رؤية بولس نجع حمّادي

 

في 2 كو 12: 2-4 لمَّح بولس بشكل موجز إلى أنَّه خُطف إلى السماء. فجاء المتدرِّجون في الإيمان وأكملوا هذا الخبر. لهذا كانت شهادات عديدة عن وجود رؤية بولس، وما وصل خبر سفره إلى السماء قبل القرن التاسع عشر: صعد بولس إلى السماء وشهد دينونة بعض الناس بعد الموت post mortem، ولاسيَّما نفسًا خاطئة. ثمَّ رافقه ملاكٌ، فزار الهالكين في العذابات والسعداء في السماوات.

هذا النصُّ يعود، على ما يبدو، إلى منتصف القرن الثالث. دُوِّن في اليونانيَّة وانتشر في العالم المسيحيِّ الوسيطيّ، ووُجدت عنه المخطوطات العديدة في أكثر من لغة محكيَّة في ذلك الزمان. جاء النصُّ مبسَّطًا، فصوَّر العذابات التي تصيب الخطأة التعساء في العالم الآخر. ولكن توسَّع فيه الإيمانُ الشعبيُّ في صور لامعة عرفناها في بداية القرن العشرين. وأخذ منه دانتي الشاعر الإيطاليُّ الأمورَ الكثيرة، كما التقاليدُ الإسلاميَّة.

هناك رؤيا بولس نقلناها في امتداد الأدب البولسيّ. أمّا النصُّ الذي وُجد في نجع حمّادي فهو أقصر من النصِّ المعروف، ومضمونه مختلف: مراحل السفر إلى السماء جاءت بلا لفٍّ ولا دوران. كما نكتشف الواقع المادِّيَّ الملموس. أمَّا اللغة فهي إحدى لهجات العالم القبطيِّ القديم.

التصميم

*     المشهد الأوَّل. كان طويلاً، ولكن جاءت الفجوات عديدة. هو يجعلنا على جبل نبو المدعوِّ »جبل أريحا«(1). ويروي اللقاء بين بولس والشخص الذي سوف يرافقه في سفره (17: 2- 19: 20).

*     قادتهما المرحلة الأولى مباشرة إلى السماء الثالثة ثمَّ الرابعة. من هناك ألقى بولس نظره إلى الأرض فرأى وصول نفس خاطئة إلى محاكمة حضرها كمشاهد (19: 20-21: 22).

*     انتهت المحاكمة ونُفِّذ الحكم. فواصل بولس صعوده إلى السماء الخامسة حيث رأى ملائكة يرسلون بسياطهم النفوس الهالكة (21: 22-22: 10).

*     واستضاءت السماء السادسة بنور عظيم (22: 13-22).

*     سيِّد السماء السابعة هو شيخ مسنٌّ يطرح على بولس الأسئلة، فلا يستطيع بولس أن يواصل ارتقاءه إلاَّ حين يُريه علامة (22: 24-23: 28).

*     ويتواصل الصعود بدون أي تفصيل حتَّى السماء الثامنة والتاسعة لكي ينتهي في العاشرة (23: 29-24: 8).

سفر بولس

نبدأ فنقول إنَّ المراحل لم تكن بالطول ذاته. بعضها كان قصيرًا. أمَّا مشهد اللقاء الذي يفتتح الرؤية (وكذلك السماء الرابعة والخامسة) فكان أطول بعض الشيء. منذ الافتتاح، نحن أمام مسألة ألفاظ: مرافق بولس هو تارة »ولد صغير« أو »صبيّ صغير« تجاه »الشيخ المسنّ«. وهو »روح« أو أيضًا »روح قدس«. ويبقى الافتراض الطبيعيّ أنَّه »ملاك« كما نجد في عدد من أسفار الرؤيا.

هذا المرافق جعل بولس يعي أنَّه على جبل نبو. هو باب السماء الذي فيه انتقل موسى، وترك هذا العالم ليمضي إلى الآخر. إذًا، تبع بولس آثار المشترع الكبير، ويمكن أن يُدفَع لكي يلعب دور موسًى جديدٍ. هذا الشخص الذي ينتظره المؤمنون ويرجون عودته(2).

