بولس الرسول والآباء اليونان

 

لا نخطئ إطلاقًا حين ندعو نفس بولس مرج الفضائل والفردوس الروحيّ، لأنَّه أزهر إزهارًا بالنعمة، وكشف حكمة نفسٍ جديرة بالنعمة«. ذاك ما قاله الذهبيُّ الفم في تقريظ لبولس بين سبعة تقريظات ألقاها حوالى سنة 390 حين كان كاهنًا في أنطاكية. بدأ فجعل »بطله« في إطار النعمة، وهذا أمرٌ عاديٌّ لمن يعرف هذا الرسول. ولكنَّ هذا يبيِّن في الكنيسة اليونانيَّة، أنَّ شخص بولس اجتذب المؤمنين كما اجتذبهم تعليمه، بحيث دُعيَ المؤمن والمرسَل واللاهوتيّ. هذه المقاربة كانت من قبلُ مقاربة أوريجان، الذي أعطى ملاحظة عابرة وهو يفسِّر آية من سفر العدد: »ليحتفظ بي يسوع أنا أيضًا أسيرًا وليأخذني في سبْيِهِ (عد 24: 17 حسب السبعينيَّة) ولأكُنْ مقيَّدًا بقيوده لأستحقَّ أن أدعى أنا أيضًا سجين المسيح يسوع، كما بولس نفسه افتخر بذلك« (أف 3: 1)(1). اهتمُّوا بمسيرة بولس الروحيَّة. فقبلَ أن يكون ذاك اللاهوتيَّ الكبير، أو مقدِّم المفاهيم، هو إنسان مُعطى للمسيح. ذاك هو ينبوع سلطته اللاهوتيَّة في نظر الآباء.

1. بولس اللاهوتيّ

فالآباء اليونان قرأوا بولس على أنَّه ذاك اللاهوتيّ. فيبقى أن نعرف وجهات فكره التي اهتمُّوا لها أو انطبعوا بها. هنا بعض أهمِّيَّة بحثنا الذي قد يحمل عنصر جواب على مسألة جدال في الدراسات البولسيَّة: أين هي نقطة الثقل في لاهوت بولس؟ ما هي نقطة انطلاق هذا اللاهوت؟ فتقبُّل الرسائل في القرون المسيحيَّة الأولى، قد تبيِّن لنا كيف رتَّب قرَّاء بولس الأوَّلون النصوص ومعطياتها. ولكن بما أنَّ الدارسين لا يتوافقون على هذه النقطة، فعلينا الفطنة في اتِّخاذ المواقف. فحين نقرِّر مبدإيٌّا أن نأخذ هذا الموضوع البولسيّ أو ذاك لنتبع مسيرته لدى آباء الكنيسة، نجد في النهاية ما وضعناه في البداية. لهذا تكون طريقنا الملاحظة لا التعميم الذي نضعه مسبقًا.

أ- نظرة إجماليَّة أولى

إنَّ المعطيات التي تقدِّمها »البيبليا الباترستيكا«(2) (أي نصوص الكتاب المقدَّس لدى الآباء)، تتيح مقاربة أولى حول الكمِّيَّة. هنا نحتفظ لأنَّها تتوقَّف عند النصوص التي وصلت إليها (في الحقبة الآبائيَّة الأولى، وصل إليها جزء قليل ممّا دوِّن)، والمعايير التي بحسبها قرَّر الناشر إن كان هناك تلميح كتابيّ أو لا.

فالمجلَّد الأوَّل الذي يغطِّي القرن الثاني المسيحيّ حتَّى منعطف القرن الثالث، يعيننا لكي نلاحظ أنَّه إن »نُسيَ« بولس في بداية القرن الثاني، إلاَّ أنَّه عاد بقوَّة منذ النصف الثاني، لأنَّ الإيرادات الصريحة أو (في أكثر الأحيان) الضمنيَّة من المحموعة البولسيَّة (13 رسالة، لم تُذكَر عب) تمثِّل تقريبًا ثلاثة أخماس إيرادات الأناجيل الإزائيَّة. ومنذ القرن الثالث، تساوت بالعدد الإيرادات البولسيَّة مع إيرادات الأناجيل الإزائيَّة. ولبث الأمرُ هو هو في القرن الرابع لدى الكتَّاب اليونانيِّين الرئيسيِّين (ما عدا الإسكندرانيِّين لأنَّ العمل لم ينته).

ونلاحظ أنَّه إن كانت الرسالة إلى رومة وردت مرارًا، فقد تجاوزتها تجاوزًا كبيرًا الرسالة الأولى إلى كورنتوس، خصوصًا مع ف 15 والكلام على قيامة المسيح وقيامة الموتى. فللوهلة الأولى، يبدو في القرون الثلاثة الأولى لتقبُّل بولس في عالم اليونان، أنَّ لاهوتيَّ القيامة قُرئ أكثر من مرَّة. نحن لا نستطيع أن نحدِّد أكثر من ذلك، لأنَّ هناك بعض اللايقين في النتائج: فالمجموعة المحفوظة قد تغشُّنا، لأنَّ مقطعًا يمكن أن يرد أكثر من مرَّة، ولأنَّ بولس فسَّر الرسالة إلى رومة، ويبدو أنَّه لم يفسِّر كورنتوس الأولى، وإن وُجد منها مقاطع عديدة.

ب - النهج وما فيه من حذر

ويكون الباحثُ فطنًا، لأنَّ آية ترد، لا اللاهوت البولسيُّ كلُّه للمقطع أو للرسالة. مثلاً، المعارضة التي تعبِّر عنها 1 كو 13: 12 عن الرؤية في مرآة والرؤية وجهًا لوجه، استُعملت مرارًا، وخصوصًا »وجهًا لوجه« للكلام عن الحياة المقبلة. فلا نستطيع القول إنَّ كلَّ لاهوت المقطع دُرس. ولكن تكرَّرت العبارة فبان أنَّ عدد الإيرادات كثير. وهناك مثل آخر أكثر وضوحًا: البرقع على وجه موسى وعمى اليهود في 2 كو 3: 13-14، بما فيه من هجوم على الذين رفضوا المسيح. لا نستطيع هنا أن نتحدَّث عن »تقبُّل« بولس. ثمَّ إنَّ لفظ »تقبُّل« يحمل أكثر من معنى: الأخذ بالفكرة ككلّ، أو استقراض عبارة ما لأنَّها تتماشى مع ميولنا.

والممارسة القديمة للتلميح تطرح مسألة إجماليَّة، ولاسيَّما حين الكلام عن الكتاب المقدَّس: يستطيع كاتب أن ينسخ عدَّة تلميحات كتابيَّة يستقرضها من هنا وهناك، فتصبح البيبليا ينبوع إلهام له ويكون لمؤلِّفه وزنٌ وقيمة. أمَّا التقبُّل الحقيقيُّ فيكون على مستوى آخر. غير أنَّ ما يفعله الناشر اليوم، أو ما قدَّمته البيبليا الباترستيكا، لا يميِّزان بين هذه الطرق المختلفة للعودة إلى النصِّ الكتابيّ، بحيث لا يستطيع الباحث أن يستفيد من هذه الكميَّة من »الوثائق«. هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، أردنا أن نتجاوز هذه العقبة، منطلقين من الموضوعات البولسيَّة لكي نقيِّم تأثيرها على فكر الآباء. وإلاّ نسقط في الصعوبة التي أشرنا إليها من قبل، وهي المفترضات الضمنيَّة التي نختار. فيجب علينا أن نُحسن الاختيار: الكرستولوجيا. النظام في الجماعات، تفسير الكتب المقدَّسة، الشريعة والإيمان، لاهوت الجسد السرِّيّ، الأنتروبولوجيا أو النظرة إلى الإنسان، الخلقيَّة الاجتماعيَّة أو الزواجيَّة، المحبَّة... كيف نقوم بدورة حول العالم البولسيّ دون أن نضع أبحاثًا مشرَّعة، مقسَّمة، الواحدة قرب الأخرى. حين تُطرح مسألة »المركز« (أو: قلب الفكر البولسيّ) أو نقطة انطلاق الفكر البولسيّ، لا نستطيع أن نتَّخذ هنا موقفًا مسبقًا. وإذ نريد أن نتجنَّب تجنُّبًا اعتباطيٌّا خيار الموضوعات، نستطيع أقلَّه في البداية أن نأخذ خطٌّا كرونولوجيٌّا، موضوعيٌّا: كيف استعمل الكتَّاب الأوَّلون المجموعة البولسيَّة.

