حسبي أنَّ المسيح يُبشَّر به

 

ذاك هو كلام بولس في الرسالة إلى فيلبّي. صعوبات عديدة ولاسيَّما من داخل الكنيسة، مع الحسّاد الذين لا يريدون لبولس أن يكون ناجحًا، فألَّفوا حزبًا ضدَّه. وصعوبات الحياة في السجن، ممّا يمنع الرسول من التحرُّك داخل الجماعة فيحاول آخرون أن يحلُّوا محلَّه. الكنيسة هي هي منذ زمن المسيح. يسوع ماضٍ إلى أورشليم، في طريق الآلام والموت، والتلاميذ يجادلون: »من هو الأعظم بينهم؟« (مر 9: 34). هي البشارة في أفسس، لأنَّ رسالة فيلبّي كُتبت في أفسس، يتحدَّث عنها سفر الأعمال فرحًا: »سمع جميع سكّان آسية من يهود ويونانيّين كلام الربّ« (أع 19: 10). نجاح كبير! لعبت الغيرة! غير أنَّ تجرُّد الرسول يفوق كلَّ تجرُّد. »حسبي أنَّ المسيح يُبشَّر به« (فل 1: 18). يكفيني أنَّ الإنجيل يواصل مسيرته، ولا أحد يُوقفه. ذاك ما أراد بولس أن يقول لأهل فيلبّي من أعماق سجنه. أحبَّهم محبَّة خاصَّة، وما أخذ مساعدة مادِّيَّة إلاَّ منهم، مع أنَّ جماعة كورنتوس لاموه لأنَّه »يتكبَّر« عليهم ولا يطلب مساعدة منهم. أحبَّهم وها هو يُسرُّ ما في قلبه إلى كنيسة كانت أوَّل كنائس أوروبّا التي أسَّسها.

في محطّات ثلاث ندخل في عمق الرسالة إلى فيلبّي التي دُوِّنت على ما يبدو مع سائر الرسائل الكبرى، ولاسيَّما تلك التي أُرسلت إلى كورنتوس (هناك أكثر من رسالة) في الخمسينات. انطلقت من أفسس بيد أبفروديتس أو ربَّما بيد تيموتاوس. في محطَّة أولى يفتح الرسول قلبه للجماعة. في محطَّة ثانية، يحذِّرهم من الهجمة اليهوديَّة أو اليهومسيحيَّة بكلام قاسٍ على المضلِّين. وأخيرًا، يجعل أمامهم صورة المسيح. هو اقتدى به، فبقي على »الإخوة« أن يقتدوا برسولهم وينظروا »الذين يسيرون على مثالنا« (3: 17).

1. من القلب إلى القلب

منذ بداية الرسالة، نستشفُّ العلاقة الحميمة بين بولس وجماعة فيلبّي. لا نجد هنا »معلِّمًا« يُرسل »التعليمات« إلى المؤمنين، بل »أبًا« يكلِّم أبناءه بمحبَّة وأيّ محبَّة.

أ- أحنُّ إليكم حنان المسيح

بعد أن سلَّم الرسول على الكنيسة التي رتَّبها بقيادة الأساقفة (والأسقف هو من يُشرف على العمل ويهتمُّ بالجماعة بحيث لا ينقصها شيء) والشمامسة (والشمّاس هو »الخادم« على مثال المسيح، الذي يهتمُّ خصوصًا بالكرازة والأمور المادِّيَّة)، بدأ صلاته في حمد إلى الله، في إطار من الفرح سوف يتوزَّع الرسالةَ كلَّها. نتذكَّر هنا أنَّ بولس هو في السجن، وهو مهدَّد بأن يُرمى للوحوش، كما نعرف من الرسالة الأولى إلى كورنتوس (1 كو 15: 31). ومع ذلك هو يعبِّر عمّا في قلبه من فرح، لأنَّه أوَّلاً لا يخاف الموت. فهو يتمنّى سريعًا أن ينحلَّ ويكون مع المسيح (1: 23). وثانيًا، هو يكتب إلى من يحنُّ إليهم قلبه. قال: »أنتم في قلبي« (آ7). ونحن نعرف مركز القلب في الكتاب المقدَّس: هو عمق الشخص ومركز عواطفه. القلب هو الذي يميل بالإنسان، كما قال الربّ: »حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك« (مت 6: 21). بالقلب نفكِّر، بالقلب نفهم، بالقلب نرغب وبالتالي نعمل.

