طيف بولس في الأدب المنحول

 

هذا الذي أطلق الرسالة من قوقعتها في أورشليم فجعل مركز القيادة في أنطاكية بانتظار أن يصبح رومة.

هذا الذي حمل الإنجيل الذي دعاه إنجيله فوصل به إلى آسية الصغرى، إلى أوروبّا وكم تمنّى أن يصل إلى إسبانيا.

هذا الذي كتب أولى كلمات العهد الجديد، لا في آراميَّة فلسطين وإلاّ كانت كتاباته ماتت كما ماتت اللغة الآراميَّة المحكيَّة في هذا الشرق.

هذا الذي نقل فكر يسوع مع أنَّه لم يرَ يسوع بالجسد، إلى اللغة اليونانيَّة والحضارة اليونانيَّة، فوصل هذا الفكر إلى العالم المعروف آنذاك واحتلَّ قلب رومة.

هذا الذي ترك الرسائل العديدة التي دوَّنها بيده أو بيد تلاميذه، أيحتاج بعدُ أن يُكتب عنه أو تنسب إليه رسائل عديدة؟

نعم. نسبت إليه رسالة ثالثة إلى الكورنثيّين ورسالة إلى اللاودكيّين وربَّما إلى الإسكندريّين. ومع أنَّ لوقا الإنجيليّ كرَّس له ثلاثة أرباع سفر الأعمال، فقد كان لنا أعمال بولس(1) في قسم مع تقلا وفي قسم آخر بموازاة ما قالت لنا أعمال الرسل. وما اكتفى التقليد بهذا، بل جعل على اسم بولس رؤيا(2) على مثال رؤيا يوحنّا القانونيَّة(3)، وعلى مثال رؤيا بطرس(4) المنحولة.

لن نتكلَّم هنا عن هذه الآثار، بعد أن صدرت في كتاب عنوانه امتداد الأدب البولسيّ في الأسفار المنحولة(5)، بل نحاول أن نكتشف »طيف« بولس في هذه الآثار، بل الصورة التي أرادت هذه الكتابات أن تقدِّم لنا.

صورة بولس في هذه الكتابات هي صورة بولس كما نعرفه في الرسائل وفي سفر الأعمال، ولكنَّه لبسَ وجهًا غنوصيٌّا مع تشديد على الصلاة والصوم والامتناع عن الزواج وعن شرب الخمر حتّى في القدّاس بحيث يحلُّ الماء محلَّ الخمر. وهي صورة بطرس ويوحنّا، في خطِّ ما عرفه سفر الأعمال بشكل خاصّ. وأخيرًا، صورة بولس هي صورة يسوع. أمّا السؤال: لماذا هذه الكتابات المنحولة تجاه الأسفار القانونيَّة وهي كافية جدٌّا لكي تعطينا صورة عن يسوع وعن التعليم، الذي حمله العهد الجديد؟ فالجواب: هناك ردَّة فعل على السلطة في الكنيسة والعقاب الذي ينتظرها في رؤيا بولس واضح. كما أنَّ هنالك إرادة بأن يكون للغنوصيَّة وغيرها كتب مقدَّسة كما للكنيسة المنظَّمة حيث يسير عمل الروح، وحيث يكونُ للمرأة المكانة التي لا نعرفها إلاّ قليلاً في الأناجيل، لولا إنجيل لوقا، والتي نالت نصيبها من الامتداد البولسيّ في رسائل مثل تيموتاوس الأولى ومن توسَّع بولس بعد بولس في الرسائل الأولى إلى كورنتوس.

1- بولس وبولس

حين نقرأ سفر الأعمال، يظهر لنا طيف بولس منذ الفصل السابع. فهو حاضر عند مقتل إسطفانس. لدى ذاك الفتى الذي اسمه العبريّ شاول »وضع الشهود ثيابهم أمانة« (اع 7: 58). بل كان رجم إسطفانس حلقة من اضطهاد الكنيسة (أع 8: 1-3)، وكأنَّ ذاك الذي سيكون رسولاً، بدأ يخاصم يسوع إلى أن جندله يسوعُ على طريق دمشق. وإذا جعلنا جانبًا أع 10-11، يتكرَّس سفر الأعمال كلُّه تقريبًا للكلام عن بولس، عن الرحلات الرسوليَّة حتّى وصوله إلى رومة مقيَّدًا، ولكنَّ الإنجيل كان حرٌّا (أع 28: 30-31).

