الختم السابع والأبواق الأربعة

 

شكّل ف 6-7 دبتيكا في درفتين: فُتحت الختوم السبعة فانطلق غضب الله (ق 6). هذا من جهة. ومن جهة ثانية، ظهرت المهلة التي تتيح للرب أن يضع جانباً إسرائيل الجديد (أي: الكنيسة) ويجعله قادراً على مواجهة المحنة العظمى بواسطة دم الحمل (ف 7).
وسنجد تعارضاً مماثلاً بين ف 8-9 من جهة وف 9- 11 من جهة ثانية. تعارضاً بين أحداث الكون ومصير المؤمنين. فحين يُفتح الختم السابع، تبدأ الأبواق السبعة بالنفخ. إنطلقت الأبواق الستة الأولى، فأرسلت نار غضب الله في مختلف قطاعات الطبيعة والبشرية، دون أن يلي ذلك ندمٌ عند سكان الأرض (ف 8- 9). وأُعطيت مهلة أخيرة للكنيسة فأتاحت لها أن توجّه إلى الأمم شهادة نبوية، إعلاناًْ عن مجيء الديّان، نداء أخيراً إلى التوبة. بعد أن اجتمعت الكنيسة (ف 7) من كلّ أمّة وقبيلة وشعب ولسان، ها هي تُرسَل (ف 10- 11) قبل حلول تتمّة سرّ الله. وذلك حين ينفخ الملاك السابع في بوقه (10: 7).

1- الختم السابع (8: 1- 5)
أ- المقدّمة (8: 1)
"ولما فضّ الحمل الختم السابع" (آ 8). نجد في النصّ ضمير الغائب. وهو يدلّ على الحمل، لا على الله، كما في 7: 17 (الحمل الذي في وسط العرش). فبعد الكوارث الكونية في الختم السادس، ماذا نستطيع أن ننتظر من الختم السابع الذي هو تكملة للختوم الستة السابقة؟ النفخ بالبوق ولا شكّ. ولكن سيكون هناك سبعة أبواق. حسبنا أننا وصلنا إلى النهاية، ولكن الباب الأخير ينفتح على سبع درجات جديدة. نحن هنا أمام استبعاد لكل قراءة كرونولوجية (حسب تسلسل الأزمنة) للسباعيات. فهي لا تعلن تعاقباً على مستوى التاريخ، بل ترتبط بالتعليم عينه (بالوحي عينه) الذي تحاول أن تحيط به إحاطة وثيقة.
وبدأ كل شيء بفراغ: "ساد السماء سكوت نحو نصف ساعة". الصمت هو في السماء. يرى فيه بعض الشرّاح اجتياح العبادة السماوية لتتيح لله لكي يصغي إلى صلوات القديسين. ولكن يبدو أن ما توقّف عن الحركة هو الظواهر الكونية. قشعريرة سيطرت على الخليقة تجاه التيوفانيا القريبة، تجاه الله الذي سينهض. هو صمت أمام الرب الإله، لأن يوم الرب قريب (صف 1: 7؛ رج حب 2: 20؛ زك 2: 17؛ مز 76: 9-10). ولكننا في هذه المقاطع أمام صمت فُرض على الأرض أو على البشر الخطأة الذين لم يبقَ لهم ما يعترضون به على الله. أما هنا، فنحن بالأحرى أمام لحظة من الصمت، أمام هذا النسيم الخفيف الذي يشعر به إيليا بعد العاصفة والزلزلة والنار، قبل أن يبدأ الله فيكلّمه (1 مل 19: 11 ي). هذه "النصف ساعة" ترمز، شأنها شأن جميع الكسور في رؤ، إلى أزمة، إلى عدم توازن، إلى نقص شيء ما. وهي تعطي الصمت رنّة مخيفة. وتبرز المشهد الذي يلي (8: 2- 5) والذي يحصل خلال اللحظة (نصف ساعة) التي فيها صمتَ كل شيء.