وقال الرسول أيضًا: »والله يشهد كم أحنُّ إليكم جميعًا حنان المسيح يسوع« (آ8). عاطفة جيّاشة تُشبه عاطفة الأمِّ تجاه أولادها. الأب ينحني على أولاده ليكون معهم وعلى مستواهم. وهكذا يفعل الرسول. حرفيٌّا: »أحنُّ في أحشاء المسيح«. هو وَلدهم للربّ الذي حمَلَهم في أحشائه كما الأمّ.

ولماذا هذا الفرح؟ أوَّلاً، شاركوا في الإنجيل، صاروا رسلاً مع الرسول (آ5). صار همُّه همَّهم وهمُّهم همَّه. ذاك مفهوم الشركة (كوينونيّا في اليونانيَّة) في الكنيسة. لا المشاركة المادِّيَّة فقط، بل المشاركة الروحيَّة أيضًا. في السجن هم معه. في تثبيت الإنجيل هم معه. ويشاركونه في النعمة التي نالها. على هذه الصورة تكون الرعيَّة برفقة راعيها، وكلُّ جماعة مع الذي يجمعها حول شخص يسوع المسيح.

وفرح ثانيًا، لأنَّه رأى عمل الله الذي بدأ، يتواصل يومًا بعد يوم. أتُرى الله يبدأ ولا يتمِّم، مع أنَّه أعطانا مثلاً عن رجل يريد أن يبني برجًا (لو 14: 28-29)؟ أتُراه لا يقدر أن يكمِّله؟ مستحيل. فقال الرسول: »أنا واثق بأنَّ الذي بدأ فيكم عملاً صالحًا يكمِّله إلى يوم يسوع المسيح« (آ6). والعمل الصالح هنا، هو رسالة الإنجيل. الله هو في أساس العمل، والعمل عملُه (2 كو 8: 8). والرسول يفرح لأنَّ جماعة فيلبّي انخرطت في هذا العمل وما تراجعت. كما هي لم تنغلق على ذاتها، وكأنَّها مركز العالم. بل انفتحت على سائر »الكنائس« فلحقت بالرسول إلى تسالونيكي (4: 16) وإلى كورنتوس، على ما قال في الرسالة الثانية إلى كورنتوس: »فالإخوة الذين جاؤوا من مكدونية سدُّوا حاجتي« (11: 9). وإذ يقول الرسول مكدونية، فهو يقول بالدرجة الأولى فيلبّي.

وفرح الرسول ثالثًا لِما رأى من محبَّة لدى جماعة فيلبّي. وإذ هو تحدَّث عن محبَّتهم، أطلق تمنِّياته: تزداد المحبَّة عمقًا، يصير المؤمنون أنقياء، يمتلئون من ثمر البرّ.

من أجل هذا يدعوهم إلى الجهاد. والمثال: جهاد بولس الذي بدأ وهو يتواصل. وجهادهم أيضًا بدون خوف من الخصوم مع هذه الكلمة الرائعة التي تعتبر الآلام في سبيل المسيح نعمة شبيهة بنعمة الإيمان. قال: »ما أُنعم عليكم فقط أن تؤمنوا بالمسيح، بل أن تتألَّموا لأجله« (آ29).