من سفر الأعمال انطلق أعمال بولس فجعلنا نرافق الرسول من دمشق حيث وجد التلاميذ »مستغرقين في الصوم«(6) وهو في المخافة. إلى أنطاكية حيث كانت المحاكمة الأولى والطرد من المدينة بعد أن رموا الرسول بالحجارة وطردوه من المدينة.(7) ذاك ما حصل لبولس كما يروي أعمال الرسل (14: 19) وإذ وصل بولس إلى إيقونيوم (أو إيقونية)، بدأ الخصوم يلاحقونه. تذكُر أعمال بولس شخصين سوف يكونان في رفقة بولس في نهاية حياته: ديماس الذي كان تلميذه الحبيب (كو 4: 14؛ فلم 24) ثمَّ تركه »حبٌّا بالعالم« (2 تم 4: 10). وهرموجينيس الذي ترك بولس مع فيجلُّس (2 تم 1: 15)، فمثَّل نفسه ومثَّل أيضًا اسكندر الحدّاد (2 تم 4: 14) الذي جاء اسمه مع ديماس وهرموجينيس في مخطوطين لاتينيَّين.(8)

في لسترة، كان الناس ينتظرون بولس، كما وصفه لهم تيطس: »رجل قصير القامة، لا شعر في رأسه، ساقان مقوَّستان، شديد البأس، حاجبان مضمومان، أنف معقوف بعض الشيء، مملوء لطافة. تارة بدا بشكل إنسان، وطورًا كان وجهه وجه ملاك.«(9)

هكذا نعرفه في الإيقونوغرافيا وهكذا عرفه أونسيفورس واستقبله في بيته. ومضى بولس إلى أنطاكية بسيدية. وما نلاحظ هو أنَّ رفيقه لا يكون برنابا، ذاك الرجل الذي أرسلته أورشليم باسمها لكي يرى تقدُّم الرسالة التي بدت وكأنَّ الأمور أفلتت من يد كنيسة أورشليم، بل تقلا التي ما نالت العماد بعد.(10)

نلاحظ منذ البداية وجود المرأة في أع بو بينما عدد النساء قليل في سفر الأعمال: ليدية مع بعض النسوة (أع 16: 13-15) في فيلبّي، داماريس في أثينة (أع 17: 34)، برسكلَّة زوجة أكيلا في كورنتوس (أع 18: 2). أمّا في أع بو فدور تقلا مهمٌّ جدًا في التبشير وفي التعميد. ما عمَّدها بولس فعمَّدت نفسها. فقالت لبولس: »نلتُ المعموديَّة. فالذي عمل فيك من أجل الإنجيل، عمل فيَّ أيضًا لكي أعمَّد.« وهكذا بدا السؤال مطروحًا: »أما يحقُّ للمرأة أن تمنحَ سرَّ العماد؟« والجواب هو نعم في أع بو.(11) فبولس وافق على ما فعلته تقلا مع أنَّ الإنسان لا يحقُّ له أن يعمِّد نفسه. ثمَّ أرسلها تبشِّر، كما أرسل يسوع تلاميذه. قالت لبولس: »أنا ماضية إلى إيقونيوم.« فأجابها بولس: »امضِ وعلِّمي كلام الله.«(12) كلام بولس هو امتداد لكلام يسوع. طلب الربُّ من رجل أن يتبعه، فقال له: »دعني أذهب أوَّلاً وأدفن أبي.« فقال له يسوع: »اترك الموتى يدفنون موتاهم. وأمّا أنت فاذهب وبشِّر بملكوت الله« (لو 9: 59-60). وفي هذا ردٌّ على تيّار بولسيٍّ جاء بعد بولس: »فلتصمت نساؤكم في الكنائس، فلا يجوز لهنَّ التكلُّم« (1 كو 14: 34). ولكن إذا كان الله نجّى تقلا من الموت، فلكي يرسلها لكي تحمل الإنجيل.(13)

ومع تقلا تُذكَر نساء عديدات: أمُّها تيوقليا. ثمَّ تريفانيا التي استقبلت تقلا قبل أن تُرمى للوحوش. وفلكونيلاّ ابنة تريفانيا التي توفِّيت ولكنَّها لبثت حاضرة في حياة أمِّها. والنساء اللواتي ساعدن تقلا بالعطورِ بحيث تخدَّرت الحيوانات، وما اكتفين بأن يبكين فقط على مثال نساء أورشليم اللواتي »كنَّ يلطمن صدورهنَّ وينحن عليه (على يسوع)« (لو 23: 27). وفي النهاية، امتدحت النسوة الله الذي نجّى تقلا.(14)

