كيف تتصرَّف في بيت الله

 

وكتب الرسول إلى تلميذه تيموتاوس عن الكنيسة وعن الخدمة فيها. الكنيسة هي بيت الله. تُبنى حجرًا حجرًا كما يُبنى كلُّ بناء. أمّا الآن فنحن أمام حجارة حيَّة. فهذا »البيت« ليس مثل »هيكل« فرح الناس به فقالوا ليسوع: »انظر ما أروع هذه الحجارة وهذه الأبنية!« (مر 13: 1). هيكل تعلَّق به الناس منذ زمن إرميا النبيّ فاعتبروا أنَّهم بجانبه في حرزٍ حريز لا يصيبهم مكروه: »لا تتَّكلوا على قولكم: هيكل الربّ! هيكل الرب! هيكل الرب! وهكذا تخدعون أنفسكم« (إر 7: 4). مثل هذا الهيكل قد يصبح »صنمًا« نتعلَّق به ولا نبدِّل حياتنا. ولمّا تحدَّث عنه إسطفانس بهذه الصورة، رجموه. ويسوع نفسه رفع قلوب الناس حين طرد الباعة من الهيكل. هناك هيكل آخر، جسد الربّ، والكنيسة هي جسد الربّ ونحن أعضاء فيها، وكلُّ عضو له مركزه. قال بطرس الرسول: »وفي البيت الكبير تكون الآنية من ذهب وفضَّة، كما تكون أيضًا من خشبٍ وخزف... فإذا طهَّر أحدٌ نفسه من كلِّ هذه الشرور، صار إناء شريفًا مقدَّسًا نافعًا لربِّه، أهلاً لكلِّ عمل صالح« (1 بط 2: 20-21).

ذاك هو البيت الذي نحن فيه، أو بالأحرى نكوِّن حجارته »كنيسة الله الحيّ، عمود الحقِّ ودعامته« (1 تم 3: 15). ويكتب الرسول إلى تلميذه تيموتاوس: »فعليك أن تعرف كيف تتصرَّف في بيت الله«. على مستوى التعليم أوَّلاً. وعلى مستوى التنظيم ثانيًا.

1. فعليك أن توصي بهذا وتعلِّم

ذاك هو واجب الكاهن الأوَّل، والأسقف مع كهنته، والحبر الأعظم في الكنيسة التي هي أمٌّ ومعلِّمة. قال المجمع الفاتيكانيّ: »وفي مقدِّمة المهامّ الأسقفيَّة الرئيسيَّة يأتي التبشير بالإنجيل. فالأساقفة هم المبشِّرون بالإيمان... والملافنة الأصيلون...« (الكنيسة 25). وفي الكلام عن مهمَّات الكهنة، قال المجمع نفسه: »يجتمع شعبُ الله أوَّلاً بكلمة الله الحيّ التي يحقُّ له أن يسمعها كاملة من فم الكهنة... فيجب على الكهنة في أوَّل الأمر، بما أنَّهم معاونو الأساقفة، أن يبشِّروا الجميع بإنجيل الله«.

فخادم الربِّ في الكنيسة هو المعلِّم في كلامه وفي حياته: »فعليك أن توصي بهذا وتعلِّم. لا تدَعْ أحدًا يستخفُّ بشبابك، بل كن قدوة للمؤمنين في الكلام والتصرُّف والمحبَّة والإيمان والعفاف« (1 تم 4: 11-12).

هو واجب على الكاهن. فُرض عليه يوم تقبَّل الرسامة الكهنوتيَّة: إن شاء علَّم. وإن لم يشأ لا يعلِّم! ما هذا الكلام؟ الكاهن هو »نبيّ«، أي حامل كلام الله. فهل يحقُّ له أن يصمت؟ كلاّ. حين فُرض على الرسل أن يصمتوا. قال بطرس باسمهم: »أمّا نحن فلا يمكننا إلاَّ أن نتحدَّث بما رأينا وسمعنا« (أع 4: 20). وفي أيِّ حال، إذا الكاهن لا يتكلَّم يأتي من يتكلَّم محلَّه: يأتي المعلِّمون الكذبة، وتنتشر التعاليم الضالَّة.

أ- المعلِّمون الكذّابون

هم »أرواح مضلِّلة« (1 تم 4: 1). ينشرون الضلال لا الحقّ. مع أنَّ المسيح قال: »أنا هو الطريق والحقُّ والحياة« (يو 14: 6). أنا هو الطريق الذي يقود إلى الحقّ. ومعرفة الحقّ تحرِّر (يو 8: 32). أمّا التعلُّق بالضلال فعبوديَّة وموت. لهذا تحدَّث الرسول عن »ضمائر اكتوت فماتت« (1 تم 4: 2). في الماضي، إذا هرب العبد من بيت سيِّده، يُعيدونه ويكوونه بالحديد المحمّى. هكذا هم المعلِّمون الضالّون والمضلِّلون.