ب- أعرف أحوالكم فيطمئنُّ قلبي

بولس هو في السجن ولا يقدر أن يزور الجماعة. لهذا أرسل إليها تيموتاوس لكي يحمل إليه الأخبار الطيِّبة. نستطيع أن نقول هنا ما قاله الرسول حين كتب إلى كنيسة تسالونيكي: »فرغ صبرنا... فأرسلنا تيموتاوس... ليشجِّعكم ويقوّي إيمانكم« (1 تس 3: 1). وارتاح الرسول حين أتى تيموتاوس »وبشَّرنا بما أنتم عليه من إيمان ومحبَّة، وقال لنا إنَّكم تذكروننا بالخير دائمًا وتشتاقون إلى رؤيتنا كما نشتاق إلى رؤيتكم« (آ6).

تلك هي عاطفة الرسول. فردَّت عليها الجماعة بأجمل منها: »أرسلت إليه أبفروديتس لكي يحلَّ محلَّها في معاونة الرسول: جاء »ليكمِّل ما نقص من خدمتكم لي« (2: 30). ولكن تعرَّض أبفروديتس للصعوبة حين وصل إلى بولس. وساءت صحَّته. »حتى أشرف على الموت« (آ 27) ما تطلَّع بولس إلى نفسه، بل إلى هذا الذي دعاه: »أخي ومعاوني ورفيقي في الجهاد« (آ25). نلاحظ هنا: ما من أحد يفكِّر بنفسه، بل بالآخرين. فأبفروديتس لا يُظهر تضايقه بالنسبة إلى وضعه، بل »هو متضايق لأنَّكم سمعتم بمرضه« (آ26). أجل، ما أراد أن تحمل الجماعة الفيلبّيَّة همَّه. وكذا نقول عن بولس. حزنه حزنان: من أجل أبفروديتس ومن أجل الجماعة التي ربَّما تخسر »أمثال« (آ29) هذا الخادم الأمين. والجماعة تحمل همّ بولس الذي هو في السجن، وهم ابفروديتس المريض. الفرح مشترك، والحزن مشترك.

لا بأس أن يعود أبفروديتس ويبقى بولس وحده. ما يريده هو أن »يعود الفرح« (آ28) إلى الجماعة، وبذلك »يقلُّ حزن« الرسول. وبعد هذه المحنة القاسية التي مرَّ فيها الجميع، لا يتوقَّف بولس عن النداء إلى الجماعة: »وبعد، يا إخوتي، افرحوا في الربّ« (3: 1). فالفرح هو علامة المؤمن الذي يعرف أنَّ كلَّ شيء يؤول لخير أحبّاء الربّ. ولهذا عاد بولس وقال أيضًا: »افرحوا دائمًا في الربّ، وأقول لكم أيضًا: افرحوا« (4: 4).

ج- الإخوة الذين أحبُّهم

تساءل الشرّاح مرارًا: لماذا تأخَّر بولس لكي يشكر أهل فيلبّي على ما أرسلوا إليه من مساعدة؟ ورأى آخرون أنَّه كتب أكثر من رسالة قصيرة، وكان »الشكر على المعونة« رسالةً قصيرة ضُمَّت إلى غيرها. هي دراسات نقديَّة، علميَّة، لا تؤثِّر في العلاقات بين الرسول وأبنائه في الإيمان.

فما يهمُّ بولس أوَّلاً هو إظهار محبَّته لهذه الجماعة. دعاهم »إخوتي الأحبّاء« (4: 1)، وعاد يقول لهم في نهاية الآية: »يا أحبّائي«. هو يشتاق إليهم. هم فرحه، هم إكليله. لم يبقَ كلام لم يمدحهم به، قبل أن يشكرهم على ما قدَّموا له من إعانة، وخصوصًا لأنَّهم أرسلوا إليه أبفروديتس. قال الرسول:

