رؤيا بولس بين الشرق والغرب

 

عرفتِ الكنيسة في بداياتها كتبًا جُعلت في موازاة الكتب المقدَّسة: أناجيل عديدة بموازاة الأربعة التي هي وحدها قانونيَّة، بمعنى أنَّها تُقدِّم القاعدةَ للإيمان والحياة الخلقيَّة: الإنجيل بحسب مريم، إنجيل نيقوديموس أو أعمال بيلاطس، الإنجيل بحسب توما، بروتوإنجيل يعقوب، إنجيل الطفولة. وعُرفت »أعمال« هذا الرسول أو ذاك، قبالة سفر الأعمال الذي دوَّنه لوقا وجعله امتدادًا للإنجيل الثالث. في الإنجيل لبث يسوع في فلسطين. وفي أعمال الرسل، وصلت البشارة إلى أقاصي الأرض ولا سيَّما في الفريق البولسيّ. فكانت لنا أعمال أندراوس الرسول وأعمال يوحنّا وأعمال بطرس وأعمال فيلبُّس وأعمال توما... وجاءت الرسائل وأخيرًا أسفار الرؤيا على مثال رؤيا يوحنّا، إن لم يكن في خطِّ أسفار العهد القديم بدءًا من إشعيا وصولاً إلى دانيال وشخصيّات بيبليَّة مثل إيليّا وأخنوخ وغيرهما.

كلُّ هذا أدب »مكتوم« عن العامَّة ومخفيّ، ومحفوظ »للكمّال«. وقد دُعيَ الأدب المنحول لدى الذين من خارج هذا الأدب، لأنَّهم اعتبروا أنَّ مثل هذه الكتابات انتحلت صفة، أخذت صفة ليست لها، بل هي خاصَّة بأسفار العهد الجديد السبعة والعشرين التي أقرَّتها الكنيسة بشكل نهائيّ في مجامعها ولا سيَّما في ترنتو، من أعمال إيطاليا(1).

هذا الأدب الذي كان »مكتومًا«، صار اليوم معروفًا بعد أن نُقل إلى لغات العالم ومنها العربيَّة(2). وارتبطَ، بغير حق، بالرسل في الدرجة الأولى، كما ارتبط ببعض الأشخاص الذين يذكرهم الإنجيل بشكل خاصّ، والكتابُ المقدَّس بشكل عامّ. في هذا المناخ، نقرأ أعمال بولس وبرنابا وتيموتاوس وتيطس ورسالة ثالثة إلى الكورنثيِّين. كما نقرأ رسالة إلى اللاودكيّين بدا الرسول وكأنَّه يتحدَّث عنها في الرسالة إلى كولوسّي (كو 4: 17). وكما كان ليوحنّا الرسول »رؤيا« دُوِّنت في نهاية القرن الأوَّل المسيحيّ، كان لبولس أيضًا سفرٌ مشابه: »رؤيا بولس« أو: »جليان« كما في الأدب السريانيّ، دُوِّنت »في منتصف القرن الثالث، بل في الثلث الأخير من القرن الثاني«(3). لا نتكلَّم في هذا المقال عن »أعمال بولس« التي »ذُكرت مرَّات عديدة في الأدب المسيحيّ القديم، منذ هيبوليت الرومانيّ وبداية القرن الثالث، والتي دُوِّنت في السنوات 160-180 (امتداد، ص 5) وعُرف منها لدى العامَّة ما يتعلَّق بتقلا، تلك الفتاة »الإيقونية«(4) التي تركت الزواج وتزوَّجت البتوليَّة بعد أن قال الرسول في خطِّ يسوع المسيح: »طوبى للذين يحفظون عفَّة جسدهم، لأنَّهم يكونون هياكل الله. طوبى للأعفّاء لأنَّ الله يتحدَّث معهم« (امتداد، ص 24). بل نحصر كلامنا في »رؤيا بولس« التي عرفت انتشارًا واسعًا وفي لغات الكنيسة القديمة: الأرمنيَّة، العربيَّة، السريانيَّة، اللاتينيَّة...

في قسم أوَّل، نتعرَّف إلى هذه »الرؤيا«. وفي قسم ثانٍ، نلاحقها في اللغات التي وصلت إليها. وأخيرًا، نتوقَّف عند العالم السريانيّ الذي أحسَّ بالخطر يهدِّد هذا »السفر« الذي اعتبرته بعض الجماعات »مقدَّسًا«، فقدَّم دفاعًا قال فيه: »فليعرف كلُّ من يرتاب برؤيا بولس الموقَّر، أنَّه لن تكون ذبيحة لغفران الخطايا« (امتداد، ص 239).

1-  خُطفتُ إلى السماء الثالثة

هكذا تبدأ »رؤ بولس«، مستندة إلى نصِّ الرسالة الثانية إلى كورنتوس: »أعرفُ رجلاً مؤمنًا بالمسيح خُطف قبل أربع عشرة سنة إلى السماء الثالثة. أبجسده؟ لا أعلم. أم بغير جسده؟ لا أعلم. الله يعلم. وإنَّما أعلم أنَّ هذا الرجل خُطف إلى الفردوس وهناك سمع كلامًا لا يقدر بشرٌ أن ينطق به ولا يجوزُ له أن يذكره« (2 كو 12: 2-5).

