يا تيموتاوس إحفظ الوديعة

 

في الطقوس الشرقيَّة، اعتادت الكنيسة أن تحمِّل الكاهن المرسوم جديدًا، جزءًا من الأجزاء المكرَّسة، فيضمَّها بين يديه حتّى المناولة. ثمَّ يعيدها إلى المذبح. يحملها فتبدأ حياته الكهنوتيَّة. يعيدها، تنتهي حياته على مثال قول الربِّ يسوع: »ما من أحد ينتزع حياتي منّي، بل أضحّي بها راضيًا. فلي القدرة أن أضحّي بها، ولي القدرة أن أستردَّها« (يو 10: 17). ذبيحة يسوع هي بين يدي الكاهن، وهي تسلَّم إليه وديعة لكي يسلِّمها في يوم ربِّنا. »يا تيموتاوس، احفظ الوديعة« (1 تم 6: 20-). أيُّها الكاهن، رسالة يسوع، خدمة يسوع، مشروع يسوع بين يديك. وهو كما »في إناء من خزف لتُبان القوَّة من الله لا منّا« (2 كو 4: 7). يا تيموتاوس، احفظ الوديعة، وديعة الإيمان من كلِّ شائبة، في وجه الضلالة. احفظ الرعيَّة من الأخطار. دبِّرْ بيت الله. المسيح »سلَّمنا« الرسالةَ وعاد إلى الآب، وهو مطمئنّ أنَّها في يد أمينة. ولكن احتاج تيموتاوس إلى من يذكِّره بواجباته كأسقف، ككاهن. فقال له الرسول: »فعليك، أن توصي بهذا وتعلِّم. لا تدع أحدًا يستخفُّ بشبابك. بل كن قدوة للمؤمنين في الكلام والتصرُّف والمحبَّة والإيمان والعفاف« (1 تم 4: 11-12).

كيف يكون تيموتاوس ذاك الكاهن بحسب قلب الربّ؟ في خدمة الكلمة. في تنظيم الصلاة في الكنيسة. في تدبير الرعيَّة بكلِّ فئاتها من الشيوخ إلى الأرامل، والجماعة بشكل عامّ.

1. في وقته وفي غير وقته

قال الرسول لتلميذه تيموتاوس: »أناشدك... أن تبشِّر بكلام الله، وتلحَّ في إعلانه في وقته وفي غير وقته، وأن توبِّخ وتُنذر وتَعظ صابرًا كلَّ الصبر في التعليم« (2 تم 4: 1-2). ذاك هو واجب الكاهن الأوَّل. حمل الكلمة. مرّات عديدة نسمع: ما لنا أحد يعلِّمنا. ونجيب المؤمنين: هل أنت قاصر؟ ألا تعرف أن تقرأ، أن تسمع، لا شكَّ في ذلك. ولكن لماذا رُسم الكاهن أوَّلاً؟ أليس من أجل التعليم، في خطِّ المسيح الذي دُعيَ أكثر من مرَّة »يا معلِّم«.

ما نلاحظ في الرسالة الأولى (1 تم) إلى تيموتاوس المرّات العديدة التي فيها يذكِّر الرسول تلميذه بواجب التعليم. لماذا؟ لأنَّه أحسَّ بالنقص. يُقال: هناك أناس لا يحتملون التعليم. فما لنا ولهم؟ جواب الضعف والخوف والاستسلام. جواب الأجير الذي يرى الذئب آتيًا »فيترك الخراف ويهرب« (يو 10: 12). وفي أيِّ حال، قليلون هم الكهنة الذين يحبّون الوعظ والتعليم والإرشاد. وإن فعلوا، فيوم الأحد فقط. وماذا يعظون؟ كلام الله أم كلام الناس؟ لهذا نرى المؤمنين في رعايانا يهربون من عندنا ويمضون إلى حيث يسمعون كلام الله.

أربع مرّات يأتي فعل »علَّم« في 1 تم، حيث يقول بولس »لكاهنه«: »فعليك أن توصي بهذا وتعلِّم« (4: 11)، خصوصًا في وجه »المعلِّمين الكذّابين«. وفي علاقة الأسياد بالعبيد، يقول الرسول: »علِّمْ هذا وعظْ به« (6: 2). من الصفات الأولى لمن وُضعت عليه اليد »أن يكون صالحًا للتعليم« (3: 12).