2. في وسط القرن الثاني

هو ظهور خَجِلٌ نذكر فيه يوستين، ابن نابلس في فلسطين، والمدافعين مثل أثيناغوراس وتيوفيل الأنطاكيّ.

أ- يوستين

هذا اليونانيُّ الذي لم يكن يهوديٌّا، والذي أقام في فلسطين، كتب الحوار مع تريفون حوالى سنة 170. لا يَذكر بولس أبدًا ذكرًا صريحًا، مع أنَّه يورد نصوصًا واضحة أخذها من العهد الأوَّل (أو: القديم) ويوردها بوفرة. كيف نفهم هذا الإغفال؟ هناك أكثر من تفسير. فيوستين يعامل العهد الجديد ككلٍّ بالشكل عينه، لأنَّ مجموعة العهد الجديد لم تكن تحدَّدت بعد، كما أنَّه لم تكن لها سلطة توازي سلطة العهد الأوَّل بالنسبة إلى الذين يتحاور معهم. وهذا يعني أنَّ لا فائدة من إيراد صريح، غير أنَّ الباحثين يتَّفقون على القول إنَّ يوستين قرأ حقًا الرسائل البولسيَّة، لأنَّنا نجد موضوعات بولسيَّة واضحة في الحوار وأوَّلها المعارضة بين الختان الروحيِّ والختان اللحميّ، مع موضعة إيمان إبراهيم الذي أرضى الله وهو غير مختون. في الواقع احتلَّت الرسالة إلى رومة مكانة هامَّة في الفهارس الكتابيَّة لنشرات يوستين الحديثة. ولكنَّ المسألة ليست بسيطة: ففي أكثر الأحيان هي إيرادات من العهد الأوَّل وُجدت عند بولس (مثلاً، تك 15: 6 حول إيمان إبراهيم). فهل بولس هو ينبوع هذه الإيرادات؟ بالنسبة إلى تك 15: 6، قيل إنَّ الكثيرين أوردوا هذه الآية: 2 مك 2: 52: فيلون الإسكندرانيّ... هذا يعني أنَّ هذا الإيراد كان معروفًا لدى الجميع في زمن بولس. وفي الواقع، هذان المقطعان لا يستعملان هذه الآية كما استعملها بولس في رو 4، حين عارض بين الإيمان وأعمال الشريعة. أمّا يوستين فدلَّ على استعمال هذا الاستشهاد بطريقة قريبة من طريقة بولس في الحوار 23 و92. يبدو أنَّه عارض الممارسة الحرفيَّة للشريعة (وإن وُجد هذا الموقف في التقليد اليهوديِّ عينه)، فبدا مرتبطًا ببولس. هذا من جهة. ومن جهة ثانية وفي إطار الملفَّات الكتابيَّة، نلاحظ سمتين اثنتين. الأولى، نسيج إش 1: 9 و10: 22 الذي نقرأه في رومة وعند يوستين، مع أنَّه غائب، أقلَّه ظاهريٌّا، من تجميعات الاستشهادات Testimonia السابقة. والسمة الثانية هي إيراد 1 مل 19: 10-14 و19: 18 في رو 11: 3-4 وفي الحوار 39: 1-2. هو يستغلُّ في معنى يشبه جزئيٌّا (دون موضوعيَّة النعمة، ولكن في تشديد على المواهب والكرسمات للذين يهتدون إلى المسيح). إذًا، من المعقول جدٌّا أن يكون يوستين استعمل الرسالة البولسيَّة استعمالاً مباشرًا، وهي قدَّمت له، لابرهانًا يحمل سلطانًا، بل ينبوعًا ونموذجًا من أجل برهنته. ويجب أن نلاحظ، بلا شكِّ، بعض انسيابات معروفة: في الحوار 29 مثلاً، نجد المقطع المعروف حيث يعلن يوستين لتريفون أنَّ الكتب المقدَّسة تخصُّ بعد اليوم المسيحيِّين، لا اليهود الذين لا يعرفون أن يقرأوها. فمنطقُ الاستبدال هو قريب جدٌّا، ويبتعد بوضوح عن الإرث البولسيّ، مع أنَّه يستند إلى بعض موضوعات بولسيَّة مثل اللاأمانة والعمى: نحن هنا في موضوع قساوة القلب في هجوم على الشعب الأوَّل.

مقابل هذا، ودون أيِّ فكر مسبق إلى ما يجب أن يكون تقبُّل بولس في القرن الثاني، يمكن أن نلاحظ أنَّ يوستين بدا وكأنَّه يجهل جهلاً كلِّيٌّا النمطيَّة آدم-المسيح، ومجمل رو 5. كما جهل أيضًا 1 كو 10: 1-11 حيث يبيِّن بولس نموذج القراءة الرمزيَّة للعهد الأوَّل ويثبت أوَّل طريقة لهذه الممارسة (نمط، روحانيّ)(3) التي استعملها يوستين مرارًا. وبكلام آخر، لا يَذكُر بولس كمعلِّم أو كسلطة في العالم الفسار. هل رفض الكلام طوعًا؟ هل أهمل العودة إلى ينبوع دقيق صارت ممارستُه أمرًا معروفًا؟ هو تحفَّظ في الحوار مع اليهود أن يذكر رمزًا لا يقبله محاوره؟ لن نتَّخذ موقفًا، ولكن يمكن أن نتفحَّص أيضًا، بنظرة جديدة من بولسيٍّ حقيقيٍّ، نهج يوستين التأويليّ الذي قد يكون اتَّخذ نماذج أخرى.

إذا خرجنا من عالم الرسالتين إلى غلاطية وإلى رومة، هناك نصوص بولسيَّة وردت في الفهرس الكتابيّ ليوستين: 1 كو؛ أف؛ كو. لن نذكر التفاصيل. أمّا 1 كو 15 الذي اتَّخذ مكانة واسعة لدى الآباء، فهو غائب كلِّيٌّا من عند يوستين.

ب - الآباء المدافعون

وماذا عن استعمال الآباء المدافعين في القرن الثاني، لما في 1 كو 15؟ لا يذكر أرستيد هذا النصَّ ولا مضمونه. تاتيان لمَّح إليه تلميحًا (خطبة إلى اليونان 20: 26: الروح السماويّ ينال اللاهوت أو الخلود، كلباس للموات). ولكن إذا جعلنا جانبًا تشابه الألفاظ، فالاستقراض من بولس ليس واضحًا. ونجد أيضًا 1 كو 15: 53 لدى أثيناغوراس مرَّتين في مقاله حول قيامة الموتى (3: 2؛ 18: 5). يقول التلميح الأوَّل إنَّ القيامة تحوِّل الفاسد إلى اللافاسد. فالرجوع إلى بولس، الحقيقيّ والسريع. يودُّ أن يستعمل اللغة اليونانيَّة مع سند رسوليّ. والتلميح الثاني يبيِّن أنَّ العبور من الفاسد إلى اللافاسد هو ضروريٌّ لكي يُدان الإنسانُ كلُّه، نفسًا وجسدًا، بعد الموت، بحسب ما فعله في جسده وفي نفسه. ففكرة الدينونة ليست غريبة عن 1 كو 15، ولكن مسيرة أثيناغوراس تتَّخذها كنقطة انطلاق من أجل البرهنة، كبرهان لياقة للدفاع عن القيامة. عند بولس، نقطة الانطلاق هي قيامة المسيح. نرى هنا التبدُّل الذي فرضه المنطق الدفاعيُّ على النصِّ البيبليّ. استعيدت الألفاظ والموضوعات أيضًا، ولكنَّ المسيرة الإجماليّة تُجهَل أو تُهمَل بالنظر إلى المرمى الخاصِّ للكاتب الآبائيّ.