أوردتُ نصَّ الرسالة لأشدِّد على اثنين. أوَّلاً، لا يعلم الرسول إن هو خُطف بجسده أم بدون جسده؟ وهذا أمرٌ هامٌّ في التقليد اليونانيّ، المرتبط خصوصًا بأفلاطون. فالنفس تعيش في عالم المثُل، في الأعالي، ويمكن أن يظنَّ الكورنثيّون أنَّ رسولهم كان هناك. أمّا بولس، فهو لا يعرف. ولكن كاتب رؤ بو يعرف: خُطف الرسول بجسده، ورأى بعينيه البشريَّتين وسمع بأذنيه كما اعتاد أن يسمع على الأرض.

رأى في السماء »سكّان« السماء، الأبرار. أخنوخ، كاتب البرّ (ص 201) وإيليّا الذي تذكَّر الصعوبات التي قاساها لكي يصل إلى هنا. قال: »عظيمةٌ مواعيد الله ولكنَّ الكثيرين لا يفهمونها« (ص 202). واللافت هو أنَّ الجميع يستقبلون بولس، لا كضيف آتٍ إليهم، بل كشخص أعظم منهم. ويخبرنا »بولس« كيف مضى »إلى حاضرة المسيح«. قال: »أصعدني (الملاك) في قارب ذهبيّ، مع ثلاثة آلاف ملاك يسيرون أمامي إلى أن وصلتُ إلى حاضرة المسيح. فاستقبلني سكّانُ حاضرة المسيح بفرح عظيم« (ص 205).

والأمر الثاني: قال بولس في 2 كو إنَّ بشرًا لا يقدر أن ينطق بما رأى. بل لا يحقُّ له. ولكنَّ »بولس« في رؤ بو أخبرنا بكلِّ ما رأى وسمع. ذاك ما ذُكر في رؤ بو. قال الملاك: »ما أبيِّنه لك الآن، ما تسمعُ، لا تكشفْه لأحد على الأرض.« وأردف الرائي: »سمعتُ هناك أقوالاً لا يحقُّ لأحد أن يتفوَّه بها« (ص 202).

إلى أين خُطف بولس؟ إلى السماء، وإلى الجحيم. وإلى هناك تبعه دانتي في الكوميديا الإلهيَّة(5). دانتي، شأنه شأن إينه، مضى بجسده إلى الجحيم، إلى الأسافل حيث الموتى يكونون. وهو استوحى إحدى النسخات العصر الوسيطيَّة، في اللاتينيَّة، ليروي ما روى. أمّا رؤ بو فاستفادت من تقاليد عديدة حملتها اليهوديَّة، كما المسيحيَّة. نذكر على سبيل المثال صعود إشعيا(6) وما حملته الأخبار اليهوديَّة عن هذا النبيّ الذي نُشر بمنشار مع الشجرة التي أقام فيها. كما نذكر رؤيا إبراهيم(7) الذي رأى في ما رأى، آدم وحوّاء والحيَّة ومختلف أشكال الشرِّ من زنى وسرقة وعبادة أوثان.

وما كانت رؤ بو وحدها. فقد سبقتها رؤيا يوحنّا (كتاب قانونيّ)، ورافقتها رؤيا بطرس (رؤ بط). فرؤيا يوحنّا »رسمت« مصير الكنيسة ساعة اقتراب نهاية الأزمنة، من مجيء ثانٍ ودينونة أخيرة. أمّا رؤ بط فقدَّمت المحاولة الأولى لإلقاء الضوء على مصير كلِّ إنسان بعد النهاية: »بعد ذلك، يأتي الرجال والنساء إلى المكان الذي يستحقُّون. يعلَّقون بلسانهم الذي به جدَّفوا على طريق البرّ، ويمدَّدون على نار لا تنطفئ من أجل عقابهم«.(8)

أمّا رؤ بو فتمتدُّ في الزمان والمكان: تُذكَر الشمس والقمر والكواكب، والبحر والمياه والأرض، وذلك قبل الصعود إلى السماء. وذُكرت هذه الأمكنة، وكأنَّها أشخاص حيَّة تتَّهم البشر الخاطئين، وتطلب العدالة من عند الله. أو بالأحرى تَطلب منه أن يسمح لها لكي تفعل. قالت الشمس: »اتركني فأفعل« (ص 188). أترى الربّ غافلاً؟ كلاّ. فهو يقول في كلِّ حالة: »عرفتُ كلَّ هذا، عيني رأتْ وأذني سمعت، ولكن صبري يحتملهم إلى أن يهتدوا ويتوبوا، وإن لم يعودوا إليَّ أدينهم جميعًا« (ص 189). والنتيجة التي تجعل الكتاب يثور هو أنَّ الخليقة تخضع لله، »والجنس البشريّ وحده يخطأ« (ص 190). وهكذا يمكن أن تكون رؤ بو نداء إلى التوبة. أمام شرِّ البشر تظهر أناةُ الله وطولُ باله، وهو يتمهَّل قبل أن يعاقب (1 بط 3: 20).

