من إيمان إلى إيمان

 

هكذا يعلن بولس الرسول أساس الرسالة إلى أهل رومة: »من إيمان إلى إيمان« (رو 1: 17). بالإيمان نعيش الأمانة لله والأمانة اليوميَّة. أو: من الإيمان الذي عرفه العهد القديم، إلى الإيمان الذي نعرفه نحن أبناء العهد الجديد، وهكذا ننطلق من إيمان ينمو يومًا بعد يوم حتّى نصل إلى العيان كما يقول الرسول إلى كنيسة كورنتوس: »نحن اليوم نرى في مرآة رؤية ملتبسة، وأما يومذاك فتكون رؤيتنا وجهًا لوجه« (1 كو 13: 12). الله آمن بنا، وضع ثقته فينا، دعانا إلى تحمُّل المسؤوليَّة في كنيسته. فأقلّ ما يطلب منّا هو أن نؤمن به، نثق به، نستسلم له كما الطفل يستسلم لوالده أو لوالدته في قلب عتمة الليل. أمّا الهدف فهو الحياة والخلاص بحسب قول النبيّ حبقوق (2: 4) الذي يورده بولس في رسالته: »إنَّ البارَّ بالإيمان يحيا« (رو 1: 17). فالإنجيل هو وحي برِّ الله وقدرة الله من أجل خلاص المؤمن، أمّا برُّ الله فنواة لكي نقبل منه البرارة والطهارة فنتعلَّم كيف نعيش بحسب إرادته، بحسب الوصايا والمشورات الإنجيليَّة، وندخل في سرِّ الخلاص على مثال يوسف الذي دعاه الربّ، وهو الرجل البارّ، فما جادل وما قسَّى قلبه، بل أطاع حالاً: ما إن »قام من النوم حتّى عمل بما أمره ملاك الربّ« (مت 1: 24).

عن الرسالة إلى رومة كلامنا، وهي تتوجَّه إلى كنيسة لم يعرفها بولس بل استعدَّ أن يتعرَّف إليها. رسالة تقدِّم توليفة رائعة عن الإيمان المسيحيّ. ونحن نودُّ أن نقرأها في خمس محطّات، أربع محطّات في إطار القسم العقائديّ (ف 1-11)، ومحطَّة واحدة في القسم الأخلاقيّ (ف 12-15): بولس خبير بالإحصاء (1: 18-5-11)، بولس المؤمن (5: 12-7: 6)، بولس عالم النفس (7: 7-8: 39)، بولس كاتب التاريخ (ف 9-11). والمحطَّة الأخيرة وفيها ما فيها من نصح وإرشاد، تحاول أن تستخلص من هذا الإيمان المواقف العمليَّة في الحياة اليوميَّة: بعد كلِّ هذا، المؤمن مدعوٌّ إلى الحياة الجديدة في الجماعة المسيحيَّة وفي خارجها.

1-  بولس خبير إحصاء

حين اهتدى بولس على طريق دمشق، انتقل من حال إلى حال، من الشريعة إلى الإيمان، من الخطيئة إلى النعمة، من عصيان الله إلى برارة يحاول الإنسان أن يحصل عليها بأعماله الصالحة. وها هو يعود إلى الوراء، إلى ما عرفه في حياة المدن الرومانيَّة وهو ابن طرسوس (في تركيّا) المدينة الجامعيَّة، وإلى ما عرفه في العالم اليهوديّ مع الرياء »والكذب« في ما يخصُّ عالم الشريعة: يقولون ولا يفعلون. وهكذا صار خبير إحصاء. أجل، لا يستطيع أحدٌ أن يرضى بالحالة التي يعيشها: هل يرضى الوثنيّ في رومة أن يأخذ بالمبدأ المعروف: »لنأكل ونشرب لأنّا غدًا نموت«؟ وبالتالي نعيشُ، يهدِّدنا غضبُ الله المعلَن من السماء الآتي »على كُفر الناس وظلمهم« (رو 1: 18). وهل يرضى اليهوديّ أن يدين الخاطئين ويعمل مثلهم؟ أو يظنُّ مثل هذا الإنسان »أنَّه ينجو من قضاء الله؟« (رو 2: 3).