أمّا تيوفيل الأنطاكيّ، فيستعيد 1 كو15: 50 (ورث اللافساد، ثلاثة كتب إلى أوتولوكس، 2: 27) ليقول إنَّ كلِّ إنسان يريد، يستطيع ذلك إذا حفظ الوصايا: منطقُ الاستحقاق هذا غريب عن المقطع البولسيِّ الذي أورده تيوفيل للكلام عن القيامة. نشير إلى أنَّه استعمل أقلَّه 1 كو 15: 53-54 في 1: 7 للتشديد على مبادرة الله وحده. الألفاظ تدلُّ على عودة إلى إيمان الرسل، ولكنَّها تُخفي حرِّيَّةً كبيرة في المسيرة اللاهوتيَّة الحقيقيَّة.

لن نتوقَّف هنا، لأنَّ يوستين بيَّن أنَّه »هضم« هضمًا جزئيٌّا الفكر البولسيّ. فحين شرح لتريفون أنَّ أعمال الشريعة لم يعد لها قيمةٌ في ذاتها، وحين أحلَّ محلَّ الشريعة المسيحَ كوسيط الخلاص، أحسن البناء على أساس رومة وغلاطية. العودة إلى بولس ليست صريحة، وبعض المرّات غير ناجحة، ولكنَّها تدلُّ على تشرُّب للتفكير أكثر منه علاقة حرفيَّة بالرسول. ونستطيع القول إنَّ الإرث البولسيَّ حاضرٌ في »ورشتين« كبيرتين في ذلك الوقت: الحوار مع اليهود (حيث مسألة الشريعة مركزيَّة) والحوار مع الوثنيِّين (حيث إعلان القيامة هو تحدٍّ كبير). وبولس حاضر في الورشة الأولى أكثر منه في الورشة الثانية. أن يكون الكاتب اجتذب النصوص أو أوردها بشكل حرفيٍّ، فهذا أمر معروف لا بالنسبة إلى بولس فقط، بل بالنسبة إلى العهد الجديد كلِّه.

3. المنعطف مع إيرينه

إيرينه، أسقف ليون في فرنسا، والآتي من آسية الصغرى. معه تقبَّلت الكنيسة تقبُّلاً إجماليٌّا المجموعة البولسيَّة. والموضوع الأساسيُّ عنده هو القيامة في وجه العالم الغنوصيّ. وأخيرًا، عمليَّة الجمع وخلاص آدم.

أ - المجموعة البولسيَّة

وتبدَّلت الأمور مع إيرينه، لأنَّ النظرة إلى العهد الجديد »تبدَّلت«. فنحن أمام مجموعة محدَّدة ومغلقة تقابل »العهد القديم«. كان إيرينه أوَّل كاتب مسيحيٍّ يُورد بهذه الوفرة العهد القديم كما العهد الجديد. وصارت العلاقة ببولس علاقة بمجموعة مدوَّنة(4): أفسس وكولوسّي، بعد رومه و1 كورنتوس. ثمَّ فل 2 (النشيد)؛ 3: 9-21.

إذا قابلنا بسرعةٍ النصوص والمواضيع الأكثر حضورًا، نلاحظ تبدُّلاً بالنسبة إلى المدافعين. فإيرينه يتوجَّه إلى أناس آخرين و(خصوصًا) يحارب خصومًا آخرين. فمسأليَّة الشريعة والإيمان الحاضرة عند يوستين، امَّحت، لأنَّ هم إيرينه هو التأكيد على التواصل بين »العهدين« لا على القطيعة. مثلاً، وُجد تك 15: 6، ولكنَّه لا يُستعمَل ليبيِّن أنَّ الإيمان يحلُّ محلَّ أعمال الشريعة. بل يتيح فقط التأكيد بأنَّ إبراهيم آمن بالإله الواحد الحقيقيّ، وأنَّ هناك بنوَّة حقيقيَّة بينه وبين المسيحيِّين. فشهادة بولس التي هي مرجع للغنوصيِّين، هي هنا لتثبت شهادة التكوين التي يمكن أن يرفضوها. ويتسجَّل إيرينه في خطِّ بولس فيذكر مع غل 3: 24 دور الـ»مربِّي«، دور الشريعة التي تقود إلى المسيح. ويعطي مثلاً حدث السامريِّين الذين أتوا إلى المسيح في يو 4: 41-42. ويستنتج مع رو 11: 26: »وهكذا كلُّ إسرائيل يخلص« (الهراطقة 4/2: 7). ويقدِّم الجزءُ حول حسنات الشريعة (4/12-16) كلامًا عن الوصايا الموسويَّة حسب وضعها (شريعة طبيعيَّة، فرائض تربويَّة، علامات) فيتبع يوستين، لا بولس.

في الحقيقة، مع إيرينه، تُقرَأ الكتب المقدَّسة كلُّها، العهد القديم والعهد الجديد، مع هدف إجماليّ: تبيان وحدتها: وحدة لامنظورة. وحدة العهدين، وحدة تاريخ الخلاص. وفي النهاية، الله الذي هو ذاته الخالق والمخلِّص، صانع العالم وأبو المسيح. كلُّ القراءات في النصوص البيبليَّة في الهراطقة تتوخَّى أن تدلَّ على العلامات والرموز. من هذه الوجهة، لا يمكن أن تُعزَل قراءةُ بولس عن قراءة الأناجيل وعن سائر الأسفار المقدَّسة: في الأساس، قاعدة الفسار هي هي. وفي النهاية، تكون رسائل بولس امتدادًا للأناجيل. وإذ بيَّن إيرينه (4/22: 1) أنَّ المسيح تصرَّف في الرموز (مثل وصال العهد القديم) ليعلِّم ما سيكون، ذكر أنَّه ترك تلاميذه ينامون في الجسمانيَّة. ثمَّ طلب منهم أن يقفوا: صبر الله. يقظة البشر ثمَّ »نزل إلى المناطق السفلى للأرض« (أف 4: 9). وهكذا وصل إلى الرسالة إلى أفسس. وهكذا دخلت شهادة بولس في الخبر الإنجيليّ.

ولكنَّ النصَّ البولسيَّ له وضعٌ خاصُّ به، وكما يدلُّ القسم التالي من الهراطقة حيث يعلن إيرينه ضرورة قراءة الكتب المقدَّسة في الكنيسة لئلاَّ نحوِّل مرماها. بدأ فذكر عمل تبشير بولس لدى الوثنيِّين (4/24). ثمَّ أعلن أنَّنا كلَّنا أبناء إبراهيم بالإيمان، وهو تعليم بولس بامتياز. بعدها عرض سلسلة أمثلة تفسير الكتاب المقدَّس بواسطة »الشيوخ« (أو: الكهنة). انطلق من مثَل موسى وصموئيل. وأورد 1 كو 12: 28 حول الرسل والأنبياء والمعلِّمين الذين أقامهم الله (4/26: 5). ثمَّ تأتي على التوالي قراءات نصوص العهد الأوَّل (4/27-31) التي تُختَم مع بولس الذي ينير معنى النصوص. وبولس حاضر أيضًا في 4/32 الذي يختتم الكلام حول وحدة العهدين التي تدلُّ عليها هذه القراءات: تلتقي أف 4: 5-6 و4: 16 مع تك 1: 3؛ يو 1: 13 للدلالة على وحدة تاريخ الخلاص، أساس وحدة الكتاب المقدَّس. وأخيرًا صورة »التلميذ الروحيّ« المرسومة في 4/ 34 التي تبدو مثل تعليم لهذه الممارسة التأويليَّة، تعرض إيمان هذا التلميذ انطلاقًا من 1 كو 8: 6: الله الذي منه كلُّ شيء. الابن الذي به كلُّ شيء (4/33: 7-8). وهكذا نكون في خطِّ عنصر هامٍّ سوف نجده فيما بعد: صار بولس مفتاح فسار لفهم الأسفار المقدَّسة.