أمّا الأغابّي أو عشاء المحبَّة الذي يذكِّرنا بالعشاء السرّيّ، فما هيَّأه في أع بو، تلميذان من تلاميذ يسوع، بل امرأتان هم لاما الأرملة وابنتها أميا، وهما تبعتا بولس كما التلاميذ تبعوا يسوع.(15)

في أفسس حيث أتى بولس ورُميَ للوحوش، في خطِّ ما أشار إليه هو في الرسالة الأولى إلى كورنتوس (15: 2: صارعتُ الوحوش)، كانت بقربه امرأتان: أرتيميلاّ امرأة جيروم حاكم المدينة، وأوبولا زوجة ديوفانتوس الذي حرَّره جيروم. أمّا أوبولا هذه فكانت »تلميذة بولس، فتبقى جالسة لدى الرسل ليلاَ ونهارًا.« هكذا كانت مريمُ أختُ مرتا (لو 10: 39). وكما كان يوسف الرامي تلميذ يسوع (يو 19: 38)، كذلك كانت أوبولا.(16)

وفي كورنتوس حصل لبولس ما يرويه سفر الأعمال ممّا حصل له في قيصريَّة. أمّا النبيّ فكان أغابوس (أع 21: 11ي). أمّا في أع بو فهي نبيَّة اسمها ميرتي التي وعظت في الإخوة، ثمَّ وزَّعت الخبز.(17) أتراها تعمل ما يعمل الكهنة؟

أمّا المناخ الذي تجرى فيه حياة بولس فهو مناخ الصوم والصلاة دون أن ننسى الدموع. حين كان »الشبّان والشابّات يأتون بالحطب والقشِّ لإحراق تقلا«،(18) كان بولس صائمًا مع أونيسيفورس. ولبث صائمًا أيّامًا كثيرة إلى أن جاع الأولاد. فقال أحدهم لتقلا التي كانت تبحث عن يسوع: »بولس يبكي بسببك، ويصلّي ويصوم منذ ستَّة أيّام حتّى الآن.« وبعد أيّام الصوم، نالت الجماعة النعمة المطلوبة، فصلّى بولس إلى الربّ: »أنا أباركك، لأنَّك استجبت طلبتي وسمعتَ لي« (امتداد، ص 33).

وصام لونجنس حين رأى أنَّ ابنته فرونتين ميتة. وأمُّها كانت بجانبها واسمها فيرميلا. ولكنَّ بولس أقامها كما سبق يسوع فأقام ابنة يائيرس رئيس المجمع، الذي لا يُذكر اسم امرأته ولا اسم ابنته (امتداد، ص 72). ففي فيلبّي حُكم على بولس بالموت كما نقرأ في الرسالة إلى أهل فيلبّي (فل 1: 12-14) ولكنَّه نجا. فأُرسل إلى الأشغال الشاقَّة في المناجم ونجا أيضًا »فصارت دموع بولس انفراجًا« (امتداد، ص 73). ولكنَّ الخطر الكبير الآتي، هو انطلاق بولس إلى رومة. قال الرسول: »أيُّها الإخوة، اجتهدوا في الصوم وفي المحبَّة. فها أنا ماضٍ إلى أتون النور« (امتداد، ص 73). فبواسطة »هذا الصوم الثمين« يكون الربُّ معي. يواصل أع بو كلامه عن جماعة كورتنوس الذين »كانوا مكتئبين وصائمين« (امتداد، ص 74). وما نلاحظ هو أنَّ هذا الصوم يسبق عشاء الربّ. هذا ما نقرأ في الصفحة عينها (صنع بولس قربانًا) كما بعد إقامة فرنتين (امتداد، ص 72). أمّا الطعام بعد نجاة تقلا فهو »خمسة أرغفة وبقول وماء«.(19) فلا وجود للخمر في هذه الجماعة. وعشاء الربِّ نفسه يُصنع بالماء لا بالخمر.