إنتظر القارىء، ولكن لم يحصل شيء، فخاب أمله. غير أن هذا الصمت سيبرز الطابع السرّي لما سيحصل. توقّفت فجأة الكوارث الطبيعية على الأرض، وتوقّفت صلوات القديسين في السماء. وانتظر الجميع العاصفة بعد هذا الصمت. وهذه الثواني المحدودة قد تتحوّل إلى الأبدية. صمت يستمرّ ولا يُحتمل.
ب- الرؤية التدشينية (8: 2- 5)
بين السباعيتين، سباعية الختوم السبعة وسباعية الأبواق السبعة، أُقحم فاصل واستراحة: ليتورجيا إحتفالية في السماء. ثم تحلّ فجأة بالأرض كارثة هائلة.
"ورأيت الملائكة السبعة" (آ 2). إن إطار آ 2- 5 هو الذي أبصرناه في ف 4- 05 الملائكة واقفون أمام الله، كعبيد (وخدّام) أمام ملكهم. وضع أمام الإسم أل التعريف، للدلالة على أن هؤلاء الملائكة يشكّلون مجموعة معروفة (رج طو 12: 15). "أعطوا سبعة أبواق". إن البوق يبدأ ويرافق كل الأوقات الكبرى في تاريخ الخلاص. وهو يطبع بطابعه الأعياد (مت 6: 2) وتتويج الملك (1 مل 1: 39). هو يدعو الشعب إلى القتال (إر 4: 5)، ويعلن مباشرة الهجوم (قض 7: 18؛ 1 كور 14: 8). وهو يرافق ظهورات ربّ الجنود (أو: الأكوان، صباؤوت) حين يأتي لكي يحرّر شعبه (خر 19: 6؛ عب 12: 9). وهو يدعو الشعب للإحتفال بشعائر العبادة، ويرافق الإحتفالات (عد 10: 10). إذا عدنا إلى يش 6، رأينا أن البوق يُعلن الليتورجيا كما يُعلن الحرب. وان يكن نصّ يشوع هو نصّ ليتورجي قبل كل شيء. فالله يعمل كل شيء، والشعب ينتظر خلاصه.
في هذا الإطار، يكون من الطبيعي أن يعلن البوق أحداث النهاية، وساعة تجلّي الله العظيم وقتاله الأخير. نقرأ في يوء2: 1: "أنفخوا في البوق في صهيون، واهتفوا في جبلي المقدّس، وليضطرب جميع سكان الأرض، فإن يوم الرب وافد وقد اقترب". وفي صف 1: 16: "يوم بوق وهتاف على المدن الحصينة وعلى البروج الشامخة" (رج مت 24: 31؛ 1 تس 4: 16). وفي زك 9: 14: "الرب ينفخ في البوق" (رج تث 5: 22).
في آ 2، تسلّم الملائكة سبعة أبواق، ولكنهم لم يستعدوا لكي ينفخوا فيها إلا في آ 6. فماذا حصل في ذلك الوقت؟
"جاء ملاك آخر ووقف بجانب المذبح" (آ 3). هو ليس أحد السبعة. ووظيفته تدلّ على أنه ليس أدنى منهم. فما سيقوم به يعادل بأهميته ما ستحرّكه الأبواق السبعة. المذبح هو مذبح الذهب أو مذهب العطور (أو: البخور، رج 9: 13) الذي يصوّره خر 30: 1- 8 والذي يكون أمام الله مباشرة (رج أش 6: 6). هناك يحتفل الملاك وكأنه كاهن. يأخذ عن المذبح جمراً في مبخرته ويضع عليه حبّات بخور (لا 16: 12؛ رج 10: 1). والدخان الذي يرتفع يرمز إلى صلوات البشر الصاعدة أمام الله (مز 2:141).
إن صلوات جماعة المختارين على الأرض تقابل البخور. والملاك يجمع صلوات نقّيت في بوتقة الهيكل السماوي، ويضمّها إلى صلوات الليتورجيا السماوية التي تقدّم لله.