ثلاث مرّات يرد الاسم »التعليم« حيث يسمع تيموتاوس ويسمع الكهنة: »واظب على القراءة والوعظ والتعليم« (4: 13). ماذا يقرأ مثل هذا التلميذ؟ الكتب المقدَّسة. هنا نتذكَّر آباء الكنيسة الذين تركوا لنا هذا الإرث الواسع. ماذا كانت ثقافتُهم الأولى؟ الكتاب المقدَّس، كلام الله. نتعرَّف في كنيستنا الأنطاكيَّة مثلاً إلى يوحنّا الذهبيّ الفم. لم يُقَل عنه شيء بالنسبة إلى سائر المواهب. بل صار اسمه مرادفًا لحمل الكلمة وإتقانها وإيصالها إلى المؤمنين، الذين نالوا »الذهب«، لا معدنًا من نوع آخر مثل القصدير والحديد. ولا أشياء مثل الخشب والقشّ والتبن (1 كو 3: 12) الذي هو مثل الرماد حين تمرُّ عليه النار. فماذا يطلب المؤمنون من الكاهن؟ أيكون أستاذًا في الطب أو الهندسة أو الحقوق؟ أيكون بارعًا في السياسة وفي الأمور الاجتماعيَّة؟ أيكون خطيبًا مصقعًا يرصف الكلام ويكرِّره؟ هنا نفهم أن يهرب الناس من الوعظ والتعليم.

والوعظ هنا هو الإرشاد، حيث يعلِّمنا الرسول كيف يكون: »نرشد الكسالى، نشجِّع الخائفين، نساعد الضعفاء« (1 تس 5: 14). ولا نخاف أن نحذِّر من يعيش حياة لا تليق بالدعوة التي دُعينا إليها. ولكن من يكون هكذا »لا تعاملوه كعدوّ، بل انصحوه كأخ« (2 تس 3: 15). ويسمع تيموتاوس نصيحتين يستعمل كلَّ واحدة بحسب المناسبة، فيتحلّى بصفة التمييز. مع الشيوخ مثلاً: »لا توبِّخ شيخًا، بل أرشده بلطف كأنَّه أب لك« (1 تم 5: 1). والشبّان هم »إخوة لك«. والعجائز هنَّ »أمَّهات«. »وأمّا الشابّات فعاملهنَّ بكلِّ عفاف كأنَّهنَّ أخوات« (آ2).

ولكنَّ »شيوخ الكنيسة«، أي الكهنة (أو: الخدّام) والقسس (والقسيس في السريانيَّة هو الشيخ) يُكرَّمون الإكرام المضاعَف، لأنَّهم »يتعبون في التبشير والتعليم« (5: 17). ولكن إن لم يكونوا على قدر المهمَّة في الإهمال والتكاسل، ماذا يفعل بهم تيموتاوس؟ هل يتغاضى عنهم؟ كلاّ. »أمّا المذنبون فوبِّخهم أمام جميع الحاضرين حتّى يخاف غيرهم« (آ20). ونتذكَّر هنا كلام بولس إلى أهل كورنتوس ونطبِّقه على نفوسنا: »لو كنّا ندين أنفسنا، لتجنَّبنا الحكم علينا« (1 كو 11: 31).

الوعظ، التعليم، الإرشاد، في كلِّ وقت، لا في الكنيسة فقط، يوم الأحد. فالمجمع الفاتيكانيّ طلب من الكهنة أن يُعطوا الشعب الكلمة في كلِّ قدّاس. وفي احتفالاتنا، وفي زيّاحاتنا، أين هو موقع كلام الله، نقرأه، نشرحه للمؤمنين؟ هل نتذكَّر أين كان يعظ يسوع؟ في السفينة، على شاطئ البحر، في المجمع، في البيت، وهو يمشي مع الجموع. يقول المثَل للناس، يشرحه. أين اللقاءات الإنجيليَّة؟ السهرات الإنجيليَّة في البيوت؟ اجتماع كلّ فئات الرعيَّة، من الصغار إلى الشيوخ مرورًا بالشبّان والشابّات. قال أحد الكرادلة في السينودس الأخير: عجيب! نعظ بضع دقائق فيتعب الناس منّا. وغيرنا يعظ ساعة وأكثر والناس يسمعون لهم. والسبب بسيط. ماذا يريد الناس من الوعظ؟ أن يروا يسوع. ذاك ما طلبه اليونانيّون من فيلبُّس وأندراوس (يو 12: 20)، فأوصل هذان الرسولان هؤلاء الناس إلى يسوع. أخبراهم عن يسوع. وهنا يقول لنا الرسول: نحن لا نعظ بأنفسنا، بل بالمسيح ربِّنا«.