ب- القيامة

سبق وقلنا إنَّ 1 كو هي أكثر الرسائل البولسيَّة ورودًا. فهذا يصحُّ في إيرينه كما في سائر المؤلِّفين القدماء. فإنَّ 1 كو 15 يشكِّل عند أسقف ليون ثلث إيرادات 1 كورنتوس: هذا يعني أنَّ تقبُّل بولس يدور بشكل مميَّز حول القيامة، التي هي إحدى النقاط الأساسيَّة في فكر إيرينه. حين نتفحَّص الإيرادات الرئيسيَّة، نلاحظ أنَّها موجودة كلُّها تقريبًا في مجموعتين: القسم الكرستولوجيّ في الكتاب الثالث (3/16-25). ثمَّ الكتاب الخامس (5/9-14)، التي تتوسَّع في 1 كو 15: 50: اللحم والدم لا يرثان ملكوت الله). ينطلق الغنوصيُّون من هذه الآية ليسندوا نظرتهم إلى الإنسان (أنتروبولوجيا).

في القسم الكرستولوجيّ من القسم الثالث، يبيِّن إيرينه أنَّ المسيح هو واحد، ويردُّ على الطرح الغنوصيِّ بمسيح من فوق يأتي على يسوع من تحت ثمَّ يعود إلى الملء (البليروما). ويبيِّن في هذا المنظار أنَّه هو هو، أي الكلمة الموجود منذ الأزل، الذي أتى في جسم بشريّ، ومات وقام. والهدف هنا هو وحدة المسيح الذي اتَّخذ جسمًا بشريٌّا (اللحم والدم)، أي العالم المادِّيّ، عالم العهد الأوَّل، والباري (أو: الفاطر)، وبدأ عمل الخلاص الذي يرتبط بالإله الواحد الحقيقيِّ كما يقول الغنوصيُّون. عندئذٍ تأتي القيامة فتبرهن وحدة التدبيرين، تدبير الخلق وتدبير الخلاص. وتتركَّز الإيرادات هنا على قيامة المسيح، وقيامة البشر تأتي بعد ذلك لتعطي وجه المسيح، آدم الجديد، ملءَ مدلوله. في كلِّ هذا القسم، تبرهُنُ إيرينه سوتيريولوجيّ (بالنسبة إلى الخلاص): ينطلق من عمل المسيح ليبيِّن من هو، وليستنتج أنَّه وجب بالضرورة أن يكون إنسانًا حقٌّا، في جسم بشريٍّ حقيقيّ، وإلهًا حقٌّا. وهذا التوجُّه الكرستولوجيّ لا ينطبق كلُّه مع 1 كو 15، ولكن يمكن القول إنَّ وجهات كثيرة أخذت من 1 كورنتوس. أخذ إيرينه بشكل مباشر موضوع المسيح آدم الجديد. ولكن عنده (وهذا الاختلاف لا نجده إلاَّ عند إيرينه) المسيح هو آدم الجديد أوَّلاً بتجسُّده، ساعة هو كذلك عند بولس، بقيامته.

في الكتاب الخامس المخصَّص في قسمه الأكبر ليبرهن قيامة الجسد (اللحم والدم، الجسم البشريّ)، ردٌّا على الغنوصيِّين، ذُكر 1 كو 15 على دفعتين رئيسيَّتين: نجد آ42-44 في 5/7: 1-2 كشهادة لمستقبل أبديٍّ للجسم البشريّ في مخطَّط الله (في الوقت عينه تُذكَر فكرة تقول إنَّ الجسد هو هيكل الله، مع 1 كو 3: 16-17 و6: 13-15، بعد أن انقطعا من السياق الإسكاتولوجيّ أو الخلقيّ ليكونا برهانين من أجل قيامة الأجساد). ثمَّ نجد آيات مختلفة، ولاسيَّما آ45-55 التي ترد أكثر من مرَّة في 5/9-14 الذي يتوخَّى أن يقدِّم تفسيرَ 1 كو 15: 50 الصحيح، ضدَّ تفسير الهراطقة (الوارد في 1/30: 13) الذين استنتجوا من هذه الآية أنَّ القيامة إلى العالم الكونيّ، عالم الباري، الذي له اللحم والدم »اللذان لا يقدران أن يرثا الملكوت«. انتصب إيرينه بوجه هذا التصلُّب في التعبير البولسيّ وأعاد العبارة، هذه المرَّة، إلى بُعدها الخلقيِّ لا الأنطولوجيّ، فأورد عددًا من الآيات البولسيَّة الأخرى، في 1 كو وفي رو بشكل خاصّ، وأوضح انطلاقًا من مقاطع متوازية، معنى »ورث« ومعنى »لحم«(5). فاللحم والدم ليسا جوهرًا، بل حالة الإنسان الذي خسَّرته الخطيئةُ حضورَ الروح. وموضوع الصورة (أرضيّ، سماويّ) المأخوذ من الآية السابقة (5/9: 3)، أتاح له أن يعطي المقطع أيضًا المعنى الديناميكيّ، المرتبط بالسلوك لا بحالة جوهريَّة. ففي الوقت عينه، إنَّ المعنى البولسيَّ الحقيقيَّ للعبارة »إنسان سماويّ« يُعاد في ردٍّ على الغنوصيَّة: ما نقل بولس، هذه المرَّة، بخلاف الكتاب الثالث، إلى الكرستولوجيا، الموضوعات الأنتروبولوجيَّة في الرسالة، بل حفظ لها وضعها الأوَّل. كما أعاد فكر بولس إلى تماسكه، منذ قراءة تك 2: 7 حتّى القيامة، مرورًا بالمثلَّث: الجسد، النفس، الروح (1تس 5: 23) كما جاء في 5/6: 1، وأكَّده منذ بداية هذا القسم (5/9: 1) بشكل: لحم (جسم بشريّ) نفس، روح. وحدَّد موقع هذه الأنتروبولوجيا في منظار خلقيٍّ بواسطة استشهادات عديدة مأخوذة من مختلف الرسائل البولسيَّة، فجمع جمعًا وثيقًا البُعد الخلقيَّ والبعد المسيحاويّ لمفاهيم مثل: موت، حياة، لحم ودم، مصالحة... ذاك ما يكشف، عبر بعض الالتواءات، علاقةً حميمة مع لغة بولس ومسيرة فكره الحقيقيَّة.

