أيُّها الغلاطيّون الأغبياء

 

بهذا الكلام القاسي توجَّه بولس الرسول إلى هؤلاء المؤمنين المقيمين في غلاطية، وهي منطقة جبليَّة تحيط اليوم بالعاصمة التركيَّة، أنقرة. هؤلاء الذين أتوا من بلاد »غاليا« أي فرنسا القديمة واعتادوا على ممارسات قاسية في أجسادهم، حنُّوا للعودة إلى الختان، وبعد أن اعتمدوا في المسيح أرادوا عودة إلى موسى بعد أن جاءهم أناس بشَّروهم »بخلاف« ما بشَّرهم بولس. فالرسول حدَّثهم عن الحرِّيَّة، حدَّثهم عن الشموليَّة، لا عن الانغلاق بحيث يكون حاجز بين الرجل والمرأة، بين اليهوديّ والوثنيّ، بين العبد والحرّ. قال لهم: »كلُّكم واحد في المسيح يسوع« (غل 3: 28). أمَّا الذين أتوا وراء بولس فنبَّهوهم: تأكلون من هذا الطعام وتمتنعون عن ذلك مع أنَّ كلَّ ما خلقه الله حسن ونحن نأكله بالشكر. قالوا لهم: هناك أيّام وأيّام، وكأنَّ يومًا يأتي من عند الربِّ وآخر يأتي من عند الشيطان. بدا الغلاطيّون راجعين إلى الوراء، فاستحقُّوا لوم المسيح: هم لا يصلحون لملكوت الله (لو 9: 61). كم هم أغبياء! (غلا 3: 1). أزمة كبيرة جدٌّا تعيشها هذه الكنائس: هل هناك إنجيل آخر تجاه الإنجيل؟ من أجل هذا كتب الرسول حوالى سنة 55 ويبدو أنَّه كان في أفسس.

1- إن بشَّركم أحد بإنجيل آخر

الخطر يحيق بهؤلاء المؤمنين الجدد الذين يدعوهم بولس »أبنائي الصغار« (غل 4: 19). من أين يأتي هذا الخطر؟ من المسيحيّين المتهوِّدين؟ أي الذين يريدون أن يحافظوا على الممارسات اليهوديَّة، كما يريدون أن يفرضوا هذه الممارسات على الآتين من العالم الوثنيّ. هذا ما نعرفه أوَّلاً من سفر الأعمال. فهم يقولون: »لا خلاص لكم إلاَّ إذا اختتنتم على شريعة موسى« (أع 15: 1). هم يشبهون الكثيرين في أيّامنا الذين يفرضون ممارسات وعادات وكأنَّها من صلب الإيمان، بينما هي تحجِّرُ الإنسانَ ولا تطلقه في حرِّيَّة الإنجيل. أمّا الرسول فقال: »إن بشَّركم أحد بغير ما بشَّرناكم، ولو كان ملاكًا من السماء، فليكن ملعونًا، محرومًا« (غل 1: 8). أي لا تحلُّ عليه بركة الله ويُقطَع من جسم الكنيسة. وعاد الرسول وشدَّد: قلت وأقول: ليكن محرومًا.

والخطر الأكبر هو »الحذر« تجاه الرسول: أراد أن يرضي الناس، هكذا قالوا. سهَّل عليهم الأمور. خفَّف، بل ألغى ممارسات تُقرأ في الكتاب المقدَّس فردَّ الرسول: »إن كنت أطلب رضا الناس فلست عبدًا ليسوع المسيح« (آ10) أتظنُّون أنّي أستعطف الناس لكي يسيروا ورائي. أمامي فقط يسوع المسيح ويسوع المصلوب. فهو وحده من أريد أن أرضي. لأنَّه »ضحّى بنفسه من أجل خطايانا لينقذنا من هذا العالم الشرّير« (آ4).

أ- بولس الرسول

منذ البداية وقبل أن يحيّي المؤمنين، كما اعتاد أن يفعل في الرسائل، أعلن بولس أنَّه رسول يسوع المسيح. من دعاه إلى الرسالة؟ الناس؟ كلاّ. سبق وقال إنَّه لا يحتاج إلى رسائل توصية كما يطلب بعض الذين يريدون رسولهم على قياسهم. أنا رسول »بدعوة من يسوع المسيح والله الآب« (آ1).