»فرحتُ في الربِّ كثيرًا عندما رأيتُ أنَّكم عدتم أخيرًا إلى إظهار اهتمامكم بي. نعم، كان لكم هذا الاهتمام، ولكنَّ الفرصة ما سنحت لكم« (آ10). تميَّزت فيلبّي عن غيرها من الكنائس. كانت »تجارة« رابحة بين الرسول وبينهم. هو قدَّم »الخيرات الروحيَّة« وهم قدَّموا له »الخيرات الجسديَّة«. يا للتبادل العجيب! وهكذا ما شابهت كنيسةٌ كنيسة فيلبّي، والبعض ينسب ذلك إلى حضور ليدية، بائعة الأرجوان (أع 16: 14ي). فكورنتوس مثلاً أخذت وما عرفت أن تعطي. بل اعتبرت الرسول مديونًا لها. لهذا جاء كلام الرسول لهم قاسيًا، ولاسيَّما في ما يخصّ جمع التبرُّعات. فالكورنثيّون يتكلَّمون كثيرًا ولا يفعلون. قال بولس: »فأنا أخاف أن يجيء معي بعض المكدونيّين ويجدوكم غير مستعدِّين، فنخجل نحن، حتّى لا أقول أنتم« (2 كو 9: 4).

هنا يبرَز تجرُّدُ الرسول: يعيش في السعة كما في الضيق، في الجوع كما في الشبع. فالأمور المادِّيَّة لا يمكن أن تكون عائقًا في طريق الرسالة. فالقوَّة لا تأتي من الطعام والشراب، والرسالة لا تستند إلى البشر. ولكن مع ذلك، فرح الرسول حين حمل إليه أبفروديتس »هديَّة« أهل فيلبّي، وقال: »صرتُ في سعة« (فل 4: 18أ). وبدا بولس أنَّه لم يأخذها من البشر، بل من الله. في العهد القديم كان المؤمنون يحملون تقادمهم إلى الهيكل، يأخذ الكاهن منها »حصَّته«. وهكذا فعل بولس هنا. قال عن عطيَّة فيلبّي: »هي تقدمة لله طيِّبة الرائحة، وذبيحة مقبولة ومرضيَّة لله« (آ18ب). هو موضوع الذبيحة هنا كما في الرسالة إلى رومة: »فأناشدكم، أيُّها الإخوة، برأفة الله أن تجعلوا من أنفسكم ذبيحة مقدَّسة مرضيَّة عند الله« (رو 12: 1).

2-  احذروا، احذروا

أ- ثلاث فئات

بعد هذا الكلام من القلب إلى القلب، بعد المحبَّة والحنان اللذين ينبعان من قلب الرسول تجاه الجماعة وتجاه العاملين معه، تتحوَّل اللهجة بسرعة. فيعلن ثلاث مرّات: احذروا، احذروا، احذروا. بدا بولس مثل »دجاجة« تخاف على فراخها، تريد أن تجمعهم. فالخطر يتربَّص بهم. أجل، الجماعة في خطر. قال لأهل كورنتوس ما كان بالإمكان أن يقوله لأهل فيلبّي: »أخاف أن تزوغ بصائركم عن الصدق والولاء الخالص للمسيح، مثل حوّاء التي أغوتها الحيَّة بحيلتها« (2 كو 11: 3).

خاف الرسول على جماعة فيلبّي. فحذَّرها أوَّلاً »من الكلاب«. نتذكَّر أنَّ الكلب حيوان نجس، وهو يشبه الخنزير في بعض الأحوال (مت 7: 6؛ 2 بط 2: 22). سمّى اليهودُ الوثنيّين »كلابًا« كما نقرأ في حادثة المرأة الفينيقيَّة (مت 15: 26). وقيل للمؤمنين أن لا يرموا جواهرهم أمام الخنازير. كما فهم سفر الرؤيا أنَّ »الكلاب والسحرة والفجّار والقتلة وعبدة الأوثان والكذّابين يكونون في خارج المدينة« (رؤ 22: 15)، في خارج أورشليم السماويّة، وبالتالي في خارج الملكوت.

