّ إنَّ على الآباء أن يذخّروا الذخائر لأبنائهم، لا الأبناء لآبائهم.

*  *  *

وهاجموا بولس وهو الضعيف؟ فإلى ماذا يستند وهو الذي لم يعرف الربَّ مثلَ بطرس ويعقوب ويوحنّا الذين يُعتبرون العمد في الكنيسة؟ أوَّلاً، إن كان الربُّ ظهر للرسل، لبطرس، ليعقوب ولعدد كبير من الناس بعد قيامته. فهو أيضًا ظهر لبولس: »ظهر لي آخرًا، أنا أيضًا كأنّي سقط« (1 كو 15: 7: وُلد بشكل غير طبيعيّ فجاء هزيلاً، ضعيفًا). وقال في تواضعه: »فما أنا إلاَّ أصغر الرسل، ولا أحسب نفسي أهلاً لأن يدعوني أحدٌ رسولاً لأنّي اضطهدتُ كنيسة الله. وبنعمة الله أنا ما أنا عليه الآن، ونعمتُه عليَّ  لم تكن باطلة، بل إنّي جاهدتُ أكثر من سائر الرسل كلِّهم« (آ9).

أمّا العلامات على أنّي رسول، فهي »المعجزات والعجائب والأعمال الخارقة« (2 كو 12: 12). وإذا عاملتُكم باللطف، فهل هذا يعني ضعفًا؟ كلاّ. بل سبق وقال في الرسالة الأولى: »أيُّها تفضِّلون؟ أن أجيء إليكم بالعصا أم بالمحبَّة وروح الوداعة؟« (1 كو 4: 21). وعاد في الرسالة الثانية: »فيقول أحدكم: ''رسائل بولس قاسية، عنيفة ولكنَّه متّى حضر بنفسه، كان شخصًا ضعيفًا وكلامه سخيفًا''. فليعلم هذا القائل أنَّ ما نكتبه في رسائلنا ونخن غائبون نفعله ونحن حاضرون« (2 كو 10: 10-11). ويتهكَّم الرسول بعض الشيء على الذين »يعظِّمون قدرهم« (آ12). يفتخرون بما عملوا، أو بما عمله الآخرون فينسبونه إلى نفوسهم. الافتخار يكون بالربّ »لأنَّ من يمدحه الربّ هو المقبول عنده، لا من يمدح نفسه« (آ16). واستعدَّ الرسول للمجيء إلى كورنتوس مرَّة ثالثة: »إن عدتُ إليكم فلا أشفق على أحد، ما دُمتم تطلبون برهانًا على أنَّ المسيح ينطق بلساني، والمسيح غير ضعيف...« (2 كو 13: 2-3).

*  *  *

وبماذا يفتخر هؤلاء الرسل الكذّابون، وهم يبشِّرون المؤمنين »بيسوع آخر غير الذي بشَّرناكم به؟« (2 كو 11: 4). هم يفتخرون بأمور بشريَّة. أجاب الرسل واعتبر أنَّه »جاهل« إن هو افتخر بهذه الأمور، فقال: »فالذي يباهون به، وكلامي كلام جاهل، أباهي به أيضًا. إن كانوا عبرانيّين فأنا عبرانيّ، أو إسرائيليّين فأنا إسرائيليّ، أو من ذرِّيَّة إبراهيم فأنا من ذرِّيَّة إبراهيم« (2 كو 11: 21-22). إذًا بماذا هم أفضل من رسولكم، أيُّها الكورنثيّون؟ »لأنَّهم يعاملونكم بقساوة«. نعم، »تحتملون كلَّ من يستعبدكم وينهبكم ويسلبكم ويتكبَّر عليكم ويلطمكم« (آ20). فيا للخجل! يا لخجلي ويا لخجلكم! وتقابلونهم بعد ذلك برسولكم بعد أن حسبتموهم »خدَّام المسيح«!

هنا أطلق بولس العنان لما قاساه من أجل الرسالة: »أنا أفوقهم في الجهاد، في السجون، في الضرب... بالجوع والعطش والبرد«. وهكذا بعد أن عرَّفنا الرسول أصله البشريّ، رسم أمامنا لوحة عمّا كابده في عمله الرسوليّ، وقد ذُكر بعضه في أعمال الرسل. وأنهى كلامه ففتح قلبه الرسوليّ: »وهذا كلُّه إلى جانب ما أعانيه كلَّ يوم من اهتمام بجميع الكنائس. فمن يضعف وأنا لا أضعف معه؟ ومن يقع في الخطيئة وأنا لا أحترق من الحزن عليه؟« (آ28-29).