أمّا تيموتاوس فيقدِّم التعليم الصحيح (آ6)، الذي أخذه عن بولس وسار فيه باهتمام كبير. قال له الرسول: أنت »تتبع«. وهذا يعني »المواظبة على القراءة« (آ13). هل يظنُّ الكاهن أنَّه انتهى من الدرس يوم انتهى من دراسته السابقة للكهنوت؟ ماذا نقول عن طبيب توقَّف عن شهادة الطبّ؟ هو لا يرافق ما يحصل من اكتشافات. فلا يستطيع أن يشفي، هذا إذا كان لا يميت أو يعطب الناس كما فعل ذاك »الاختصاصيّ« الذي اقتلع شاشة العين وهو يهتمُّ بمرض يسيطر فيها. ولكن المؤسف هو أنَّ من يقتل الجسد، نحن نراه، وهو يرى فعلته. أمّا الذي يقتل النفس ويحمِّلها الأحمال الثقيلة (مت 23: 4) فنحن لا نراه ولا هو يرى فعلته، إلاَّ إذا حرَّكه الإيمان. نحن نكتشف ذلك على مستوى التربية. فالوالدون يعرفون خطأهم فيما بعد، ولكن يكون فات الأوان. والكاهن الذي هو معلِّم، إن لم يكن تعليمه متجدِّدًا مثل ذاك الذي تحدَّث عنه الربُّ في عظة الأمثال (مت 13: 52)، يتركه الناس ويمضون إلى حيث يجدون التعليم.

ويواظب تيموتاوس على الوعظ والإرشاد، في وقته وفي غير وقته. وهو يعرف أنَّه يأتي يومٌ لن يقبلوا فيه التعليم. ومع ذلك لن يتوقَّف. فالنبيّ إشعيا اختبر هذا الوضع، فاستعاد حياته على ضوء دعوته: يكون قلب هذا الشعب قاسيًا (إش 6: 10). القلب القاسي هو الذي لا يقبل المياه. لا يلين. هو صلب كالصوّان. تأتي الكلمة عليه فلا »تتسرَّب« ولا تفعل. أمّا الأذن الثقيلة فحدِّث ولا حرج. قيل فيها: لا مختونة، مقفلة، غير مستعدَّة للسماع. والعين المغمَّضة هي تلك التي لا تريد أن ترى. هي عين هؤلاء الفرّيسيّين الذين اعتبروا أنَّهم يبصرون، فما أرادوا أن يبصروا إلاَّ ما يريدون. وفي النهاية، كانوا هم العميان تجاه الأعمى منذ مولده.

ويواظب تيموتاوس، وكلُّ كاهن، على التعليم، بالرغم من صغر سنِّه. فالخبرة الروحيَّة لا تُقاس بكثرة السنين. فهناك قدّيسون وصلوا إلى الذروة وهم في عمر مبكِّر. وإرميا النبيّ هو مثال لكلِّ حامل الكلمة. قال للربّ: »لا أعرف أن أتكلَّم لأنّي صغير السنّ«. وجاءه الجواب: »لا تقل إنّي صغير السنّ« (إر 1: 6-7). كان اللاويّ وخادم المذبح يبدأ عمله بعد الثلاثين. فقبل ذلك لم يكن يحقُّ له أن يشارك في الحياة العامَّة. أمّا والربُّ أرسل نبيَّه، فهو يسنده بحضوره ونعمه وحكمته. وموسى أراد أن يتهرَّب، فما سمح له الربّ بذلك: »اذهب وأنا أعينك على الكلام وأعلِّمك ما تقول« (خر 4: 13). ونقول الشيء عينه عن تيموتاوس رفيق بولس، كما يروي سفر الأعمال. ولكنَّ هذا يفرض حياة حميمة مع الربِّ، حياة من القداسة على مثال ما عرفنا عن القدّيس يوحنّا ماري فيانّاي، كاهن آرس، قرب ليون في فرنسا.

ماذا دعا الرسول هؤلاء المعلِّمين الكذبة؟ تعاليمهم شيطانيَّة. فالشيطان هو من يحاول أن يعرقل مسيرة المؤمنين في طريق الله. فهذا »المعلِّم« يساعد الشيطان وقوى الشرِّ على هدم ملكوت السماوات. والمعلِّمون الكذبة وُجدوا منذ القديم. كم حارب إرميا الأنبياء الكذبة الذين لا يقولون الحقيقة للشعب. الذين يخدمون مصالحهم الخاصَّة فقال فيهم الرسول: »إلههم بطنهم ومجدهم في خزيهم« (فل 3: 19). وفي الرسالة إلى تيطس يقول عنهم بولس: »يخربون بيوتًا بكاملها حين يعلِّمون ما لا يجوز تعليمه« (تي 1: 11). ووصفَهُم »أهلُ بيتهم«: »كذّابون أبدًا، وحوش خبيثة، بطون كسالى« (آ12).