وإذ نعود إلى القرن الأوَّل المسيحيّ الذي حكم فيه بولس على البشريَّة كلِّها، وفيها اليهوديّ واليونانيّ، هل نحسب أنَّ الأمور بعيدة عنّا؟ كلا ثمَّ كلاّ. فالعالم الوثنيّ ما زال حيٌّا فينا. يشدِّد بولس على »الدعارة التي بها يهينون أجسادهم« (رو 1: 24). أتُرى زالت من محيطنا؟ بل هم شرَّعوها وأقتنوا لها أماكن خاصَّة، يذهب إليها أولئك الذين تقودهم »شهوات نفوسهم« (1: 14). وتحدَّث الرسول عن الزنى الذي يعارض الطبيعة، وننسى اليوم أنَّ القانون المدنيّ في بلدان أوروبّا سمح بزواج الرجل من الرجل. ومثل هؤلاء المتزوِّجين بدأوا يطالبون بحقوقهم. ولا نقول شيئًا عن علاقة الإنسان بحيوانات لها موضعها المهمّ في البيت مع أموال يعرضونها على الكلاب والقطط وغيرها.

وتابع الرسول رسم اللوحة المعتَّمة عن مدينة رومة وغيرها من المدن، حيث الناس »أتوا كلَّ منكر، فمُلئوا من أنواع الخبث والطمع والشرّ، مُلئوا من الحسد والتقتيل والخصام والمكر والفساد« (آ29). ويتواصل الكلام عن مثل هذا المجتمع: »مغتابون، نمّامون، أعداء الله، شتّامون متكبِّرون صلفون، متفنِّنون بالشرّ، عاقّون لوالديهم، لا بصيرة لهم ولا وفاء ولا ودّ ولا رحمة« (آ30).

ننظر إلى حولنا. هذا هو العالم. لهذا قال لنا الربّ: »أنتم في العالم ولكنَّكم لستُم من  العالم«. فلا تتبعوا شهواته. وقال الربُّ في صلاته الأخيرة قبل ذهابه إلى الآلام والصلب: »لا أطلب منك أن تخرجهم من العالم، بل أن تحفظهم من الشرّير« (يو 17: 15). الخطر ما زال يُحدق بالمسيحيّين في رومة، كما يحدق بنا، فهل نرتبط بالعالم مع أنَّ يوحنّا قال لنا في رسالته الأولى: »لا تحبُّوا العالم وما في العالم. من أحبّ العالم فليست محبَّة الله فيه، لأنَّ كلّ ما في العالم من شهوة الجسد وشهوة العين وكبرياء الغنى ليس من الآب بل من العالم. العالم يزول ومعه شهواته، أمّا من يعمل بمشيئة الله فإنَّه يبقى مدى الأبد« (1 يو 2: 15-17).

عمليَّة إحصائيَّة أولى تصيبنا نحن أيضًا. والعمليَّة الإحصائيَّة الثانية تصيب الذين يؤمنون بالله الواحد. هم يعتبرون أنَّهم يتميَّزون عن »الوثنيّين« الذين لهم »أصنام« يتعبَّدون لها، وكأنَّ المؤمن لا أصنام له. أعطانا الربُّ صنمًا أوَّل نفضِّله عليه: المال، كم من الناس يعبدون المال على حساب الله! ونقول نحن المؤمنين: حرام على هؤلاء الذين لا يؤمنون إيماننا: لا رجاء لهم ولا إله في هذا العالم (أف 2: 12). وهل نعرف طرق الله كلَّها لكي نحكم على الناس ونحسب الآخرين زؤانًا ونحن حنطة؟

إلى اليهود بيَّن يسوع أنَّ الختانة جرحٌ خارجيّ في الجسد. لا بأس. هي علامة تدلُّ على انتماء إلى الله. ولكن إذا كنّا لا نعيش بحسب هذا الانتماء، ماذا تنفع الختانة؟ صارت في أيّامنا »عمليَّة جراحيَّة« لا بُعدَ دينيٌّا لها. وكان بولس قاسيًا لهؤلاء: »إذا كنتَ أنت تُدعى يهوديٌّا وتعتمد على الشريعة وتفتخر بالله وتعرف مشيئته وتميِّز ما هو الأفضل بفضل تلقينك الشريعة، وتوقن أنَّك قائد للعميان ومنوِّر للذين في الظلام ومؤدِّب الجهّال ومعلِّم للسذّج لأنَّ  لك في الشريعة أصول المعرفة... أفتعلِّم الغير ولا تعلِّم نفسك؟« (رو 2: 17-21).