2- دفاع بولس عن الرسالة

في دفاع بولس عن نفسه كان خصومه »يهودًا« انتحلوا الرسالة وراحوا يهدمون ما فعله الرسول، بحيث يصبح يسوع يهوديٌّا بين اليهود تعرَّفوا إليه أو لم يتعرَّفوا. أمّا الآن فخصوم بولس هم الغنوصيّون قبل الغنوصيَّة الرسميَّة. وماذا تقول الغنوصيَّة؟ لا حاجة إلى التقليد الرسوليّ. فالإنسان يخلص »بالمعرفة الباطنيَّة« التي يدعونها »الغنوصة« من اليونانيَّة gnwsi". لا حاجة إلى العمل بوصايا الله ولا بممارسة حياة خلقيَّة. يكفي أن »نعرف« وبعد ذلك نعمل ما نشاء. والمثل على ذلك هو ذاك الخاطئ »بزنى لا مثيل له حتّى عند الوثنيّين« (1 كو 5: 1). عنه قال الرسول كما قال عن أمثاله: »أخاف، إذا جئتكم مرَّة أخرى، أن يذلَّني إلهي في أمركم، فأبكي على كثيرين من الذين خطئوا من قبل وما ندموا على ما اقترفوه من دعارة وزنى وفجور« (2 كو 12: 21).

كيف بدا هؤلاء »الغنوصيّون« في هذه الرسالة؟ هم يعظون عن الله بل عن أنفسهم، وكأنَّهم صاروا مكان الله: انظروا إلينا. اقتدوا بنا. أمّا بولس فإن قال اقتدوا بي فلأنَّه واصل حالاً: »كما أقتدي أنا بالمسيح« (1 كو 11: 1). وإن قال بولس: »صرنا مشهدًا للعالم، للملائكة وللناس« (1 كو 4: 9)، فهو ما جعل نفسه مثل الكتبة والفرّيسيّين في »مقاعد الشرف... مع المتصدِّرين في المجامع« (مت 23: 6). بل بجانب الصليب. قال: »أرى أنَّ الله جعلنا نحن الرسل أدنى الناس منزلة كالمحكوم عليهم علانية« (1 كو 4: 9).

قال الرسول عن هؤلاء الخصوم: »فإذا كانت بشارتنا محجوبة، فهي محجوبة عن الهالكين، من غير المؤمنين الذين أعمى إله هذا العالم بصائرهم حتّى لا يشاهدوا النور الذي يضيء لهم، نور البشارة بمجد المسيح الذي هو صورة الله« (2 كو 3: 4). البشارة محجوبة لأنَّ هؤلاء أغمضوا عيونهم لئلاّ يروها. هم يعتبرون أنَّهم يعرفون كلَّ شيء، أنَّهم يملكون كلَّ شيء. وبالتالي هم لا يحتاجون شيئًا من هؤلاء الرسل »الشفعاء«. هم عميان بفعل إبليس »إله هذا العالم«. وحيث يقيم إبليس يكون موضعًا تُشرف عليه الخطيئة والانفصال عن الله. أمّا إبليس فيجعل المؤمنين في هذا العالم ويسدُّ الطريق عليهم فلا يعودون يرون العالم الآتي. قبلوا به سيِّدًا على هذا العالم ونسوا أنَّ »سيِّد هذا العالم يُطرَد اليوم« (يو 12: 31)، فلا يعود له من سلطان على الأرض بعد صليب المسيح.

هؤلاء لهم معرفتهم الخاصَّة وحكمتهم. ولكنَّها حكمة رفضها الرسول. قال: »ولكن هناك حكمة نتكلَّم عليها بين الناضجين في الروح. وهي غير حكمة هذا العالم ولا رؤساء هذا العالم، وسلطانهم إلى زوال، بل هي حكمة الله السرِّيَّة« (1 كو 2: 6-7). حكمة الله ما عرفها »رؤساء هذا العالم، ولو عرفوها لما صلبوا ربَّ المجد«. فكيف يتبع الكورنثيّون مثل هؤلاء المعلِّمين؟ إلى أين يصلون بهم؟ إلى خسارة نفوسهم.