مثلُ هذا الكلام نقرأه في أعمال فيلبُّس الذي لا يهتمُّ بالطعام المادّيّ بل بطعام الروح(20) p. EACI, 1232)) وهكذا يحافظ على حرِّيَّته. ويقول لنفسه: »لا تبحثي عن الأطعمة لكي تنالي العزم.« وما نقوله عن الطعام، نقوله عن الزواج. ذاك ما حصل بعد خطبة توما في أعمال توما، حيث رفض العروسان أن يتجامعا. بالنسبة إلى العروس، هي تطلب »العريس الذي لا يفسد والذي ظهر لي في هذه الليلة«.(21) أمّا العريس فامتدح الربَّ لأنَّه »أبعده عن الفساد«. نحن هنا في إطار المتعفِّفين الذين يرفضون الزواج. هذا ما يجعلنا في إطار غنوصيّ عرفته مثلاً الرسالة الأولى إلى تيموتاوس التي تتحدَّث عن »مرائين كذّابين اكتوت ضمائرهم فماتت، ينهون عن الزواج وعن أنواع من الأطعمة خلقها الله« (1 تم 4: 2-3). لا شكَّ في أنَّ تقلا رفضت الزواج في مثل هذا المناخ، حين سمعت كلامًا قاله بولس، مشابهًا »لعظة الجبل«: »طوبى للذين يحفظون عفَّة جسدهم، لأنَّهم يكونون هياكل الله.« طوبى للأعفّاء لأنَّ الله يتحدَّث معهم. طوبى للذين تخلُّوا عن هذا العالم لأنَّهم يرضون الله. طوبى للذين لهم نساء كأنَّ لا نساء لهم، لأنَّهم يكونون وارثي الله«.(22) فما يقابل العفَّة هو النجاسة، فماذا يختار المؤمن والمؤمنة من أجل اتِّباع بولس أو اتِّباع المسيح؟

بولس هو بولس كما نعرفه في الرسائل، ولا سيَّما خلال الرحلات الرسوليَّة. ولكنَّه نال قدرة عجيبة هو والذين معه، بحيث لم يعد إنسانًا، بل شبيهًا بالله. يعرف كلَّ شيء، يفعل كلَّ شيء، ولا يقف في وجهه عائق. ثمَّ هو وحده، ولا علاقة له برسول من الرسل ولا بتلميذ من التلاميذ. هو البداية وهو النهاية في الرسالة. أما يكون هو يسوع المسيح؟ تلك مسألة نصل إليها بعد أن نرى القرابة بينه من جهة، وبين بطرس ويوحنّا من جهة أخرى.

2- بولس، بطرس ويوحنّا

حين نقرأ أعمال الرسل، نلاحظ أنَّ كاتبها القدّيس لوقا أراد أن يقدِّم توازيًا بين بطرس وبولس. بطرس أقام كسيحًا عند الباب الجميل في الهيكل (أع 3: 1ي)، وبولس أيضًا قال لرجل عاجز كسيح في لسترة: »قُمْ وقِفْ منتصبًا على رجليك« (أع 14: 10). بطرس أقام طابيتة (أع 9: 40) على مثال ما فعل الربُّ مع ابنة يائيرس (مر 5: 41، طليتا قومي)، ومثله فعل بولس حين أقام أفتيخوس الذي سقط من الكوَّة في ترواس (أع 20: 10-12). وإذا كان الناس ينتظرون أن يمرَّ خيالُ بطرس على المرضى لكي يُشفَوا (أع 5: 15)، كذلك كان الأمر بالنسبة إلى بولس. »صار الناس يأخذون إلى مرضاهم ما لامس جسده من مناديل أو مآزر، فتزول الأمراض عنهم« (أع 19: 12).

هذه القرابة بين بطرس وبولس حاضرة في أع بو وموسَّعة أيضًا. ولكن نقص بولس أن يكون له كتاب رؤيا كما هو الأمر بالنسبة إلى رؤيا يوحنّا ورؤيا بطرس. لهذا، قدَّم لنا الأدب المنحول رؤيا بولس.

رؤيا بولس وُلدت في منتصف القرن الثالث، إن لم يكن في الثلث الأخير من القرن الثاني. إذًا هي قريبة من الأسفار القانونيَّة التي امتَّد بعضها إلى الربع الأوَّل من القرن الثاني.(23) ونقطة الانطلاق ما قاله الرسول عن نفسه في الرسالة الثانية إلى كورنتوس: »أعرفُ رجلاً مؤمنًا بالمسيح خُطف قبل أربع عشرة سنة إلى السماء الثالثة، أبجسده؟ لا أعلم. أم بغير جسده؟ لا أعلم. الله يعلم. وإنَّما أعلم أنَّ هذا الرجلَ خُطف إلى الفردوس: أبجسده أم بغير جسده؟ لا أعلم. الله يعلم. أعلمُ أنَّه خُطف إلى الفردوس وهناك سمع كلامًا لا يقدر بشرٌ أن ينطق به، ولا يجوز له أن يذكره« (2 كو 12: 2-4).