انظروا التكبُّر: أنا مؤمن والآخرون غير مؤمنين. أنا أعرف الشريعة والآخرون هم بلا شريعة. هكذا كان يتصرَّف اليهوديّ المتزمِّت مع غير اليهود. لا يسلِّم على الوثنيّ، لا يأكل معه، يبيعه ما لا يقدر هو أن يأكله بسبب المحرَّمات المعروفة. ويعطيه دَينًا بالربى الفاحش، وهكذا يعلِّمه أن يسرق مع أنَّه وعظه »بالامتناع عن السرقة« (آ21). وكثيرون يريدون أن يتمثّلوا بمثل هؤلاء »المؤمنين« ونحن نؤخذ بهم. قال الربّ: »من ثمارهم تعرفونهم«. وخصوصًا نحن نريد أن نزيل القشَّة من عين أخينا، الذي يكون من فئة مختلفة أو من دين مختلف، وننسى الخشبة في عيننا.

والنتيجة: اليهود وغير اليهود هم خطأة. المسيحيّون وغير المسيحيّين هم خطأة. المؤمنون في ديانة من الديانات واللامؤمنون خطأة. ومن رفض مثل هذا القول شابه الفرّيسيّ في المثل الإنجيليّ: »أشكرك يا ربّ، لست مثل سائر الناس الطامعين الظالمين الزناة ولا مثل هذا العشّار« (لو 18: 11). أنا أصوم، أدفع العشر وأزكّي أموالي، أمضي إلى الصلاة. وماذا قال فيه الربّ: »ما كان مقبولاً لدى الله« (آ14). يا ليته لم يذهب إلى الهيكل. ونحن أيضًا نُرفَض حين نَرفع مثل هذه الصلاة.

والنتيجة الثانية: نحتاج كلُّنا إلى الخلاص بيسوع المسيح. »ولهذا نلنا البرَّ (أو الطهارة والقداسة) مجّانًا بنعمة الله، ويعود الفضل إلى الفداء الذي قام به يسوع المسيح، وجعله الله كفّارة (هو كفَّر عن خطايانا) في دمه بالإيمان ليظهر ما هو برُّه« (رو 3: 24-25) ذاك هو مشروع الله: أن يحمل الخلاص للبشر كلِّهم. وكيف نتجاوب مع هذا الخلاص؟ ألأنَّنا نلنا الختان، تطهَّرنا؟ ألأنَّنا اعتمدنا في هذه الكنيسة أو تلك؟ ألأنَّ عاداتنا غير عادات الآخرين؟ كلُّ هذه أمورٌ خارجيَّة، فيصبح الختان لاختانًا، لأنَّنا نكذب على الله، والعماد كأنَّه لاعماد لأنَّنا لا نمارس ما وعدنا به حين اعتمدنا. فيهدِّدنا الرسول: »بقساوتك وقلَّة توبتك تدَّخر غضبًا ليوم الغضب« (رو 2: 5)، أي ليوم الدين. حينئذٍ قد نسمع صوت الربّ: »لا أعرفكم. ابتعدوا عنّي يا أشرار« (مت 7: 23). وينهي الرسول كلامه: »الشدَّة والضيق لكلِّ من يعمل الشرّ، اليهوديّ أوَّلاً ثمَّ اليونانيّ. والمجد والكرامة والسلام لكلِّ من يعمل الخير، اليهوديّ أوَّلاً ثمَّ اليونانيّ، لأنَّ الله لا يحابي أحدًا« (رو 2: 9-11). هو الله العادل، لا يحرِّف حكمه، بل يجازي كلَّ واحد بحسب أعماله.