فماذا يفعل الراعي الصالح حين يرى الخطر يهدِّد رعيَّته؟ أتراه يسكت؟ هل يختبئ لأنَّه يخاف أن يجابه من يحسبهم أقوى منه؟ لا شكَّ مرّات كثيرة يبدو الكاهنُ ضعيفًا أمام قوى الشرّ، وقوى المال التي تفعل فعلها في القلوب. فكثيرون يتركون إيمانهم بسبب حاجة مادِّيَّة أو إغراء يأتي من هنا وهناك. وهذا ما يعرفه الكاهن ويراه كلَّ يوم لا في لبنان فقط، بل في العالم العربيّ أيضًا. يحتاج الإنسان إلى بيت، إلى وظيفة، إلى مساعدة فيترك إيمانه. وهذا ما يؤلم. ولكن هل يعتبر خادم الربِّ نفسه ضعيفًا؟ كلاّ. فالله أفهَمَ إرميا أنَّه ليس بضعيف أمام المقاومين. هو »مدينة حصينة، عمود من حديد، سور من نحاس« (إر 1: 18). وقال له: »يحاربونك ولا يقوون عليك« (آ19). ولكن يبقى على خادم الله أن يقف ولا يتراجع، وأن يمضي إلى »الحرب« ويبحث عن الخراف الضالَّة، ولا يترك الذئاب تنهشها، كما هو الحال في أيّامنا، في الكنيسة.

وذكر الرسول اثنين من المعلِّمين الضالّين والمضلِّلين: هيميناوس والإسكندر. ارتبط اسم هيميناوس بالزواج، وذُكر مع الإسكندر في الرسالة الثانية إلى تيموتاوس. قيل عن الأوَّل إنَّ كلامه »يرعى كالآكلة« (2 تم 2: 17). مثل »الغنغرينة« والهريان. فهيميناوس مع فيليتس (أو: المحبّ) »زاغا عن الحقّ حين زعما أنَّ القيامة تمَّت، فهدما إيمان بعض الناس« (آ18). نلاحظ عمليَّة »الهدم« لا »البناء«. ذاك ما يفعله المعلِّمون الضالّون. يبدو أنَّ هذين آمنا بالقيامة الروحيَّة التي ينالها المؤمن بالعماد، في خطِّ الفكر اليونانيّ (أع 17: 32)، لا بقيامة الأجساد التي تكون في نهاية حياتنا. أمّا الإسكندر الذي يعمل في المعادن (قيل: النحّاس أو الحدّاد) فطُرد من الجماعة. قال بولس في كلام رمزيّ: »أسلمتهما (هيميناوس والإسكندر) إلى الشيطان ليتعلَّما ألاَّ يجدِّفا« (1تم 1: 20). والتجديف هنا هو الضلال الذي يُنشَر في الجماعة. فعلى تيموتاوس أن يحذر إسكندر هذا »لأنَّه عارض أقوالنا معارضة شديدة« (2 تم 4: 14-15). قال غير ما قلنا. وبولس واضح في هذا المجال على مستوى التعليم الصحيح: »فلو بشَّرناكم نحن أو بشَّركم ملاكٌ من السماء ببشارة غير التي بشَّرناكم بها، فليكن ملعونًا (أي: لا تكُنْ عليه بركة). قلنا لكم قبلاً وأقول الآن: إذا بشَّركم أحد ببشارة غير التي قبلتموها، فاللعنة عليه« (غل 1: 8-9).

ب - التعاليم الضالَّة

يجب على تيموتاوس أن يقف في وجه هؤلاء المعلِّمين، وأن يحذِّر المؤمنين من »الذين يعلِّمون تعاليم تخالف تعاليمنا« (1 تم 1: 3). ما كانت هذه التعاليم في زمن الرسول وتلاميذه؟

