قتل العداوة بصليبه وأزال الحواجز

 

بعد عشرين سنة ونيِّف على موت بولس الرسول، ما زالت المسائل هي هي. لا في ذلك الوقت فقط، بل في أيّامنا أيضًا. العداوة. من ليس من أهلي ومن قبيلتي ومن أصلي فهو عدوّي. لهذا قيل في القديم: أحبب قريبك وأبغض عدوَّك. يعني أنَّ من ليس قريبي يجب أن يكون عدوِّي. أستطيع أن أسلبه، أنهبه، آخذ له امرأته وأولاده. أستعبده، أجرُّه إلى آرائي وأفكاري إن لم أكن أستغلُّه. وإذا لم أستطع، أجعل حاجزًا بيني وبينه. هكذا بُنيَ سور الصين في الأزمنة القديمة. وسور مصر لردِّ الغزوات الآتية من آسية أو لإبعاد الجائعين في سنوات القحط والجفاف. وسور برلين الذي سقط والحمد لله. واليوم يُبنى سور في فلسطين. أسوار مادِّيَّة. والأسوار المعنويَّة أقوى بكثير. عنها تتكلَّم الرسالة إلى أفسس. فإذا بقيَت العداوة وارتفعت الحواجز، كيف يمكن أن تتوحَّد البشريَّة؟ وماذا يفعل الله وهو الذي أرسل »المسيح ليجمع في شخصه كلَّ ما في السماوات وما على الأرض« (أف 1: 10).

من هنا ننطلق لنتحدَّث عن رسالة وصلت إلى أفسس كما وصلت إلى كولوسّي ولاودكيَّة (كو 4: 16) وهيرابوليس وغيرها من المدن. فالصعوبات هي هي في الكنائس وفي كلِّ مجتمع، لهذا نقرأ هذه الرسالة اليوم ونفحص ضميرنا على ضوء ما يقول لنا بولس وتلاميذه بحيث ندخل »السر« العظيم الذي وصل إلينا فنكون كنيسة واحدة، هي جسد المسيح وهي من »ضحّى بنفسه لأجلها« (أف 5: 25).

1- البعيدون والقريبون

البعيد هو الذي لم يصل إليه ما وصل إليّ. والقريب هو من كان رأيُه مثل رأيي. ذاك  كان موقف اليهود في زمن المسيح وفي زمن بولس. البعيدون هم »الوثنيّون« أي الذين صوَّروا آلهتهم (أو: إلههم) وصنعوا لها التماثيل. ويفترقون عن اليهود على مستوى »اللحم« (لا الجسد الذي هو للقيامة): هم قلفة واليهود هم ختان. قام اليهود بعمليَّة صارت اليوم »عمليَّة طبيَّة« فنزعوا القلفة أو الغشاوة، أمّا الأمم الوثنيَّة فما نزعوا هذه الغشاوة. يا للفرق الكبير! لهذا هم بعيدون. ونقول اليوم كلُّ من لا يمارس ما نمارس فهو بعيد، فصرنا محور العالم ونسينا أنَّ الله هو أبو الجميع. وفي تاريخنا الشرقيّ، فرضنا على »الغريب« أن يلبس لباسًا يختلف عن لبسنا، كما منعناه من أمور احتفظنا بها لنفوسنا. ولا نقول شيئًا عن عالم الهند حيث لكلِّ مقاطعة تقاليدها. بل هناك ملايين من الذين لا يحقُّ لنا أن نلمسهم أو نقترب منهم. هم »سفالة«. والصراع بين »البيض« و«السود« حاضر في أذهاننا، في الولايات المتَّحدة، في أفريقيا الجنوبيَّة وفي مواضع أخرى. الحمد لله أنَّ الإيمان المسيحيّ خطا خطواتٍ واسعة، ولكنَّها ليست كافية إلى الآن. والمبدأ نادى به الرسول: لا عبد ولا حرّ، لا يونانيّ ولا بربريّ (كو 3: 11). والبربريّ هو الذي لا يتكلَّم اللغة اليونانيَّة! وبقدر ما يبتعد الإنسان عن العالم اليونانيّ يبتعد عن الحضارة. فذكر الرسول »الإسكوتيّين«، تلك القبائل البدويَّة التي أقامت شرقيّ نهر الفولغا (روسيّا)، الذين اعتُبروا آخر الناس.