ماذا يعني هذا؟ أن يحمل الكاهن همَّ الكلمة. غير أنَّ هذا يعني أنَّه يعرفها. ماذا قال الرسول لتلميذه: »واظبْ على القراءة«. نعم. قال أحدهم: »من يقرأ الجريدة يعظ السياسة. ومن يقرأ الإنجيل، يعظ كلام الله«. يا ليتنا »نضيِّع« وقتنا في قراءة الإنجيل وشروحه والتعمُّق في تعاليم الآباء، بقدر ما نضيِّع الوقت في قراءة »الصحافة« أو الاستماع على الراديو أو مشاهدة التلفزيون. يجب أن نعرف ما حولنا من أحداث. لا بأس. وهنا يأتي كلام يسوع قاسيًا: »يا مراؤون، منظر السماء تعرفون أن تفسِّروه، وأمّا علامات الأزمنة فلا تقدرون أن تفسِّروها« (مت 16: 3). قيل عن خوري آرس ونحن نتذكَّر وفاته منذ 150 سنة إنَّه كان جاهلاً لأنَّه لا يعرف اللاتينيَّة وغيرها من العلوم. ولكنَّ الناس كانوا يسمعون له أكثر من أكبر المعلّمين في الجامعات الكبيرة، لأنَّها تعلِّم علم الله. وأتذكَّر أحد الأشخاص الذين كانوا يستعدُّون للرسامة الكهنوتيَّة. كان طالبًا عاديٌّا. فاحترق قلبه بكلام الله، فأخذ يقرأ ويتأمَّل ويسأل، فتميَّزت عظاته تمييزًا كبيرًا فكان الجميع يسمعون إليه بارتياح. والقدّيس أوغسطين الذي بدأ حياته في العلوم الدنيويَّة، والتحق بعدد من الفلسفات والبدع. ولكنَّه سمع يومًا في الحديقة صوتًا سرِّيٌّا يقول له: »خذ واقرأ«. وأخذ يقرأ الكتب المقدَّسة، وترك لنا إرثًا من الشروح ما زلنا ننهل منه إلى الآن: تأمُّلات في المزامير، شرح إنجيل يوحنّا، رسائل القدّيس يوحنّا التي نُقلت إلى العربيَّة.

افتخر بولس فقال: »جعلني الله مبشِّرًا ورسولاً ومعلِّمًا الأمم في الإيمان والحقّ« (1 تم 2: 7). أوَّلاً، ما انحصر في جماعة محدَّدة. بل انفتح على »الأمم«، على الجميع. وذلك مع أنَّه يهوديّ، فرّيسيّ. هو »الكارز« المنادي، الذي يسير أمام »معلِّمه«. ومن أجل هذا أُرسل، لا لكي يسابق الآخرين في تكوين فئة تسير في فلكه بل ليضع الأساس في كل مكان يصل إليه، بحيث لا يبني على أساس غيره. قال: »ما أرسلت للتعميد، بل للتبشير، غير متَّكل على حكمة الكلام لئلاّ يفقد موتُ المسيح على الصليب قوَّته« (1 كو 1: 17). وهناك موضع مميَّز للتعليم، الليتورجيّا، التي تعني في الأصل: العمل العامّ. عمل شعب الله. ممارسة العوامّ في الكنيسة. ومن هو المسؤول؟ تيموتاوس، الكاهن الذي يرأس الجماعة.

2. الصلاة الليتورجيَّة

وكتب الرسول إلى تلميذه تيموتاوس: »فأطلبُ قبل كلِّ شيء أن تقيموا الدعاء والصلاة والابتهال والحمد« (1 تم 2: 1). حرفيٌّا: أناشدُ، أتوسَّل. لا أفرض عليكم. ولكنّي أنصحكم بما تفعلون. »الدعاء« أو بالأحرى: الطلب. فالطلب يدلُّ على حاجة، على عوز. نحن »شحّاذون« أمام الله. نتسوَّل. ربَّما لنا، ولكن لأجل الآخرين. وهنا الطلب »من أجل الملوك وأصحاب السلطة«. هم مسؤولون باسم الربّ عن الناس، ليكون السلام في البلاد، والعدالة والحقّ بين الأفراد ثمَّ الصلاة. بالصلاة نتَّصل بالله، نجعل جسرًا بيننا وبينه. نحن بعيدون، نقترب منه. نحن خطأة، نطلب غفرانه. نحن مشتَّتون، نجتمع حوله في المحبَّة له وبعضنا لبعض. وهذا هو الاجتماع الأسبوعيّ للمؤمنين. كان الكلام البولسيّ قاسيًا: »ولا تنقطعوا عن الاجتماع، كما اعتاد بعضكم أن يفعل« (عب 10: 25). من وصايا الله العشر: »قدِّس يوم الربّ« (خر 20: 8). كرِّسْه لله. فهو لا يخصُّك. طلبه الربُّ لكي يرتاح الجميع بمن فيهم العبد والجارية والثور والحمار. وقالت الكنيسة في الوصايا السبع: احفظ يوم الأحد والأعياد المذكورة. وهكذا يأتي المؤمنون. يصلّون معًا. تلك هي الليتورجيّا التي فيها يكون للكاهن الدور الأوَّل.