ج- عمليَّة الجمع وخلاص آدم

وينبغي أن نشدِّد أخيرًا على ظهور متواصل لعبارات وفكرات بولس في كلِّ تمثُّل إيرينه لتاريخ الخلاص. وموضوع الآدمَين، هو في حدِّ ذاته، معروف ولا حاجة إلى التشديد عليه. ولكن لا بدَّ من أن نذكِّر إلى أيِّ حدٍّ يؤمِّن بنية لاهوت إيرينه. والموضوعات المتلاصقة مثل عمليَّة الجمع، والمصالحة في المسيح، والتوازي بين الخطيئة/الموت والطاعة/الحياة، هي مأخوذة بشكل مباشر من الرسائل البولسيَّة. وينبغي أن نلاحظ هنا ميلاً »لمنهجة« بولس، لإدخال الاستشهادات في خبر خلاص واحد ولو توحَّدت الموضوعات في شكل واحد. وهذا الميل يميِّز عمل إيرينه الذي اهتمَّ بأن يوضح التماسك العميق للتعليم »الكاثوليكيّ« (ضدَّ الهراطقة)، عبورًا في عرض مرتَّب ترتيبًا جيِّدًا. من الواضح هنا أنَّ إيرينه أخذ من بولس أكثر من مجموعة موضوعات أو ألفاظ، أخذ بنية حقيقيَّة مؤلَّفة من تاريخ الخلاص والتوازي بين آدم والمسيح. أن تكون الأسفار المقدَّسة وحدة موحَّدة ليس بالأمر الجديد: فالإنجيليُّون وبولس نفسه قرأوها في وحدة أعطاها المسيح. وربطها يوستين كلَّها بالروح النبويِّ الواحد. ولكنَّ استغلالاً تحليليٌّا لهذا الكلِّ مرتَّبًا ترتيبًا واسعًا هو عمل إيرينه: كما يجب أن يكرَّر: الكتاب هو جسد، هو جسم لا يقبل بالفوضى، حيث كلُّ مقطع يجد معناه في الموضع الذي يحتلُّه. فوجب عليه إذًا أن ينظِّم قراءته الخاصَّة لئلاَّ تبدو مثل سلسلة اعتباطيَّة لشروح حول أماكن موضوع جدال، من جسد الكتاب هذا، الذي يُؤخَذ لحمه تارة من العهد القديم وطورًا من الأناجيل. نستطيع أن نقول باعتدال إنَّ العمود الفقريَّ هو بولسيٌّ بشكل خاصّ. إيرينه هو الأوَّل وليس الأخير، الذي يجعل من فكر بولس مفتاح تفسير الكتب المقدَّسة. من هذا القبيل، إنَّه جزء لا يتجزَّأ من قاعدة الإيمان. ولكن في هذه المرحلة، يفرض نفسه مضمونًا لا نهجًا: فالنهج البولسيُّ لتفسيرٍ يقدَّم في 1 كو 10، لا يذكرُه إيرينه (وإن ذكره، فلكَيْ يبيِّن جوهريٌّا أنَّ الإله الواحد هو من قاد إسرائيل وقاد المسيحيِّين، 4/27: 2-3). وهذا ينطبق بالأحرى على أوريجان المهتمِّ بشكل أكبر بالكتاب المقدَّس ذاته، لا بقاعدة الإيمان فقط، بحيث يكون له خطبة منهجيَّة.

4. أوريجان

لن نواصل قراءة بولس في الكنيسة اليونانيَّة، مع كلِّ كاتب. ولكن بعد إيرينه الذي كان أوَّل من قدَّم تقبُّلاً إجماليٌّا للمجموعة البولسيَّة، يفرض إوريجان نفسه، لأنَّه كرَّس حياته للتأمُّل في العهدين، ولأنَّ جميع الكتِّاب المسيحيِّين اللاحقين (من يونان ولاتين) قرأوه وأخذوا منه الكثير.

خصَّص أوريجان تفسيرًا كبيرًا للرسالة إلى رومة وآخر، أقلَّ كبرًا، للرسالة إلى غلاطية (هذه الأخيرة ضاعت). أمَّا سائر الرسائل التي فسَّرها فهي أفسس، فيلبِّي، كولوسّي، 1 و2 تسالونيكي، تيطس. فيلمون. ولكن ما هي الموضوعات البولسيَّة التي طبعت فكره حقٌّا؟ أن تكون رومة وغلاطية فُسِّرتا مطوَّلاً، يدلُّنا إلى طريق مفتوحة. ولكنَّ علاقة هذا التفسير بالمجموعة البولسيَّة، يتجاوز كثيرًا إطار تفاسيره، وكلُّ نصٍّ، بل كلُّ آية، استطاع أن يلعب دورًا هامٌّا في فكره. ولكي نتجنَّب التشتُّت، لا بدَّ من مقاربة موضوعاتيَّة مع أن الاختيار يمكن أن يكون اعتباطيٌّا. فعلينا أن نختار بين ممكنات عديدة: الإكليزيولوجيا (دراسة عن الكنيسة) والجسد السرِّيّ. الأنتروبولوجيا والخلقيَّة والفساريَّة والصوفيَّة. لهذا، إذا أردنا أن نقيِّم تقييمًا تأثير بولس، يجب أن نبدأ هنا.

أ - قراءة الكتاب في المدرسة البولسيَّة

اختلف أوريجان عمّا فعله يوستين، فكان بولس بالنسبة إليه وبشكل صريح، النموذج والمثال، حين عرض نهجه لقراءة الكتاب المقدَّس. وإحدى إعلاناته المبدإيَّة الأولى حول الموضع، نجدها في قسم معروف من مقال المبادئ: ذكر أوَّلاً 1 كو 9: 9-10 (هل يهتمُّ الله بالثيران؟). ثمَّ 1 كو 10: 1-6 الذي يبيِّن كيف أنَّ خبر سفر الخروج يُغني ويثبِّت القراءة الأنماطيَّة للعهد الأوَّل (الصورة، الظلّ، المعنى الخفيّ، الكامل، الروحيّ...). إنَّ 1 كو 1: 26-29 قدَّم صورة عهد جديدة عن نهجه: فمع هذه الآيات، شرح تث 32: 21 (أُغيرهم بأمَّة جاهلة) كمثَل أول لتفسير مقطع غامض أو مشكِّك في العهد القديم. ولكن من الواضح أنَّه لا يختار المقطع صدفة، لأنَّه في نظر أوريجان نبوءة لامتداد العهد في المسكونة. ويقابل هذا التبدُّلَ تبدُّلٌ مماثل في طريقة فهم الشريعة وسندها الذي هو الكتاب المقدَّس: يجب العبور أيضًا من الخاصِّ إلى الشامل في الخلقيَّة والخلاص في المسيح، ما يعني بلغة التفسير، العبور من الحرفيِّ إلى الروحيّ. عندئذٍ يتبع الفسار المسيحيُّ طريقًا مماثلاً لفريق تاريخ الخلاص، فيكتشف في دوره، كما في معنى ثانٍ، إمكانيَّة الشموليَّة للنصوص اليهوديَّة، (ولاسيَّما تلك المتعلِّقة بالشريعة). واللجوء إلى 1 كو1: 26-29 لتفسير الشريعة، يلزم كلَّ موضوعيَّة العهد البولسيَّة وموضوعيَّة التبرير. ما أراد أوريجان أن يرتكز فقط على نظرة فيلونيَّة وفلسفيَّة لقراءة الكتب المقدَّسة، فأسَّس »نهجه« على الحدس البولسيّ. ويمكن أن نتحقَّق من هذا مع نصٍّ آخر برنامج حول فنِّ قراءة الكتاب المقدَّس، كما نجده في بداية العظات على سفر اللاويِّين (1/1):2 كو 3 حول برقع موسى يؤسِّس الخطبة المنهجيَّة كما نجد المرميَين السوتيريولوجيّ والفساريّ.

وفي العظات على سفر اللاويّين عينها، حين يتنبَّه أو يخاف حول التصاق سامعيه بمسيرته الأليغوريَّة، يذكر بداية 1 كو 10: »إذًا، لئلاَّ يظنَّ أحدٌ بتفسير خاطئ ومهارة بشريَّة، يجب أن تُذكَر، في هذا المجال، السلطة الرسوليَّة (7/4) (يلي ذلك 1 كو 10: 1-4، مع كو 2: 17 حول الفرائض الموسويَّة على أنَّها ظلُّ الخيرات الآتية). حين يقارب أوريجان في الكتاب الثاني ضدَّ قلسوس (2: 1-4) مسألة العلاقات بين اليهوديَّة والمسيحيَّة، لكي يبيِّن أنَّ المسيحيَّة ما خانت التقليد اليهوديّ، بل فسَّرته تفسيرًا روحيٌّا. ولعب عدد من النصوص البولسيَّة دورًا هامٌّا في برهنته: 1 كو 9؛ عب 8: 5؛ 10: 1؛ كو 2: 16؛ نهاية رومة. لسنا فقط أمام تفسير الكتاب المقدَّس بل أمام تحديد موقع المسيحيَّة وشخص يسوع ذاته في مخطَّط الله منذ الاختيار الأوَّل. ويقول أوريجان للوثنيِّين الذين يمثِّلهم قلسوس إنَّ المسيحيَّة هي حكمة تساوي كلَّ حكمة أخرى، شرط أن نمارس قراءة الكتب المقدَّسة قراءة روحيَّة. والسند الكتابيُّ هو 1 كو 2: 6-8 حول الحكمة الخفيَّة قبل الدهور. ثمَّ تُصوَّر كلُّ الرسائل البولسيَّة كأنَّها تطبيقات لهذه المبادئ. وحين أراد أوريجان أن يعرض أساس مسيرته، برز أمامه الفكر البولسيُّ وبشكل خاصٍّ 1 كورنتوس. والمسيرة البولسيَّة هي أكثر من مسيرة. هي معيار وقاعدة حياة.