"ثم أمسك الملاك المبخرة" (آ 5). إنه يستعمل المبخرة عينها والجمرات التي خدمت في شعائر العبادة، ليلقي النار على الأرض. إن هذه الفعلة تستلهم حز 10: 2 (إملأ راحتيك جمر نار وذرِّ على المدينة). فالنار هي في الوقت عينه نار ملموسة أخذت عن المذبح، ونار الحرائق التي ستشتعل على الأرض، ونار غضب الله: نحن هنا أمام رمز يعلن أن الضربات التي تشعل الأرض قد جاءت من عند الله. هي نار مطهّرة للأبرار، ونار آكلة للذين يرفضون الله (عب 12: 29: "إلهنا نار آكلة"، رج 10: 27- 31: نار مستعرة تلتهم العصاة). هي بداية العقاب. وفي الجزء الثاني من الآية (فحدثت أصوات...) صار عمل الله واضحاً عبر علامات ظهور العاصفة: الرعود، الأصوات، البروق (رج 4: 5). ثم الزلزال (رج 6: 12) لأن الأرض ستصاب الآن بشكل مباشر.
يبرز المشهد الرباط بين صلوات القديسين ودينونة العالم. بين فعلتين متعارضتين يقوم بهما الملاك. هكذا ندرك أهمية صلوات القديسين. هناك شيء يوقف انطلاقة الأبواق وحلوله النهاية. أما صلوات القديسين فتلامس قلب الله وتعجّل في مجيء النهاية.
ولكن، كيف نفهم هذا الرباط؟ هناك طريقتان. الأولى، نفكّر بصراخ الشهداء الذين يطلبون من الله أن ينصفهم (6: 9-10؛ رج لو 18: 18). حينئذ نفترض أن صلوات القديسين تطلب أن تمارس الدينونة ضدّ الرافضين ولا تتأخّر. كما تطلب أن يحفظ المؤمنون في المحنة الآتية.
الطريقة الثانية، نلاحظ أننا إذا وضعنا جانباً 6: 9- 10، تبدو كل صلوات رؤ، أناشيد مديح لله وللحمل. حينئذ نفترض أن صلوات القديسين هي مجدلات شكر. هذا يعني أن الليتورجيا المسيحية هي استباق للدينونة والملكوت. وكل مرة تعرب الكنيسة عن هويتها في اعترافها الإيماني، يبدو العالم متمرّداً "ويحترق" بهذه الشهادة. وكل مرة تقول الكنيسة "نعم"، فهي تدفع العالم إلى اتخاذ موقف من موقفين: إمّا يرتدّ ويرجع إلى الله. وإمّا ينغلق على رفضه لله.
استُجيبت صلوات القديسين، والملائكة سيبدأون بالنفخ في أبواقهم.
في هذا المقطع، بدا الملاك مجنّداً بشكل خاص تجاه الخليقة وكأن لها حقاً عليه. هو الأقرب إلى الله وبالتالي هو "وسيط" يحمل صلوات البشر. إن الملاك ينقي صلوات القديسين ويقوّيها لتجد آذاناً صاغية لدى الله واستجابة. لولاه، لبدت ضائعة ودون استجابة.
إن الله يستجيب الصلوات (لو 18: 1- 8). والمسيحيون سينجرفون في الكوارث الكونية الآتية. أما تهوّروا حين صلّوا فحرّكوا دينونة غضب الله، ونسوا أن المسيحيين أنفسهم هم أيضاً مهدّدون؟ سترينا الفصول التالية بشكل واضح أن القوى المعادية للمسيحية قد سُمح لها بأن تحارب القديسين وتغلبهم... فقد أعطي وحش البحر "سلطاناً على كل قبيلة وشعب ولسان وأمّة (13: 7).