بعد أن يُطرَح موضوع الشرِّ في هذا العالم، ينقلنا الكاتب إلى العالم الآخر. السماء أوَّلاً. وبولس لا يصل إلى السماء السابعة على مثال إبراهيم الذي التقى موسى هناك(9). بل يبقى في السماء الثالثة. ثمَّ الجحيم التي تُصوَّر بتفاصيل كثيرة وترتيب مسرحيّ مليء بالحياة. تقول رؤ بو: »حينئذٍ رأيتُ نهر نار يغلي، وفيه دخل عددٌ كبير من الرجال والنساء، بعضهم غطس حتّى الركبتين، وآخرون حتّى السرَّة، وآخرون حتّى الشفتين، وآخرون، أخيرًا، حتّى الشعر« (ص 212-213): هناك الفاترون، والمجادلون، وقاطعو الرجاء. ونذكر أحد العذابات: ونظرتُ أيضًا نهر النار: شاهدتُ فيه رجلاً أخذه بحلَقه ملائكة الجحيم(10) الماسكون في يدهم شوكة ثلاثيَّة الأسنان(11) يَثقبون بها أحشاء ذاك الشيخ. فسألتُ الملاك وقلتُ: »يا سيِّدي، من هو هذا الشيخ الذي يسومونه كلَّ هذه العذابات؟« فأجابني الملاك: »هذا الذي تراه كان كاهنًا لا يقوم بخدمته القيام الصحيح: يأكل ويشرب ويزني ساعة يقدِّمُ قربانَ الربِّ أمام مذبحه المقدَّس.« (ص 214-215).

وتتوالى العذابات لأهل الكبرياء والسحر والزنى والفجور. فيقول »بولس« مثلاً: »وشاهدتُ رجالاً آخرين ونساء معلَّقين بحواجب عيونهم وبشعرهم، يجرُّهم نهر نار. فقلت: »من هؤلاء يا ربّ؟« فقال لي: »هنَّ اللواتي ما استسلمن لأزواجهنَّ الأخصّاء (وهم الذين ما استسلموا لنسائهم) بل للزواني (والزانيات). لهذا فهم يكفِّرون بلا انقطاع العقوبات الخاصَّة بهم« (ص 217).

هي مسيرةُ النفوس من النفَس الأخير إلى المثول أمام الله، إلى المحاكمة والحكم مع تنفيذ الحكم. كلُّ هذا منظَّم بحسب منهجيَّة واضحة مع صفوف الملائكة بوظائفهم المحدَّدة والمتنوِّعة، من أجل المعذَّبين ومن أجل العائشين في سعادة مع الله.

دخلتْ نفسٌ إلى السماء، صرخ الملائكة في وجه هذه التعيسة وطلبوا أن تؤخذ عنهم بسبب نتانتها. »ثمَّ حُملت واقتيدت أمام وجه الله لعبادته: فدلَّها الملاك على الربِّ الإله الذي صنعها على صورته ومثاله. ولكن سبقها الملاك وقال: »أيُّها الربّ، أيُّها الإله القدير، أنا هو ملاك هذه النفس: أنا من كان يقدِّم لك أعمالها نهارًا وليلاً، ساعة لم تكن تتصرَّف بحسب أحكامك.« وقال الروح أيضًا: »أنا الروح الذي سكن فيها منذ يومٍ فيه خُلقت. عرفتُها في ذاتها، وما تبعَتْ مشيئتي، فأحكم عليها يا ربّ بحسب دينونتك.« حينئذٍ ردَّ كلام الله عليها وقال: »أين هو الثمر الذي أثمرتِ مقابل الخيرات التي نلتِ؟ هل عاملتُكِ يومًا بخلاف ما عاملتُ الأبرار؟ أما أشرقتُ شمسي عليكِ كما على البارّ؟ فصمتت النفس، وأُنشدت عدالة الله ودينونته (ص 197-198).

ما نلاحظ هو أنَّ تصوير عذابات الجحيم أوسع من الكلام عن الراحة في السماء. فهذه العذابات تدوم يومًا بعد يوم، وتلاحق الخاطئ نهارًا وليلاً. توسّل الناس إلى بولس وفي النهاية، سُمح لهم أن يرتاحوا يومًا في الأسبوع. سمع الله بكاء بولس وبكاء الملائكة، وعلى رأسهم ميخائيل.