وفي عالمنا العربيّ نلاحظ لفظ »عبد« تجاه »حر«. فالعبد هو الذي لون جسمه غير لون جسمنا. لهذا هو »الرقيق، المملوك من سيِّد بسبب مولده أو بالأسر أو بالبيع«، كما يقول القاموس العربيّ. ولهذا فالعبيد الذين »نشتريهم« في أيّامنا، يختلف لونهم عن لوننا. أما هم أيضًا على صورة الله ومثاله كما نحن؟ عنهم قيل في مجمع أورشليم الذي انعقد سنة 49-50: »نحن نؤمن أنَّنا نخلص بنعمة الربِّ يسوع كما هم يخلصون« (أع 15: 11). وقال الرسول: »نحن خليقة الله، خُلقنا في المسيح يسوع للأعمال الصالحة التي أعدَّها الله لنا من قبل لنسلك فيها« (أف 2: 10).

العبد بعيد والحرّ قريبٌ! كلاّ. الاثنان قريبان من الله. فمنذ إشعيا قال الربّ: »السلام للقريب والسلام للبعيد« (إش 57: 19). فالذي هو في أورشليم لا يفترق عن الذي يكون في أقاصي الأرض. اليونانيّ بعيد عن اليهوديّ، لأنَّه غير مختون! وبالتالي هو »مُبعَد عن رعويَّة إسرائيل، غريب عن عهود الموعد، لا رجاء له في هذا العالم ولا إله« (مثل إلهنا) (أف 2: 12).

ما هذا الكلام الذي نسمعه حتّى الآن؟ نحن نخلص. أمّا الآخرون فلا يخلصون. يجب أن يلحقوا بنا، أن يتبعونا، وإلاَّ هم هالكون لا محالة. ذاك ما قيل في المسيحيَّة: لا خلاص خارج الكنيسة. تركت الكنيسة هذا القول وعادت إلى كلام القدّيس بولس: »الله يريد أن يخلص جميع الناس ويبلغوا إلى معرفة الحق« (1 تم 2: 4). وقيل: »أفضل الناس عند الله هم أصحاب التقوى والعاملون بمشيئته«. وأعلن إشعيا أنَّه يكون للعبيد (للخصيان) اسمٌ أبديّ لا ينقطع ذكره، والغرباء يأتون إلى الجبل المقدَّس فيكونون عبيدًا لله (وعبّادًا) لا عبيدًا للناس (إش 56: 3-7). والذروة: »بيتي بيت صلاة لجميع الشعوب«.

كلُّ هذا تقدِّمه الرسالة إلى أفسس في توسُّع كبير، وذلك على ضوء ما حصل في أنطاكية: كان المؤمنون كلُّهم معًا حول المائدة الواحدة. ولمّا جاء أناس من أورشليم، تنحّى بطرس والذين معه وتركوا الآتين من العالم اليونانيّ وحدهم (غل 2: 11ي).

»واذكروا أنَّكم كنتم فيما مضى...« (أف 2: 13). أمّا الآن، فلم يَعُد لذلك من أثر. »ففي المسيح يسوع صرتم قريبين بدم المسيح بعدما كنتم بعيدين« (آ13). ما الذي يُبعد شخصًا عن شخص أو شعبًا عن شعب؟ الدم، الحرب، القتل. أمّا المسيح فما أراد أن يسفك دم الآخرين، بل سفك دمه من أجل البشريَّة جمعاء، التي ضمَّها ببسط يديه على الصليب. لا موضع بعدُ للسيف ولا للعنف، بل للودعاء والمتواضعين على مثال الربِّ الذي قال: »تعلَّموا منّي، أنا وديع ومتواضع القلب« (مت 11: 29).