والمعرفة »حاضرة« عند هؤلاء الحاسبين نفوسهم »أسياد هذا العالم« فيكلِّمون المؤمنين العاديّين من عليائهم. هم يشبهون عددًا من الشيع في أيّامنا، أو بعض الكنائس المسيحيَّة التي تحسب أنَّها بالمال تجتذب الناس إلى الله وتحسب نفسها وحدها »جماعة المؤمنين«. هؤلاء دعاهم بولس »غير ناضجين في الروح« و»أطفالاً بعد في المسيح« (2 كو 4: 5). الفرق شاسع بين الرسول وهؤلاء »الرسل« الذين حسبوا نفوسهم »رسلاً فوق العادة« لأنَّهم يستعبدون المؤمنين، يغسلون منهم الرؤوس ويجعلونهم يعيشون في الخوف فيتعلَّقون بهم كما الولد بثوب أمِّه. معرفتهم محصورة في هذا العالم، أمّا البشارة الحقَّة فهي نور يجعل معرفة الله تشرق في قلوبنا (آ6).

*  *  *

بماذا هاجم هؤلاء الخصوم بولس؟ إنَّه غيَّر خطَّة سفره. »أمرُّ بكم في طريقي إلى مكدونية، ثمَّ أرجع من مكدونية إليكم، فتسهِّلوا لي أمور السفر إلى اليهوديَّة« (2 كو 1: 16).  بدَّل الرسول طريقه فاعتُبر عملُه »خفَّة ظهرت عليه« (آ17). بل حسبوه »كاذبًا« لا سمح الله. تارة يقول نعم وطورًا لا. فأجابهم بولس: »يشهد الله أنَّ كلامنا لكم ما كان بنعم ولا، لأنَّ يسوع المسيح ابن الله الذي بشَّرنا به بينكم، أنا وسلوانس وتيموتاوس، ما كان نعم ولا، بل نعم كلُّه« (آ19).

كان هذا اتِّهامًا بسيطًا وغيمة عابرة، فبدَّدها الرسول بالنسبة إلى مجمل الكنيسة، لا بالنسبة إلى الخصوم. اعتبروا أنَّه امتنع عن المجيء إليهم، ربَّما احتقارًا، أو لأنَّه يفضِّل كنيسة مكدونية (عاصمتها تسالونيكي) على أخائية (عاصمتها كورنتوس). لا هو هذا ولا هو ذاك. بل مراعاة للمؤمنين. كيف يأتي الرسول إلى كورنتوس وقلبه يعمر بالحزن، لا بالفرح؟ ومن أين جاء هذا الحزن؟ ولماذا هذه الرسالة التي كتبها في الدموع والتي بدت أنَّها ما وصلت إلينا؟ (2: 4).

أرسل بولس من قِبَله شخصًا لكي يُعيد السلام إلى الكنيسة بعد أن كادت تنقسم بين »كمّال« هم الغنوصيّون، وبين »بسطاء« وهم المؤمنون العاديّون. فاستُقبل هذا الشخص برفضٍ تامّ، وسيطرت فئة على فئة، وانقاد الضعفاء في خطِّ الأقوياء، فملأ الحزنُ قلب الرسول. فاستعدَّ للذهاب إلى كورنتوس لكي يضع الأمور في نصابها. فطُلب منه أن يمتنع. ومضى مكانه تيطس، ذاك المفاوض الماهر، الذي أعاد السلام إلى الجماعة: حزنَتْ، طلبَتْ من هذا الشخص أن يعتذر بشكل علنيّ، ففعل، فصفحَتْ عنه الجماعة.