وننهي كلامنا في هذا العرض بلقاء بولس مع العذراء مريم. قال: »وإذْ كنتُ بعدُ ناظرًا إلى الشجرة (= شجرة معرفة الخير والشرّ التي بها دخلَ الموت إلى العالم)، رأيت من بعيد صبيَّةً آتية مع مئتي ملاك يُنشدون المدائح أمامها. فسألتُ وقلتُ: »يا ربّ، من هي تلك الآتية في مثل هذا المجد؟« فقال لي: »هي العذراء مريم، أمُّ الربّ.« اقتربتْ منّي وحيَّتني وقالت: »سلام، يا بولس حبيب الله والملائكة والبشر. جميعُ القدّيسين رفعوا الصلاة إلى ابني يسوع الذي هو أيضًا ربّي، لكي تأتي هنا بلحمك وبعظمك، ولكي يشاهدوك قبل أن تترك العالم. فقال الربُّ لهم: ''انتظروا، اصبروا قليلاً! بعد وقتٍ قصير تشاهدونه، ويكون معكم إلى الأبديَّة.« (ص 226).

وواصلت مريم كلامها بأنَّ الأبرار طالبوا ببولس وإلاّ يكونون في حزن إذا هم لا يرونه قبل موته، لأنَّه احتمل المتاعب الصغيرة والكبيرة فأوصل إليهم البشارة. »ها هم جميعًا، هؤلاء الأبرار، وقد جاؤوا ورائي للقائك« (ص 227).

وهكذا دُوِّنَت رؤ بو لتتحدَّث عن عظمة هذا الرسول وما عمله في حياته على الأرض من أجل الملكوت. هو ما انتظر ساعة الموت لكي يكون مع الأبرار، بل مضى إليهم قبل موته، وتعرَّف إليهم واحدًا واحدًا، لأنَّهم ما عادوا يطيقون الابتعاد عنه.

2-  انتشار رؤيا بولس

قلَّما عرف منحول من المنحولات الانتشار الذي عرفته رؤ بو. فهي النصّ الحقيقيّ الذي أسَّس الحياة الأخرى لدى المسيحيّين، والذي قدَّم للمخيَّلة الجماعيَّة لدى المؤمنين بالمسيح، مساحة »فردوسيَّة« ومساحة »جحيميَّة« مستعدَّتين لاستقبال أنفس الموتى.(12)

هذا المنحول الذي لم يدخل في لائحة الأسفار القانونيَّة، نال ما نالَتْه الأسفار المنحولة: حرَّمته السلطات الكنسيَّة وحاولت أن تُخفيه وتُلغيه، ولكنَّه عاد في أشكال مختلفة وفي لغات متعدِّدة. وها نحن نقدِّم بعضها، في الغرب ثمَّ في الشرق، قبل العودة في القسم ثالث إلى التقليد السريانيّ.

أ- في الغرب

نذكر هنا ما وصل إلينا في اليونانيَّة وفي اللاتينيَّة.

أوَّلاً: في اليونانيَّة

يبدو أنَّ هذا النصَّ دُوِّن أوَّل ما دُوِّن في اليونانيَّة، في سورية أو في مصر. ولكنَّ الباحثين يتطلَّعون بالأحرى إلى مصر وبالتحديد إلى الإسكندريَّة. فالمقاومة كانت شديدة بين الكنيسة »الرسميَّة« والكنيسة »المختفية«. فهذه أرادت أن يكون لها كتبُها، بمحاذاة الأسفار القانونيَّة كما نقرأها مثلاً في الكودكس الإسكندرانيّ الذي ضمَّ أسفار العهد القديم والعهد الجديد. وما يُسند كلامنا هو الاهتمام بالحياة الرهبانيَّة(13). أمّا البداية التي تُحدَّثنا عن »رجل محترم« عاش ويسكن في طرسوس، »في بيتٍ كان مسكنَ العريس بولس« (ص 187)، فهي خدعة أدبيَّة تسعى إلى ربط رؤ بو، لا بشخص بولس وحسب، بل بأرضٍ وُلد فيها وعاش طفولته.

ما نقرأ هنا لا يمكن أن يخدش آذان أبناء الكنيسة. كلُّ ما في الأمر هو أنَّنا في إطار غنوصيّ ترك لنا الكثير من الأدب، ولا سيَّما في نجع حمّادي.

ماذا نعرف من هذا الأصل اليونانيّ؟ لم يبقَ منه سوى مقطعٍ يتحدَّث عن الفردوس والخطيئة وصولاً إلى مريم العذراء (ص 225-227)(14). ولكن حُفظ لنا نصٌّ آخرُ أوجز وأُعيدت صياغتُه(15)، مع تقريظ بولس الرسول. نشره تيشندورف(16) سنة 1866. أمّا الأساس، فشاهدان اثنان معروفان. واحد يعود إلى القرن الثالث عشر(17)، وآخر هو نسخة عنه، ويعود إلى القرن السادس عشر(18).

تحدَّث أوريجان عن رؤ بو في كلام عن نسبة الرسالة إلى العبرانيّين، إلى بولس. فقال: تقبَّلت الكنيسة بطيبة خاطر عب فلماذا لا تُقبَل رؤ بو(19). كما أورد في شرحه للمزمور 36(20) مقطعًا شبيهًا بما في رؤ بو 13-14. هو بعض برهان بأنَّ رؤ بو رأت النور في مصر، بعد أن عرفها أوريجان الذي توفِّي في منتصف القرن الثالث المسيحيّ.