وتواصلُ الرسالة: »فالمسيح هو سلامنا، جعل اليهود وغير اليهود شعبًا واحدًا وهدم الحاجز الذي يفصل بينهما« (آ14). من لا يتذكَّر الحواجز خلال الحروب. لا مجال للتحاور. الذين هم هناك لا يكونون مع الذين هم هنا. وفي النهاية، يصبح الحاجز »عداوة«. والعدوّ يجب أن يُقتَل. وكيف نُزيل الحواجز؟ بالحرب لكي نصل إلى السلام وأيُّ سلام؟ كانت الإمبراطوريَّة الرومانيَّة تقول: »إن شئت السلام فاستعدَّ للحرب«. وطرح أحدهم السؤال: »لماذا تنتظرون نهاية الحرب لتعقدوا معاهدة سلام؟ لماذا لا يكون تفاهم قبل الحرب؟« أمّا في المسيحيَّة، فالمسيح هو السلام. وكلُّ من يطلب الحرب، أيّا كان معتقده، لن يصل إلى السلام الحقيقيّ، السلام الذي يدوم. وهل يكون السلام لشعب دون شعب، والخير لفئة دون فئة؟

وكان الجواب: »جاء وبشَّركم بالسلام أنتم الذين كنتم بعيدين، كما بشَّر بالسلام الذين كانوا قريبين، لأنَّ لنا به جميعًا الوصول إلى الآب في الروح الواحد« (آ17-18). في الماضي »كنتم« ثمَّ »كانوا«. أمّا الآن فلا تمييز بعدُ، والعمل هو عمل الثالوث. فنهاية مسيرة كلِّ إنسان هي الآب الذي »أرسل ابنَه إلى العالم لكي يخلِّص به العالم« (يو 3: 17). وكلُّ هذا يتمُّ في الروح القدس، روح الآب والابن. إذا كان »الثالوث« هو عيلة الله الذي يستعدُّ أن يستقبل كلَّ الآتين إليه، فمن يحقُّ له أن يجعل هذا في حضن الآب، ويمنع ذاك عن السعادة؟ إذا كان الله لم يرسل ابنه »ليدين العالم« بل ليخلِّصه، فمن أنت أيُّها الإنسان؟

كان حاجز بين اليهوديّ واللايهوديّ: »شريعة موسى بأحكامها ووصاياها« (أف 2: 15). وألغاه يسوع بجسده الذي رُفع على الصليب »ليخلق في شخصه من هاتين الجماعتين إنسانًا واحدًا جديدًا«. لا موضع بعدُ للقديم. لا موضع بعد لجماعة تجاه جماعة، على مستوى الدين أو اللغة أو الطائفة. وقد وصلنا في المسيحيَّة إلى حواجز بين طائفة وطائفة: هناك مؤمنون وآخرون غير مؤمنين. هناك من يحتاجون إلى عمادٍ ثانٍ لأنَّ إيمانهم لم يكن »مستقيمًا«. يجب أن يدخلوا إلى طائفة ترتبط بفلان، لا إلى كنيسة المسيح الواحدة الجامعة المقدَّسة الرسوليَّة. كان خلاف، »فأحلَّ المسيح السلام بين فئة وفئة«. والربُّ نفسه جاء بهذه الطائفة وبتلك »فأصلح بينهما وبين الله بصليبه، فقضى على العداوة وجعلهما جسدًا واحدًا« (آ16).

لا رعايا عديدة، بل »رعيَّة واحدة« (آ19). لا كنائس عديدة بل كنيسة واحدة هي عروس المسيح، و«بيت الله« واحد هو. فلا بيوت عديدة وكأنَّ لكلِّ طائفة بيتًا خاصٌّا بها. فالسماوات العديدة تعني الآلهة العديدة. أمّا نحن فإلهنا واحد، وربُّنا واحد. ذاك ما نقرأ في الرسالة الأولى إلى كورنتوس: »وإذا كان في السماء أو في الأرض ما يزعم الناس أنَّهم آلهة... فلنا نحن إله واحد وهو الآب الذي منه كلُّ شيء وإليه نرجع، وربٌّ واحد وهو يسوع المسيح الذي به كلُّ شيء وبه نحيا« (1 كو 8: 5-6). ذاك هو السرُّ الذي أرادت الرسالة إلى أفسس أن تُدخلنا فيه.