من أين لبولس الرسالة وهو الذي لم يعرف المسيح بالجسد؟ وهل معرفة المسيح بالجسد تكفي للخلاص؟ والذين رافقوه في طرقات الجليل والسامرة واليهوديَّة، هل آمنوا به؟ قال عنهم يوحنّا: »ما أعلنوا إيمانهم مسايرة للفرّيسيّين، لئلاَّ يُطرَدوا من المجمع« (يو 12: 42). وكيف تكون معرفة يسوع الحقيقيَّة؟ قال بولس عن نفسه: »أعرف المسيح وأعرف القوَّة التي تجلَّت في قيامته وأشاركه في آلامه وأتشبَّه به في موته« (فل 3: 10).

فكما الربُّ ظهر للرسل بعد قيامته وأرسلهم ليتلمذوا جميع الأمم (مت 28: 19)، كذلك أرسل بولس وأخبر حنانيا بذلك: »اخترتُه رسولاً لي يحمل اسمي إلى الأمم والملوك وبني إسرائيل، وسأريه كم يجب أن يتحمَّل من الآلام في سبيل اسمي« (أع 9: 15-16).

أجل، بدأ الرسول ودافع عن نفسه: كان ذاك المضطهد (غل 1: 13) قبل أن يختاره الله. وهذا الاختيار ليس وليد الساعة، بل إنَّ يسوع وضع عينيه عليه منذ طفولته. قال: »ولكنَّ الله بنعمته اختارني وأنا في بطن أمّي فدعاني إلى خدمته... وشاء أن يعلن ابنه فيَّ لأبشِّر به بين الأمم (آ15-16).

ويُطرَح السؤال: أين تعلَّم بولس تعليم المسيح؟ هل استغنى عمّا عرفه التلاميذ خلال ثلاث سنوات تقريبًا؟ هل علَّمه يسوع مباشرة بحسب ما قال: »فاعلموا، أيُّها الإخوة، أنَّ البشارة التي بشَّرتكم بها غير صادرة عن البشر، فأنا ما تلقَّيتها ولا أخذتها من إنسان، بل عن وحي من يسوع المسيح« (آ11-12). لا شكَّ في أنَّ يسوع هو المعلِّم الأكبر. »أحرق« قلب الرسول وهو في طريقه إلى دمشق، رفعه إلى السماء الثالثة وأسمعه كلامًا ساميًا (2 كو 12: 2-4). وانطلاقًا من هذه الخبرة الأساسيَّة، كتب لنا من الرسائل ما كتب، بيده أو بيد تلاميذه. لكنَّنا نفهم أيضًا من كلام الرسول أنَّه لم يبشِّر حالاً بالإنجيل، بعد اهتدائه، بل مضى إلى بلاد العرب، وهو ما يقابل حوران في جنوب سورية وشرقيّ نهر الأردنّ، حيث كان الإنجيل انتشر بسرعة كبيرة في أراضٍ قريبة من فلسطين. هناك تعلَّم الرسول مثلاً ممارسة الإفخارستيّا، وهو الذي كتب عنها قبل الأناجيل بعشرين وثلاثين سنة (1 كو 11: 23-27). وسمع في تلك الجماعات »العربيَّة« شهادات الذين تراءى لهم الربُّ بعد قيامته. فبولس تلقّى البشارة من الكنائس التي عاش فيها قبل أن يحمل هذه البشارة. هذا يدلُّ على أهمِّيَّة كلِّ كنيسة، كلِّ رعيَّة، في إيصال البشارة للآتين من الخارج.

ب - يدعو الجميع إلى الخلاص

لا حاجز بعد اليوم بين »يهود بالولادة« و»أمم خاطئين« (غل 2: 15). ما هذا الكلام الذي يحمل الكبرياء والعجرفة ويفصل المؤمن عن المؤمن؟ أنا معمَّد وأنت معمَّد، فأيُّ فضل لك عليَّ؟ هل أنت مؤمن من الدرجة الأولى وجارك مؤمن من الدرجة الثانية؟ أنت مختون! ماذا يزيد ختانك على إيمانك؟ لا شيء. أنت غير مختون، فماذا ينقص إيمانك؟ لا شيء. وسأل الرسول: »هل نحن اليهود أفضل عند الله من اليونانيّين؟ كلاّ. فاليهود واليونانيّون خاضعون جميعًا لسلطان الخطيئة« (رو 3: 9)، وبالتالي يحتاجون كلُّهم إلى الخلاص بيسوع المسيح. فما يبرِّر المؤمن ليس هذا العمل أو ذاك. ليس »العمل بأحكام الشريعة« بل »الإيمان بيسوع المسيح«.