ذكرنا أوَّلاً التعليم الضالّ حول القيامة. الأنفس وحدها تقوم. متى؟ حين نتقبَّل العماد. أمّا الأجساد فلا تقوم، بل تمضي إلى التراب. ذاك هو التعليم اليونانيّ، الذي استعادته أوروبّا فيما بعد حول انفصال النفس عن الجسد. الجسم يمضي إلى التراب. والنفس إلى الخلود. وهذا يفتح الطريق أمام التقمُّص، حيث تلبس النفس الجسد مثل قميص تخلعه لتلبس جسدًا آخر. هذا ما يعارض موقف الكتاب المقدَّس، حيث الإنسان واحد. فحين نتكلَّم عن النفس نتكلَّم عن الإنسان. فالمريض يقول: يا ربّ، اشفِ نفسي. يعني اشفني. والجسد هو الإنسان كلُّه في علاقته مع الأجسام المحيطة به. وفي القيامة، الإنسان كلُّه »يكون مع الربِّ في كلِّ حين«، لا نفسه فقط. والربُّ يدعو الأخيار: »تعالوا يا مباركي أبي«. ينادي كلَّ واحد باسمه. وتعليم بولس حول القيامة واضح في الرسالة الأولى إلى كورنتوس: المسيح قام ونحن أيضًا نقوم. »يُدفَن (الإنسان) جسمًا بشريٌّا فيقوم جسمًا روحيٌّا« (1 كو 15: 44). أجل »الذين رقدوا في يسوع، ينقلهم الله إليه مع يسوع« (1 تس 4: 14).

ويواصل الرسول كلامه: »ولا يُصغوا إلى الخرافات وذكر الأنساب« (1 تم 1: 4). الخرافات أو تلك الروايات القديمة التي ترتبط بخريف الحياة والشيخوخة. والأنساب تجعل المؤمن يعود إلى حسبه ونسبه. فاليهود يعودون إلى الآباء إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وإلى أبطال العهد القديم. فلماذا لا يعود اليونانيّون إلى أبطالهم؟ وهكذا تظهر »المجادلات« والخلافات. أهذا يخدم تدبير الله ومشروعه الخلاصيّ؟ كلاّ ثمَّ كلاّ. بل يخدم الأهداف البشريَّة.

كيف يوصف هذا التعليم؟ إنَّه باطل. لا نفع فيه. هو كلام »أجوف«، فارغ. وخصوصًا يسيء إلى المحبَّة، إلى النوايا المبيتة التي تقسم الجماعة وتشقُّها قسمين إن لم يكن أكثر. فأين تكون المحبَّة الحقيقيَّة؟ تفرض »القلب الطاهر« الذي لا غشَّ فيه ولا رياء، لأنَّ من القلب تخرج الأمور الحسنة، ومن القلب »تخرج الأفكار الشرّيرة: الفسق والسرقة والقتل...« (مر 7: 21). وتفرض »الضمير الصالحب. فالضمير هو صوت الله فينا. ونحن يمكن أن نحوِّل هذا الصوت على مثال ما فعل قايين. وضع الله علامة لئلاَّ يقتله، فحسب نفسه »طريدًا شريدًا« (تك 4: 14). وتفرض أخيرًا »الإيمان الصادق«. الاستناد إلى الله بصدق. نؤمن بالله الذي آمن بنا. نكون أمناء لله لأنَّه الأمين الذي لا يمكن أن يُنكر ذاته (2 تم 2: 13).

من هم أصحاب هذا التعليم؟ اليهود الذين يعتبرون أنفسهم »من معلِّمي الشريعة« (1 تم 1: 7). وحكَمَ عليهم الرسول: »لا يفهمون ما يقولون وما يؤكِّدون«. يريدون أن يستعملوا الشريعة لكي يتكبَّروا على الآخرين ويفتخروا بممارسات لا يهتمُّ بها الإيمان المسيحيّ. الشريعة جُعلت للأشرار لا للأبرار. وماذا نجد تجاهها؟ »التعليم الصحيح الذي يوافق البشارة التي ائتمنتُ (أنا بولسُ) عليها، بشارة الله المبارك، له المجد« (آ10-11).

والتعاليم الضالَّة في أيّامنا كثيرة. فهناك مؤمنون فسُدت ضمائرهم فاعتبروا يسوع معلِّمًا وفيلسوفًا ومفكِّرًا، وأنكروا أن يكون ابن الله. فإن كان إنسانًا من الناس، فكيف يرفعنا إلى الله، فيقول: وحين أرتفع أجتذبُ إليَّ كلَّ إنسان. وهو نبيّ بين الأنبياء. ويكاد لا يساوي موسى. وتأتي النظريّات حول حبله الإلهيّ وولادته في البتوليَّة: هو إنسان مثل سائر الناس. وأمُّه لا تختلف عن أيِّ امرأة. فكان لها أولاد بعد »ابنها البكر« (لو 2: 7). لأنَّ يوسف لم يعرفها حتّى ولدت ابنها فسمّاه يسوع (مت 1: 25). ويضيفون: ولكنَّه عرفها بعد أن ولدت بكرها. مساكين هؤلاء الناس! ماذا ينفعهم أن يُحدروا الابن الإلهيّ ويجعلوه إنسانًا من الناس؟ هم يرفضونه لخسارتهم. وماذا ينفعهم أن يجعلوا »المباركة بين النساء« (لو 1: 42) امرأةً مثل سائر النساء؟