ب - المعنى الروحيّ، الإنسان الروحيّ

المعاني الكثيرة التي يراها أوريجان في الكتاب المقدَّس (صُوِّرت في مقال المبادئ بواسطة القياس: جسد، نفس، روح) محدِّدًا مستويين خفيَّين في فهم الكتاب المقدَّس، ترسم في الوقت عينه للمؤمن طرقًا متلاقية نحو الكمال: الخلقيَّة (النفس) ومعرفة المسيح (الروح)، لا تنفصل الواحدة عن الأخرى، لأنَّ »بتوليَّة الأخلاق يجب أن تعاش في بتوليَّة الإيمان« (كما قال »كروزال« في كتابه أوريجان، باريس، 1985، ص 189). ففي حالة وحالة، حياة النفس هي المهمَّة، ونقاوتها معيار إمكانيَّة المشاهدة عندها. الكمال المسيحيُّ المطلوب هو كمال »الروحيّ« الذي هو فوق »الإنسانيّ« كما يشرح أوريجان في تفسير على يوحنّا (2/137-138) حيث يشرح 1 كو 2: 14-15 مبيِّنًا للغنوصيّ هرقليون، أنَّ بولس عارض »الإنسان النفسيَّ« مع »الروحيِّ« دون أن يكرِّر لفظ »إنسان« (أي هو ما قال الإنسان الروحيّ): »فالروحيّ هو أكثر من إنسان، لأنَّ العلامةَ المميَّزة في الإنسان، هي نفسه أو جسده أو الاثنان، لا الروح الذي هو إلهيّ أكثر منهما. أمّا الروحيّ فيحمل هذا الاسم بسبب الدور المسيطر للروح الذي يشارك فيه. فالمثلَّث الجسد، النفس، الروح في 1 تس 5: 23، هو في خلفيَّة هذه الفكرة. وهكذا نعرف إلى أيِّ حدٍّ مقولة الروحيِّ جوهريَّة وحاضرة في كلِّ مكان عند أوريجان، وقد أتته مباشرة من عند بولس ولاسيَّما من 1 كورنتوس.

قراءة الكتاب في المعنى الروحيِّ هي أفضل الطرق إلى الحياة الكاملة. هذا لا يمنع أن يكون للمعنى الحرفيِّ أهمِّيَّته. لهذا يُنصَح بالبتوليَّة أكثر ممّا بالزواج، لأنَّ العهد الجديد يشهد لذلك: من هذا القبيل، قرأ أوريجان في معنى حرفيٍّ كامل 1 كو 7: 1(6). مقابل هذا، قرأ قراءة روحيَّة، بل »صوفيَّة« 1 كو 6: 17: »من اتَّحد بالربِّ صار معه روحًا واحدًا«. هي آية يطبِّقها على نفس المسيح الموجودة منذ الأزل والمتَّحدة بالله اتِّحادًا وثيقًا بالحبِّ (المبادئ 2/6: 3). وطبَّق هذا أيضًا في مكان آخر على الاتِّحاد السرِّيّ بين المسيح والكنيسة، ضامٌّا إلى هذه الآية أف 5: 32. هذه القراءة الأخيرة هي أكثر أهمِّيَّة عنده من القراءة »الفرديَّة« التي تطبِّق فكرة الأعراس على الله ونفس المؤمن.

فالأنتروبولوجيا المسيحيَّة عند أوريجان مشروطة بفكرته حول جسد المسيح السرِّيّ (وإن لم توجد العبارة كما هي عنده. في أيِّ حال، لا نجد هذه العبارة عند آباء الكنيسة، كما قال الأب هنري دو لوباك): بحسب أوريجان، أمور كثيرة قيلت عن المسيح في الكتاب المقدَّس، يجب أن تنطبق على جسده الكنسيّ، لا فقط على جسده الشخصيّ. هذه الفكرة العزيزة على قلب أوريجان، وتفترض ممارسة المعنى الروحيِّ، تجد ينبوعها في الرسالة إلى أفسس. فأهمِّيَّة هذه الرسالة للنظرة »السرِّيَّة« إلى الكنيسة (جسد، عروس) عند الآباء اليونان، واضحة. هنا صارت الرسالة إلى أفسس مفتاح قراءة لنشيد الأناشيد بنوع ضمنيّ أو صريح.

وفكرة الجسد السرِّيِّ التي نَحوَها يتَّجه بعضُ »المعنى السرِّيّ« في الكتاب المقدَّس، يفتح فكر أوريجان من المسيح إلى الكنيسة، ومن المؤمن إلى الكنيسة. فالأكليزيولوجيا (قراءة عن الكنيسة) تمفصل عنده حقلين آخرين هما الأنتروبولوجيا (قراءة عن الإنسان) الروحيَّة والكرستولوجيا (دراسة عن المسيح): هذه الحقول الثلاثة تدفع الفكر البولسيَّ عن الجسد وعن اللحم (والدم، الجسم البشريّ) في مفاهيم مختلفة. وبما أنَّ كلمة »ساركس« (اللحم) و»سوما« (الجسد) يَردان ضعفَي ما يردان في الأناجيل الأربعة، نلبث هنا في عالم الرسائل. هذا من جهة. وإن تذكَّرنا من جهة ثانية أنَّ الإنسان الجديد، عند بولس، هو إنسان يسكنه الروح، مثل المسيح نفسه، وأنَّ عطيَّة الروح في الرسائل البولسيَّة هي دومًا مرتَّبة من أجل الجماعة، نفهم أنَّ الطريقة الأوريجانيَّة في مقاربة الإنسان والمسيح انطلاقًا من الجسد السرِّيّ، تلتقي مع أصرح المعتقدات البولسيَّة.