ويُطرَح السؤال هنا: من هم الكلاب؟ يبدو أنَّهم اليهود الذين يلاحقون بولس من مدينة إلى مدينة. رفضوا المسيح فصاروا في الخارج. إذًا، لن نسمع لهم بعد الآن. وقد يكونون من اليهومسيحيّين، أي اليهود الذين قبلوا المسيح ولكنَّهم لبثوا متعلِّقين بيهوديَّتهم التي لبثت مسيطرة على الإنجيل. ولماذا العودة إلى اليهود وإلى الشعائر اليهوديَّة؟ تأمينًا للربح أو لبعض المنفعة. قال فيهم الرسول: »إلهُهُم بطنهم، مجدهم عارهم، همُّهم أمور الدنيا« (3: 19). إنَّهم يهتمُّون بالأمور الطعاميَّة المنصوص عنها في سفر اللاويّين (ف 11). يدينون من لا يأكل مثل أكلهم، أي البقول، لئلاّ يتنجَّسوا من طعام لا يكون »طاهرًا« ومن لحم لا يكون مذبوحًا بحسب التقليد المتَّبع لديهم. وما هو مجدهم؟ الختان. يفتخرون به وإن كانوا لا يعيشون متطلِّباته. لمثل هؤلاء قال الرسول إلى أهل رومة: »إن عملتَ بالشريعة كان لختانك فائدة، ولكن إذا خالفت الشريعة صار ختانك غرلة« (رو 2: 25). بدوتَ وكأنَّك غير مختون، بحيث يُفضَّل عليك الوثنيّ اللامختون: »وإذا كان غير المختونين يراعون أحكام الشريعة، يعتبرهم الله في عداد المختونين« (آ26).

بماذا يهتمُّ هؤلاء؟ بالرسالة؟ كلاّ. بأمور السماء؟ كلاّ. بل بأمور الأرض. لهذا يدعوهم الرسول »عمّال السوء« (3: 2). وهؤلاء يحذر المؤمنون منهم أيضًا. هم سيِّئون بأعمالهم وتصرُّفاتهم التي تضع البلبلة في الجماعة. يقول عنهم بولس في الرسالة إلى كورنتوس: »هم رسلٌ كذّابون وعاملون مخادعون يظهرون بمظهر رسل المسيح« (2 كو 11: 13). مثل هؤلاء يتاجرون بكلام الله (2 كو 2: 17) فيفضِّلون خدمة المال على خدمة الله (لو 16: 13).

واحذروا أيضًا، يقول الرسول »من القطع« (3: 2). سواء بالنسبة إلى الرجل فيكون الكلام عن الختان الكاذب، أو بالنسبة إلى المرأة. هم أناس يتعلَّقون بالأمور المادِّيَّة، بدون سبب. قال فيهم الرسول متحدِّثًا إلى أهل غلاطية: »ليت الذين يوقعون البلبلة بينكم يُقطعون قطعًا« (5: 12) أو: »تُقطع أعضاؤهم« على مثال ما كان الوثنيّون يفعلون في أرض غلاطية. هناك الختان الكاذب، الذي يتوقَّف عند العمل الخارجيّ. وهناك الختان الصادق الذي هو ختان القلب وتبديل الحياة من الداخل. قال بولس إلى أهل رومة: »اليهوديّ هو اليهوديّ في الباطن، والختانُ هو ختان القلب بالروح لا بالحرف« (رو 2: 29). مثل هذا الختان هو »ختان المسيح« (كو 2: 11) الذي صار لنا المعموديَّة.

ب- بين الربح والخسارة

اعتبر هؤلاء الخصوم أنَّهم رابحون، ونسوا قول الربّ: »ماذا ينفع الإنسان إن ربح العالم كلَّه وخسر نفسه!« (مت 16: 26). وخاف بولس أن تلحق الخسارة بأبناء فيلبّي فيُخدَعوا كما خُدع قبلهم أهلُ كورنتوس: »فلو جاءكم أحد يبشِّركم بيسوع آخر غير الذي بشرناكم« (2 كو 11: 4) أما كنتم تتبعونه؟ إن لم يكن كلُّكم فبعضكم.