في هذا الإطار نفهم حادثة أنطاكية كما رواها بولس في هذه الرسالة: المؤمنون كلُّهم، سواء جاؤوا من العالم اليونانيّ أو من العالم اليهوديّ، متَّكئون إلى المائدة الواحدة، ومعهم بطرس ومرافقوه، وبرنابا وبولس. من أجل عشاء المحبَّة، أغابي. وبعده يأتي الاحتفال بعشاء الربّ، بالإفخارستيّا. »لا فرق بين يهوديّ وغير يهوديّ« (غل 3: 28). ولكنَّ هذا الاجتماع مهدَّد: »قبل أن يجيء قوم من عند يعقوب أخي الربّ، الذي لبث أمينًا للممارسات اليهوديَّة«، كان بطرس يأكل مع غير اليهود. فلمّا وصلوا (= جماعة يعقوب) تجنَّبهم (= غير اليهود) وانفصل عنهم خوفًا من دعاة الختان« (غل 2: 12). هو الخوف يسيطر. هو الحياء. هو المسايرة في قضيَّة هامَّة من قضايا الإيمان. الانشقاق داخل الكنيسة، داخل الجماعة الواحدة بسبب علامة في الجسد! هو الرياء والخبث: في الخارج نحن معًا، ولكن حين تتبدَّل الظروف نتبدَّل نحن. الرياء. كلمة قاسية وصف بها يسوع الفرّيسيّين: يقولون ولا يفعلون (مت 23: 3). قال بطرس في »مجمع« أورشليم: »ما فرَّق (الله) بيننا (نحن اليهود) وبينهم (= أي الوثنيين) في شيء... خصوصًا ونحن نؤمن أنَّنا نخلص بنعمة الربِّ يسوع كما هم يخلصون« (أع 15: 9، 11). فما الذي جرى هنا؟ انفصل بطرس، »وجاراه سائر اليهود في ريائه، حتّى إنَّ برنابا نفسه انقاد إلى ريائهم« (غل 2: 13).

هذا أمرٌ لم يقبل به بولس. وهي طريق غير مستقيمة حيث 'التمييز يدمِّر الكنيسة تدميرًا. كنيسة للبيض وكنيسة للسود، كنيسة لأهل البلد وكنيسة للأغراب. والغريب عن الرعيَّة يبقى غريبًا. والغريب عن الطائفة يكون في الدرجة الثانية، هذا إذا أعطيَت له درجة. حين نتصرَّف هكذا نفعل مثل »الوثنيّين« بآلهتهم المتعدِّدة، لا مثل المؤمنين بالإله الواحد حيث الجميع إخوة وأخوات في عناية أب واحد، هو أبو ربِّنا يسوع المسيح.

رسالة بولس رسالة الانفتاح لا الانغلاق. أُرسل أوَّل ما أُرسل إلى اليونانيّين، إلى الأمم، وهو لن ينجح لدى اليهود الذين سوف يلاحقونه حتّى نهاية حياته. وهو روى عن نفسه ما رأى في رؤيا: »قال لي الربّ: »هيّا، سأرسلك إلى البعيد، إلى الأمم الوثنيَّة« (أع 22: 21). مكانك ليس في أورشليم، »قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها« (مت 23: 37)، بل في أنطاكية، تلك المدينة التي تضمُّ كلَّ الأعراق والشعوب، وتدعو المؤمنين كلَّهم »مسيحيّين« (أع 11: 26)، نسبةً إلى يسوع المسيح، لا نسبة إلى أحد آخر، إذ »ما من اسم آخر في السماء وهبه الله للناس نقدر به أن نخلص« (أع 4: 12).

اختار بولس طريق الإيمان وترك ممارسات الشريعة اليهوديَّة من أجل المسيح المصلوب »من أجلنا ومن أجل خلاصنا«. فمن اختار أن يتبرَّر بأعماله من ختان وامتناع عن أطعمة وممارسات أخرى، جعل موتَ المسيح بدون فائدة. أمّا من يقبل أن يبرِّره المسيح بحيث لا يحسب نفسه قادرًا على تخليص نفسه بنفسه، فهذا يدلُّ على أنَّ موت المسيح أثمر فيه. »مع المسيح صلبتُ، فما أنا أحيا بعدُ، بل المسيح يحيا فيَّ. وإذا كنتُ أحيا الآن بالجسد، فحياتي هي في الإيمان بابن الله الذي أحبَّني وضحّى بنفسه من أجلي« (غل 2: 20-21).