أمّا المؤرِّخ سوزومين(21) العائش في القرن الخامس، فندَّد بالطابع المنحول لهذا الكتيِّب، وأعلن بشكل خاصّ أنَّ مكانته كبيرة عند الرهبان.

ثانيًا: في اللاتينيَّة

عرف القدّيس أوغسطين رؤ بو وحكم عليها حكمًا لا استئناف فيه. قال: إنَّ الكنيسة المقدَّسة ترذل هذه الخدعة البليدة والمعتدَّة بنفسها، المملوءة بالخرافات. ونستطيع بحقٍّ أن نهزأ بهذه »الأقوال التي لا تُوصَف« والتي تواقح أحدُ المائتين وسجَّلها. وقال: »رؤ بو باطلة، والكنيسة لا تتقبَّلها على أنَّها صحيحة. ولستُ أعرفُ من ثبَّتها وهي مليئة بالخرافات، فدلَّ على البلادة والوقاحة.«(22)

ولكنّ رأيَ سيزاريو(23) الأرليزيّ جاء معاكسًا لرأي أوغسطين، فأورد مرَّتين عبارة مأخوذة من رؤ بو: عوائق العالم جعلتهم تعساء(24). هذا الراهب الذي صار أسقفًا فيما بعد، بدا وكأنَّه يرى في رؤ بو سفرًا قانونيٌّا مثل رؤيا يوحنّا الرسول.

بعد هذا، ماذا بقي لنا من مخطوطات لاتينيَّة؟ بقي شاهدٌ واحد عن الترجمة اللاتينيَّة الكاملة التي تتضمَّن الفصول 1-51(25) نشره جايمس سنة 1893 عن مخطوط المكتبة الوطنيَّة في باريس، العائد إلى القرن الثامن. وقدَّمت ثلاثة شهود أخرى أحداثًا مختارة من النسخة البدئيَّة primitive ف 14-29، 31-37، 39-44 في مخطوط سانت غالان(26). ثمَّ ف 18-23، 25-31. في مخطوط مدريد، الإسكوريال(27). ثمَّ ف 3-34 لمخطوط أوبانباري.(28)

أعيدَت صياغة مختصرة لما في Lat 1، مقابل ف 3-6 و11-51 (Lat 2)، فجاءت في مخطوطين اثنين: غراتس(29) ثمَّ زوريخ(30) وفي مقطع فندوبونانسيس(31) نشره سلفارستاين سنة 1935 (حاشية 26). هي Lat 2 F.

من Lat 1 تفرَّعت أيضًا اثنتا عشرة نسخة وسيطيَّة مختصرة، وأهمُّها 13 Lat (31) من الوجهة النصوصيَّة، التي نُشرت سنة 1988(32) تضمَّنت هذه النسخة في ترتيب مبتكر مختارات استلهمت أحداثًا من الزيارات إلى السماء الثالثة (ف 19)، إلى أمكنة الأبرار (ف 21-24، 26، 29) وإلى أمكنة الهالكين (ف 31، 33، 35، 38-40)، وأضافت تفاصيل جديدة حول مصير مختلف أصاب عشر راهبات، خمسًا فاضلات (المقطع 9 في Lat 13) وخمسًا حقيرات (المقطع 11 في Lat 13). أمّا النسخات العشر الأخرى (Lat 3-12) فتكتفي بما يتعلَّق بالجحيم في ف 31-44(33). وتضيف إسهابات جديدة مثل تنّين بارتيمون Parthemon (Lat 3-5، 9-01، 21) أو دولاب النار (Lat 6-7, 10, 12)، ووصْف وفاة ثلاثة رجال ودينونة نفوسهم في حضرة الله، مأخذوة من ف 14-18.

لا مجال للكلام عن الترجمات الغربيَّة الوسيطيَّة عن مختلف هذه النصوص اللاتينيَّة. فننتقل إلى الشرق مع العربيّ والأرمنيّ(34).

ب- في الشرق

نترك جانبًا القبطيّ(35) والحبشيّ(36)، ونتوقَّف عند العربيّ والأرمنيّ.

أوَّلاً: العربيّ

الترجمة العربيَّة الآتية من Syr 2 يتضمَّنها مخطوط باريسيّ آتٍ من مصر(37). نشره باوسي(38) سنة 1992.

يبدأ هذا المخطوط بملاحظة حول سيرة بولس (الوريقة 141 و- 141 ظ). ثمَّ إنَّ الناسخ ترك وريقتين بدون كتابة (166 ظ-167 و)، وهكذا سقط مقطع يبدأ في Lat 1 (P-StG) 41: »ابقَ بعيدًا، لأنَّك لا تستطيع أن تحتمل نتانة هذا الموضع.« وفي العربيّ: »ابقَ بعيدًا لأنَّك لا تستطيع أن تحتمل نتانة هذا الموضع Arab P وريقة 166و، وينتهي في »حين سمعتُ ذلك مددتُ يديَّ.« Lat 1 (P-StG) 42

وفي العربيّ: »لن يكون خلاص من هنا حتّى اليوم الذي فيه يريد الله العليّ« وريقة 761¨ Arab P. أيكون السبب بعض الإشكالات التي حرَّكتها هرطقات نالت توبيخًا في ف 41-42؟ ربَّما.