2- الأبواق الأربعة الأولى (8: 6- 13)
أ- نظرة إجمالية
إذا أردنا أن نفهم تصميم رؤ الإجمالي، يجب أن نعتبر فتح الختوم السبعة كوقفة طويلة بعض الشيء، تتيح للكاتب أن يقحم سباعيتين جديدتين: سباعية الأبواق وما رأى فيها (8: 7- 11: 8). وسباعية كؤوس الغضب. وهكذا يكون ما حدث في 8: 1- 16: 17 بمثابة توسيع لحدث ضخم يبدو بشكل موجز لكي ينتج أكبر توتّر ممكن. في العودة المستمرّة إلى الأحداث، تظهر كثرة الآلام "المكدّسة" في المرحلة الأخيرة.
وإذا انطلقنا مما نعرف عن الملائكة في عالم الجليان اليهودي، نستطيع أن نكتشف علاقة أدبية بين المقدمة (الملاك والمبخرة) ورؤى الأبواق (الملائكة والأبواق). نقرأ في "رؤيا موسى" (عدد 38): "جاء جميع الملائكة. بعضهم يحمل المباخر والآخرون الأبواق".
ونستطيع أن نرى في خلفيّة رؤى الأبواق السبعة نمطيّة سفر الخروج. فهناك مقاطع تذكّرنا بالضربات العشر التي حلّت بمصر المتعبّدة للأوثان، والتي حدثت قبل خروج العبرانيين إلى برية سيناء.
وإذا قمنا بمقابلة بين رؤى الختوم ورؤى الأبواق، نجد تشابهات عديدة
- الختوم 1- 4 (6: 1-8): الحمل يفضّ أول الختوم. ثم الأبواق 1- 4 (8: 7- 12): فنفخ الملاك الأول في بوقه.
- الختم 5 (6: 9- 11): نفوس المذبوحين. والبوق 5 (9: 1- 12): الويل الأول.
- الختم 6 (6: 12- 17): رأيت الحمل يفضّ الختم السادس. والبوق 6 (9: 13- 21): الويل الثاني.
- فاصل (7: 1-17): يدلّ على المخلّصين، يقابله فاصل (10: 1- 11: 4) يصوّر الشاهدين اللذين يمثلان الكنيسة.
- الختم 7 (8: 1): ولما فضّ الحمل الختم السابع. والبوق 7 (11: 15-18): ونفخ الملاك السابع في بوقه فارتفعت أصوات عظيمة في السماء تقول: "صار ملك العالم لربنا ولمسيحه".
وبعد مجموعة الرؤى الأربع (على مثال رؤى كؤوس الغضب في 16: 1- 9) يصوّر النصّ بالتفصيل الرؤيتين الخامسة والسادسة. وبعد فاصل، تأتي الرؤية السابعة.
ونبدأ بالأبواق الأربعة الأولى التي هي السبب في الأحداث التي ستحصل. فبعد كل نفخ ببوق، تبرز دراما مرعبة، فلا يكون للبشر وقت للتفكير أو العمل. في كل شقاء نجد نفوسنا أمام دمار الثلث (8: 7، 9، 11، 12). لا يُصاب الإنسان نفسُه، بل المدى الحيوي لإنسان، أي أربعة أجزاء الخليقة: الأرض (8: 7). البحر (8: 8- 9). الأنهار (8: 10- 11). النجوم (8: 12، أو الكواكب).
ب- نظرة تفصيلية
إنّ مسيرة سباعية الأبواق تشبه مسيرة سباعية الختوم. الأبواق الأربعة الأولى متقاربة في بنيتها وفنّها الأدبي. أما البوقان الخامس والسادس فهما في بنية مختلفة، وقد جاءا في قنوات تقليدية مختلفة. ويبرز التعارض في أنهما يحملان (شأنهما شأن البوق السابع) لقباً إضافياً: "ويل (8: 13؛ 9: 12؛ 11: 14). والبوق السابع يأتي (مثل الختم السابع) في 11: 15، بعد مهلة امتدت على فصلين (ف 10-11).