2- أمام المسيح المصلوب

الصليب حاضر وحاضر بكثافة في الرسالة إلى غلاطية، وذلك تجاه الشريعة. بالصليب وحده نخلص. وذاك ما فهمه بولس على طريق دمشق: هو لا يضطهد المسيحيّين، بل يضطهد يسوع المسيح الذي لا يزال حاضرًا يحمل كلَّ صليب، ويموت في كلِّ شهيد، ويُضطهد في كلِّ مضطهَد. العالم يرفض الصليب ويحسبه جهالة، كما يرفض الإنجيل بما هو إنجيل، فينتزع منه الأساس وهو أنَّ هذا المصلوب هو ابن الله. فكيف يتجاسر بعض كتّابنا فيقوموا بتدوين »إنجيل خامس« يعارض الأناجيل الأربعة، ويعلنون منذ البداية أنَّ يسوع هو إنسان من الناس وحسب؟ وهنا يجيب المزمور: ماذا يصنع لي الناس؟ وماذا يصنع لي يسوع إن لم يكن الله وابن الله؟ حينئذٍ يتردَّد كلام اليهود: »لا يقدر أن يخلِّص نفسه فكيف يقدر أن يخلِّص البشر؟«

أ- أنا أفتخر بصليب ربِّنا

نظرة بولس غير نظرة العالم. من يفتخر بالصليب إلاَّ المجنون؟ ولمن كان الصليب؟ للصوص الكبار، للقتلة، للعبيد، للخوَنة. ونضع يسوع بين هؤلاء؟! في الواقع، هو وضع نفسه هناك: صُلب بين لصَّين وما استحى من ذلك. وفي هذا قال الرسول للغلاطيّين: »ارتسم المسيح أمام عيونكم مصلوبًا« (غل 3: 1). فلا نبحث عن صورة أخرى. مثلاً، صورة المسيح الممجَّد الذي لا يمرُّ في الآلام. كأن يُرفَع إلى السماء بقدرة إلهيَّة، كما تصوَّروا صعود إيليّا في تلك المركبة الناريَّة. فهل اللحم والدم يرثان الملكوت؟ (1 كو 15: 50). كلاّ. فاللافاني فينا هو الذي يرث الملكوت بعد أن مات الموت على صليب الربّ.

لماذا راح الغلاطيّون في خطِّ التعليم الجديد الذي حمله المتهوِّدون؟ لأنَّه أسهل على الفهم. ما هذا الإله الذي يصير إنسانًا ويُصلَب ويكون صليبه مرفوعًا في كلِّ مكان؟ هذا مستحيل. أو أنَّ الذي صُلب لم يكن الربَّ يسوع، بل »يهوذا« (يوضاس) الذي أخذ صورته، فحسب الناس أنَّ يسوع صُلب. أخطأ الناس، شُبِّه لهم ذلك كما قالت الهرطقات منذ القديم. فيسوع ما أخذ جسدًا، بل تظاهر. أو يسوع ما كان ابن الله، كما قال أريوس، بل خليقة سامية من الخلائق، كما يقول اليوم شهود يهوه.

أمّا الإيمان فواضح. ذاك الذي في الجسد هو من نسل داود. هو إنسان. وهو ابن الله الذي برزت قدرته حين قام من بين الأموات. ذاك هو »ربُّنا يسوع المسيح« (رو 1: 3-4). فلماذا البحث عن مسيح آخر؟ لأنَّ الصليب يشكِّل عثرة لنا كما كان للرسل الذين رافقوا يسوع. بعد أن اعترف بطرس بيسوع أنَّه المسيح ابن الله الحيّ، وسمع الإنباء الأوَّل بالآلام، انفرد بيسوع وعاتبه: »حاشا لك يا ربّ أن تلقى هذا المصير!« (مت 16: 22). وبدا بطرس »شيطانًا« لأنَّه يحاول أن يعيق مسيرة الخلاص.