ج- مسيح أوريجان ومسيح بولس

ويظهر الأسلوب الأوريجانيُّ في الكرستولوجيا بوضوح، في الكتاب الأوَّل من التفسير على يوحنّا: فإذا أردنا أن نفهم فهمًا صحيحًا الآية الأولى من المطلع (في البدء كان الكلمة...)، ينبغي أوَّلاً أن نعدِّد ألقاب المسيح الكتابيَّة، لكي نقيِّم بصورة أفضل المعنى الخاصَّ للقب »لوغوس« في هذه المجموعة. وهنا، يتصرَّف أوريجان بمقولات النصوص البيبليَّة: اهتمَّ أوَّلاً بالألقاب التي أعطاها المسيح لنفسه (ولو بشكل نبويٍّ مثل لقب »عبد الربّ« في إش 49: في نظر أوريجان، هو المسيح يتكلَّم في صيغة المتكلِّم المفرد). ثمَّ تأتي الألقاب التي يعطيها التلاميذ (يوحنّا المعمدان، يوحنّا، بولس). وأخيرًا الألقاب التي يعطيها الأنبياء (يتكلَّمون عنه في صيغة الغائب المفرد). وفي ما يخصُّ بولس، اللقبان الأوَّلان اللذان يذكرهما يردان في 1 كو 1: 24: قدرة الله وحكمة الله. وفي اللائحة التي يقدِّمها هنا، يبدو أوريجان أنَّه لا يعطي أهمِّيَّة خاصَّة لهذين اللقبين. ولكنَّ الأمر يختلف في مقال المبادئ، الذي كان من أوَّل مؤلَّفاته. نلاحظ فيه، في القسم حول المسيح (1/2) أنَّه يمارس منذ ذلك الوقت نهجه: أن يفهم ما يرمي إليه لقبا المسيح المختلفان، وخصوصًا أن يعرف إن دلاَّ على ناسوته أو على لاهوته. وهو يهتمُّ هنا بالمقولة الثانية، لأنَّه يعالج التجسُّد في ما بعد في المبادئ. هنا ترد 1 كو 1: 24 منذ بداية القسم (1/2: 1). في الحقيقة، هو لقب »الحكمة« الذي يلفت مباشرة انتباه أوريجان، فيشرحه أوَّلاً ويورد أم 8: 22-25. ثمَّ يذكر أنَّ المسيح نال أيضًا لقب »البكر« (كو 1: 15). ولكنَّه عاد حالاً إلى الحكمة التي هي اللقب الجوهريُّ في نظره. هنا يورد كو 1: 24(1/2:1؛ 1/2:9 (الذي يتيح له مع لفظَيْ حكمة وقدرة، أن يجعل أم 8؛ حك 7، في الكرستولوجيّا. وكلَّ مرَّة بدت له مقاطع من العهد القديم (لاسيَّما في مديح الحكمة) جوهريَّة للإضاءة على وجه المسيح، يلجأ أوريجان إلى نصوص من العهد الجديد تستعمل الألقاب عينها لكي يثبِّت في شكل من الأشكال شرعيَّتها اللاهوتيَّة. فبولس هو مرارًا هذا المفتاح الفساريّ، ويبدو أنَّه يتفوَّق مرارًا على يوحنّا وعلى الأناجيل الإزائيَّة. لهذا، ستكون المجموعة البولسيَّة عند أوريجان وعند الذين أتوا بعده، الينبوع الرئيسيَّ لدراسة العقيدة المسيحيَّة.

هـ - بولس معلِّم العقيدة

نستطيع هنا أن نتبع الخطَّ الذي استعملته 1 كو 1: 24 في كرستولوجية الآباء اليونان، ونبيِّن أهمِّيَّة لقبَيْ حكمة وقدرة في التوسُّع العقائديّ. ونذكر أقلَّه الأزمة الأريوسيَّة كإحدى محطَّات هذا التاريخ. أراد أريوس أن يكون الكلمة (لوغوس) حكمة الله وقدرة الله، بالنعمة، وكأنَّها وظيفة مُنحت له، لا صفة طبيعيَّة(7). ردَّ عليه أثناز الإسكندرانيّ فأبرز لقب الحكمة الذي هو، في نظره، أهمُّ من لقب الابن. واستند هو أيضًا إلى كو 1: 24 ليماهي المسيح مع الحكمة بعد أن أورد مطلع يوحنّا ورو 9: 5 (المسيح، الله المبارك إلى الأبد) لكي يبيِّن لاهوته وأزليَّته. من الواضح أنَّ همَّه كان أن يعيد القراءة الصحيحة لآيةٍ كانت برهانًا للأريوسيِّين: وهذا ما سوف يفعله أحدُ خلفائه، كيرلُّس(8). هذا ما يبيِّن أهمِّيَّة هذه الآية البولسيَّة في الحرب حول طروحات أريوس، وفي الوقت عينه، جعلوا منها تأكيدًا أونطولوجيٌّا (الكائن بما أنَّه كائن). بما أنَّ الابن هو بالطبيعة حكمة وقدرة، فهو ينتمي إلى جوهر الآب. ودوَّن أوغسطين في الكتابين السادس والسابع من الثالوث مع جدال حول تفسير هذه الآية، فأورد (6/1) وأكَّد في ردوده على الاستعمال الكبير لهذه الآية لدى الأريوسيِّين.

أ - نشيد المسيح في فل 2

وكان لنصِّ بولسيٍّ آخر دورٌ جوهريٌّ في بناء الكرستولوجيا الآبائيَّة. هو نشيد فل 2: 6-11. ففي حركته النازلة والصاعدة، قُرئ دومًا على أنَّه إعلان تجسُّد الكلمة الموجود من الأزل والعائد إلى الأبد. ففي القسم الأوَّل، في النزول، اعتُبر موازيًا لمطلع يوحنّا. وهذا إلى درجة أنَّه منذ القرن الرابع صار لفظ forma (صورة) اليونانيّ موازيًا للفظ طبيعة jusiV في اليونانيَّة، بسبب فل 2: 6-8، وذلك في سياق كرستولوجيّ. وانضمَّ مرارًا 2 كو 8: 9 (هو الغنيّ صار فقيرًا لكي يغنينا بفقره) ليُفهَم عن المسيح الموجود من الأزل الذي تخلَّى عن امتيازاته الإلهيَّة، وتجسَّد لكي يخلِّص البشريَّة. إنَّ التقبُّل الكرستولوجيَّ لهذا النصِّ في إطار كرستولوجيَّة »نازلة«، ورد مرَّات ولا حاجة إلى إعطاء الأمثلة العديدة.

يبدو أنَّ أوَّل شاهد على ذلك كان كليمان الإسكندرانيّ (المربِّي 3/2: 2). وبعده، سجَّل أوريجان بوضوحٍ النشيدَ في رسمة كرستولوجية القبوجود (préexistence، قلسوس 4/15، 18). فتوقَّف عند الأزمة الأريوسيَّة التي قدَّمت المناسبة لجدال دقيق حول القسم الثاني من المديح في فل 2: 6-8. بحسب أثناز (1/38)، قرأ أريوس في رفعة المسيح (2: 9) أجرَ استحقاقه. في هذا الوقت نال لقب الابن والله، وبالتبنِّي، بدون شكّ. ولكن قبل ذلك لم يكن الابنَ ولا الله. بيَّن أنَّ القسم الأوَّل من النشيد فرض فكرة قبوجود إلهيّ لذلك الذي تنازل، لا للصعود انطلاقًا من تحت. فالارتفاع، في نظر أثناز، لا يعني سوى التدبير économie، أي بشريَّة الكلمة: نحن في تاريخِ خلاصُ يبرز منطقَ »لأجلنا«. فالكلمة لا »ينال« شيئًا إلاَّ لأنَّه يمثِّل بشريَّتنا ببشريَّته. لا نستطيع أن ننسب إليه أيَّ نقص لأنَّه »نال«. ونلاحظ أنَّ أثناز حين يؤكِّد المتتالية نزول/صعود، يلجأ مثل سائر الآباء (قلسوس 1/35) إلى أف 4: 10 (ذاك الذي نزل هو أيضًا ذاك الذي صعد) الذي اعتُبر عادة، شأنه شأن يو 3: 13، أعلانًا عن التجسُّد.

وكانت نهاية النشيد موضوع قراءتين متتاليتين: قراءة قدَّمها أثناز في خطِّ »لأجلنا«، فضمَّت الرفعة وتأليهَ بشريَّة المسيح بحيث يُؤلَّه فيها البشرُ كلُّهم. والقراءة الثانية تفسِّر الرفعة على أنَّها القيامة التي هي شكل آخر من »الصعود«. ووردت أيضًا أف 4: 10، هذه المرَّة، لتتحدَّث عن القيامة في جسده، ذاك الذي مات في جسده. فالقيامة، شأنها شأن الموت، هي نتيجة التلاشي kénose، وهي »لأجلنا«. هذه النظرة الكرستولوجيَّة تشرح لأثناز لفظ »لهذا« (فل 2: 9) الذي استند إليه أريوس ليؤسِّس كرستولوجيَّة الاستحقاق (الابن استحقَّ...).