2-  بولس هو المؤمن

لوحة سوداء أفهمت الإنسان أنَّه خاطئ. فهل يبقى في الخطيئة؟ كلاّ. وماذا يفعل؟ يؤمن. والإيمان هو التصاق بالربّ وثقة به. الإيمان هو تجاوب مع نداء الله، وهو يدوم ما دامت الحياة حتّى ننتقل من الإيمان إلى العيان. والإيمان الذي هو عاطفة باطنيَّة لا يكفي. لا بدَّ من عمل خارجيّ، على ما نقرأ في إنجيل مرقس: من يؤمن يعتمد وحينئذ يخلص. ومن لا يؤمن يُدان، يمرُّ في الدينونة، وبالتالي يكون له الهلاك (مر 16: 16).

وما هو العماد؟ عمل خارجيّ يقوم به الروح القدس فينا فيوحِّدنا بالمسيح. نصبح معه واحدًا. كدت أقول لن يبقى يسوع »الابن الوحيد« بل صرنا نحن أبناء وبنات معه. كبُرَتْ عيلةُ الثالوث فضمَّت البشريَّةَ كلَّها، على ما قال المزمور: قلتُ إنَّكم آلهة. يا للشرف الكبير الذي وصلنا إليه. من يستطيع أن يفاخرنا بعد اليوم نحسبه ونسبُّه؟ أنا أغنى منك، إذًا أفضل منك! مسكن. أنا متعلِّم أكثر منك. أنا السيِّد وأنت الخادم. أنا السيِّدة وأنت الخادمة. ولكنَّ السيِّدة والخادمة هما بنات الله، والأكرم لدى الله هو التقيّ والعامل بوصايا الله وأحكامه. الأكرم هو من تكون حياته بلا لوم. أجل، أنا ابن الله. ولكنَّ هذا يفرض عليَّ أن أعيش مثل »ابن الله«. قال لنا الرسول: »تشبَّهوا بالله كالأبناء الأحبّاء وسيروا في المحبَّة سيرة المسيح الذي أحبَّنا وضحّى بنفسه من أجلنا« (أف 5: 1-2).

العماد مسيرة نرافق فيها يسوع حتّى الصلب والموت والقيامة. وهكذا نصير الخليقة الجديدة. يقول بولس: »حين اعتمدنا في يسوع المسيح، اعتمدنا في موته فدُفنّا معه بالمعموديَّة لنموت ونحيا حياة جديدة« (رو 6: 3-4). ويواصل الرسول: »فإذا اتَّحدنا به في موت يشبه موته، فكذلك تكون حالنا في قيامته. وإنّا نعلم أنَّ إنساننا القديم صُلب معه ليزول هذا البشر الخاطئ. فلا نظلَّ عبيدًا للخطيئة... فإذا متنا مع المسيح، نؤمن بأنَّنا نحيا معه« (آ5-8).

نتذكَّر أوَّلاً رتبة العماد في بداية الكنيسة. ينزل المؤمن (أو: المؤمنة) في درج تحت الأرض. يخلع ثيابه. يَدخل في المياه التي رمزت من القديم إلى الموت. يخرج من الماء، يلبس الثوب الأبيض علامة الانتصار قبل أن يكون علامة الطهارة. هكذا، صُوِّر المسيح خارجًا من القبر في يوم القيامة. هو موت في الرمز. وكيف يصبح حقيقة؟ حين نرفض حياتنا الماضية، نرفض عبوديَّة الخطيئة ولا ننقاد بعد لشهوات إنساننا العتيق (آ12).