قابلنا هذا السفيه مع الزاني في الرسالة الأولى إلى كورنتوس (5: ي). عن الزاني قال بولس: »سلِّموا هذا الرجل إلى الشيطان، حتّى يهلك جسده، فتخلص روحه في يوم الربّ« (1 كو 5: 5). في الواقع، حين خطئ انتقل من »مخيَّم« الله إلى مخيَّم« الشيطان. هو أخرج نفسه من الجماعة، روحيٌّا لا جسديٌّا، مثل يهوذا في العشاء السرّيّ. كلُّهم يتطلَّعون إلى سيِّدهم »الحزين«، وهو يفكِّر أين يجتمع مع رؤساء الكهنة. وكذلك هذا الزاني: ترك الجماعة في قلبه فما عاد يستفيد من رسائل الدفاع التي في يده. صار مثل الغصن اليابس الذي يجب أن يُجمَع مع سائر الأغصان ويُحرَق في النار (يو 15: 6). صار مثل »تينة مضرَّة« تعطِّل الأرض. ربَّما إذا خرج، عاد إلى نفسه وتاب، أقلَّه في يوم ربِّنا، في يوم الدينونة.

أمّا هنا فما أراد الرسول لهذا السفيه أن ييأس ويستسلم للشيطان. قال له الرسول بقلبه الكبير: »من صفحتُم عنه صفحتُ عنه أنا أيضًا« (2 كو 2: 10).

*  *  *

تلك بعض سمات الرسول كما تظهر في الرسالة الثانية إلى كورنتوس: هو الخادم وهو يخدم في المحبَّة واللطف والوداعة. هو الأب ويستعدُّ ان يغفر لأبنائه بسرعة ولا يترك في قلبه حقدًا. هو الذي يهتمُّ أوَّل ما يهتمُّ بأمر البشارة، ولا بأمرِ نفسه وكأنّ النجاح الخارجيّ هو الهدف الذي يصبو إليه. هو يتطلَّع إلى المسيح ولا يتطلَّع إلاَّ فيه، ومنه يأخذ كلَّ معرفة كما تعلَّمها في الجماعات المسيحيَّة، في بلاد العرب، فسلَّم إلى كنيسة كورنتوس ما تسلَّم هو (1 كو 11: 23؛ 15: 3). ولكنَّنا نتوقَّف أيضًا عند ثلاث سمات تعطينا صورة عن الرسول.

الأولى، الضعف في القوَّة. ما اعتدَّ بولس يومًا بنفسه. عرف ضعفه وافتخر بأوهانه. والصورة التي أعطانا: »آنية من خزف« (2 كو 4: 7). هي سريعة العطب تنكسر بسهولة حين ترتطم بأيِّ حاجز. فكيف نقدر أن نحتفظ بهذا »الكنز« الذي أعطيناه؟ مستحيل. وحدنا لا نقدر. ولكن مع ذلك، حافظنا على هذا الكنز ونحافظ. وكيف ذلك؟ »بتلك القدرة الفائقة التي هي من الله لا منّا« (آ7). الضيق، الاضطهاد، الحصار... لا شيء يقدر علينا. ولماذا الرسول لا يتراجع؟ »لا لأنَّنا ننظر إلى ما يُرى بل إلى ما لا يُرى. فما يُرى هو إلى حين، أمّا ما لا يُرى فهو إلى الأبد« (آ19).

والسمة الثانية هي صفة الرسول. في الرسالة الأولى عرفنا أنَّه »وكيل«. قال: »فليعتبرنا الناس خدَّامًا للمسيح ووكلاء أسرار الله، وكلُّ ما يُطلَب من الوكلاء أن يكون كلُّ واحد منهم أمينًا. وأنا لا يهمُّني كثيرًا أن تدينوني أنتم أو أيُّ محكمة بشريَّة، بل أنا لا أدين نفسي... ديّاني هو الربّ« (1 كو 4: 1-4). الأمانة، لمن؟ لنفسي؟ فكم مرَّة أغشُّ نفسي. للآخرين؟ كلُّ إنسان كاذب كما قالت الرسالة إلى رومة مردِّدة كلام المزمور. وفي أيِّ حال، إن أردت أن أرضي الناس لن أكون عبدًا ليسوع المسيح. فالأمانة تكون لله، لأنَّه هو وحده الثابت، والناس متقلِّبون.