ما هو موقف تيموتاوس من هذه التعاليم؟ هل يضع رأسه في الرمال ويكتفي بأن تسير أموره المادِّيَّة كما يُرام؟ هل ينسى دوره في حمل البشارة؟

أراد اليهود أن يفرضوا نفوسهم، ويريدون اليوم أن يفرضوها. الله هو الإله الواحد. أمّا أن يقول يسوع إنَّه الابن، فهو يجدِّف ويستحقُّ أن يُرجَم بالحجارة (يو 8: 59). هم ما أرادوا أن يفهموا أنَّ الله »عيلة« في ثلاثة أقانيم، في ثلاثة أشخاص. وعيلته كبيرة فيكون مع »الابن الوحيد« الأبناء العديدون والبنات العديدات. فهو لم يستحِ بنا، ولا هو استحى أن يدعونا إخوته وأخواته. فقال: »ها أنا مع الأبناء (والبنات) الذين وهبهم الله لي« (عب 2: 13). قالوا: الله واحد. ونعتبر أنَّه يعيش وحده، معزولاً في أعلى سمائه. لا ابن له؟ وما معنى أن يكون الله أبًا ولا يكون له ابن؟ هو قال في البداية: نصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا. وتكون كلُّ »عيلة« على الأرض شبيهة بالعيلة التي في السماء، تُنعشُها المحبَّة.

وأراد الغنوصيّون (كلمة يونانيَّة ترتبط بمعرفة خاصَّة) أن يحيدوا بالإنجيل نحو تعاليمهم المبنيَّة على المعرفة الباطنيَّة. لا حاجة إلى الإنجيل. لا حاجة إلى التقليد الذي يعود إلى المسيح. يكفي أن نرجع إلى أعماقنا فنعرف، ولا سيَّما إذا عشنا »في حياة سابقة«. عشنا، متنا، وها نحن نعيش مرَّة ثانية. أخذنا جسدًا. تركناه. ثمَّ أخذنا جسدًا آخر. ماذا كانت تعاليمهم؟ عادت إلى العالم القديم وامتنعت مثلاً عن بعض المآكل وبعض المشروبات، لأنَّها تحمل الشرَّ في ذاتها. ردَّ الرسول: كلُّ شيء حسن لأنَّ الله خلقه. بل لمّا خلق الإنسان رجلاً وامرأة بحيث »ينمون ويكثرون ويملأون الأرض« (تك 1: 28) في الزواج، قال الكتاب: »ونظر الله إلى كلِّ ما صنعه فرأى أنَّه حسن جدٌّا« (آ31).

ويأتي الغنوصيّون »فينهون عن الزواج« (1 تم 4: 3). فالجسد شرُّ هو. وفعل الزواج يحطُّ الإنسان من رفعته الروحيَّة. واستند هؤلاء »المؤمنون« في ضلالتهم إلى كلام الربّ. قالوا: نحن منذ الآن أبناء القيامة. والربُّ قال: »ففي القيامة لا يزوِّجون ولا يتزوَّجون، بل يكونون مثل الملائكة في السماء« (مر 12: 52). اعتبر هؤلاء أنَّ القيامة حصلت، وأنَّهم قاموا، فما لهم بعدُ أن يقوموا. إذًا، هم لا يتزوَّجون.

ضلال آخر عرفته الكنيسة. ونعرف اليوم ضلالاً آخر يُبنى على الأنانيَّة: لماذا الزواج والارتباط بشخص آخر حتّى الموت؟ نبقى أحرارًا، أو نلتقي لمدَّة محدودة ثمَّ يمضي كلُّ واحد في طريقه. وبدعة شهود يهوه ومن يفكِّر تفكيرهم. نحن نعيش بعد الموت كما كنّا نعيش قبل الموت. نكون في سعادة. فنأكل ونشرب ونتزوَّج. فالبائسون والتعساء ينظرون بهذا الشكل إلى الحياة الأخرى. حُرموا من الطعام، ففي السماء يأكلون. حُرموا من الشراب، ففي السماء يشربون وتكون لهم النساء العديدات لكي يُشبعوا شهوات ما استطاعوا أن يُشبعوها على الأرض.