ونتذكَّر ثانيًا أنَّ العماد هو سرّ. والسرُّ يعني شيئًا خارجيٌّا نحسُّ به، أمّا أهمُّ شيء فيه فلا يُرى. هو مثل جبل الثلج. أكثره في البحر. في العماد يدخل المؤمن سواء كان طفلاً أو شابٌّا. ليس المهمّ هنا. بل هو يعتمد فينطلق في مسيرة يموت فيها يومًا بعد يوم، على ما قال الرسول. ومتى يكون الموت الحقيقيّ؟ عند ساعة الموت وحين نترك هذا العالم. عندئذٍ لن يعود الموت سرٌّا ورمزًا، بل يصبح حقيقة. نموت حقٌّا، نسلِّم الروح. هذا ما يراه الناس. ولكنَّ المؤمن يرى من خلال موت المؤمن القيامة يحيث يكون من حسبناه »مائتًا« »مع الربّ في كلِّ حين« (1 تس 4: 17)، تغيَّر، لبس الخلود. وهكذا لبس المائت ما لا يموت (1 كو 15: 51ي).

انطلق الرسول من يسوع الذي هو الإنسان الجديد. معه بداية جديدة: »هو ليس من دم ولا من رغبة لحم ولا من رغبة رجل، بل الله ولدَه« (يو 1: 13، كما فسَّر الآباء). مع يسوع بدأت البشريَّة. في العهد القديم، آدم هو من يمثِّل البشر، لأنَّه مأخوذ من أديم، من تراب الأرض فقيل له: أنت من التراب وإلى التراب تعود ونفخ الله فيه »نفسًا حيَّة«، على ما قال سفر التكوين. استعاد بولس هذا الكلام فقال: »كان آدم الإنسان الأوَّل نفسًا حيَّة، وكان آدم الأخير روحًا محييٌّا« (1 كو 15: 45). ما هو الأوَّل على المستوى التاريخيّ والنصّ كُتب قبل المسيح بخمسمئة سنة يوم عدَّت البشريَّة الملايين، بل على المستوى اللاهوتيّ. وفي الواقع، سيكون يسوع هو الأوَّل، لأنَّه بكر الخليقة كلِّها وهكذا يستطيع أن يخلِّص الخليقة كلَّها، لا البشر فقط. فالرسول قال: »فالخليقة تنتظر بفارغ الصبر تجلّي أبناء الله... لتشاركهم حرِّيَّتهم ومجدهم« (رو 8: 18، 21).

ماذا حمل »آدم الأوَّل«؟ الخطيئة. نحن آدم الأوَّل. كلُّ واحد منّا هو خاطئ. فقالت الرسالة: »فكما أنَّ الخطيئة دخلت في العالم على يد إنسان واحد، وبالخطيئة سرى الموت إلى جميع الناس لأنَّهم جميعهم خطئوا« (رو 5: 12). نعم، لا نقول كما قال بعضهم لأنَّهم ربطوا الخطيئة »الأصليَّة« (التي ليست الأولى، بل التي هي أصل الخطايا كلِّها، هي الكبرياء وحين يريد الإنسان أن يصير مثل الله، ولهذا يرفض وصايا الله) بالعمل الزواجيّ. لا. نحن خطأة أو بالأحرى نميل إلى الخطيئة مهما كانت الطريقة التي بها يُحبَل بنا ونُولَد. الإنسان بما أنَّه إنسان حياته ناقصة، ولهذا هو يخطأ. والربُّ يعرف ضعفه، لهذا يغفر له. ولو كثرت خطاياه، تفيض النعمة (رو 5: 21)، لا لكي يتمادى في الخطيئة (رو 6: 1)، بل لأنَّ المريض يحتاج إلى عناية أكثر من المعافى، والخاطئ يحتاج إلى انتباه خاصّ من الربّ.

ولكن الحمد لله. لم تبقَ البشريَّة على مستوى آدم الأوَّل، بل انتقلت مع يسوع المسيح إلى آدم الثاني. بآدم الأوَّل دخلت الخطيئة والموت، ولكن بآدم الثاني نتلقّى فيض النعمة وهبة البرّ (رو 5: 18). وهكذا »تسود النعمة من أجل الحياة الأبديَّة بربِّنا يسوع المسيح« (آ21). ذاك هو إيمان بولس حين يدعو أبناء الكنيسة لكي يعملوا »في نظام الروح الجديد، لا في نظام الحرف القديم« (7: 6). هم تجدَّدوا، وانطلقوا، فلا مجال بعدُ للرجوع إلى الوراء، بل هي مسيرة مع المسيح وبالمسيح.