واليهود في غلاطية، والذين تبعوهم، يحاولون أن يُزيلوا عثار الصليب. يعتبرونه أنَّه غير موجود. يُبعدونه عن نظرهم مع أنَّ فيه خلاصهم. لهذا، يعودون إلى الممارسة اليهوديَّة والتفكير اليهوديّ، لئلاَّ يُضطهدوا. فالمعروف أنَّ الديانة اليهوديَّة كانت مقبولة لدى السلطة الرومانيَّة، بحيث لا يُفرَض على اليهوديّ أن يشارك في عبادة الأصنام، شأنه شأن جميع الخاضعين للسلطة الرومانيَّة. واليهوديّ أيضًا كان معفًى من خدمة الجيش مع الآخرين لأنَّه لا يستطيع أن يشارك الوثنيّين في طعامهم. فلماذا لا يكون »المسيحيّ« يهوديٌّا، أقلَّه بالاسم فينعم بمثل هذه الامتيازات؟

قال الرسول للغلاطيّين: تأخذون بهذه الطريق »لئلاَّ تُضطهدوا لأجل صليب المسيح« (غل 6: 12). هم يهربون. يأخذون الطريق السهلة والباب الواسع، مع أنَّ الربَّ قال: »ادخلوا من الباب الضيِّق. فما أوسع الباب وأسهل الطريق المؤدِّية إلى الهلاك، وما أكثر الذين يسلكونها. لكن، ما أضيق الباب وأصعب الطريق المؤدِّية إلى الحياة، وما أقلَّ الذين يهتدون إليها« (مت 7: 13-14).

أمّا بولس فأخذ الباب الضيِّق. ما افتخر بيهوديَّته وهو الفرّيسيّ المتزمِّت، وما تعلَّق بالشريعة فاستعدَّ للموت من أجلها، بل افتخر بالصليب وما افتخر إلاَّ به. مرَّة أجبروه على الافتخار، فافتخر أنَّه عبرانيّ، إسرائيليّ، من ذرِّيَّة إبراهيم (2 كو 11: 22) ولكنَّه قال: »كلامي كلام جاهل«. »فأنا أفتخر بضعفي« (آ30). فالمسيح بضعفه على الصليب خلَّص العالم، وهكذا يكون الرسول الذي اعتبر نفسه »مصلوبًا« (غل 5: 24). فإذا أراد أن يرافق المسيح في مجده يجب أن يرافقه في عاره. وإذا أراد أن يكون مع يسوع في القيامة، يحمل الصليب ويرافقه إلى الموت على الجلجلة.

وماذا يصلب الرسول؟ الأهواء والرغبات. أصلبُ بغضي. أصلب بحثي عن المال وطمعي على إخوتي وأخواتي. أصلب روح الزنى والحسد والخصومة. وحين يصلب المؤمن اللحم والدم فيه، العنصرَ البشريّ، يكون مصلوبًا بالنسبة إلى العالم وبالتالي يحرَّر من عبوديّاته التي صارت له بعد اليوم موتًا. حين نهرب من الصليب، نطلب الطمأنينة والهدوء، نترك أهواءنا تسير بنا كما تشاء وتستعبدنا. أمّا إذا تمسَّكنا حقٌّا بالصليب، فنحن ندلُّ على أنَّنا نستند فقط على نعمة الله ولا نريد سندًا آخر، لا الختان ولا الشريعة اليهوديَّة. لا هذا الامتياز ولا ذاك بحيث نفترق عن الآخرين. بالصليب صار العالم ميتًا بالنسبة إليَّ، وأنا صرتُ ميتًا بالنسبة له بحيث لا سيطرة له بعدُ عليَّ.

ب- فأموت معه وأقوم معه

تلك هي المسيرة التي سارها المسيح، ونحن نتبعه لأنَّنا نؤمن به. فالإيمان هو الاستسلام. هو التسليم بما يطلبه الربّ. وقدَّم الرسول مثَل إبراهيم الذي برَّره الله لإيمانه (غل 3: 6). فإذا كان الغلاطيّون يريدون العودة إلى إبراهيم، فماذا ينتظرون لكي يفهموا الطريق التي أخذها. قال له الربّ: »اترك أرضك وعشيرتك وبيت أبيك« (تك 12: 1). فمضى دون أن يجادل ولا أن يسأل. قال الكتاب: »فانطلق أبرام، كما قال له الربّ« (آ4). وكذا نقول عنه حين »امتحنه« الله. »بكَّر في الغد وأسرج حماره وشقَّق حطب المحرقة« (تك 22: 3). إلى أين؟ ليقدِّم ابنه ذبيحة للربِّ على ما كان يفعل الوثنيّون. أظهر محبَّته لله، ولكنَّ الله لا يريد مثل هذا التعبير عن المحبَّة، فأمَّن له كبشًا »أخذه وقدَّمه محرقة بدل ابنه« (آ13). عنه قالت الرسالة إلى العبرانيّين: »بالإيمان لبّى إبراهيم دعوة الله فخرج إلى بلد وعدَهُ الله به ميراثًا. خرج وهو لا يعرف إلى أين هو ذاهب، وبالإيمان نزل في أرض الميعاد كأنَّه في أرض غريبة« (عب 11: 8-9). ما هي الضمانة؟ لا ضمانة بشريَّة. كلمة الله تكفي . فلماذا يطلب الغلاطيّون الضمانات؟ أما يكفيهم الصليب؟