بعض من جاء من »الغرب« يعتبر الكاهن واحدًا من الجماعة. كلاّ. لا شكَّ في أنَّه مختار من الشعب، ولكنَّ دوره فريد في الليتورجيّا، بحيث لا يستطيع أحد أن يحلَّ محلَّه. هو مختار لما يكون لله فيقدِّم الذبيحة ويجمع المؤمنين حول المسيح »الوسيط بين الله والناس« (1 تم 2: 5). هنا نقرأ بعض ما جاء في المجمع المسكونيّ حول »حياة الكهنة وخدمتهم الرعويَّة«:

»أراد الله، الذي هو وحده قدّوس ومقدَّس، أن يتَّخذ أناسًا بمثابة رفاق ومساعدين ينصرفون إلى عمل الخلاص. ولذا فيكرِّس الله الكهنة، شركاء كهنوت المسيح بصورة مميَّزة، بواسطة الأسقف، لكي يعملوا في الذبيحة الإلهيَّة كخدّام لذاك الذي يتمِّم باستمرار خدمته الكهنوتيَّة بواسطة روحه القدّوس فداء عنّا في الليتورجيّا«.

ولكنَّ عددًا كبيرًا من الكهنة يعتبرون أنَّهم يستطيعون أن يتفرَّدوا في العمل بحيث لا يسمحون للعلمانيّين والعلمانيّات أن يعملوا. ربَّما خوفًا على سلطتهم أو لسبب آخر. يا ليتنا نحن الكهنة نعرف أن نشرك المؤمنين في خدمتنا فتستفيد الكنيسة من مواهبهم! ويا ليت كلَّ مسؤول في الكنيسة، يقول كما قال الرسول حين أحسَّ حوله »بالحسد والمنافسة« (فل 1: 15): »ولكن ما همَّني، ما دام التبشير بالمسيح يتمُّ في كلِّ حال، سواء كان عن إخلاص أو من غير إخلاص« (آ18).

وتتواصل الصلاة الليتورجيَّة في »الابتهال«. فالابتهال في المعنى الأصليّ يتمُّ في اللقاء والحوار والعلاقة الحميمة. نلاحظ هنا كيف يكون الكاهن، لكي يكون قدوة للمؤمنين كما طلب الرسول (4: 12). وقابلَ بين الرياضة البدنيَّة والرياضة التقويَّة. »روِّضْ نفسك بالتقوى. فإذا كان في الرياضة البدنيَّة بعضُ الخير، ففي التقوى كلُّ الخير لأنَّ لها الوعد بالحياة الحاضرة والمستقبلة« (4: 7-8). فالتقوى هي المخافة. والمخافة الصالحة، لا مخافة العبيد من أسيادهم. وهي تعارض الكفر والنجاسة. التقوى تعني الاحترام العميق للإله والحبّ الذي لا يرضى أن يعمل شيئًا لا يُحبُّه المحبوب. التقوى تعني حياة لا عيب فيها. هذه الفضيلة لا تُولَد معنا، بل نقتنيها يومًا بعد يوم، كما الإنسان بالنسبة إلى الرياضة البدنيَّة. وفي هذا المعنى يقول بولس إلى كنيسة كورنتوس: »أما تعرفون أنَّ المتسابقين في الميدان يشتركون كلُّهم في السباق... كلُّ مسابق يمارس ضبط النفس في كلِّ شيء من أجل إكليل يفنى؟ وأمّا نحن، فمن أجل إكليل لا يفنى« (1 كو 24-25). تلك هي التقوى التي يجب أن يصبو إليها تيموتاوس. تلك هي الرياضة، التي ليست فقط لهذه الحياة الحاضرة، بل ترافق المؤمن في الحياة المستقبلة.