أمّا هنا في الرسالة الثانية إلى كورنتوس، فنعرف أنَّ بولس هو »السفير«. قال في معرض كلامه عن معرفة يسوع معرفة بشريَّة (2 كو 5: 16): »فنحن سفراء المسيح، وكأنَّ الله يعظ بألسنتنا« (آ20). فالسفير أساسًا يرتبط بالسفر. ومن سافر كما سافر بولس الرسول؟ والسفير يمثِّل البلد ويحمل التعليمات التي تُعطى له. وكذا بولس يفعل منذ اللقاء على طريق دمشق والانقلاب الذي حصل في حياته. وما هي التعليمة الأساسيَّة التي يحملها الرسول؟ تصالحوا مع الله. قال: »الله صالح العالم مع نفسه في المسيح، وما حاسبهم على زلاّتهم، وعهد إلينا أن نعلن هذه المصالحة« (آ19).

والسمة الثالثة، الانتقال من القديم إلى الجديد، من الظاهر إلى الباطن، من خيمة أرضيَّة مصنوعة بالأيدي، إلى بناء سماويّ غير مصنوع بالأيدي. لا يبقى الرسول على مستوى القديم، ولا ينظر إلى الوراء »حين يضع يده على المحراث«. وتحدَّثَ بولس عن نفسه حين خدم »العهد القديم« أي التوراة والأنبياء والمزامير. هي وصلت إلى يسوع المسيح فوجدت فيه كمالها وغايتها. أمّا الآن فانتقل إلى العهد الجديد. قال: »هذه ثقة لنا بالمسيح عند الله، لا لأنَّنا قادرون أن ندَّعي شيئًا لأنفسنا، فقدرتنا من الله. فهو الذي جعلنا قادرين على خدمة العهد الجديد، عهد الروح لا عهد الحرف. لأنَّ الحرف يميت والروح يحيي« (2 كو 3: 4-6). فماذا نرجو من رسول، من مؤمن، يتعلَّق بالحرف ويبقى عنده؟ أمّا الرسالة التي كتبها بولس في جماعة كورنتوس فلا تشبه ما كتب »الخصوم« من رسائل. قال: »أنتم أنفسكم رسالتنا، مكتوبة في قلوبنا، يعرفها ويقرأها جميع الناس. نعم، نبيِّن أنَّكم رسالة المسيح جاءت على يدنا، وما كتبناها بحبر، بل بروح الله الحيّ، لا في ألواح من حجر، بل في ألواح من لحم ودم، أي في قلوبكم« (آ1-3). كلُّ العهد القديم جاء في هذا الكلام منذ موسى ولوحي الوصايا إلى إرميا والعهد الجديد مع كتابة الشريعة في القلوب (إر 31: 31-33).

وهناك انتقال من الظاهر إلى الباطن. فالإنسان الظاهر يبلى، يفنى. أمّا الإنسان الباطن فباقٍ إلى الأبد. هنا كانت الصورة عن »الخيمة«. فهي ليست ثابتة. تتهدَّم. أمّا البناء المصنوع بيد الله، فيبقى هو هو. في الموت نتعرَّى. ولكنَّنا حالاً نلبس جسدنا السماويّ. هنا يقول الرسول: »نحن نفضِّل أن نقترب من هذا الجسد لنقيم مع الربّ« (2 كو 5: 9).

3 - من الكنائس إلى الكنيسة الجامعة

أسَّس بولس عددًا من الكنائس. وكلُّ كنيسة أرادت أن تحتفظ به وكأنَّه مُلك لها. وكنيسة كورنتوس بشكل خاصّ أرادته أن يأتي إليها ولا يفضِّل عليها كنيسة. فعدد المؤمنين فيها كبير بحيث توزَّعوا على »بيوت« عديدة وجاؤوا في أحزاب. ثمَّ كانت قسمة أخرى، كما هي اليوم في بعض كنائس أفريقيا، حيث يؤمَّن قدَّاس لفئة من الفئات لا تقدر أو لا يحقُّ لها أن تكون مع أبناء الكنيسة. كلُّ هذا تخطّاه الرسول: فالكنيسة واحدة. هو لا يخاف أن يأخذ ممّا أرسلته كنيسة مكدونية لكي يسند كنيسة أخائية. فلا حاجز يقف في وجه الرسول، الذي يتنقَّل بين الجماعات التي أسَّس بحسب حاجات كلٍّ منها. وإذا كان شدَّد على الوحدة في الكنائس مع تعدُّد المواهب، فهو يدعو إلى الوحدة بين الكنائس بحيث تسند القويَّة الضعيفة، كما يسند الأقوياء الضعفاء في الجماعة.