إنّ قراءة ما كُتب عن الأبواق الأربعة تضع أمامنا الملاحظات التالية:
* على مستوى الأمكنة: الأرض، البحر، المياه الحلوة، الكواكب: الكون كله ضُرب في عناصره التي لا يُستغنى عنها. وسنجد التوالي عينه في الكؤوس الأربع الأولى (الناس، البحر، الأنهار والينابيع، الشمس، 2:16، 3، 4، 8).
* العناصر التي تدمّر. هي تأتي من العلاء، من السماء. هي تُلقى (آ 7، 8)، تقع، تسقط (آ 10). أو هي الأجسام السماوية قد ضُربت (آ 12) وأُصيبت: لقد نالت طابعها الناري من أصلها السماوي: فالملاك سبق له ورمى النار على الأرض (8: 5). فسقط على الأرض البرد والنار. فاحترقت الأرض والأشجار (آ 7). واشتعل الجبل (آ 8). وهوت نجمة كبيرة كأنها شعلة من نار (آ 10). وأظلمت الكواكب (آ 12). هل نحن هنا أمام الدخان؟
* النتائج الحاصلة: ولكن للنار التي هي نار غضب الله، نتائج محدودة: الثلث. في الختم الرابع، كان الربع. أما هنا فازدادت النسبة، ولكننا لم نزل أمام علامات سابقة للدينونة. وسنجد هذا الثلث في 8: 7، 8، 9، 10، 11، 12، ثم في 9: 15، 18. وهكذا ترد لفظة "الثلث" 12 مرة في ف 8 ومرتين في ف 9. هذه الطريقة عرفها الأنبياء (زك 13: 8: ثلثان ينقرضان وثلث يبقى؛ حز 5: 2، 4: أحرق بالنار ثلثاً منه). وهكذا يشدّد النصّ على ما في هذه النكبات الأولى من تنبيه وتحذير.
* المعنى: لن نفسّر هذه الظواهر على أنها ظواهر حقيقية. فصور رؤ تتجاوب مع مقاصد لاهوتية، لا مع تمثّلات واقعية. لهذا يجب أن نبحث عن المنابع البيبلية أو اليهودية التي استقى منها الكاتب.
- يشير البرد والنار إلى الضربة السابعة في ضربات مصر (خر 9: 24- 25). وقد زاد الكاتب الدمّ على خطى يوئيل (3: 3): "اجعل معجزات في السماء وعلى الأرض، دماً وناراً وأعمدة من دخان".
- إن صورة الجبل العظيم المشتعل هي جزء من العالم الجلياني التقليدي (إر 51: 25). وقد رأى أخنوخ (18: 13) في موضع العقاب سبع نجوم تشبه جبالاً عظيمة مشتعلة: هي الملائكة الساقطون (رج 9: 1). تحوّل البحر إلى دم وماتت الأسماك كما في ضربة مصر الأولى (خر 7: 20- 21). وزادت الضربة خطورة حين تحطّمت السفن.
- ليس الكوكب (النجمة) المشتعل نيزكاً (نجماً يتساقط). بل هو علامة خارقة عن النهاية (6: 13؛ مر 13: 25). يسمّى هذا الكوكب "علقم" بسبب النتيجة التي تنسب له. في التقليد اليهودي، يعتبر العلقم، بسبب مرارته، سماً مميتاً. ونحن نجده في النبوءات عن العقابات المحفوظة لعبّاد الأوثان (إر 9: 14). وفي إر 23: 14، يرتبط تحوّل المياه الحلوة بعقاب سدوم وعامورة (رج تث 29: 17، 22).
- ونرى ظلمة الكواكب في الضربة التاسعة من ضربات مصر (خر 10: 21). فهو جزء من يوم الرب كما يقول أش 13: 10 (الشمس تظلم والقمر لا يضيء) وإر 4: 23 (لم يكن نور في السماوات) وحز 32: 7 (أغطي الشمس بغمام والقمر لا ينير بنوره) ويوء 4: 15 (أظلمت الشمس والقمر ومنعت النجوم ضياءها).