كلُّ عصر له ضلالاته. وكلُّ شعب وكلُّ بلد. هنا نسمع الرسول يودِّع شيوخ أفسس: »وأنا أعرف أنَّ الذئاب الخاطفة ستدخل بينكم بعد رحيلي ولا تشفق على الرعيَّة... فتنبَّهوا وتذكَّروا أنّي بدموع نصحتُ كلَّ واحد منكم، نهارًا وليلاً، مدَّة ثلاث سنوات« (أع 20: 31). تلك هي المدَّة التي قضاها بولس في أفسس. وكلُّ أسقف وكلُّ كاهن وكلُّ خادم للرب، يكون عنده هذا الهمّ في نطاق أبرشيَّته، في نطاق رعيَّته. ويقول الرسول لتلميذه: »انتبه لنفسك ولتعليمك وداوم على ذلك. فإذا فعلتَ خلَّصتَ نفسك وخلَّصتَ سامعيك« (1 تم 4: 16). وإلاَّ يأتي التهديد في خطِّ حزقيال النبيّ الذي نبَّه الرعاة إلى واجبهم (ف 34). وقال الربُّ عن »الخادم الشرّير« (مت 24: 48). الذي لا يقوم بعمله: »يرجعُ سيِّده في يوم لا ينتظره وساعة لا يعرفها، فيمزِّقه تمزيقًا ويجعل مصيره مع المنافقين. وهناك البكاء وصريف الأسنان« (آ50-51).

2- الخدم في الكنيسة

تجاه المعلِّمين الكذبة، هناك تيموتاوس والذين قدَّموا ويقدِّمون إلى أيّامنا التعليم الصحيح. فبعد مهمَّة التعليم، تأتي مهمَّة التنظيم مع ترتيب »بيت الله« أي الكنيسة. ويذكر بولس في هذه الرسالة خمس فئات: الأسقف، الشمّاس، الشمّاسة، الشيخ، الأرملة.

أ- الأسقف

يبدأ الكلام عن الأسقف بقول ذي طابع إعلانيّ: صدق القول (1 تم 3: 1). أو: هو قول صادق (1 تم 1: 15). فالأسقف هو الذي ينظر من فوق. يُشرف على كلِّ شيء في الكنيسة: على التعليم والتدبير والتنظيم. قال المجمع الفاتيكانيّ: »على الأساقفة أن يدبِّروا كنائسهم الخاصَّة الموكولة إليهم كنوّاب المسيح وممثِّليه بنصائحهم وتشجيعاتهم ومثَلهم... ذاكرين أنَّ على الأكبر أن يصبح كالأصغر، وأنَّ على المتقدِّم أن يصبح كالخادم«. ويتواصل الكلام: »إليهم سُلِّمت المهمَّة الراعويَّة كاملة أي الاهتمام الدائم واليوميّ بخرافهم«. ويكمِّل النصّ: »وبصفته مرسَلاً من أبي العائلة ليدبِّر أبناء بيته، على الأسقف أن يحفظ نُصبَ عينيه مثَل الراعي الصالح الذي أتى، لا ليُخدَم بل ليَخدم ويبذل نفسه عن الخراف«.

هي مهمَّة صعبة وتتطلَّب الجهد الكثير. لهذا كان الكثيرون يتهرَّبون منها. فشجَّع الرسول على القبول بهذا العمل التدبيريّ في الكنيسة. فعليه أوَّلاً أن يستضيف حاملي البشارة وسائر المؤمنين ولاسيَّما الفقراء والضعفاء. فقال فيه الرسول: يكون مضيافًا (1 تم 3: 2). ثمَّ صاحب ثقافة ليكون »صالحًا للتعليم«. بما أنَّ المسيحيَّة كانت في بدايتها، وُضعت شروط: أن لا يكون تزوَّج أكثر من مرَّة، بل مرَّة واحدة. أمّا اليوم، فالأسقف هو »خطيب« الكنيسة فيكون بتولاً، مكرِّسًا ذاته نفسًا وجسدًا، ولهذا يلبس الخاتم. من لا يصلح أن يكون في هذه الرتبة؟ السكِّير، العنيف، محبّ المال، »حديث العهد في الإيمان لئلاَّ تسيطر عليه الكبرياء« (آ6). مقابل ذلك، »يكون منزَّهًا عن اللوم، يقِظًا، رصينًا، محتشمًا. »يحسن تدبير بيته... فمن لا يحسن تدبير بيته، كيف يعتني بكنيسة الله؟ (آ4-5). من هنا انطلق المجمع الفاتيكانيّ للكلام عن المهمَّة الراعويَّة في حياة الأسقف.

»ليكن الأساقفة في وسط شعبهم كالذين يخدمون، وهم يمارسون مهمَّة الأب والراعي. وليكونوا رعاة صالحين يعرفون نعاجَهم ونعاجُهم تعرفهم، وآباء حقيقيّين يتسامون بروحهم المُحبَّة والمخلصة نحو الجميع، فتُلاقي السلطةُ التي قبلوها من فوق رضى الجميع مع الامتنان. عليهم أن يجمعوا كلَّ عائلة قطيعهم وأن ينعشوها، بحيث أنَّ الكلَّ وقد وعوا واجباتهم يحيون في شركة المحبَّة ويعملون بها«.