2- سرّ المسيح، ذلك السرّ المكتوم

حين نتحدَّث عن السرِّ نعتبر أنَّنا أمام جدار لا يمكن تجاوزه. وهذا بشكل خاصّ، على مستوى الدين. نقول مثلاً: الثالوث الأقدس هو سرّ. إذًا، لا نفهمه. مثل هذا القول خطأ. فنحن أوَّلاً عرفنا الابن، الكلمة الذي صار بشرًا وسكن بيننا. والابن عرَّفنا إلى الآب: »من رآني رأى الآب«. وقال الإنجيل: »الله لم يرَهُ أحدٌ قطّ، ولكنَّ الابن الذي هو في حضن الآب قد أخبر عنه« (يو 1: 18). والروح القدس أرسله الآب، أرسله الابن منذ بداية الكنيسة. يُشبَّه بالريح العاصفة. هكذا فعل يوم العنصرة، ففتح الأبواب المغلقة وحطَّم النوافذ وأطلق الرسل في طرق البشارة. وشبِّه بنارٍ حلَّت على كلِّ واحد من الرسل وعلى جميع الحاضرين في العلِّيَّة. وهو لا يزالُ يحلُّ على كلِّ واحد منّا.

أجل، السرُّ ليس بجدار نرتطم به ونتراجع. بل هو بحر ننزل فيه ونغوص ونغوص. إلى هناك وصلت النفوس المتصوِّفة، غارت في عمق الله وغارت: امتلأ قلبها سعادة منذ الآن »مع أنَّ الصورة باهتة كما في مرآة« (1 كو 13: 12). قال الرسول: »اليوم أعرف بعض المعرفة، وأمّا في ذلك اليوم فستكون معرفتي كاملة كمعرفة الله لي« (1 كو 13: 12). تحدَّث العهد القديم عن »رؤية« الله في السحاب. هناك بعض النور وهناك بعض الظلمة. ويقول الرسول إلى أهل غلاطية: في الماضي كنتم تجهلون، »أمّا الآن فعرفتم الله، بل عرفكم الله« (غل 3: 9). وتواصل الكلام في الرسالة إلى أفسس: »أتوسَّل إلى الله... أن تدركوا مع جميع القدّيسين ما هو العرض والطول والعلوّ والعمق، وتعرفوا محبَّة المسيح التي تفوق كلَّ معرفة، فتمتلئوا بكلِّ ما في الله من ملء« (أف 3: 18-19).

إلى هذا السرّ أراد الرسول أن يدخلنا: سرّ المسيح. معه تبدَّل كلُّ شيء وفي عمله كان انقلاب في البشريَّة سيبقى حاضرًا حتّى نهاية العالم. السرّ هو أنَّنا كلَّنا عيلة الله الواحدة. ما من أحد يكون »خارج البيت« إلاَّ إذا هو أراد، كما فعل الابن الأكبر (لو 15: 28). فالمعرفة التي يتحدَّث عنها الكتاب لا تقف عند العقل والمنطق كما يحسب الناس في أيّامنا. المعرفة هي حوار بين القلب والقلب، بين العاطفة والعاطفة. المعرفة هي التصاق بالآخر واتِّحاد به. ذاك هو معنى العبارة: »الله عرفكم«. أتى إليكم، أحبّكم، اختاركم. اتَّحد بكلِّ واحد منكم اتِّحاد العريس بعروسه. فحين يقولون عن الرجل إنَّه عرف امرأته، فهم يعنون الاتِّحاد التامّ بين الاثنين. والرسول دعاه »سرٌّا« في الرسالة إلى أفسس: »لذلك يترك الرجل أباه وأمَّه ويتَّحد بامرأته فيصير الاثنان جسدًا واحدًا. هذا السرُّ عظيم، وأعني به سرَّ المسيح والكنيسة. فليحبَّ كلُّ واحد منكم امرأته مثلما يحبُّ نفسه، ولتحترم المرأة زوجها« (أف 5: 31-33).