فكما المؤمنون أعضاء في الجسد الواحد، كذلك الكنائس أعضاء في جسدٍ، رأسه هو المسيح. فلا يحقُّ لكنيسة أو رعيَّة أو أبرشيَّة، أن تكون غنيَّة ولا تساعد جارتها. أين هي المقاسمة؟ وبعد ذلك هل يحقُّ لنا أن نشارك في الجسد الواحد، ونعمل مثل المؤمنين في كورنتوس: »يجوع بعضكم ويسكر آخرون« (1 كو 11: 22).

كيف عاش بولس هذا التواصل بين الكنائس؟ على المستوى الروحيّ بدون شكّ، حيث التقاهُ المبشِّرون العديدون في رومة، فكتب الرسول من كورنتوس يسلِّم عليهم. ولكنَّنا ننوقَّف على المستوى المادّيّ. كتب بولس رسالتين. واحدة وجَّهها إلى الجماعات العائشة في العاصمة، كورنتوس، ورسالة أخرى إلى أخائية بشكل عامّ.

اعتاد الكورنثيّون أن يخطِّطوا من أجل غيرهم، فكتب إليهم الرسول: »ونريد أيُّها الإخوة، أن نخبركم بما فعلَتْه نعمةُ الله في كنائس مكدونية، فهم مع كثرة المصاعب التي امتحنهم الله بها، فرحوا فرحًا عظيمًا. وتحوَّل فقرهم الشديد إلى غنى بسخائهم« (2 كو 8: 1-2). سخاء من قبل مكدونية وإلحاح من أجل عطاء. أمّا مؤمنو كورنتوس وأخائية فيتأخَّرون ويتماهلون. لهذا قال لهم الرسول: »فأنا أخاف أن يجيء معي بعض المكدونيّين ويجدوكم غير مستعدِّين، فنخجل نحن، حتّى لا أقول أنتم، في ثقتنا هذه بالافتخار بكم« (2 كو 9: 4).

اهتمَّ بولس اهتمامًا كبيرًا بجمع التبرُّعات من أجل الكنيسة الأم، كنيسة أورشليم. لماذا؟ لأنَّه خاف أن تنغلق كنيسة على نفسها وعلى خصوصيّاتها وذلك على حساب المشاركة بين الكنائس. هو عمل مسكونيّ يقوم به الرسول مع نظرة إلى أورشليم »السماويَّة« التي تجمع حولها الكنائس على ما نقرأ في سفر إشعيا: »قومي استنيري (أو أنيري) فنورك أضاء، ومجد الربِّ أشرق عليك« (إش 60: 1). »ثروة البحار تنتقل إليك وغنى الشعوب إليك يعود« (آ5). أمّا المزمور 87 فيرى أنَّ جميع الشعوب وُلدت في مدينة الله، على الجبل المقدَّس. هناك ينبوع البركات (آ7).

بدأ »الشرخ« حاضرًا منذ بدايات الكنيسة: بين الذين يتكلَّمون العبريَّة، الآراميَّة، وبين الذين يتكلَّمون اليونانيَّة. فتأسَّس السبعة الذين كان أوَّلهم إسطفانس وفيلبُّس. ثمَّ كان تباعد بالرغم من كلِّ محاولات التقارب بين العنصر اليهوديّ والعنصر اليونانيّ في الكنيسة، وحادثة أنطاكية لا تحتاج إلى شرح وتأويل (غل 2: 1ي). ما العمل لدرء الخطر؟ التطلُّع إلى وضع الكنائس على المستوى المادّيّ بانتظار المعنى الروحيّ. أمّا المثال فهو يسوع المسيح: »وأنتم تعرفون نعمة ربِّنا يسوع المسيح: كيف افتقر لأجلكم، وهو الغنيّ، لتغتنوا أنتم بفقره« (2 كو 8: 9).