إذا تطلَّعنا إلى موسى، لا نكون أمام سَفَر جليانيّ، بل أمام صعود إلى السماء ساعةَ الموت(3). عندئذٍ يُطرَح السؤال: هل هذه الرؤية قدَّمت لنا صعود نفس الرسول إلى السماء في نهاية حياته؟ ولكنَّنا نعرف في العالم الجليانيِّ وضعًا آخر عرفه الآباء أخنوخ وإبراهيم وإسحاق ويعقوب: أُنعم عليهم بسفر إلى السماء »في الجسد« in corpore قبل أن يتركوا هذا العالم(4).

سفَرُ بولس هذا بعيدٌ كلَّ البعد عن أسفاره الرسوليَّة التي كانت تقوده إلى أورشليم. فهدف سفر بولس هنا هو أورشليم السماويَّة.

المحاكمة

المشهد المركزيُّ يحصل في السماء الرابعة فيرينا الرسول وهو يحضر كشاهد محاكمة نفس خاطئة. نجد مشهدًا مماثلاً ترويه وصيَّة إبراهيم ورؤيا بولس الأبّوكريفة (هما نصَّان وصلا إلينا في ترجمة قبطيَّة). إنَّ الخبر هنا لا يعطي تفاصيل كثيرة، بل عكس ذلك، بضعة تفاصيل. لهذا نخاطر حين نحاول تفسيره فيبقى أكثر من سؤال. فلا بدَّ من وضع هذا الخبر في سياق عامّ، واسع. ويستضيء إن نحن واجهناه مع أخبار شعبيَّة مصريَّة نجد فيها بعض المرّات صورة جرائم شنيعة. فيبدو أنَّنا أمام خبر عرفَه القرَّاء أو السامعون، بحيث انتفت الحاجة إلى التفاصيل.

فهناك عظة قبطيَّة، متأخِّرة في الزمن، قد تعطينا مفتاح هذه »الخبريَّة«(5). الموضوع: فتاة عزباء لها أخت متزوِّجة. وضعت السمَّ لأختها ثمَّ لاحقت الأرمل إلى أن دفعته لكي يتزوَّجها: ها هو نموذج الجريمة التي تعاقب النفس التعيسة حين تُحاكَم في السماء الرابعة.

إن العقاب الذي يصيب هذه النفس التعيسة، الخاطئة، مهمٌّ جدٌّا. فهي تُرمى في الأسفل في جسد مُعَدٍّ لها. بحسب أفلاطون، فكرة اتِّخـاذ جسـد جديـد réincarnation هي جزء من التعاليم البيثاغوريَّة. أمّا في مصر، فتزدهر هذه الفكرة في الوسط الغنوصيِّ وتتكرَّر أكثر من مرَّة في إيمان حكمة(6).

الاستجواب في السماء السابعة

يبدو أنَّ كلَّ سماء من السماوات يحكمها رئيس. ذاك أقلَّه وضع السماوات من الرابعة إلى السابعة. رئيس السماء الرابعة، شأنه شأن رئيس السماء السابعة، يُدعى »جمركيّ«. في السابعة، يظهر »الشيخ المسنُّ« الذي يُخضع بولسَ للاستجواب ويمنعه من مواصلة طريقه إلاَّ بعد أن يتحقَّق من علامة قدَّمها الرسول بناء على نصيحة مرافقه. لا يتيح لنا النصُّ أن نعرف بوضوح الطبيعة الدقيقة لهذا الشيخ المسنِّ الذي يلعب الدور الذي لعبه أهل الجمارك الذين يراقبون عبور النفوس حين صعودهم السلَّم الكونيَّة.