بل هم يطلبون الشريعة، تلك التي تحمل اللعنة. هنا عاد الرسول إلى سفر التثنية في الكلام عن أحكام متفرِّقة: »وإذا وجدتُم على رجل جريمةً تستوجب القتل، فقُتل وعلِّق على خشبة، فلا تتركوا جثَّته على الخشبة إلى اليوم الثاني، بل في ذلك اليوم تدفنونه لأنَّ المعلَّق معلون من الله« (تث 21: 22-23). يسير المشترع بحسب الشريعة، فيصير المعلَّق »ملعونًا«. واليهود قالوا لبيلاطس: »لنا شريعة، وهذه الشريعة تقضي عليه بالموت لأنَّه زعم أنَّه ابن الله« (يو 19: 7).

وهكذا جعلت »الشريعة« يسوع »ملعونًا«، بعد أن عُلِّق على خشبة، وكلُّ ذلك »من أجلنا« (غل 3: 13). زالت اللعنة، وحلَّت البركة محلَّها، بشكل خاصّ لغير اليهود، للأمم، بحيث ينال الجميع »بالإيمان الروحَ الموعود به«.

الإيمان نداء من قبل الله. ويتطلَّب جوابًا من قبل الإنسان. رفض اليهود أن يتجاوبوا مع هذا النداء »فعثروا بحجر العثرة«. أترى الغلاطيّون يريدون أن يتبعوا هذا السبيل؟ إن فعلوا كانوا أغبياء، ونسوا ذاك الذي ولدهم للمسيح.  قال: »يا أولادي الصغار الذين أتوجَّع بهم مرَّة أخرى في مِثل وجع الولادة، حين تتكوَّن فيهم صورة المسيح« (غل 4: 19). أجابوه: والآخرون يغارون علينا، يحبّوننا. لا يزعجوننا. قال الرسول: »غيرتُهم لا صدقَ فيها« (آ17). فالهدف هو أن يفصلوكم عنّي. والسبب؟ »لأنّي قلت لكم الحقَّ، حسبتموني عدوٌّا لكم« (آ16). وفي النهاية، يعلن الرسول: »تحيَّرت في أمركم« (آ20). كيف أستطيع أن أتكلَّم معكم؟ هل تريدون أن أغيِّر لهجتي. هنا نحسُّ بألم بولس تجاه هذه الكنيسة التي استقبلته أفضل استقبال في أوَّل مرَّة جاء إلى غلاطية، وكان مريضًا. حسبوه »ملاك الله، بل المسيح يسوع« (آ14). بل استعدُّوا أن يقلعوا عيونهم ويعطوها له« (آ15).

3. أنختار العبوديَّة أم الحرِّيَّة؟

السؤال الأساسيّ في هذه الرسالة هو الخيار بين حالة وحالة: أنتم تحرَّرتم، صرتم أبناء إبراهيم، فهل تريدون الرجوع إلى العبوديَّة؟ فالحرِّيَّة الحقَّة لا تكون بارتباطنا بإبراهيم على مستوى اللحم والدم، ولا تكون بانتمائنا إلى الشعب اليهوديّ الذي يخطأ كما تخطأ الشعوب الوثنيّة بحيث إنَّ الناس يستهينون باسم الله بسبب تصرُّفات تخالف وصايا الله. »تفتخر بالشريعة وتهين الله بعصيان الشريعة« (رو 2: 23).

أ- الشريعة عبد

اتَّخذ بولس مثلاً معروفًا في العالم اليونانيّ والرومانيّ: الطفل في البيت. لا حقوق له. يأخذه العبد إلى المدرسة، ويعود به. وإن أخطأ في شيء لا يُضرَب هو بل العبد. نحن نفهم أن يتصرَّف الطفل بهذا الشكل. ولكن هل يريد المؤمن في غلاطية أن يبقى تحت سلطة العبد حتّى النهاية؟ هذا ما لا يقبل به إنسان عاقل.