ما عرف الرسول أخُطف بالجسد أو بغير الجسد. أمّا رؤ بو فأكَّدت أنَّه خُطف بالجسد على ما حصل لإبراهيم في رؤيا إبراهيم.(24) وهكذا ضاع المعنى الروحيّ لنصِّ الرسالة البولسيَّة. ثمَّ هو سمع كلامًا لا يحقُّ لبشر أن ينطق به، ومع ذلك، توسَّع رؤ بو في هذا الكلام.

في هذه الرؤيا، تُطرَح مسألة الشرّ في العالم، ممّا يجعل الخليقة تتذمَّر لدى الله. يبدأ الرسول كلامه: »إذ كنتُ في جسدي، خُطفتُ إلى السماء الثالثة وتوجَّه إليَّ كلامُ الربِّ كما يلي: »قلْ لهذا الشعب إلى متى تمضون في خور الهمَّة فتضيفون خطيئة على خطيئة؟« (امتداد، ص 188). وبدأت الشمس تشتكي ثمَّ القمر والنجوم، والمياه والأرض. كان جواب الربِّ طول الأناة. قال: »أعرفُ الكلّ، وما من أحد يقدر أن يُخفي خطيئته، ولكنَّ قداستي تحتملهم كما هم إلى أن يهتدوا ويتوبوا. لكن إن لم يرجعوا إليَّ أدينهم« (امتداد، ص 190).

وبدأت الدينونة ورأى بولس فئات الناس يدانون، بحيث ما أُفلت أحد. أصحاب الجدالات العقيمة، الأساقفة، الشمامسة، القارئون. هذا على مستوى الكنيسة بمراتبها. ثمَّ يأتي المرابون والسحرة والزناة وقاتلو الأولاد والهراطقةُ والوثنيّون. وخلال مسيرة بولس يلتقي مثلاً بأخنوخ وإيليّا وغيرهما من الآباء.

فرح بولس حين التقى بالأبرار، وبالأحرى فرحوا هم حين رأوه. فهو أرفع منهم. قال الرسول: »عبرتُ أبواب الفردوس، وحين دخلتُ أتى شيخ نحوي، وجهه مشعٌّ مثل الشمس، فضمَّني وقال لي: »سلام، يا بولس حبيب الله.« وقبلني بوجه فرح«. وسأل بولس: »من هو هذا يا سيِّدي؟« فأجاب الملاك: »هو أخنوخ كاتب البر« (ص 201). ويواصل بولس كلامه: »رأيتُ إيليّا الذي حيّاني في الحال بالفرح والبهجة« (ص 202). وسوف يرى بولس الأنبياء مثل أشعيا وإرميا وحزقيال... (ص 207) الذين حيُّوه. وأطفال بيت لحم، ثمَّ إبراهيم وإسحاق ويعقوب... (ص 208).

وفي وقت من الأوقات تلتقي رؤ بو مع رؤ يوحنّا: »شاهدتُ الأربعة والعشرين شيخًا والأحياء الأربعة ساجدين قدّام الله« (ص 222)، هذا ما يعيدنا إلى رؤية العرش في السماء كما تحدَّث عنه يوحنّا (رؤ 4: 4-8). هم يهتفون أمام العرش. وبولس أيضًا سمعهم، كما تقول رؤ بو، وظهر وجه الفردوس، وتتوزَّع رؤ بو في الفردوس الذي يجمع الفردوس الأرضيّ وأرض الميعاد مع السماء. هناك نهر العسل ونهر اللبن، هناك المنشدون ليلاً ونهارًا وعلى رؤوسهم الأكاليل.