متى دُوِّن هذا النصُّ؟ ربَّما في النصف الثاني من القرن الثاني بسبب بعض العبارات القديمة: نظام العشر سماوات، ارتقاء السلَّم الكونيَّة. ممّا يعني أنَّها سبقت رؤيا بولس الأبُّوكريفة بقرن من الزمن.

المقدِّمة

(نقصت الأسطر 20-29)

18 (نقص السطران 1-2)(7)

الطريق وتوجَّه إليه وقال:

»بأيِّ طريق

5     سأصعد إلى أورشليم؟«

أجاب الصبيُّ(8) الصغير وقال:

»قل لي اسمك

لكي أعرِّفك الطريقَ«.

عرف الصبيُّ الصغير بولس

10    أراد أن يتوجَّه إليه

بكلماته.

وهدفه أن يجد مناسبة

للكلام معه.

خطبة الروح

فأجاب الصبيُّ الصغير وقال: »أعرفُ

15    من أنت، يا بولس،

أنت هو ذاك الذي نال البركة

من حشا أمِّه)(9).

بما أنِّي رأيتُ أنَّك تريد الصعود

إلى أورشليم(10)، إلى رفاقك الرسل

20    بسبب ذلك أُرسلتُ إليك.

أنا هو الروح الذي يلبثُ معك

(غابت الأسطر 24-33)

19 لأنَّ...

...

كلُّ من... بين الرئاسات

وهذه السلطات، رؤساء ملائكة وقوّات

5     وكلُّ جوقة الشياطين...(11)

 

ذاك الذي جَبَل الأجسادَ

من أجل زرع النفس«.

وبعد أن أتمَّ هذه الخطبة

أجاب وقال لي:

10    »أيقظ فهمك، يا بولس وانظر:

هذا الجبل الذي تسير عليه

هو جبل أريحا(12).

اعرف الأشياء الخفيَّة

في تلك التي هي جليَّة(13):

15    نحو الرسل الاثني عشر(14)

تمضي،

وأرواح مختارة(15)

تحيِّيك«(16).

 

السماء الثالثة

رفع عينيه فرآهم

20    حيُّوه.

حينئذٍ الروح القدس

الذي تكلَّم معه

اختطفه(17) إلى العلاء

إلى السماء الثالثة، فعبر

25    بعد ذلك إلى السماء الرابعة.

 

السماء الرابعة: دينونة الخاطئة

توجَّه إليه الروح القدس وقال:

»انظر وشاهد

شبهك(18) على الأرض«.

فنظر

30    إلى أسفل

ورأى

الذين كانوا على الأرض

رأى الذين على...

20 نظر...

فرأى الاثني عشر رسولاً

إلى يمينه وإلى شماله

في الخليقة، والروح

5     مشى أمامهم.

ورأيتُ(19) في السماء الرابعة

...

ملائكة يحملون نفسًا

إلى خارج أرض

10    الأموات(20)

وضعوها عند باب السماء الرابعة

وأخذ الملائكة يجلدونها.

فأجابت النفس وقالت:

»أيَّ خطيئة اقترفتُ

15    في العالم؟«

والجمركيُّ(21) الجالس في السماء الرابعة

أجاب وقال:

»ما كان لك أن تقترفي

جميع هذه الشرور التي في عالم

20    الأموات«.

فأجابت النفس وقالت:

»هاتِ شهودًا يُعلمونك

ضدَّ أيِّ جسمٍ اقترفتُ شرٌّا«.

»ها أنا أجلبُ كتابًا(22)

25    أقرأُ فيه«.

وأتى الشهودُ الثلاثة(23)

فأجاب الأوَّل وقال:

»أما أنا الذي كان في الجسم

في الساعة الثانية

30    ...؟

وقفتُ تجاهك

21 إلى أن امتلأتِ غضبًا

وسخطًا وحسدًا«.

وأجاب الثاني:

»أما أنا الذي كان

5     في العالم؟

فدخلتُ في الساعة الخامسة

ورأيتُكِ واشتهيتُك

وها أنا أتَّهمك الآن

بالنظر إلى الجرائم التي اقترفتِ«.