وما قاله بولس عن نفسه بالنسبة إلى الرسالة، تقوله أورشليم بالنسبة إلى سائر الكنائس. شاركت أورشليمُ كنائس الشتات في الروحيّات، فعلى هذه الكنائس أن تشاركها في الأمور المادّيَّة، لاسيَّما وأنَّ المجاعة حلَّت بها. وفي أيِّ حال، الكنيسة الأمّ في عوز والناس في راحة. هم يساعدونها. وقد تنتقل الأموال فتفعل الكنيسة الأمّ لسائر الكنائس ما فعلوا، وتردُّ لهم الجميل: »لا أعني أن تكونوا في ضيق (أيُّها الكورنثيّون) ويكون غيركم في راحة. بل أعني أن تكون بينكم مساواة، بحيث يسدُّ رخاؤكم ما يعوزهم اليوم، ويسدُّ رخاؤهم ما يعوزكم غدًا« (2 كو 8: 13-14).

من كنيسة الله في تسالونيكي، في كورنتوس... إلى كنائس صارت كنيسة واحدة تغطّي حوض البحر المتوسِّط والعالم الرومانيّ، وتمتدُّ إلى الشرق فتصل إلى الهند »مع توما الرسول«. ولكنَّها »كنيسة واحدة جامعة مقدَّسة رسوليَّة«. هي جسد المسيح الواحد الذي لا يمكن أن ينقسم وإن ابتعد المسيحيّون بعضهم عن بعض وإن اختلفوا في طرق الصلاة والعبادة، وإن تباينوا على مستوى الفكر اللاهوتيّ دون المساس بما يقوله قانون الإيمان. ذاك كان هدف الرسالة البولسيَّة، التي نفحها بولس بروحه منذ البداية، فكان صلة الوصل بين الجماعات المختلفة، وتواصلت مع تلاميذه. فاستطاع أن يقول لجماعة كولوسّي: »البشارة وصلت إليكم كما وصلت إلى العالم كلِّه، فأخذت تثمر وتنتشر فيه كما تثمر وتنتشر بينكم منذ سمعتم بنعمة الله وعرفتموها حقَّ المعرفة« (كو 1: 6). هل نتخيَّل كلَّ هذا التطوُّر سنة 57 أي بعد موت الربِّ بعشرين سنة تقريبًا؟ وهل نقبل أن تتفتَّت »الكنائس« المحلِّيَّة فتمزِّق الكنيسة الجامعة، حيث كلُّ كنيسة تنغلق على ذاتها، وكلّ أبرشيَّة تعتبر نفسها مركز الكون. ما الفائدة من عمل تسير فيه جماعة من الجماعات (كبيرة أو صغيرة وحدها)؟ فهو يموت سريعًا، لأنَّه يكون من الناس، لا من الله، على ما قال غملائيل حين محاكمة الرسل (أع 5: 38-39).

الخاتمة

وهكذا قرأنا الرسالة الثانية التي أرسلها بولس من مكدونية إلى كورنتوس. سواء كانت رسالة واحدة كُتبت على مراحل، أو ثلاث وأربع رسائل ضُمَّت إلى بعضها، فهي تحمل إلينا كلام الله، ونحن نترك للباحثين أن يكتشفوا الأمور العلميَّة واللغويَّة التي لا بدَّ أن نستفيد منها من أجل القراءة الروحيَّة والرعائيَّة. رسالة شخصيَّة تُبرز لنا قلبَ بولس الذي تجابهه الصعوبات كما تجابه الكنيسة اليوم وتجابه العاملين فيها، هذا إذا رضوا أن يكونوا أمناء للإنجيل، لا للعالم. فإن كنّا أمناء للعالم يُحبُّنا العالم لأنَّنا مثله. أمّا إذا كنّا أمناء للإنجيل فالعالم يبغضنا كما قال لنا الربُّ ليلة آلامه. رسالة دافع فيها بولس عن نفسه لأنَّه أحسَّ أنَّ من خلال الهجوم عليه، هو هجوم على العمل الرسوليّ الآتي من »الخصوم« العديدين: الوثنيّة تنهض بعد أن هُزمَت، والعالم اليهوديّ أحسَّ بالخطر بعد أن حلَّ »الجديد« محلَّ »القديم«. وأخيرًا »الغنوصيَّة« الصاعدة من قلب المسيحيَّة والملفَّقة »الفلسفات« والأفكار العديدة لكي تستغني عن المعرفة الوحيدة التي تطلَّع إليها بولس الرسول: »معرفة الربِّ يسوع المسيح« (فل 3: 8).