ب - الشمّاس والشمّاسة

الشمَّاس هو بقرب الأسقف. هو الخادم. الذي يهتمُّ بالفقراء والمرضى. منذ بداية الكنيسة، جُعلوا بجانب الرسل »في خدمة الموائد« (أع 6: 2). مع صفات ثلاث: حسنة. أهل حكمة. وخصوصًا يكونون »ممتلئين من الروح القدس« (آ3). نشير هنا إلى دور الشمّاس الذي يرافق الأسقف، كما كان الأمر مثلاً بالنسبة إلى أثناز الذي رافق أسقفه إلى مجمع نيقية سنة 325، ثمَّ خلفه كأسقف الإسكندريَّة.

والشمّاس مسؤول عن التعليم في الكنيسة، كما كان الأمر بالنسبة إلى أوريجان، ابن الإسكندريَّة ثمَّ قيصريَّة في فلسطين. وبالنسبة إلى أفرام الذي رافق ثلاثة أساقفة وأوَّلهم القدّيس يعقوب الذي حضر المجمع النيقاويّ. وكذا نقول عن هيسيخيوس في كنيسة أورشليم. ويحدِّثنا سفر الأعمال عن إسطفانس الذي حمل الكلمة ومات وهو يجادل اليهود. وعن فيلبُّس الذي بشَّر أهل السامرة.

غابت وظيفة الشمّاس من الكنيسة فترة طويلة، بعد أن أخذها الكهنة. وها هي تعود تدريجيٌّا في كنائسنا كما في كنائس العالم الغربيّ. ففي الكنيسة اللاتينيَّة يكون الكاهن بتولاً. وهذا الوضع كان أحد أسباب النقص في الكهنة. لهذا انتشر الشمامسة الذين يعاونون الكاهن ويحلّون محلَّه مرّات عديدة.

وكيف يختار الأسقف الشمامسة؟ يكونون أصحاب وقار مع الابتعاد عن ثلاث رذائل: الخمر، الربح الخسيس، ولا يكونون »ذوي لسانين« (1 تم 3: 8). وقبل كلِّ شيء »يحافظون على سرِّ الإيمان في ضمير طاهر« (آ9). وبشكل عام، يكونون بلا لوم. وبعد أن يختبرهم تيموتاوس (الأسقف)، يقيمهم شمامسة (آ10). فلا مجال للعجلة والتسرُّع. لأنَّ الذين يُختَارون بسرعة دون أن يُختبَروا، يُلقون الشكوك في الكنيسة. والربُّ قال: »الويل لمن تقع الشكوك على يده«. مرّات كثيرة »يخادعون«، فيقع المسؤول في الخطأ الذي يصعب إصلاحه.

ووُجدت الشمّاسة مع الشمّاس. إمّا هي امرأة الشمّاس، وإمّا هي تنال رتبة في الكنيسة. ودورها ضروريّ في إعطاء سرِّ العماد. ينزل طالب العماد فيخلع ثيابه ليمرَّ في حوض العماد كما في الموت ثمَّ يلبس ثيابه البيضاء. وإذا نزلت طالبة العماد إلى الماء، استقبلتها الشمّاسة.

وهذه أيضًا تبتعد عن النميمة. تكون يقظة، أمينة، من أهل الوقار. تتحلّى بالوقار وتبتعد عن كلِّ شر. وما قاله الرسول هنا يمكن أن ينطبق على »الخوريَّة« أو زوجة الكاهن، فتصبح أسرته أسرة كهنوتيَّة وبيت كهنوتيّ. ونسمع الرسول: »يحسن تدبير بيته ويجعل أولاده يطيعونه ويحترمونه في كلِّ شيء« (1 تم 3: 4).

ج- الأرامل والشيوخ

فئتان في الكنيسة تلعبان دورًا سوف يتوضَّح يومًا بعد يوم. هناك »الأرامل اللواتي هنَّ بالحقيقة أرامل« (1 تم 5: 3). فالمرأة التي يموت زوجها ولا يكون لها بنون ولا حفدة (آ4) تلجأ إلى الكنيسة وتقوم بالخدمة المطلوبة منها، ولاسيَّما استقبال الغرباء. هذا ما قامت به الراهبات ويقمن به إلى أيّامنا: الاهتمام بالأيتام والعجَّز والمرضى.