أجل، خطف الروح يوحنّا فسمع صوتًا قويٌّا يقول: »اكتب ما تراه« (رؤ 1: 10-11). وكذلك بولس. قيل له ما لا يكتب وما يكتب. تحدَّث يوحنّا عن الكنيسة في قلب الاضطهاد وعن مصيرها في نهاية الزمن. أمّا بولس فخرج من الزمن ليرى حياة الناس على ضوء الأبديَّة. ففي نداء بولس، دعوة إلى التوبة، وتنبيه إلى مختلف الفئات في الحياة الدينيَّة والاجتماعيَّة. وصوَّر بولس السماء حتّى الطبقة الثالثة، وصوَّر الأسافل بما فيها من رذائل وما ينال الناسُ هناك من عقوبات. وفي أيِّ حال، هو يسير على رأس شعب الله في العهد الجديد، في تواصل مع العهد القديم برفقة الآباء والأنبياء.

هذا السفَر إلى الآخرة يجعلنا في إطار غنوصيّ مع إشارة إلى حياة الرهبان الذين ينشدون هللويا الذي هو لفظ عبريّ يخصُّ الله والملائكة (ص 211) وهناك توسُّع في صورة الفردوس حيث يقيم أهل التوبة والعفَّة والإماتة. قال الملاك لبولس: »ما تشاهد الآن هو نصيب الزوجين اللذين حفظا العفَّة والطهارة خلال الزواج. أمّا للبتولين الذين جاعوا وعطشوا إلى البرّ، الذين أماتوا أجسادهم باسم الربّ، فالله يمنحهم سبعة أضعاف أكثر من هذا« (ص 204).

تلك مقابلة مع رؤيا يوحنّا. وهناك مقابلة ثانية مع رؤيا بطرس. ما زال الباحثون يتساءلون: هل رؤ بو سبقت رؤ بط، أم العكس هو الصحيح؟(25) هنا نتذكَّر أنَّ رؤ بو التي دوِّنت في نهاية القرن الثاني أو بداية القرن الثالث، ليست موجودة كلُّها في اليونانيَّة. بل وصلت إلينا في القبطيَّة واللاتينيَّة والسريانيَّة والأرمنيَّة، ممّا يعني أنَّ النصَّ الأخير قد يكون نال التصحيحات ولا سيَّما حين يذكر الرهبان العائشين في مصر، لأنَّ النصَّ الأصليّ، على ما يبدو، تكوَّن في مصر وبشكل خاصٍّ في الإسكندريَّة.

حاولت رؤ بط أن تضيء على مصير كلِّ إنسان، وارتبطت بشكل خاصٍّ بالرحمة التي بها يعامل الله الخطأة. هذه الوجهة لا تكون واضحة في رؤ بو الذي يُفهمه الملاكُ عدالةَ الله قبل كلِّ شيء. عرف بطرس مصيره: »ها أنا كشفتُ لك يا بطرس وشرحتُ لك كلَّ شيء. امضِ إلى المدينة التي تُشرف على الغرب واشربِ الكأس التي وعدتُك بها من يدي ابن ذاك الذي هو في الأسافل لكي يبدأ بالزوال. أمّا أنت فمختار بسبب الوعد الذي وعدتُك. فبسلام، قمْ بإعلان اسمي في العالمِ كلِّه، بحيث يبتهج. فينبوع أقوالي رجاء حياة، وفجأة خُطف العالم كلُّه.«(26) وانتهت رؤ بط على الجبل المقدَّس، كما في مشهد التجلّي حيث يكون يسوع مع موسى وإيليّا.

مع بطرس ويوحنّا يبدأ سفر الأعمال. في الهيكل وشفاء الكسيح، أمام المجلس اليهوديّ، وفي السجن قبل أن تصلّي الكنيسة من أجلهما (أع 4: 23).

فهل يكون بولس أقلَّ منهما؟ بل هو يتفوَّق، أو بالأحرى يأخذ خطٌّا أوسع حين يُري البشر ما ينتظرهم من ثواب وعقاب، ويصوِّر للأبرار وللخطأة السماء بتشعُّباتها والأسافل بعذاباتها.

3- بولس ويسوع المسيح

حين قال بعض الشارحين في القرن التاسع عشر إنَّ بولس هو مؤسِّس المسيحيَّة، كانت ردَّة الفعل قاسية. فبولس يدعو نفسه »عبد يسوع المسيح« (رو 1: 1). أو كما نقول في أسلوبنا الحديث »وزير« الملك المسيح وابن نعمته. منه نال كلَّ نعمة مع أنَّه لم يكن يستحقُّ شيئًا بعد أن اضطهد كنيسة الله (1 كو 15: 9). ولكن في العالم الغنوصيّ، بولس هو يسوع.(27)