منذ بداية الرسالة، دخلنا في السرّ »سرّ مشيئته« (أف 1: 9). وأنشد الرسول عمل الثالوث بالنسبة إلى البشر جميعًا، لا إلى فئة من الفئات، بحيث يسبِّح البشر كلُّهم مجده. فعبارة »لتسبيح مجده« تأتي في ثلاث محطّات في كلام عن الآب والابن والروح القدس. »تبارك الآب« الذي باركنا واختارنا وتبنّانا »لتسبيح مجده« (آ16). أو »تسبيح مجد نعمته« بعد أن نلنا ما نلنا من خلاص. وفي كلام عن الابن الذي »كان لنا فيه الفداء بدمه« (آ7) وغفران الخطايا. كلُّ ذلك »لتسبيح مجده« (آ13) بعدما »جعلنا رجاءنا من قديم الزمان في المسيح«. وفي كلام عن الروح القدس الذي »خُتمنا به« (آ13) كما وُعدنا. وهذا أيضًا »لتسبيح مجده« (آ14). وهو »عربون ميراثنا«.

سرٌّ ثالوثيّ دخلنا فيه. كان مكتومًا منذ الدهور (أف 3: 9). سرّ مخطَّط الله الأزليّ الذي تمَّ في يسوع المسيح وكشفته الكنيسة الآن بفضل خدمة الرسول. »بإمكانكم إذا قرأتم ذلك أن تعرفوا كيف أفهم سرّ المسيح، هذا السرّ الذي ما كشفه الله لأحد من البشر في العصور الماضية، وكشفه الآن في الروح القدس لرسله وأنبيائه القدّيسين« (أف 3: 4-5). كيف عرف بولس هذا السرّ؟ هل تفوَّقت معرفتُه على معرفة الآخرين؟ بل هو شابه بطرس حين أعلن أنَّ يسوع هو »المسيح ابن الله« (مت 16: 16). قال له الربّ: »ما كشف لك أحد من البشر هذه الحقيقة، بل أبي الذي في السماوات« (آ17). هي نعمة مجّانيَّة. وكذا نقول عن بولس: »كَشف لي (الربّ) سرَّ تدبيره بوحي« (أف 3: 3). فالرسول كرسول عرف هذا »السر« وأوصله إلى المؤمنين أو إلى الذين سوف يؤمنون على يده. الجميع هم مدعوّون. فلا تمييز بين »البسطاء« و«الكاملين«. فمنذ إرميا النبيّ نسمع الربَّ يقول: »أجعلُ شريعتي في ضمائرهم وأكتبُها على قلوبهم... فلا يعلِّم بعدُ واحدُهم الآخر، والأخ أخاه، أن يعرف الربّ. فجميعهم من صغيرهم إلى كبيرهم سيعرفونني« (إر 31: 33-34).

ماذا يتضمَّن هذا السرّ؟ أربعة أمور: دعوة الأمم الوثنيَّة إلى الخلاص؛ المصالحة بين اليهود والأمم بعد أن صارت الفتئان جسدًا واحدًا. وحدة المسيح وكنيسته في صورة بشريَّة، صورة الزواج. وأخيرًا، سلطان المسيح على الكون كلِّه. هذا ما يدخلنا في سرِّ الكنيسة التي هي عيلة الله على الأرض كما الثالوث عيلة الله في السماء.

3-  بين المسيح والكنيسة

حين قرأنا رسائل بولس إلى رومة أو كورنتوس أو غلاطية، عنت الكنيسة جماعة أو جماعات مسيحيَّة في مدينة أو منطقة محدَّدة. كدت أقول رعايا تنضمّ بعضها إلى بعض. ولكن في الرسالة إلى أفسس كما إلى كولوسّي، اتَّخذ لفظ الكنيسة مفهومًا آخر. الكنيسة هي جماعة المؤمنين في كلِّ مكان. والرسول ينظر إليها من جهة المسيح. هو رأسها وهي جسده. هو يهتمُّ بها ويعتني ويضحّي بنفسه من أجلها لكي تكون مقدَّسة ولا عيب فيها.