3. بولس عالم النفس

أتُرى الرسول درس في جامعاتنا علم النفس والتحليل النفسيّ؟ كلاّ. فنقول: ولكنَّه تعلَّم في طرسوس تلك المدينة الجامعيَّة، واستطاع أن يجادل في أثينة تلاميذ الفلاسفة: أفلاطون، أرسطو، زينون الفينيقيّ، إبيقور... وأراد أن يصل بهم إلى يسوع المسيح الذي قام من بين الأموات وهو يقيمنا معه.

وما الذي دعا بولس إلى مثل هذا العمل؟ الوضع الذي يعيشه الإنسان. صار بالمعموديَّة إنسانًا جديدًا. ولكنَّه عمليٌّا ما زال إنسانًا قديمًا. ترك آدمَ الأوَّل وارتبط بآدم الثاني، ولكنَّه يعود يومًا بعد يوم إلى آدم الأوَّل، إلى الخطيئة التي تجرُّ إلى الموت. هو صراع في داخل الإنسان.

جاءت الشريعة وأضافت على الإنسان الضعيف ثقلاً فوق ثقل. قال: »الشريعة مقدَّسة والوصيَّة مقدَّسة، عادلة، صالحة« (آ12). هذا ما لا شكَّ فيه. ولكنّي لا أستطيع أن أحمل الشريعة لأنّي مريض. فيجب أن أُشفى أوَّلاً وبعد ذلك أستطيع أن أعيش بحسب الشريعة ولو كانت ثقيلة. أمّا المسيح فحوَّل حياتنا وأعطانا شريعته الخاصَّة، حين قال: »نيري هيِّن وحملي خفيف« (مت 11: 30).

ذاك هو الصراع، كما صوَّره الرسول في قلب الإنسان. قال: »الخير الذي أريدُه لا أفعله، والشرّ الذي لا أريدُه إيّاه أفعل« (آ19). ويتابع كلامه فيدلُّ على التمزُّق الذي يعانيه: »فإذا كنتُ أفعل ما لا أريد، فلستُ أنا أفعل ذلك، بل الخطيئة الساكنة فيَّ« (آ20). حرب قاسية جعلت الرسول يهتف: »ما أشقاني من إنسان! فمن يُنقذني من هذا الجسد الذي يصير بي إلى الخطيئة« (آ24).

حالة تعيسة يعيشها المؤمن. حلَّلها بولس كما يحلِّل الفلاسفة، وما وجد جوابًا. أمّا الجواب فيأتي من الربِّ يسوع: »الحمد لله بربِّنا يسوع المسيح« (آ25). فيه نضع ثقتنا ونحن متيقِّنون أنَّنا معه نغلب نزواتنا وشهواتنا بل نغلب العالم (يو 16: 33). وسوف يقول يوحنّا في رسالته الأولى: »إيمانُنا هو انتصارنا على العالم« (1 يو 5: 5).

ولكن من يوحِّد الإنسان المقسَّم بين العقل والفهم من جهة، وبين البدن أو العنصر البشريّ الذي نسمّيه »اللحم والدم« من جهة ثانية؟ هو الروح القدس. قال الرسول: »فها أنذا عبدٌ بالعقل لشريعة الله، وعبد باللحم والدم لشريعة الخطيئة« (آ25). وكان بولس سبق وقال: »أشعر في أعضائي بشريعة أخرى تحارب شريعة عقلي وتأمرني بشريعة الخطيئة« (آ23).