ومع الابتهال أو التوسُّل، هناك »الحمد« والشكر. نحن نلنا نعمة، لهذا نرفع الشكر إلى الله. ونحن لا ننسى أنَّ »ذبيحة القدّاس« هي ذبيحة الشكر: إفخارستيّا، التي تعني في اللغة اليونانيَّة العرفان بالجميل. هذا ما يعلِّمه الكاهن للمؤمنين. ونواصل قراءة ما قيل للكهنة: »فالقربان المقدَّس يحوي كلَّ خير الكنيسة الروحيّ، أي المسيح فصحنا والخبز الحيّ الذي يعطي الحياة للبشر بجسده الحيّ والمحيي بالروح القدس. بهذا يُدعَون كلُّهم ويقادون إلى تقدمة أنفسهم وأعمالهم وكلِّ الخليقة مع المسيح. ولذلك فإنَّ القربان يبدو كينبوع التبشير كلِّه وقمَّته...

»فالاجتماع القربانيّ إذًا، هو محور جماعة المؤمنين التي يرئسها الكاهن. يعلِّم الكاهن المؤمنين أن يقدِّموا الذبيح الإلهيّ لله الآب في ذبيحة القدّاس وأن يقدِّموا معه حياتهم...

»... يعلِّمونهم أن يشتركوا في الاحتفالات الطقسيَّة المقدَّسة ليصلوا بها إلى الصلاة المخلصة. ويحملونهم على التعمُّق في روحيَّة الصلاة دون انقطاع، فيتمرَّسون بها طوال حياتهم وفقًا لنعم كلٍّ منهم، فيشوِّقون الكلَّ في أن يكونوا أمينين لواجبات وظيفتهم الخاصَّة، والمتقدِّمين منهم في ممارسة النصائح الإنجيليَّة حسبما تنطبق على كلِّ فرد منهم، وبالتالي يعلِّمون المؤمنين أن يرتِّلوا لله المزامير والتراتيل الروحيَّة في قلوبهم شاكرين دائمًا عن الجميع الله الآب باسم ربِّنا يسوع المسيح«.

أوردنا هذا النصَّ المجمعيّ كلَّه لأنَّه يطلب من الكاهن أن يعلِّم شعبه الصلاة. الصلاة الجماعيَّة والصلاة الفرديَّة. هذا يعني أنَّه يصلّي. ويكفي المؤمنين أن يروه يصلّي لكي يتعلَّموا الصلاة. أما هذا الذي حصل للتلاميذ حين رأوا »يسوع يصلّي في أحد الأماكن«؟ (لو 11: 1). انتظروه لكي يُتمَّ صلاته. ثمَّ »قال له واحد من تلاميذه: يا ربّ، علِّمنا أن نصلّي«. مرَّة قال أحد المؤمنين: نفرح حين ندخل الكنيسة فنرى الكاهن سبقنا وهو يصلّي. كأنّي به ينتظرنا. أمّا من يأتي في الدقيقة الأخيرة، هذا إذا لم يأتِ متأخِّرًا فأي مثل يعطي للرعية؟

والصلاة الليتورجيَّة تتمحور أساسًا حول كلمة الله. كنّا مرَّة في احتفال بيزنطيّ ليلة الميلاد: ساعتين من الأناشيد والصلوات، ولمّا جاء دور كلمة الله، قيل لنا: لا وقت لنا، لهذا لا نقرأ القراءات من الأنبياء والعهد الجديد. وواصلت الجوقة الترتيل. ومرّات عديدة نختار قراءة واحدة، بدون مقدِّمة تهيّئ المؤمنين. وأين العظة؟ فكلام الله يجب أن يصل إلى المؤمنين في الوضع الذي يعيشونه. هذا ما ندعوه: أوَّن. نقرأ الكلمة الآن وكأنَّها تتوجَّه إلينا اليوم. وإلاَّ فما معنى كلام المزمور: اليوم إن سمعتم صوته؟ أو كلام الربّ في مجمع الناصرة: »اليوم تمَّت الكلمة التي تُليت على مسامعكم« (لو 4: 21).