وهكذا يكون في خلفيّة الأبواق الأربعة تذكّراً لضربات مصر. وصلاة القديسين تكون حينئذ العلامة التي تحرّك الدينونة، كما حرّك وجود العبرانيين في مصر النكبات التي حلّت بالمصريين. كل خروج الشعب من مصر بقوة الله، هو صورة عن خروج الكنيسة من الأمم. وإذا تفحّصنا بدقّة ما قاله الأنبياء عن النهاية وما قاله يوحنا في رؤ، نلاحظ أن جميع الأمم ستصاب بذات الضربات التي أُصيبت بها مصر. هذا ما قاله القديس إيريناوس في كتابه ضدّ الهراطقة.
قد يكون في الضربة الثانية تذكر لحدث من التاريخ المعاصر: إشتعال بركان الفازوف سنة 79 ق. م. كما قد تكون نجمة سقطت على الأرض فأعطت للرائي ألواناً بها يصوّر رؤيته. ولكن قد يكون الحدث النموذجي لهذه الأبواق الأربعة الأولى تدمير سدوم وعامورة (تك 19: 23- 28)، الذي هو نمط دينونة الله ضدّ الخطأة: مطر من الكبريت، الدخان، البحر الذي يموت والمياه التي تصبح مالحة. إذن، نحن أمام كارثة طبيعية عظيمة صوّرها الكاتب بسمات أخذها من ضربتَيْ مصر الأولى والسابعة. 
نتعلّم من هذا المقطع أمرين. الأول: سينجرف الكون في خواء الأيام الأخيرة. فالخليقة صارت ملعونة بخطيئة الإنسان (تك 3: 7). وقد أسلمت إلى "رئيس هذا العالم" (يو 12: 31؛ 14: 30؛ 16: 11). الثاني: إن الشرّ الذي يصيب الكون، لن يكون تدميراً يحمل العقاب. فساعة الدينونة لم تأتِ بعد. هدفه أن يضايق البشرية الفاسدة في مدى حيوي يتناقص شيئاً فشيئاً. فعلى الإنسان القائم تجاه هذه الأحداث، أن يفكّر ويعود إلى الله.
وينتهي ف 8 بفاصل (آ 13) يقدّم لنا "رؤية النسر". يدلّ النسر في الرؤى اليهودية على المنادي بالشقاء: والويل المثلث لسكّان الأرض، يدل على أن الأحداث القريبة سوف تصيب الإنسان نفسه. ولكن ليس هذا بداية الدينونة الأخيرة. بل هو محنة قاسية وثقيلة على البشر تتوخّى إرجاعهم عن عنادهم أقلّه في الساعة الأخيرة.
النسر هو حيوان نجس، ولا يحمل عادة "بلاغات" الله. أما هنا فهو جزء من علامات الدينونة. يقف في وسط السماء بشكله المهيب الرهيب. ولكن حضوره يدلّ على أنه سيجد شيئاً يأكله. في لو 17: 37 تظهر النسور بين دينونة سدوم وصلاة القديسين لكي تأتي النهاية: "حيث تكون الجثة هناك تجتمع النسور". إذن، تبدو الدينونة قريبة أكثر من ذي قبل. 
أعلن النسر ثلاثة ويلات تتماثل مع الأبواق الثلاثة الأخيرة (8: 13؛ 9: 12؛ 11: 14) التي تختلف اختلافاً كبيراً عن الأبواق الأربعة الأولى. وهكذا تبرز وحدة ف 9- 11. نحن على نقيض مع التطويبات السبع التي تتوزع رؤ، ولكن الويلات تبدو بشكل نداء أخير إلى التوبة. بعد أن أُصيبت الطبيعة، سيُصاب البشر في أجسادهم ونفوسهم في البوقين الخامس والسادس، وهذا ما يدفعهم إلى التفكير