الطفل قاصر. ولكنَّه يبلغ سنَّ الرشد فيتحرَّرُ من وصاية العبد. من يجعله ابنًا ويسلِّمه ماله؟ والده. والغلاطيّون كانوا قاصرين حين حمل إليهم الرسول الإنجيل. دعاهم الرسول، قال لهم إنَّ »المسيح افتداهم من حكم الشريعة« (غل 4: 5). فلماذا العودة إلى الوراء؟ »صرتم أبناء الله«، فلماذا تريدون الرجوع إلى »حكم الأوصياء والوكلاء« (آ2)؟

من يستعبد المؤمن؟ ذكرَ الرسولُ »قوى الكون الأوَّليَّة« (آ3): هناك قوى في الكون يؤلِّهها الإنسان ويخاف منها، فيجعل نفسه عبدًا لها. يخاف من الكواكب ودورانها، يخاف من الحظِّ والفأل، ويتشاءم من يوم من الأيّام وشهر من الشهور. كان الرومان ينظرون إلى طيرانِ طيرٍ يرسلونه في الهواء. أو ينظرون في إمعاء حيوان من الحيوانات. والعرّاف هو هنا. وكذلك الذي »يكتب« كتابة تقيِّد الإنسان وتمنعه من التحرُّك. أيُّها الغلاطيّون، أنتم بعدُ عبيد لهذه »القوى« التي ليست بشيء. في الماضي، صنع الإنسان الصنم وخاف منه وقدَّم له ابنه ذبيحة. وتأخَّر لكي يرى فيه بعض الحجر والخشب مع قشرة من الفضَّة والذهب.

قال بولس: »في الماضي كنتم تجهلون الله، فكنتم عبيدًا لآلهة، ما هي بالحقيقة آلهة. أمّا الآن، بعدما عرفتم الله، بل عرفكم الله، فكيف تعودون إلى عبادة قوى الكون الأوَّليَّة الضعيفة، الحقيرة، وتريدون أن تكونوا عبيدًا لها كما كنتم من قبل« (غل 4: 8-9) كيف تمزجون الله مع قوى الكون المخلوقة، سواء كانت منظورة أو غير منظورة؟ كيف تتوقَّفون عند »الأيّام والشهور والفصول والسنين؟« (آ10). كم يتوجَّه هذا الكلام إلينا في هذه الأيّام: ننظر إلى الأبراج، نجمع الأرقام والأعداد.

بعض الغلاطيّين يشاركون في أعياد تكرَّم فيها الكواكب والنجوم، ويأتي من يقرأ طالع كلِّ إنسان. ونبَّه الرسول في موضع آخر من »عبادة الملائكة وما يُرى من رؤى« (كو 2: 18). ويواصل بولس: أنتم تخلَّصتم من كلِّ هذا، فلماذا تعيشون في هذا العالم وكأنَّكم تنتمون إلى مثل هذه الفرائض؟

واليهود كانوا يعتبرون أنَّ الملائكة حملوا الشريعة (غل 3: 19)، خضعوا للشريعة الموسويَّة، وحين يأتي المسيح فهو يحرِّرهم منها، كما يحرِّرهم من تقليد نَسب إلى الملائكة قيادةَ العالم السماويِّ وخصوصًا النجوم.

المؤمن لا يخضع لأيَّة خليقة، ولا يكون عبدًا لأيَّة قوَّة مخلوقة. إنَّه يخضع فقط لخالقه بعد أن صار ابنًا لله بواسطة المسيح. قال الرسول: »ما أنتَ بعد الآن عبد، بل ابن، وإن كنتَ ابنًا فأنت وارثٌ بفضل الله« (غل 4: 7).

ب- المسيح حرَّرنا

إذا أنت ابن، أيُّها المؤمن، فلماذا تجعل نفسك بإمرة عبد؟ الله عرفك معرفة شخصيَّة حميمة، فلماذا تحاول الابتعاد عنه مثل الابن الضالّ؟ دعاك إلى وليمته، فماذا تنتظر لتدخل؟ تبنّاك، علَّمك الروح أن تناديه »أبّا« كما الأطفال ينادون والديهم، فلماذا لا تتعامل معه بدالَّة الأبناء الأحبّاء؟ إذا كان الغلاطيّون لا يعيشون على هذا المستوى، يستطيع الرسول أن يعلن: »تعبتُ عبثًا، بلا فائدة« (4: 11).