جاء الحديث عن الكنيسة هنا في معرض الكلام عن الزواج: علاقة الرجل بالمرأة وعلاقة المرأة بالرجل: خضوع متبادل أوَّلاً، ثمَّ خضوع من جهة ومحبَّة وتضحية من جهة أخرى. ما الذي يُسند الخضوع؟ المحبَّة. فبدونها لا علاقة بين الرجل والمرأة. وينبغي هنا أن نقرأ هذا التوازي بين الخضوع والحبّ على أنَّه واجب على المرأة والرجل. فهي تحبُّ وتضحّي والرجل يحبُّ ويضحّي. وهي تخضع وهو يخضع أيضًا. فإن عدنا إلى مبدأ الخضوع والطاعة لأنَّ الرجل هو الأقوى، توقَّفنا عند عالم الخطيئة منذ البدء: »إلى زوجك يكون اشتياقك وهو عليك يسود« (تك 3: 16). هذا يعني أنَّنا لم نخرج من تفكير العهد القديم الذي ما زال ساريًا في أيّامنا. الرجل رأس المرأة إذًا هو السيِّد المطاع والقائد الذي يوجِّه الأمور كلَّها. ونتذكَّر الجدال المبنيّ على صُوّر لها معناها العميق، لا السطحيّ. يعود البعض إلى سفر التكوين أيضًا حيث المرأةَ »تولد« من الرجل، من ضلع الرجل، والمعنى الأساسيّ أنَّها جزء منه والقريبة إلى قلبه. ولكن جاء من يقول: إذًا، المرأة هي من الرجل وهو الأوَّل. بدَّل بولس هذا المنطق: »في الربِّ لا تكون المرأة من دون الرجل، ولا الرجل من دون المرأة« (1 كو 11: 11). كلاهما على صورة الله ومثاله. وردَّ على براهين قديمة: إذا كانت المرأة من الرجل (تك 2: 21-22). »فالرجل تلدُه المرأة« (1 كو 11: 12). وينهي: »والكلُّ من الله«. فالمبدأ البولسيّ الأساسيّ واضح: لا رجل ولا امرأة كما سبق وقلنا: لا عبد ولا حرّ. لا يونانيّ ولا عبرانيّ.

في خلفيَّة النظرة إلى الكنيسة، فلسفة يونانيَّة نادى بها الرواقيّون (كانوا يجتمعون عند رواق من أروقة المعبد في أثينة) الذين اعتبروا الكون مدينة أو قرية. »كلُّهم من أصل واحد« (أع 17: 26). وكما في المدينة الواحدة يتشارك الأعضاء، كذلك يكون الأمرُ في العالم. وشبَّهوا المجتمع بجسد له أعضاء مختلفة. أخذ بولس هذه الصورة وطبَّقها على كنيسة كورنتوس (1 كو 12: 12-26) وانتهى إلى القول: »فأنتم جسدُ المسيح وكلُّ واحد منكم عضو منه« (آ27).

أمّا الخلفيَّة الأعمق فهي أقوال الأنبياء بدءًا بهوشع وصولاً إلى إرميا وحزقيال وإشعيا. انطلق هوشع من حياته مع جومر امرأته، فتكلَّم على حياة الربِّ مع شعبه: الله هو العريس والشعب هو العروس. قال الربُّ بلسان نبيِّه: »لذلك سأفتنها وأجيء بها إلى البرِّيَّة وأخاطب قلبها... فتخضع لي هناك كما في صباها وفي يوم صعودها من أرض مصر... تدعوني زوجي... وأقطع لها عهدًا... وأتزوَّجكِ إلى الأبد، أتزوّجك بالصدق والعدل والرأفة والرحمة، أتزوَّجكِ بكلِّ أمانة، فتعرفين أنّي أنا الرب« (هو 2: 16-22). ويقول إرميا في الخطِّ عينه متوجِّهًا إلى »عروسه«، إلى جماعته المؤمنة: »أذكرُ مودَّتكِ في صباك، وحبَّك يوم خطبتك« (إر 2: 2). وقال إشعيا: »زوجُك خالقُك، اسمه الربُّ القدير«، ربُّ الأكوان (إش 54: 5). أمّا حزقيال فصوَّر لنا مسيرة العروس إلى عريسها في كلام نقرأه هنا في الرسالة إلى أفسس. قال: »نمَوتِ وكبرتِ وبلغتِ سنَّ الزواج... مررتُ.. دخلتُ معك في عهد فصرتِ لي. فغسلتك بالماء ونقَّيتك... وألبستُكِ ثوبًا مزخرفًا وجعلت الجلد الفاخر نعلاً لك والكتّان وشاحك والحرير كسوتك. زيَّنتك بالحليّ، ووضعتُ أساور في يديك...« (حز 16: 7-11).