والترتيب في الكنيسة يعني أن يشارك الجميع في الصلاة. في الماضي، كان الشرقيّون يمنعون المرأة من المشاركة في الترتيل. أمّا أفرام السريانيّ فخلق جوقة فيها الشبّان والشابّات. الكلُّ معمَّدون، فلماذا لا يكونون واحدًا حول الكاهن؟ واليوم، انقلبت الآية، ولاسيَّما في بعض الرعايا، فلا نجد سوى النساء أو البنات إن لم نقل الأطفال: يقرأون رسالة القدّيس بولس، ويصفِّق لهم الأهل. في رعيَّة أنطلياس، تبدَّل الوضع. فدعت الجماعة الكهنوتيَّة الدكتور شارل مالك الذي قرأ رسالة القدّيس بولس في القدّاس، وبعد ذلك، فهِمَ المؤمنون أنَّه شرف كبير أن يشارك المؤمنون والمؤمنات في الترتيل، في القراءات وفي الخدم المتنوِّعة.

ويدعو الرسول كلَّ فئة إلى الصلاة. أوَّلاً، الرجال. »أريد أن يصلّي الرجال في كلِّ مكان، رافعين أيديًا طاهرة من غير غضب ولا خصام« (1 تم 2: 8). المعنى الأوَّل، في كلِّ موضع وصل الإنجيل. فالصلاة تعبير عن الإيمان. ونتذكَّر هنا ما قاله الذهبيّ الفمّ عن الرجال الذين كانوا يفضِّلون الذهاب إلى المسرح أو إلى أماكن أخرى، ويتركون النساء وحدهنَّ في الصلاة. أمّا رفعُ الأيدي فعادةٌ ترجع إلى الأزمنة القديمة جدٌّا، ونحن نعتبر أنَّ الله يقيم فوقنا، في السماء: »لتُقَم صلاتي كالبخور أمامك، ورفُعُ يديَّ كتقدمة المساء« (مز 141: 2). ونحن نرفع أيدينا، خلال الليتورجيّا، عند صلاة »الأبانا«. كلُّنا معًا، في حركة واحدة. وأيدينا تكون »طاهرة، نقيَّة«، مقدَّسة، ورعة. والورع هنا يكون على مستوى العمل كما على مستوى الكلام. لهذا كان الكلام عن »الغضب« وما يمكن أن يصدر عنه. على ما قال الربّ: »من غضب على أخيه استوجب حكم القاضي، ومن قال لأخيه: يا جاهل، استوجب حكم المجلس، ومن قال له: يا أحمق، استوجب نار جهنَّم« (مت 5: 22). وبعد الغضب الخصام: »وإذا خاصمك أحد، فسارعْ إلى إرضائه...« (آ25). وفي أيِّ حال، لا يقبل الربُّ ذبيحتك إن كان »لأخيك شيء عليك« (آ24).

والنساء. هنَّ يشاركن في الخدمة، شأنهنَّ شأن الرجال. ففي كنيسة الله، لا رجل ولا امرأة. ولكنْ لهذه المشاركة شروط. أوَّلها الحشمة. تكون المرأة في لباس لائق. وكيف تكون الزينة؟ لا تلك الخارجيَّة، بل تلك المميَّزة »بالحياء والوقار« (1 تم 2: 9). لماذا رفض الرسول »الذهب واللآلئ والثياب الفاخرة«؟ لأنَّها تحمل الكبرياء وسط شعب بسيط، متوسِّط الحال. والمظهر الخارجيّ يُغني مرارًا عن »الأعمال الصالحة« (آ10). فحين تهتمُّ المرأة كثيرًا بنفسها، تنسى »تقوى الله«. هي تريد أن ترضي الناس. والمشاركة في الجماعة المصلِّية، هي قبل كلِّ شيء بحث عن رضى الله.

3-  الكاهن ومهمَّة التدبير

»إنَّ الكهنة، وهم يمارسون مهمَّة سلطة المسيح الرأس التي تعود لهم، يَجمعون باسم الأسقف عائلةَ الله التي تُنعشها الوحدة الأخويَّة، ويقودونها بالمسيح في الروح إلى الله الآب. ولممارسة هذه الخدمة والقيام بسائر المهمّات، يُعطى الكاهن سلطة روحيَّة للبنيان. فعلى الجميع أن يتعاطوا مع الجميع في بنيان الكنيسة بإنسانيَّة متناهية إسوة بالربّ، وأن يتعاملوا معهم، لا بحسب الميول البشريَّة، ولكن حسب مقتضيات العقيدة والحياة المسيحيَّة، يعلِّمونهم ويؤنِّبونهم كأبناء أعزّاء...«.