أين كانت نقطة الانطلاق؟ سفر الأعمال. فالقدّيس لوقا حين جعل أعمال الرسل في امتداد إنجيله، أراد أن يبيِّن أنَّ يسوع ما زال حيٌّا في كنيسته. يموت إسطفانس، يعني يموت يسوع. غفر يسوع، ومثله فعل إسطفانس. سلَّم يسوع روحه بين يدي الآب، وإسطفانس قال: »أيُّها الربُّ يسوع، تقبَّل روحي« (أع 7: 59). وما قلناه عن إسطفانس نقوله عن بطرس الذي صوِّر سجْنُه وإنقاذه من السجن مثل موت وقيامة على مثال يسوع: »ثمَّ خرج وذهب إلى مكان آخر« (أع 12: 17). أمّا بولس فكان صعوده إلى أورشليم مثل صعود يسوع كما يصوِّره لوقا في لو9: 51 إلى 19: 27. ولكن إن مات يسوع في أورشليم، فبولس يموت في رومة.

أمّا أع بو فأرادت أن تبيِّن كيف أنَّ بولس هو المسيح. لا حاجة إلى ذكر اسم يسوع والعودة إلى الإنجيل. فما نقرأ من تطويبات في إنجيل متّى (5: 1-8) نجد ما يقابله في أع بو:

طوبى لأنقياء القلوب، لأنَّهم يعاينون الله

طوبى للذين يمتلكون مخافة الله، لأنَّهم يكونون ملائكة الله.

طوبى للذين يرتعدون من أقوال الله، لأنَّهم يُعزَّون.

طوبى للذين تقبَّلوا حكمة المسيح، لأنَّهم يُدعَون أبناء العليّ.

طوبى لأجساد البتولين والبتولات، لأنَّهم يكونون مرضيّين لله ولا يخسرون أجر عفَّتهم، لأنَّ كلام الآب يكون لهم عمل خلاص في يوم ابنه ويذوقون الراحة في دهر الدهور.

هناك ثلاث عشرة تطويبة (ص 24-25)، وما ذكرناها كلَّها هنا. المهمُّ أنَّها بعيدة إجمالاً عن تطويبات يسوع المسيح، وأنَّها سحرت السامعات والسامعين، بحيث تجمَّدت تقلا(28) حين سمعت بولس يتكلَّم »حول العفَّة والإيمان بالمسيح والصلاة« (ص 26). مثل هذا الكلام ينطبق عليه ما قيل في يسوع: »تعجَّبت الجموع من تعليمه، لأنَّه كان يعلِّمهم مثل من له سلطان« (مت 7: 28-29). أمّا السامعون فملأوا البيت وهو يعلِّمهم »أن يخافوا الإله الواحد وأن يعيشوا في الطهارة« (ص 27).

بولس هو المعلِّم، ولديه، عند قدميه، وقفت تقلا وغيرها كثيرات، على مثال ما نقرأ في الإنجيل. والمعجزات التي يصنع هي معجزات يسوع من شفاء المرضى وقيامة الموتى. أمّا هدوؤه فواضح لأنَّه يبدو وكأنَّه عارفٌ بالناس الآتين إلى لقائه. انتظره أونسيفورس، فسبقه بولس وابتسم له قبل أن يكلِّمه ذاك الذي ينتظره (ص 23). أما هكذا رأى يسوع زكّا قبلَ أن يراهُ زكّا ويدعوه إلى بيتِه (لو 19: 1ي). وكما قبل زكّا يسوعَ بفرح، كذلك كان الوضع مع بولس. »حين دخل بولس إلى بيت أونيسفورس، حلَّ فرح كبير« (ص 23).

بولس هو ذاك الذي يبحثون عنه كما كان التلاميذ يبحثون عن يسوع. قال التلاميذ ليسوع: »الجميعُ يطلبونك« (مر 1: 37). وتقلا شكرت الربَّ لأنَّها وجدت بولس: »أيُّها الآب الذي صنع السماء والأرض، يا أبا ابنك القدّوس، أباركك لأنَّك نجَّيتني لكي أرى بولس« (ص 33). ولمّا لم يُرد بولس أن تأتي معه تقلا، أجابته: »سأقصُّ شعري (بحيث تبدو رجلاً) وأتبعك إلى حيث تمضي« (ص 33). أما هكذا قال أحد الناس ليسوع: »أتبعك يا سيِّد« ؟ (لو 9: 61). كدنا ننسى ما قال بولس لأهل كورنتوس: »اقتدوا بي كما أنا اقتدي بالمسيح« (1 كو 11: 1). وكما قال الربُّ لآخر بأن يذهب ويبشِّر بالملكوت (لو 9: 60)، قال بولس لتقلا: »امضي وعلِّمي كلام الله« (ص 40). ومن أين أخذت تقلا النور؟« من الموضع الذي كان بولس يجلس عليه ويعلِّم« (ص 40). أمّا صلاتها فارتفعت إلى الله.