الابن حرّ. الابنة حرَّة. من حرَّرهما؟ المسيح. هو »حرَّرنا لنكون أحرارًا«. (غل 5: 1). وغريب هذا الإنسان! كم يريد أن يكون عبدًا! للأصنام. للأشخاص. للجماعات والأحزاب. لأمور عديدة لا يفهم معناها في هذا العالم. هو يشبه ولدًا يمشي في الليل وحده، يريد أن يتمسَّك بشيء، أن يستشفَّ نورًا في البعيد. وإذا كانت يد أبيه تمسك بيده، هل يخاف بعد؟ كلاّ. ونحن ننسى أنَّ الله أبونا: لا يتركنا، لا يرخي بنا الأيدي. حتّى لو تركتنا أمُّنا، فهو لا يتركنا. فلو كان لنا الإيمان العميق، تزول من رأسنا المخاوف العديدة التي نتخيَّلها. نريد أن نعرف الغد وما يخبِّئه لنا. ولكنَّ يسوع قال لنا: »لا يهمُّك أمر الغد، فالغد يهتمُّ بنفسه« (مت 6: 34).

ولكن هناك حرِّيَّة ننساها مرَّات عديدة، هي التي تجعلنا نعيش بحسب الروح. فلمذا نريد العيش بحسب العنصر البشريّ، بحسب اللحم والدم والميل إلى الخطيئة؟ فهل نكون أحرارًا حين نرضي فينا الإنسان القديم؟ هل نكون أحرارًا حين نعيش الفلتان وكأنَّ لا رادع يردعنا؟ قال الرسول: »فأنتم، يا إخوتي، دعاكم الله لتكونوا أحرارًا، ولكن لا تجعلوا هذه الحرِّيَّة حجَّة لإرضاء الشهوات البشريَّة« (غل 5: 13). نحن نميِّز بين »الجسد« الذي هو للقيامة، وبين اللحم والدم، أي العنصر البشريّ، هذا الذي يجتذبنا إلى الخطيئة.

وكيف نعرف إن كنّا أحرارًا أم عبيدًا؟ من الثمار التي نحمل. أمّا الثمرة الأولى التي هي بنت الروح فالمحبَّة. ومنها ينبع الفرح، السلام، الصبر، اللطف، الصلاح، الأناة، الوداعة، العفاف (غل 6: 22-23). من تكون له مثل هذه الثمار؟ ذاك الذي صلب بشريَّته (لا: جسده) بكلِّ ما فيها من أهواء وشهوات (آ24). وحده »المصلوب« يعرف الحياة الجديدة، وحده »المصلوب« لا يحتاج إلى »شريعة«. فشريعته هي المسيح.

وإذا كان الإنسان يعيش في »الزنى والدعارة والفجور وعبادة الأوثان والسحر والعداوة والشقاق والغيرة والغضب والدسّ والخصام والتحزُّب والحسد والسكر والعربدة« (آ19-21)، أتُرى الذين يقومون بمثل هذه الأعمال يعيشون بحسب الروح؟ أتراهم أحرارًا أم عبيدًا لشهواتهم؟ أتراهم لبسوا المسيح من أجل حياة جديدة؟ والجواب لا يمكن أن يكون نعم. بما أنَّهم جعلوا الصليب جانبًا، فماذا يبقى لهم؟ ويتابع الرسول: »الذين يعملون هذه الأعمال لا يرثون ملكوت الله« (آ21). بل »يرثون البكاء وصريف الأسنان« (مت 13: 42).

الخاتمة

جلسنا مع الجماعات المسيحيَّة في غلاطية، وقرأنا هذه الرسالة التي وصلت إليهم. عرَّفنا بولس بنفسه. هو رسول. عرَّفنا برسالته: إعلان الإنجيل إلى الأمم الوثننيَّة. وهذه الرسالة التي نالها من المسيح القائم من الموت، شأنه شأن الرسل: »كما أرسلني الآب أرسلكم أنا أيضًا« (يو 20: 21). أمّا الخلاص الذي يبشِّر به، فهو عطيَّة مجّانيَّة للبشر كلِّهم، لليهوديّ ولليونانيّ، للحرِّ وللعبد، للرجل وللمرأة، والإنجيل الذي يعلنه هو إنجيل الحرِّيَّة التي نلناها بصليب يسوع. فلا قوَّة تقيِّدنا بعد اليوم، بل حبُّ الله وحده. ولا أحد يستعبدنا، ولا شيء، إلاَّ إذا نحن طلبنا العبوديَّة: عبوديَّة الناس، عبوديَّة الأصنام، عبوديَّة الشهوات والأهواء. يبقى علينا أن نكتشف في صليب المسيح التدخُّل الذي به أعطى الله للتاريخ معناه، فيحقِّق قصده الخلاصيّ في المسكونة كلِّها.