فهل أنا مهدَّد بالهلاك؟ هل أنا ذاهب إلى الموت؟ وحدي، بدون شكّ. ولكن التحرَّر منفتح أمامي، تحرّر من الشهوات البشريَّة وعبوديَّة الشريعة. في هذا الإطار يعلن بولس: »فليس بعد الآن من حُكم للذين هم في يسوع المسيح، لأنَّ شريعة الروح الذي يهب الحياة في يسوع المسيح، حرَّرتني من شريعة الخطيئة والموت« (و 8: 1-2). في الماضي، كانت الشريعة تفرض نفسها من الخارج، وتملأ قلبي خوفًا أين منه خوف العبيد. أمّا مع الروح، فنداؤه نسيم خفيف بتغلغل في أعضائي ويدعوني إلى الطاعة الباطنيَّة. فنحن لم نعُد عبيدًا أمام سيِّد يغضب علينا ويهدِّدنا بالعقاب. بل نحن أمام أب (وأم معًا) ندعوه كالأطفال: »أبّا«. هي دالة الأبناء الأحبّاء. يكفي أن »ننقاد إلى روح الله لنكون حقٌّا أبناء الله« (آ14).

ولكن من أنا حتّى أتجاسر وأدعو الله »أبّا«؟ الروح هو الذي يجعلني أناديه »أبّا«. هو يصرخ فيَّ. يصلّي فيَّ. يعمل فيَّ. أنا بوق يهتف فيه. أنا لسان يتكلَّم به. أنا يدٌ يعمل بها. إذا كانت »الخطيئة« قادَتني في الماضي إلى الموت، فالروح الآن يقودني إلى الحياة. قال الرسول: »فإذا كان الروح الذي أقام يسوع من بين الأموات حالاٌّ فيكم، فالذي أقام يسوع من بين الأموات يحيي أيضًا أجسادكم الفانية بروحه الحالِّ فيكم« (آ11).

أجل، »الروح نفسه يشهد مع أرواحنا بأنَّنا أبناء الله. فإذا كنّا أبناء الله فنحن الورثة: ورثة الله وشركاء المسيح في الميراث. وإنّا نشاركه في آلامه لنشاركه في مجده« (آ17).

4. بولس كاتب التاريخ

توجَّه بولس إلى أهل رومة في عنصرهم الوثنيّ. علَّل معهم الواقع الذي يعيشون، وفي النهاية وصل إلى الفكر الرواقيّ الذي يعتبر العالم قرية صغيرة، والناس إخوة وأخوات. وأضاف الرسول إلى هذا الفكر أنَّ الخليقة التي سقطت في الخطيئة مع الإنسان، سوف تقوم معه. هو يُمجَّد وهي معه تمجَّد. لبث الرواقيّون على مستوى الأرض، أمّا الرسول فرفعنا إلى السماء. صارت الخليقة المخلوقة التي انقلبت على آدم الأوَّل في خطيئته »تئنُّ إلى اليوم من آلام المخاض« (آ22). أجل، إن الخليقة تتطلَّع إلى حياة جديدة، إلى المجد الذي ناله الإنسان في المسيح، آدم الجديد.

ولكنَّ الواقع التاريخيّ جاء غير ذلك. شعب إسرائيل رفض المسير مع المسيح. رفض نداء الروح القدس. مرَّت مسيرة الخلاص وهو لبث يتفرَّج بانتظار أن يعارض »ويشتم«. ثمَّ إنَّ بني إسرائيل اضطهدوا الرسل وهكذا اعتبروا »أنَّ كلام الله سقط« (رو 11: 6). أين هي مواعيد الله؟ أما جاء المسيح بالدرجة الأولى إلى »البنين«؟ (مت 15: 26). ولكنَّ »البنين« لبثوا في الخارج مثل الابن الأكبر في مثَل الابن الضالّ (لو 15: 28). فماذا كان عليهم أن يفعلوا؟

قال لهم الرسول، كما قال لكلِّ واحد منهم: »فإذا شهدتَ بلسناك أنَّ يسوع ربّ، وآمنتَ بجنانك أنَّ الله أقامه من بين الأموات نلتَ الخلاص. فإنَّ الإيمان بالجنان يهدي إلى البرّ، والشهادة باللسان تهدي إلى الخلاص« (رو 10: 9).

من راح في خطِّ إبراهيم وآمنَ قُبل، ومن رفض رُذل. نحن لا ننسى أنَّ مريم العذراء كانت يهوديَّة وكذلك الرسل والتلاميذ الأوَّلون وكنيسة أورشليم. ولكنَّ العدد الأكبر من الشعب اليهوديّ رفض الإيمان على ما قال الإنجيل الرابع، ووجد الجواب في كلام النبيّ إشعيا: »يا ربّ من آمن بما سمع منّا ولمن ظهرت يد الربّ؟« (يو 12: 38؛ إش 53: 1).