ذاك ما قال المجمع الفاتيكانيّ الثاني في مقطع عنوانه: »الكهنة قادة شعب الله«. واستند إلى كلام الرسول المتكلِّم عن السلطان »الذي وهبه الربُّ لنا لبنيانكم لا لهدمكم« (2 كو 10: 8). أجل، ذاك هو تدبير الكهنة في الرعيَّة. لهذا، فهم لا يتبعون ميولهم: فالرسول لا يحاول أن يرضي الناس، بل الله (غل 1: 10). وإلاَّ لن يكون خادمًا للمسيح. فالمؤمنون ليسوا غرباء، بل هم »أبناء« (1 كو 4: 14)، وبنات الله. ليسوا عبيدًا، بل »أحبّاء«. وهو بهذه الصورة ينصحهم، ويربّي »إيمانهم لبلوغ النضج المسيحيّ«. ويواصل المجمع: »فلا منفعة تُرجى من احتفالات، وإن جميلة، ومن اجتماعات، وإن مزدهرة«. وكلُّ ذلك في خطِّ ما قاله القدّيس جيروم: »ما الفائدة من أنَّ الجدران تلمع بالحجارة الكريمة ساعة المسيح يموت في الفقير؟«

وتبدأ »التربية« على مستوى الإيمان. هناك أوَّلاً التعليم. يزعم بعض المؤمنين أنَّهم معلِّمون، ولكنَّهم »لا يفهمون ما يقولون وما يؤكِّدون« (1 تم 1: 7). يقول فيهم الرسول: »زاغوا... وانحرفوا إلى الكلام الباطل« (آ6). أشارت الرسالة هنا إلى بعض العائدين إلى التعاليم اليهوديَّة التي تذكر »أنسابًا لا نهاية لها« (آ4). كلُّ هذا يثير المجادلات التي لا تَبني الكنيسة، بل تدمِّرها. فمثلُ هذه التعاليم التي يطلقها من يحسبون نفوسهم »معلِّمي الشريعة«، تخالف تعاليمنا. فلماذا نُصغي إليها؟

أين حضور الكاهن؟ وهل يصغون إليه أم إلى كلِّ جديد يأتي إلى الرعيَّة؟ هناك إصغاء فيه المنفعة المادِّيَّة وغيرها. وهناك إصغاء يحاول أن يُقنع المؤمنين أو يملأ فراغًا في قلوبهم على ما قال الرسول: »كيف يسمعون إن لم يكن هناك من يبشِّرهم« (رو 10: 14). إن لم يكن الكاهن هو الذي يبشِّرهم، أو من يعاون الكاهن من الفرق الرسوليَّة. فالآتون من الخارج هم سرّاق ولصوص. هم لا يدخلون من الباب، بل يتسلَّقون من موضع آخر. والراعي غائب عن رعيَّته، وسيأتي وقتٌ يستغني الربُّ عن خدماته. ويحسبه »ذاك الخادم الشرّير الذي يرجع سيِّده في يوم لا ينتظره وساعة لا يعرفها، فيمزِّقه تمزيقًا ويجعل مصيره مع المنافقين« (مت 24: 50-51).

أجل، عمل الكاهن التدبيريّ هو، قبل كلِّ شيء، الدفاع عن الرعيَّة، وإبعاد الخطر المتأتّي عن التعاليم الباطلة. ومع مثل هذه التعاليم، هناك المعلِّمون الكذبة. فتتحدَّث الرسالة عن »أرواح مضلِّلة وتعاليم شيطانيَّة« (1 تم 4: 1). فالشيطان هو ما يعارض الله، وبالتالي شريعته المقدَّسة. في زمن بولس، كانت فئة تدَّعي أنَّها تعرف أمورًا سرِّيَّة لا يعرفها الناس العاديّون: »ينهون عن الزواج وعن أنواع من الأطعمة« (آ2). وفي يومنا، كما في كلِّ الأيّام، كم »من الخرافات الباطلة« (آ7) التي تجعل الناس يضيعون؟ وهكذا يعيشون في الضلال. فإذا كان الكاهن »أبًا« في امتداد أبوَّة الله، فكيف لا يعرف حاجات أولاده؟

الكاهن يحارب التعاليم الضالَّة، وفي الوقت عينه يُطلق التعليم الصحيح. يقول عنه النبيّ حزقيال: يكون في الثغرة، في »سور« المدينة. يدافع، يقوّي، يشجِّع. والكاهن »لا يعيق عمل الروح« (1 تس 5: 19). فالروح يمنح المواهب لهذا وذاك، والكاهن يعرف أن يمتحن كلَّ شيء ليميِّز عمل الروح في المؤمنين. هناك من يعرف أن يعلِّم، فلماذا نمنعه عن التعليم؟ هناك من يعرف كيف يتدبَّر الأمور، فلماذا لا نستفيد من حكمته؟