ماذا ربح هؤلاء؟ افتخروا بأنَّهم يهود، وتعلَّقوا بامتيازات اليهود. قالوا إنّهم أهل الختان. فأجاب الرسول: »نحن أهل الختان الحقيقيّ« (3: 3أ)، لا بالجسد واللحم والدم، على مثال ما قال الربُّ للسامريَّة. سألته: أين يُعبَد الله، في أورشليم أم على جبل جرزيم، قرب السامرة؟ أجابها: »الله روح، وبالروح والحقّ يجب على العابدين أن يعبدوه« (يو 4: 24). على ماذا اعتمد هؤلاء الخصوم؟ على الجسد. بل على اللحم والدم، على الضعف البشريّ. اعتمدوا على أنفسهم فكانوا كمن يستند على قصبة مرضوضة. اعتمد هؤلاء على أعمال الشريعة، من ختان واحتفاظ من بعض الأطعمة. أمّا الرسول فلا يفتخر بمثل هذه الأعمال، بل »بالمسيح يسوع«.

ذاك كان ربح الخصوم. هم يهود ويستندون إلى عهود الله ووعده، ويجعلون رجاءهم في ما يمارسون من أعمال تتوافق مع الشريعة. وهل بولس بعيد عن هذا الربح؟ كلاّ. لهذا جاء إليهم حيث هم. هم مختونون. قال الرسول: »وأنا مختون في اليوم الثامن لمولدي« (3: 5أ). هم من بني إسرائيل! قال: »وأنا من بني إسرائيل« أيضًا (آ5ب). ولو تعرفون من أيَّة قبيلة؟ قبيلة بنيامين حيث يقوم الهيكل. ومن هذه القبيلة خرج أوَّلُ ملك للقبائل العبرانيَّة. قالوا له: نحن عبرانيّون. فأجاب: »أنا عبرانيّ ابن عبرانيّ«، أنا عبرانيّ أبًا عن جدّ. قالوا له: نحن نمارس الشريعة. فأجاب: أنا من أشدِّ الممارسين لها. فأنا فرّيسيّ. ونعرف من سفر الأعمال أنَّ بولس »تعلَّم عند قدمي غمالائيل شريعة الآباء تعليمًا صحيحًا« (أع 22: 3).

اعتمد الخصوم على أمور الجسد. لا بولس. قال: »ولكن ما كان لي من ربح، حسبتُه خسارة من أجل المسيح، بل أحسب كلَّ شيء خسارة من أجل الربح الأعظم« (3: 7-8أ). نلاحظ المسيرة من الربح إلى الخسارة إلى الربح، على ما في الإنجيل: »من يريد أن يخلِّص حياته يخسرها، ومن يخسر حياته في سبيلي يجدها« (مت 16: 25). ذاك ما حاول بولس أن يعيشه. وما هو هذا »الربح الأعظم«؟ الجواب: »معرفة المسيح يسوع ربّي« (آ8ب). ذاك هو الهدف الذي جعله الربُّ في »صلاته الكهنوتيَّة« كما نقرأها في إنجيل يوحنّا (ف 17): »الحياة الأبديَّة هي أن يعرفوك أنت الإله الحقّ وحدك، ويعرفوا يسوع المسيح الذي أرسلته« (يو 17: 3).

من أجل يسوع استعدَّ بولس أن يخسر كلَّ شيء »ويحسبه نفاية« (آ8ب). بما أنَّه يبحث عن »التبرير« (آ9)، فهو لا ينتظر أن يتبرَّر بأعمال الشريعة، بل بالإيمان، فلماذا الاستناد إلى الشريعة التي حسبها اليهود ربحًا؟ ماذا يطلب الرسول؟ »أعرف المسيح وقوَّة قيامته متشبِّهًا بموته« (آ10).