ذاك هو كلام الرسول عن الكنيسة وعلاقتها بالربِّ يسوع. »قدَّسها« أي فصلها عن العالم لكي تكون له ولا تخونه، لا في شخصها بل في أولادها الذين يمكن أن يعبدوا غير الله. ثمَّ »طهَّرها بماء الاغتسال«. هكذا تستعدُّ العروس للزواج. ولكن هنا، المسيح هو الذي طهَّرها، غسلها، وذلك في ماء العماد. فحين يعتمد المؤمن يعلن »الكلمةَ«، يعلن إيمانَه، ويواظب على هذا الإعلان مهما كانت الظروف والأخطار. بعد كلِّ هذا الحبّ »زفَّها الربُّ إلى نفسه كنيسة مجيدة لا عيب فيها ولا تجعُّد ولا ما أشبه ذلك، بل مقدَّسة لا عيب فيها« (أف 5: 27). وما توقَّف العمل في بداية الطريق، بل تواصل الاهتمام والعناية. فبعد العماد هناك الإفخارستيّا، فكما الشعب الأوَّل احتاج إلى الطعام والشراب في مسيرته عبر البرِّيَّة (المنّ، الماء)، كذلك الربّ يسوع: »يغذّي جسده (أي كنيسته) ويعتني به، كما يعتني بكلِّ واحد منّا لأنَّنا أعضاء جسده« (آ29).

المرأة أمٌّ والكنيسة أمّ. والأمُّ تهتمُّ بأولادها بحيث يسيطر الحبُّ بينهم والسلام. اعتبر اليهود أنَّهم وحدهم شعب الله. أفهمتهم الكنيسة أنَّ البشريَّة كلَّها شعب الله. هم قريبون من الله لأنَّهم عرفوه. لا بأس. ودورهم أن يستقبلوا البعيدين. فبالإيمان والمعموديَّة صرنا كلُّنا قريبين من الله. ظنَّ اليهود أنَّهم وحدهم أهل البيت، فبيَّنتْ لهم الكنيسةُ أنَّ بيت الله واسع ليستقبل الآتين إليه، شرط أن يكون فيه نور يُرى من البعيد »فيستنير به الداخلون« (لو 8: 16). ولكنَّ المؤمنين الأوائل، ونحن أيضًا مثلهم حين يأتي »غريب« إلى كنيستنا، نسمع كلام الرب: »تغلقون ملكوت السماوات في وجوه الناس، فلا أنتم تدخلون ولا تتركون الداخلين يدخلون« (مت 23: 13). هل يدخل الأسود مع الأبيض ويجلسان الواحد قرب الآخر؟ هل تكون السيِّدة بجانب الخادمة وتصلِّيان معًا؟ والغنيّ مع الفقير؟ أم نسمع كلام يعقوب أخي الربّ: »الفقير يبقى واقفًا (في كنائسنا، عند الباب)، أمّا الغنيّ »فيجلس في صدر المكان« (يع 2: 2-3).