مقابل هذا. فالشاهد العربيّ يتوافق مع Syr 2 ليجعل حدث اكتشاف رؤ بو (ف 1-2) بعد ف 51، ويُنهي بدعوة إلى التوبة جاءت موجزة في النصِّ العربيّ Arab P. وهكذا نكون أمام خاصِّيَّة قد تعود إلى النصِّ الأصليّ في الترجمة السريانيَّة (Syr).

هنا يقول كاساي (حاشية 20، ص 24) بالنسبة إلى سر 2: »تُختَم الترجمتان السريانيّتان بخبر حول اختفاء رؤ بو تحت بيته في طرسوس، واكتشافها هناك، مع أنَّهما جعلتا الانتقال من الرؤية مختلفة بعض الشيء.(39)

ثانيًا: الأرمنيّ

وإذا أردنا إعادة النصِّ السريانيّ في سر2، نجد عناصر في أولى النسخات الأرمنيَّة (أرم 1-4). هذه النسخات نشرها ك. حراكيان(40) سنة 1904، منطلقًا من مخطوطات مختلفة وُجدت لدى الآباء الميخاتيريّين، ونقلها إلى الفرنسيَّة. ثمَّ نقلها إلى الفرنسيَّة أيضًا الأب لويس لالوار.

قدَّم أرم 1 ترتيبًا مبلبلاً، ف 7-24، ف 27-44 مع إدراج سبعة فصول إضافيَّة بين 40ج و41-42، كما أدرج بين 43 أ و40د مجموعة إضافيَّة من الهالكين.(42)

أ - أرم 1: 39: »المراؤون« الذين ارتدوا بتوليَّة كاذبة« عُلِّقوا بدولاب يدور حول اللهيب: النساء بشعورهنَّ، الرجال بأعقابهم.

أأ- أرم 1: 40: المتعجرفون الذين ارتكبوا الإثم عينها عُلِّقوا بدولاب ناريّ، الرجال بلسانهم والنساء بشعرهنَّ.

ب- أرم 1: 41: الرهبان الذين لم يراعوا نذر العفَّة، مضَغَهُم وحشٌ هائل.

ب ب- أرم 1: 42: الراهبات اللواتي ارتكبن الإثم عينه واللواتي أزلن أولادهنَّ، عضَّت الحيّات أثداءَهنَّ.

أأأ- أرم 1: 43 عذارى أخريات مراءات، حنثن بوعودهنَّ: جُعلنَ في بحر من جليد.

ج- أرم 1: 44: الشرهون الفاجرون. أكلهم دودٌ ناريّ.

د- أرم 1: 45: أهل الربى ضُربوا على وجوههم بشرارات ناريَّة، وعلى رؤوسهم بسوطٍ ملتهب.

ج ج- أرم 1: 47: الكهنة الشرهون والغاجرون، الذين احتفلوا بذبيحة الإفخارستيّا في حالة النجاسة، عُوقبوا بالنار حول »خبز مبلَّل بالدم«.

قد ننسب هذه الفئات الإضافيَّة من الهالكين ومن العقوبات، التي نجدها في مواضع أخرى من رؤ بو(43)، إلى مبادرة من المترجم الأرمنيّ أو من المؤلِّف(44). ولكنَّنا ملزَمون بإبعاد هذه الفرضيَّة، لأنَّنا نقرأ هذه العذابات عينها في العربيّ الباريسيّ بين 40ج وبين 40د.(45)

أ وأأ- عر.بار. وريقة 165و: سُلِّمتِ العذارى المراءات إلى ملائكة »يمسكونهنَّ برؤوسهنَّ وأسنانهنَّ في حركة مفاجئة (...) والطرح يجعلهنَّ يدرن على أنفسهنَّ.

ب- عر. بار. وريقة 165و- 165ظ: الزناة تعلكهم حيَّة هائلة.

ج- عر. بار. 165ظ الشرهون الفاجرون الذين خطئوا لأنَّهم شاركوا في ذبيحة الإفخارستيّا وهم في حالة النجاسة يعاقبون بالنار، ولا فرق بين رهبان وعوام. كلُّهم يجمعون حول خبزة »ولون هذه الخبزة كأنَّها مبلَّلة بالدم«.

3-  التقليد السريانيّ

أ- بين العالم النسطوريّ والعالم اليعقوبيّ

ذكرنا سر1 وسر 2 في كلامنا عن »التقليدين العربيّ والأرمنيّ، لأنَّهما أُخذا منه.