ج- اقتدوا بي

ماذا يختار المؤمنون في فيلبّي؟ أن يسيروا في خطى الرسول الذي يستند إلى الإيمان بالمسيح، أم أن يسيروا في خطِّ »الكلاب« و»عمّال السوء« و»أهل الختان الذين يشوِّهون الجسد؟« لا شكَّ في أنَّهم يختارون رسولهم بعد أن أحبَّهم وأحبُّوه. هل تسير جماعة فيلبّي باتِّجاه الصليب، أو يكون أبناؤها »أعداء صليب المسيح؟« (آ18). على مثل هؤلاء الناس يبكي الرسول: »أقول والدموع في عينيّ« (آ18). ما استطاع بولس يومًا أن يرضى بأن لا يكون إخوته، بنو قومه، بين التابعين ليسوع المسيح. قال في الرسالة إلى رومة: »كم أتمنّى من كلِّ قلبي، أيُّها الإخوة، خلاص بني إسرائيل، وكم أبتهل إلى الله من أجلهم« (رو 10: 1).

أوَّلاً، عندهم غيرة (آ2) شبيهة بغيرة الرسول، ولكنَّها غيرةٌ نقصتها المعرفة. اعتبروا أنَّهم يتبرَّرون بأعمال الشريعة، فكانوا جاهلين. ما أخذوا بطريق الله، فاختاروا طريقهم الخاصّ. وهكذا ضلُّوا الطريق. الهدف هو المسيح ولا هدف غيره. هو الطريق »التي تقود إلى الحقِّ والحياة« (يو 14: 6). وطريق الله لا يمكن أن تكون طريق البشر، ولا فكره فكرهم. كان الخلاص قريبًا من هؤلاء »اليهود«، والكلمة في متناول يدهم، ومع ذلك رفضوا أن يشهدوا ليسوع. أمّا بولس فاستطاع أن يسمع: »إذا شهدتَ بلسانك أنَّ يسوع ربّ، وآمنتَ بقلبك أنَّ الله أقامه من بين الأموات، نلتَ الخلاص« (آ9).

فماذا ينتظر أهل فيلبّي لكي يسيروا في خطى من نال الخلاص. هم عادَوا الربّ. وبولس عاداه، بل تفوَّق عليهم في معاداته. هم غيارى على الشريعة، وبولس أكثر غيرة منهم. فهو »من اضطهد الكنيسة« (3: 6). وهذه خطيئة يعترف بها مرارًا. قال: »لا أحسبُ نفسي أهلاً لأن أُدعى رسولاً، لأنّي اضطهدت كنيسة الله« (1 كو 15: 9). وكيف تمَّ التحوُّل؟ بواسطة النعمة التي نالها، وهي »نعمة لم تكن باطلة« (آ10). هذه النعمة مجّانيَّة، وكما نالها الرسول، يستطيع بنو قومه أن ينالوها. فيا ليت هؤلاء اليهود (أو: اليهومسيحيّين) يقتدون بذاك الذي كان مثلهم لكي يصبحوا مثله، فيحيوا من المسيح ويجاهدوا معه، لا أن يجاهدوا ضدَّه ويدمِّروا الرسالة الإنجيليَّة.

الخلاصة

تأتي الخلاصة في سؤالين: كيف يقتدون برسولهم؟ ولماذا يقتدون برسولهم؟ ما خاف الرسول من الموت، فقال: »الحياة عندي هي المسيح، والموت ربحٌ لي« (1: 21). استعدَّ أن يكون مع المسيح، في الحياة كما في الممات. وفي النهاية، اختار أن يواصل الرسالة: »أبقى بينكم لأجل تقدُّمكم وفرحكم في الإيمان« (آ25). ولماذا يقتدي أهل فيلبّي برسولهم؟ لأنَّه يقتدي بالمسيح، كما قال في الرسالة الأولى إلى كورنتوس (11: 1). وكيف بدا شخص المسيح؟ كان الغنيَّ فصار الفقير قبل أن يغتني من جديد. كان في صورة الله (2: 6)، فتنازل في درجة أولى فصار شبيهًا بالبشر، وفي درجة ثانية »اتَّخذ صورة العبد« (آ7). ولكنَّ »الله رفعه«، مجدَّه. وهو بدوره يمجِّد الذين ساروا معه فيجعلهم »يضيئون مثل الكواكب في العالم« (آ15).