والكنيسة راعية على مثال عريسها الراعي الذي يعرف خرافه وخرافه تعرفه. وهنا نعود إلى حزقيال الذي تكلَّم بفم الربِّ فقال: »أنا أرعى غنمي، وأنا أعيدها إلى حظيرتها، فأبحث عن المفقودة، وأجبر المكسورة، وأقوّي الضعيفة، وأحفظ السمينة والقويَّة، وأرعاها كلَّها بعدل« (حز 34: 15-16). ولماذا اتَّخذ الله المبادرة، لأنَّه رأى المسؤولين في شعبه »يرعون أنفسهم« لا الخراف. »يأكلون اللبن ويلبسون الصوف ويذبحون الخراف« (آ2-3). هم لا يُقوُّون الضعيفة ولا يداوون المريضة، ولا يجبرون المكسورة، ولا يردُّون الشاردة، ولا يبحثون عن المفقودة. وينتهي حكم الربّ: »تسلَّطتم على الخراف بقسوة وعنف فتبعثرت من غير راعٍ وصارت مأكلاً لكلِّ وحوش البرِّيَّة« (آ5).

الخاتمة

قالوا: الكلمة التي توجز الرسالة إلى أفسس هي »السر«. هذا البحر الذي ندخل فيه ونغوص، سرّ الثالوث الأقدس، الآب والابن والروح القدس، تلك العيلة التي نُدعى للدخول فيها فنكون أبناء وبنات مع الابن الوحيد. هذا السرّ بقي مكتومًا وكُشف في يسوع المسيح الذي حقَّقه بدمه على الصليب وبقي على الكنيسة أن تعلنه للبشر، لا لفئة من الفئات ولا لشعب من الشعوب. تعلنه للبعيدين والقريبين، للغرباء ولأهل البيت. فمتى كان الله إلهنا وحدنا، لا إله الكون كلِّه؟ مثل هذا الإله يصبح »صنمًا« كما في الأيّام القديمة حيث كان للعمّونيّين إلههم والأدوميّين أيضًا والآراميّين. ونحن اليوم، كلُّ طائفة لها إلهها، وكلُّ طائفة لها مسيحها، وهكذا مزَّقنا المسيح كما قالت رسالة يوحنّا الأولى.

والعلاقة بين المسيح والكنيسة سرّ، حيث تخضع الكنيسة لرأسها ويبذل الرأس حياته من أجل الجسد، من أجل الأعضاء، من أجل كلِّ واحد منّا بعد أن »أفاض غنى نعمته«. في هذه الكنيسة لا تمييز، لا محاباة الوجوه. كلُّنا إخوة وأخوات. هل نقبل أن ندخل في هذا السرّ، أم نبقى في الخارج ونكون مسيحيّين بحسب »إنجيل خاصٍّ بنا«؟

والزواج سرٌّ فيه الخضوع والحبُّ وبذل الذات. هو عقدٌ على المستوى البشريّ، وكلُّ عقد يمكن أن يحلّ: أمّا في المسيح فهذا »العقد« يشبه العقد بين الله وشعبه، بين المسيح وكنيسته. هو عقد يصل إلى الموت بل يتعدَّاه لأنَّ »الحبَّ أقوى من الموت« كما قال نشيد الأناشيد.

والحياة العائليَّة سرٌّ حيث الأولاد يطيعون والديهم وحيث الوالدون يراعون أولادهم »فيربّونهم حسب وصايا الربّ وتأديبه« (أف 6: 1-4). وحيث يتآخى الأسياد والعبيد فيطيع العبيد (والخدم) أسيادهم »كما يطيعون المسيح« (آ5). ويعرف الأسياد أنَّ الله هو سيِّدهم وسيِّدُ العبيد »وهو لا يحابي الوجوه« (آ9).

والحياة المسيحيَّة كلُّها سرّ نعيشه في الربِّ فنعرف أيَّ سلاح نأخذ: لا الدرع والترس والسيف والخوذة والسهام، بل إيمانًا نطفئ به جميع سهام الشرّير المشتعلة« فننال الخلاص بالروح الذي هو كلام الله«.

لا حرب بعد اليوم، لا عداوة ولا حواجز في كنيسة الله، بين المؤمنين واللامؤمنين، ذاك هو السرّ الذي دخلنا فيه ونعيشه »إلى أن تكتمل الأزمنة فيجمع الله في المسيح يسوع كلَّ ما في السماوات وما في الأرض« (أف 1: 10).