أمّا سر 1 فهو النسخة السريانيَّة الشرقيَّة التي ترجمها بركينس(46) سنة 1864-1865 عن مخطوط أورميه (سر 1، u) ونشرها ريتشيوتّي(47) سنة 1932-1933، منطلقًا من مخطوطين وُجدا في المكتبة الفاتيكانيَّة:

السريانيّ 180 (سر 1،  v)، السريانيّ البورجيانيّ 39 (سر 1، B)(48). حُذفت من هذا النصّ ف 44-47 بسبب الصعوبات التي حرَّكتها راحةُ يوم الأحد، المعطاة للهالكين (ف 44)، وبسبب اللقاء مع مريم العذراء في الفردوس.(49)

أما النسخة السريانيَّة الغربيَّة أو اليعقوبيَّة (سر 2) فما زالت مخطوطة مع أنَّه من الضروريّ نشرها(50). وفي أيِّ حال، نستطيع أن نعرف مضمون سر 2 بفضل الترجمة العربيَّة.

أمّا المخطوطات السريانيَّة في رؤ بو فهي عديدة، وها نحن نورد ما وُجد حتّى الآن(51):

1-  فاتيكان سر 180، يعود ربَّما إلى القرن الرابع عشر.

2-  فاتيكان بورجيا سر 39، يعود ربَّما إلى القرن السادس عشر.

3-  فاتيكان سر 597، يعود ربَّما إلى القرن السابع عشر.

4-  كمبريدج، مكتبة الجامعة، 2043، ربَّما القرن 17-18.

5-  نيويورك، وحدة المعهد اللاهوتيّ، ربَّما القرن 18.

6-  باريس، المكتبة الوطنيَّة، سر 352، سنة 1706 ب.م.

7- ألقوش، سيِّدة الزروع، شير 113(52) (فوستي 212). اليوم في الدورة، حوالي 1700 ب.م.

8-  طهران، الأبرشيَّة الكلدانيَّة الكاثوليكيَّة، عيسايي 18= نعسان 8؛ سنة 1795 ب.م.

9-  كمبريدج، مكتبة الجامعة، 2050، 1788 مسيحيَّة.

10- أورمية 42، سنة 1795 ب.م.

11- غوتنغن، مكتبة الدولة والجامعة، سر 1 (في الماضي، شرقيّ 18د). سنة 1870 ب.م.

12- برمنغام، سلّي أواكس كوليج، منغانا(53) سر 598. نُسحت سنة 1932 عن مخطوط ألقوش 212 (رقم 7).

13- نيويورك، جامعة كولومبيا، مكتبة بو تلر 893، 4، أ ت.3(54)

14- باريس، المكتبة الوطنيَّة، سر 377.

15- منتسّرات، دير القدّيسة مريم(55)، سر 24.

16- كمبريدج (ماس)، جامعة هارفارد مكتبة هوختون(56) سر 169 (2179).

17- نيوهافن. مكتبة الجمعيَّة الأميركيَّة الشرقيَّة Rn R32.

18- نيوهافن. مكتبة الجمعيَّة الأميركيَّة الشرقيَّة Rn R32b

أوردنا هذه المخطوطات لنبيِّن انتشار رؤ بو الواسع في السريانيَّة، ولم نميِّز بين ما هو سر 1 (نسطوريّ) وما هو سر 2 (يعقوبيّ). أُسرٌ عديدة تحتاج إلى درس من أجل تنظيمها. ولكن ما يجمعها هو أنَّ وحي بولس (ف 1-3) هو في نهاية رؤ بو لا في البداية، كما في سائر الترجمات.

وفي عدد من هذه المخطوطات، نجد مقدِّمة أو مرافعة (أبولوجيّا). هي لم تكن مجهولة، بعد أن عُرف شاهدٌ كامل في مخطوط سريانيّ نسطوريّ، في أورميه، وقد أُرسل إلى الجمعيَّة الأميركيَّة الشرقيَّة. لم يُنشَر النصّ بل ترجمته فقط.(57)

وُجدت هذه المقدِّمة في مخطوط عيسايي 18 (نعسان 8)، الرقم 8 في اللائحة (في طهران). هو المطران يوحنّا عيساوي رئيس أساقفة طهران. وفي منغانا (رقم 12)، وفي باريس (رقم 6)، وفي غوتنغن (رقم 11) سبق ونشرنا هذا النصّ(58)، ونحن نكتفي بتقديم بعض الملاحظات بشأنه.

ب- ملاحظات حول الدفاع

* بدأ النصُّ مع عبارة »أيُّها الأحبّاء«، ممَّ يدلُّ على أنَّنا أمام عظة. ولكن لماذا دُوِّنَ هذا الدفاع؟ لأنَّ بعض الناس شكُّوا في نسبة رؤ بو وفي حقيقة الرؤى التي تتضمَّن. قد نكون أمام مبادرة شخصيَّة، إلاَّ أنَّ الكاتب حدَّد تحديدًا دقيقًا الأسئلةَ التي طرحها المعارضون. فبحسب رقم 2، 3، 4 (أنا أبيِّن لكم... يا من تقولون إنَّه ليس حقيقيٌّا... ربُّنا بيَّن) ارتاب البعض أن يكون بولس استطاع أن يرى »ما يحصل لزرع المائتين بعد القيامة«. في أيِّ حال، هذا هو السؤال الرئيسيّ، لأنَّ النصَّ يبيِّن بأنَّ الأمرَ ممكن.