أعطى الرسول النصيحة إلى تلميذه للتمييز بين أرملة وأرملة. »تلك التي لا معيل لها، رجاؤها على الله، تصلّي وتتضرَّع إليه ليلاً ونهارًا«. هكذا كانت حنَّة النبيَّة التي »بلغت الرابعة والثمانين من عمرها، لا تفارق الهيكل متعبِّدة بالصوم والصلاة ليل نهار« (لو 2: 37). قال بولس: »لا تُكتَب امرأة في سجلّ الأرامل إلاَّ التي بلغت ستّين سنة وكانت زوجة رجل واحد، ومشهودًا لها بالأعمال الصالحة، وربَّت أولادها تربية حسنة، وأضافت الغرباء، وغسلت أقدام الإخوة القدّيسين، وساعدت المنكوبين، وقامت بكلِّ عمل صالح« (1 تم 5: 9-10).

والفئة الثانية هي فئة الشيوخ. في العالم اليهوديّ يترأَّسون جماعة الصلاة. وكذلك في العالم المسيحيّ. في السريانيَّة »قشيشا«، القسّيس. هو الكاهن في التنظيم الكنسيّ الذي يقف بين الأسقف والشمّاس. أخذ بعض مهمَّات الأسقف وبعض مهمّات الشمّاس، كما كان الأمر في التقليد اليونانيّ. ولمّا امتزج التقليد اليونانيّ مع التقليد اليهوديّ، صار الترتيب كما نعرفه اليوم.

قال إغناطيوس الأنطاكيّ: »يقتضي أن تكونوا على وفاق في الرأي مع أسقفكم... إنَّ كهنتكم يُجَلُّون حقٌّا... ومتآلفون مع أسقفهم تآلف الأوتار مع المعزَف«. ذاك ما قال هذا القدّيس إلى كنيسة أفسس (المقطع الرابع). وقال في المقطع السابع من الرسالة إلى كنيسة مغنيسية: »لا تفعلوا شيئًا من دون الأسقف والكهنة«.

ونقرأ المقطع الثالث من رسالة القدّيس إغناطيوس إلى كنيسة طرالية (في تركيّا الحاليَّة): »كذلك فليُحترَم الشمامسة، كالمسيح يسوع، والأسقف كصورة الآب، والكهنة، كمجلس الله وجماعة الرسل. فلا كنيسة من دونهم«.

وقال المجمع الفاتيكانيّ في »دستور عقائديّ في الكنيسة« (عدد 20): »وهكذا تقلَّدَ الأساقفةُ خدمةَ الجماعة يمارسونها بمساعدة الكهنة والشمامسة. إنَّهم يرئسون، بمقام الله، القطيعَ الذي يرعون كمعلِّمي العقيدة، وكهنة العبادة المقدَّسة، وولاة التدبير«.

ونقرأ في عدد 29 من الدستور العقائديّ عينه: »وفي الدرجة الدنيا من السلطة التسلسليَّة يقوم الشمامسة الذي يقبلون وضع يد، لا للكهنوت بل للخدمة... يخدمون شعب الله بالشركة مع الأسقف وجماعة الكهنة، وذلك في القيام بالطقوس، وبالكرازة ونشر المحبَّة«.

الخاتمة

هكذا يكون بيت الله الذي هو الكنيسة. تحدَّث الرسول أوَّلاً عن التعليم الصحيح الذي يبني الكنيسة، والتعليم الضالّ الذي يهدمها. وأبرز دور تيموتاوس، ودور الأسقف والكاهن (أو القسّيس) والشمّاس: هم يحاربون مثل هؤلاء المعلِّمين، ويدافعون عن القطيع كالرعاة الصالحين. خدم عديدة عُرفت في زمن ثانٍ من أزمنة الكنيسة الأولى. في الزمن الأوَّل، مع الرسالة الأولى إلى كورنتوس، نرى المواهب: كلام المعرفة، موهبة الشفاء، التكلُّم بلغات... أمّا في الزمن الثاني فنكتشف نواة التراتبيَّة بين الأسقف والكاهن، والشمّاس والشمّاسة، والأرامل والشيوخ. والأسقف هو المدبِّر الأوَّل كما قال المجمع الفاتيكانيّ الثاني. والكهنة يعاونونه في مهمَّة التعليم والتدبير، والشمامسة بدرجة ثانية. على أساس الرسل بُنيَت الكنيسة وكان حجر الزاوية يسوع المسيح. والخدّام يواصلون العمل الذي بدأ مع المسيح حين أرسل تلاميذه يحصدون ما لم يتعبوا فيه (يو 4: 38). فهنيئًا لنا بكهنة يرعوننا مثل هذه الرعاية، وبأساقفة »يرشدون الشيوخ بلطف، ويعاملون الشبّان كإخوة والعجائز كأمَّهات والشابّات كأخوات« (1 تم 5: 1-2). مع مثل هؤلاء الخدّام تتمُّ إرادة الربّ »بأن يخلص جميع الناس ويبلغوا إلى معرفة الحقّ« (1 تم 2: 4).