10    وأجاب الثالث وقال:

»أما أنا من أتى إليك

في الساعة الثانية عشرة(24) في النهار

حين كانت الشمس تمضي إلى المغيب ؟

أعطيتُك الظلمة

15    إلى أن نفَّذتِ خطاياك«.

حين سمعت النفسُ هذه الأشياء

نظرتْ بحزنٍ إلى تحت (أسفل).

وحينئذ نظرَتْ إلى فوق

فألقيَتْ إلى تحت

20    وحين ألقيَتِ النفسُ إلى تحت

مضَتْ من جسدٍ(25)

سبق فأُعدَّ لها

وها هو سبب دينونتها.

أمّا أنا فنظرتُ إلى فوق

25    ورأيتُ الروح يقول لي:

يا بولس، تعال، اتبعني«.

 

السماء الخامسة

وأنا، لمَّا مشيتُ

انفتحَ الباب

وصعدتُ إلى السماء الخامسة

30    فرأيتُ الرسلَ رفاقي

ماشين معي.

22 ومشى الروحُ معنا.

ورأيتُ

ملاكًا كبيرًا

في السماء الخامسة

5     يمُسك صولجان حديد(26).

في يده

وكان معه ثلاثة ملائكة

فنظرتُ وجوهَهم

كانوا يتخاصمون

10    والسياط في أيديهم، يدفعون،

هذه النفوس إلى العقاب(27).

ومشيتُ أنا مع الروح

فانفتح الباب قدَّامي.

 

السماء السادسة

عندئذٍ صعدنا إلى السماء السادسة

15    ورأيتُ الرسل رفاقي

يمشون معي.

فأخذني الروح القدس قدَّامهم

فنظرتُ إلى فوق

فرأيتُ نورًا عظيمًا(28)

20    يُنير إلى الأسفل في السماء السادسة. فأجبتُ

وقلتُ للجمركيِّ

الذي كان في السماء السادسة:

»افتحْ لي«.

كان الروح القدس قدَّامي

25    ففتحَ لي فصعدنا إلى السماء السابعة(29).

 

السماء السابعة: لقاء مع الشيخ المسنّ

رأيتُ شيخًا (مسنٌّا)

النور...

الأبيض...

في السماء السابعة

30    ينير سبعة أضعاف أكثر

من الشمس(30).

23 فأجاب الشيخ (المسنُّ)(31)

وقال لي:

»إلى أين تحاول أن تمضي

يا بولس المطوَّب

5     والمفروز من بطن أمِّه؟«(32)

فنظرتُ أنا إلى الروح(33)

فأشار إليَّ برأسه

وقالي لي: »كلِّمْه«.

فأجبتُ وقلتُ للشيخ:

10    »أحاول أن أمضي إلى المكان

الذي منه خرجت«(34).

فأجابني الشيخ:

»من أين أنت؟«

فأجبتُ أيضًا قائلاً:

15    أنزلُ إلى عالم الأموات(35) لأصنع

السبيَ مسبيٌّا

ذاك الذي سُبيَ

في سبْي بابل«.

فأجابني الشيخُ وقال:

20    »كيف تستطيع

أن تفلتَ منّي؟

انظر وشاهد

هذه الرئاسات وهذه السلاطين!«(36)

فأجاب الروح وقال:

25    »أعطِه علامة(37) تمسكها (بيدك)

فيفتح لك«

حينئذٍ أعطيته العلامةَ

فمال بوجهه إلى تحت

إلى خليقته والذين تحت سلطانه.

 

السماء الثامنة(38) والتاسعة والعاشرة

30    حينئذٍ انفتحت

السماء السابعة(39) فصعدنا نحو

24 الثامونة(40).

فرأيتُ الاثني عشر

فحيُّوني(41) وصعدنا

إلى السماء التاسعة(42)

5     حيَّيتُ جميع الذين كانوا

في السماء التاسعة

وصعدنا

إلى السماء العاشرة

وحيَّيتُ الأرواح رفاقي.(43)