ونقدِّم آخرًا لا أخيرًا ما حصل لبولس في ميرا: »جاءه رجل معه داء الاستسقاء« (ص 42). ماذا فعل؟ ما كان الناس يفعلون تجاه يسوع: »أرتمي عند قدميك فارحمني.« هكذا فعل يائيرس رئيس المجمع حين طلب شفاء ابنه (لو 8: 41). وكذلك مريم حين طلبت من الربِّ أن يقيم أخاها (يو 11: 32). أمّا ذاك المريض فمثله شفى يسوع، وشفاه يوم السبت (لو 14: 1-4). وطريقة الشفاء تشبه ما فعل بطرس مع كسيح الباب الجميل (أع 3: 1ي): »لا أعطيك لقاء الفضَّة ما تطلب. ولكن باسم يسوع المسيح تُشفى قدّام هؤلاء جميعًا« (ص 42).

وما يدهش في النهاية هو أنَّ الناس مضوا إلى قبر بولس كما النسوة مضين إلى قبر الربّ. قال يسوع لتلاميذه: »متى قمتُ أسبقكم إلى الجليل.« وبولس أعطى موعدًا: »إذا أتيتما سَحرًا هنا إلى قبري، تجدان رجلين يصلِّيان« (ص 83). في الإنجيل هما ملاكان، أمّا هنا، فهما تيطس ولوقا، تلميذا بولس. وحين قُطع رأس بولس وجرى اللبن، كانت ردَّة الفعل هنا كما كانت ساعة موت يسوع: »مجَّدوا لله الذي أعطى بولس مثل هذا المجد« (ص 83). أجل، انطلق لونجينوس وقائد المئة سحرًا إلى قبر بولس، »فشاهدا رجلين يصلِّيان« (ص 84).

الخاتمة

ذاك هو طيف بولس، ذاك هو وجه بولس. عرفناه في سفر الأعمال وفي عدد من رسائله، وهكذا وجدناه في أع بو، ولكنَّه لبسَ وجهَ الغنوصيَّة التي تعتبر أنَّها لا تحتاج إلى التقليد الرسوليّ الرسميّ، بل تنطلق من خبرات شخصيَّة تربطها بهذا الشخص أو ذاك وكأنَّه نال وحيًا لم ينله بطرس أو أندراوس وغيرهما. وبولس يوازي بطرس ويوحنّا، بل يوازي الرسل جميعًا على ما نقرأ في 1 كو 15: 11: »أكنتُ أنا أم كانوا هم، هذا ما نبشِّر به وهذا ما به آمنتم.« صار بولس تجاه الرسل، بل تجاه المسيح نفسه. لهذا كان حكمُ الآباء قاسيًا على المنحولات البولسيَّة، ولا سيَّما رؤ بو حيثُ قال القدّيس أوغسطين: »رؤيا بولس باطلة، والكنيسة لا تتقبَّلها على أنَّها صحيحة. ولستُ أعرفُ من ثبَّتها وهي مليئة بالخرافات، فدلَّ على البلادة والوقاحة.« (المقالة 18: 8 في شرح إنجيل يوحنّا). ذاك كان موقف الكنيسة الرسميَّة، ولكن تجاه »الكنيسة الصحيحة« كما قال القدّيس أوغسطين، هناك الكنيسة الهامشيَّة، الخفيَّة، التي جعلت رؤيا بولس تنتقل في ثماني لغات ومنها السريانيَّة والعربيَّة والقبطيَّة، كما جعلت أع بو تنتشر في أماكن عديدة مع شخصيَّة تقلا التي تعيِّدها الكنيسة في الشرق والغرب. من هنا أهمِّيَّة قراءة الآثار المنحولة، لا لأنَّها تضيف لاهوتًا وعقيدة على الأسفار القانونيَّة، بل لأنَّها تعطينا صورة عن الكنيسة في وقت من الأوقات، هو هنا القرن الثاني والقرن الثالث المسيحيّ.