وتشدِّد 1 تم على الاهتمام بالأرامل. ويقول النصّ: »اللواتي هنَّ حقٌّا أرامل« (5: 3). ويقدِّم الرسول إلى تلميذه النصائح اللازمة. »لا تُكتَب امرأة في سجل الأرامل إلاَّ التي بلغت الستّين سنة، وكانت زوجة رجل واحد، ومشهودًا لها بالعمل الصالح، وربَّت أولادها تربية حسنة، وأضافت الغرباء، وغسلت أقدام الإخوة القدّيسين، وساعدت المنكوبين، وقامت بكلِّ عمل صالح« (آ10).

في الواقع، تلك هي الأعمال التي تقوم بها الراهبة في مجتمعنا، أو الأشخاص الذين صاروا إلى التقاعد في المجتمعات المتطوِّرة. كيف التعامل مع هؤلاء المستعدّين والمستعدَّات للخدمة في الكنيسة؟ هنا يأتي دور الكاهن في الرعيَّة، والأسقف في الأبرشيَّة. هو يتدبَّر الرعيَّة كما الإنسان يتدبَّر بيته، ويقول فيه الربُّ يسوع: »يعطي الخدم الطعام في حينه« (مت 24: 45). لأنَّه »العبد الأمين الحكيم«. فالعبد هو الذي يلتصق بسيِّده، ويعرف مشيئته. وهو الأمين، الثابت على عمله، لا يحيد عمّا طلبه منه سيِّده يمنة ولا يسرة. وأخيرًا هو الحكيم، لا بحكمة البشر، بل بخدمة الله. لا يطلب ما لنفسه، بل ما هو للجماعة. هكذا يكون الراعي »المدبِّر الحكيم«. كما تنشد الجماعات له في بعض احتفالاتها.

الخاتمة

إذا كان تيموتاوس »كاهنًا« على هذا المستوى، يستحقُّ أن يدعوه الرسول »ابني الحقيقيّ في الإيمان«. تلك هي العلاقة بين الأسقف والكاهن، بين الكاهن وكلِّ واحد من الرعيَّة. هي بنوَّة وأخوَّة في الإيمان. ولا يمكن أن تكون العلاقة بين الراعي والرعيَّة كما هي على المستوى البشريّ، حيث الرئيس والمرؤوس، حيث المخافة والتهديد هما اللذان يسيطران. أمّا ما طلب الرسول من تيموتاوس، وما يمكن أن يُطلَب من الكهنة، هو أوَّلاً خدمة الكلمة بالتبشير والإنذار والإرشاد. فالله يرسل كهنته لكي ينبِّهوا الخاطئ، وإن هم لا ينبِّهونه، يُطالَبون، على ما قال الربُّ في النبيّ حزقيال. والخدمة الليتورجيَّة تجعل الإنجيل في صلاة المؤمنين، خلال الاجتماع الأسبوعيّ، يوم الأحد، وفي سائر الاجتماعات. فالربُّ قال بفم نبيِّه: شعبي لا يعرف. لهذا فهو يمضي يبحث حيث يمكن أن يجد معرفة. وبدلاً من أن يمضي إلى »ينبوع المياه الحيَّة« (إر 2: 13) يفتِّش هنا وهناك عن »آبار مشقَّقة لا تمسك الماء«. وأخيرًا، ما طلب الرسول من تيموتاوس، هو الاهتمام بكلِّ فئات الرعيَّة، فيكون كالأب والأمّ معًا. يقسو ساعة القساوة مطلوبة، ويحنو ساعة يجب الحنان. »يا تيموتاوس، احفظ الوديعة«. سلَّمك الربُّ وزنات وفي النهاية يطالبك. ويا ما أحلى حين يقول لك: »أحسنتَ، أيُّها الخادم الصالح الأمين! كنتَ أمينًا على القليل. فسأقيمك على الكثير: أدخل نعيم سيِّدك« (مت 25: 23). أيها الأسقف، أيها الكاهن، أمامك بولس، أمامك تيموتاوس وسائر الذين حملوا البشارة في بداية الكنيسة ولا يزالون يمضون إلى أصقاع عديدة في العالم. أمامنا المثال، فماذا ننتظر لكي نقتدي به!