* هؤلاء »الأشرار« الذين يردُّ عليهم كاتبُ الدفاع، لا يرتابون في »الرؤى« البولسيَّة. »هم لا يعارضون الكتاب المقدَّس. فسفر الأعمال يقول لنا كم مرَّة رأى بولس الربّ، خصوصًا 2 كو 12: 1-4. ولكن طَرح بولسُ السؤال: هل رأى بجسده أم بغير جسده؟ فأجاب الدفاع: نفسه التي خرجت من الجسد. ويبقى السبب الأساسيّ: لا نستطيع أن نرى المجازاة قبل القيامة العامَّة والدينونة الأخيرة(59). هنا نفهم أهمَّيَّة هذا الجدال اللاهوتيّ. أمام إمكانيَّة التأثير على مصير الأنفس بالصلوات والتقدمات ومختلف الأجور الأبديَّة. تلك مواضيع نقرأها في رؤ بو، مع العلم أنَّ لا كلام عن المطهر: فالنفوس هي فقط في حالة انتظار.

* البراهين. الانطلاق يكون من الوحي المسيحيّ.  بدأ الكاتب فحدَّد موقع الرؤى البولسيَّة في المناخ النبويّ، لسببين اثنين. أوَّلاً، بالنسبة إليه: لا تتمُّ مجازاة الأفراد إلاَّ مع قيامة الأموات العامَّة، أي في وقت الدينونة الأخيرة. هنا نتذكَّر أوريجان، معلِّم الإسكندريَّة. ثانيًا، إدراك الإنسان الذي يتمُّ حين يحصل في الآخرة. فالتعارض يوافق لاهوت ابن العبريّ الذي يبيِّن أنَّ »تمتُّعات العالم المقبل وعذاباته هي عقليَّة، لا محسوسة«(60). استند الدفاع إلى هذه النظرة ليجعل رؤ بو في موضعها الصحيح. هو لا يدافع عن رؤية جسديَّة مباشرة، بل يجيب أن الوحي حول الأمور الأخيرة هو ممكن، كما كان ممكنًا الوحي المُعطى للأنبياء حول المسيح الذي لم يَرَوه في الحقيقة. وهكذا يدافع عن رؤية من النمط النبويّ، في رموز تتيح له أن يُدرج رؤ بو في رسمة معروفة هي لاهوت السرّ           .

قدَّم الدفاع برهانه، وختمَهُ في المقاطع 21-23 فقال: إنَّ الرموز (في السرّ) تعمل بحيث لا يكون تعَارض بين صور »نراها في ذاك الزمن« وحقائق التدبير المسيحيّ. فالأنبياء رأوا منذ عصرهم الصليب. ومثلهم رأى بولس ما يكون قبل القيامة. وجاء البرهان الأخير يهدِّد المتردِّدين: إذا كانوا لا يؤمنون بما تعلنه رؤ بو في مجال غفران الخطايا وتخفيف العذابات، فسوف يعاقبون بلا شفقة بحسب تهديد رؤ بو.

هذا الدفاع ظهر في المحيط النسطوريّ، فالتقى مع عدد من النصوص السريانيَّة ولا سيَّما »مغارة الكنوز« المنسوبة إلى أفرام، ثمَّ سؤال مار سمعان كيفا حول المعموديَّة، ثمَّ وصيَّة آدم... في إطار الجدال حول المجازاة في الآخرة، بدءًا من القرن الثالث عشر وصولاً إلى القرن السابع عشر أو الثامن عشر، تبدو رؤ بو مرجعًا تاريخيٌّا مع مراجع أخرى، لا كتابًا على هامش المسيحيَّة.(61)

الخاتمة

مسيرة طويلة سرناها لنكتشف بعض ما في رؤ بو. نقطة الانطلاق كانت نص 2 كو 12: 1-4. وهكذا انطلق بولس إلى السماء فرأى مكافأة الأبرار، وإلى الجحيم فشاهد عذابات الخطأة على اختلاف خطاياهم. نصّ يونانيّ انتقل إلى أكثر من لغة وحمل معه فكرًا لاهوتيٌّا متشعِّبًا بحسب المحيط الذي وصل إليه. لم نطرح الإطار اللاتينيّ الذي تقبَّل رؤ بو، وما تَكشّف خلال النصوص من نظرات لاهوتيَّة. بل توقَّفنا عند العالم السريانيّ، ولا سيّما النسطوريّ منه، فاكتشفنا جدالاً لاهوتيٌّا حول مجازاة الأبرار في العالم الآتي وأهميَّة الصلاة والتقادم. من هذا المنطلق لن نقدر أن نتكلَّم عن رؤ بو وكأنَّها سفر منحول، بل كأنَّها نصّ لاهوتيّ استند إليه المفكِّرون ليُسندوا لاهوتًا عمليٌّا يتوجَّه إلى الرهبان كما إلى العوام من الناس.