5. الحياة الجديدة

بعد القسم العقائديّ (ف 1-11) الذي انتهى بنشيد ولا أروع لسرِّ الله: »ما أبعد غور غنى الله وحكمته وعلمه!... فكلُّ شيء منه وبه وإليه، فله المجد أبدَ الدهور آمين« (رو 11: 33، 36). بعد هذا القسم، كان القسم الإرشاديّ والخلقيّ: »أسألكم، أيُّها الإخوة، برأفة الله أن تجعلوا من أنفسكم ذبيحة حيَّة، مقدَّسة، مرضيَّة عند الله. فهذه هي عبادتكم الروحيَّة. ولا تتشبَّهوا بهذه الدنيا، بل تبدَّلوا بتجدُّد عقولكم  لتميِّزوا ما هي مشيئة الله وما هو صالح وما هو مرضيّ وما هو كامل« (رو 12: 1-2).

رأفة الله عملت في المؤمنين، وهي تدعوهم إلى السيرة الحسنة في المجتمع الذي يعيشون فيه. كما إلى المحبَّة بعضهم لبعض. لأنَّ الوصايا كلَّها تتلخَّص في وصيَّة المحبَّة. ويبدو الرسول وكأنَّه يقول لهم: أنتم تعيشون في هذه الدنيا، في هذا العالم، فلا تتخلَّقوا بأخلاق أهل الدنيا، بل خذوا أخلاق المسيح. الإيمان يدعونا إلى المحبَّة، فماذا ننتظر لكي نجعل إيماننا يُعطي ثمرًا: في الخدمة، في العطاء، في الرحمة... »لتكن المحبَّة صادقة. تجنَّبوا الشرّ والزَموا الخير. ليُحبَّ بعضُكم بعضًا حبٌّا أخويٌّا. تنافسوا في إكرام بعضكم لبعض« (آ9-10). نبارك الآخرين ولا »نلعن«، نستقبل الغرباء، نبتعد عن الانتقام. »لا يجازي أحدًا شرٌّا بشرّ« (آ17). وخلاصة القول: »تقبَّلوا بعضُكم بعضًا، كما تقبَّلكم المسيح لمجد الله« (رو 15: 7).

الخاتمة

هي جولة في الرسالة إلى أهل رومة، جولة سريعة في أعمق الرسائل البولسيَّة، التي أدخلتنا في سرِّ الخلاص، خلاص جميع البشر من يهود ووثنيّين. لا فرق فربُّهم واحد. البشر كلُّهم خاطئون، ولهذا يحتاجون كلُّهم إلى الخلاص الذي يحمله الربُّ يسوع. نؤمن بالربّ، نتقبَّل سرَّ العماد، نعيش الحياة المسيحيَّة التي دُعينا إليها ولا نملّ من عمل الخير. صعوبات كثيرة من الداخل والخارج. من الداخل لأنَّنا نميل إلى الخطيئة وقد نعود إلى حياتنا السابقة. ومن الخارج لأنَّنا نعيش في هذه الدنيا وما فيها من إغراءات. ماذا كان موقف جماعة رومة؟ وماذا يكون موقفنا نحن اليوم، بعد أن اعتمدنا، متنا وقمنا مع المسيح؟ لا شكَّ في أنَّنا نرى نفوسنا ضعافًا في هذا العالم، ولكنَّنا متيقِّنون أنَّ الله يوجِّه كلَّ شيء لخيرنا إذا كنّا نحبُّه (رو 8: 28). هو اختارنا، نشكره. هو دعانا، نلبّي دعوته. هو برَّرنا ووجَّهنا إلى القداسة التي بدونها لا يستطيع أحدٌ أن يرى وجه الله. ونحن نطيعه. وفي النهاية، مجَّدنا بحيث نرى المجد الذي كان للابن قبل إنشاء العالم.