من الواضح أنَّ مطلع يوحنّا هو الذي وهب الإطار اللاهوتيَّ الذي فيه قُرِئَ فل 2. فعند الآباء، كرستولوجيَّة المطلع هي المبدأ، وهي البنيةُ التي انضمَّ إليها عددٌ من الآيات البولسيَّة التي بها وجدت وحدتها: هناك فل 2؛ 2 كو 8: 9؛ أف 4: 10. ثمَّ 1 كو 15: 47 (الإنسان الثاني يأتي من السماء). ونلاحظ بشكل أوسع، رواحًا ومجيئًا فساريٌّا بين إنجيل يوحنّا ونشيد فيلبّي 2. ونذكر مرَّة أخرى كاتبًا لاتينيٌّا، ولكنَّه أقرب اللاتين إلى العالم اليونانيّ، هيلاريون أسقف بواتييه، في فرنسا. استعاد من الأريوسيِّين بفضل فل 2، آيات يوحنّاويَّة اعتبروها لهم خبزًا مباركًا. مثلاً، يو 17: 35 (أنت وحدك الإله الحقيقيّ) شُرح في توالي صورة الله/صورة عبد، حيث رأى هيلاريون، بجرأة لاهوتيَّة حلوة لم تكن لأثناز، فكرة تقول: لا يستطيع ابن الله أيضًا، خلال حياته على الأرض أن ينعم بشكل محسوس، بامتيازاته الإلهيَّة، بل تخلَّى عنها نوعًا ما وجوديٌّا، ولكنَّه بقي أنطولوجيٌّا الله. واستنار أيضًا يو 14: 28 (الآب أعظم منِّي) بواسطة فل 2: في الحقيقة نال الابن الاسم، أي هذه الصورة، هذا الشكل habitus الإلهيّ الذي تعرَّى منه بالحقيقة. وفي نهاية الكتاب الثامن كلِّه (8/42-56)، قدَّم هيلاريون تارة النصوص اليوحنّاويَّة وطورًا النصوص البولسيَّة لكي يبرهن عن طبيعة الآب والابن، وهكذا مثَّل أطيب تمثيل نهج الآباء، الذي يعتبر من الوجهة العقائديَّة، مجملَ العهد الجديد كلاٌّ متماسكًا وموحَّدًا، مهما كانت الفنون الأدبيَّة، والأشخاص الموجَّه إليهم الكلام، وشخصيَّة الكاتب. ومع ذلك، إن كان من الواضح أنَّ مطلع يوحنّا أمَّن بنية كرستولوجية الكنيسة القديمة، فالأمثلة التي قدَّمنا تبيِّن أنَّ المجموعة البولسيَّة لم تكن مع ذلك حقل تطبيق بسيط، بل قدَّمت هي أيضًا بُنى لاهوتيَّة، ولعبت دورًا محرِّكًا في توسُّع الفسار والتفسير.

الخاتمة

هناك أيضًا عدد كبير من الآيات الهامَّة، التي أوردها الآباء على الدوام في إطار قراءة بولس الكرستولوجيَّة، مثل كو 1: 15 من أجل لقبَي صورة وبكر، رو 8: 29 للقب بكر. وفي طريقة أساسيَّة عميقة، مقاربة الآباء السوتيريولوجيَّة في الكرستولوجيا، أعطت أهمِّيَّة كبيرة لآيات أعلن فيها بولس »لأجلنا«، في التجسُّد، مثل رو 8: 3-4. ونستطيع أن نضمَّ إلى هذا المقطع الأخير، وفي هامش المجموعة البولسيَّة، عب 2: 14-15: فذلك اللاهوتيّ، كيرلُّس الأسكندرانيّ، ضمَّ مرارًا هذين الإيرادين اللذين جعل منهما، مع يو 1: 11-13، المواضع الكتابيَّة الرفيعة حيث نكشفُ »أسبابُ التجسُّد«. هذه المقاطع الثلاثة هي بالنسبة إليه طرق متنوِّعة لتفسير موضوع بولسيّ، عمليَّة الجمع التي نقرأها في أف 1: 10 (في يوحنّا 9/1): فالبشريَّة خُلِّصت من الخطيئة والموت، وتبنَّاها الله في المسيح. في هذه الأشكال، وسَّع كيرلُّس لاهوته حول »التشبُّه« (نحن في شكل، في صورة conformation) بالمسيح حيث يُعطى دور جوهريٌّ لعمل الروح: فنحن هنا في عالم بولسيّ، أكثر من أيِّ وقت كان. وأبعد من لغة يوحنّا والرسمة اليوحنّاويَّة، ما فتئت الكرستولوجيا والسوتيريولوجيا عند الآباء اليونان، تتعمَّقان وتغرفان من الرسائل البولسيَّة.

كيف نفهم تقبُّل بولس، بشكل جزئيّ، كما فصَّلناه في هذه الصفحات؟ كان من المنتظر أن تُعطى حصَّة أكبر من مواضيع رومة وغلاطية، اللتين اعتُبرتا قلب الفكر البولسيّ وذروته. ولكن منذ يوستين، لم يكن كلام كثير عنهما. وهذا الصمت مرتبط جزئيٌّا باعتباطيَّة الخيار الذي وجب أن نأخذ به في ملف واسع جدٌّا: كان بالإمكان أن نتبع على مدى العصور مسائل النعمة والتبرير مثلاً، وقد يكون الحصاد وفيرًا عند اليونان، ولكن أقلَّ ممَّا نجد عند اللاتين. ولكن بما أنَّ وجهة هذا التعليم البولسيّ (الشريعة التي لم تعد الوسيطة الضروريَّة للخلاص) كانت الأكثر جدَّة والأكثر صعوبة، وكانت ستطرح منذ البداية على الجماعات مسائل مساكنة ووحدة، حضر تقبُّلها سريعًا خلال القرنين الأوَّل والثاني، في مواجهة بين حافظي الشريعة ولا حافظيها. وبالتالي أفلتت عمليٌّا من الحقبة التي مررنا فيها، مع النصوص الهجوميَّة الأنتييهوديَّة.

وبعد نهاية القرن الثاني، ومع إيرينه، صارت الرسائل البولسَّة موضوع قراءة لاهوتيَّة واسعة. توقَّفنا عند الدور الذي لعبته في مجالات مختلفة. ورأينا أيضًا أنَّ قراءة بولس هذه المتنامية، ترافقت منذ القرن الثالث مع توجُّه عقائديّ جديد (اختلف الوضع عند اللاتين، الذين تنبَّهوا بالأحرى إلى الخلقيَّة وإلى لاهوت الخطيئة). يبقى السؤال إن كانت هذه الطريقة في فهم فكر بولس لم تشوِّهه إذ تضعه في المقام الأوَّل: هكذا كانت محاكمة بولس في القديم والحكم لم يصدر إلى الآن. وها نحن نعطي مثلين أو ثلاثة.

عند أوريجان الآية في 1 كو 6: 17 (من يتَّحد بالربِّ يكون معه روحًا واحدًا) وردت مرارًا في المبادئ. وأُبعدت من السياق الخلقيّ حيث أوردها بولس. طُبِّقت مرَّة على نفس المسيح المتَّحدة بالابن (2/6: 3)، وطورًا على وضع المؤمن (الإسكاتولوجيّ) الذي  بلغ إلى نهاية ارتقائه الروحيّ (1/8: 4؛ 2/10: 7؛ 3/6: 6). وليست هذه الظاهرة منعزلة، فهي تكشف عند مفسِّري الكتاب القدماء ميلاً عامٌّا للانتقال من الخلقيّ إلى الأونطولوجيّ. وإليك مثلاً آخر، مأخوذ من القرن الخامس، ولكنَّه مأخوذ من 1 كو 4: 7 (ماذا لك وما أخذته؟). يقول: الإيمان عطيَّة الله، لا عمل بولس أو أبلُّوس. والموهبةُ الرسوليَّة عينها عندهما، ينبوعها الله. غير أنَّ كيرلُّس الإسكندرانيّ قرأ هذه الآية بعيدًا عن سياقها الأصليِّ في معنى أونطولوجيّ حصرًا (مع نيَّة أنتي أريوسيَّة) ليؤكِّد أيضًا أنَّ الخليقة لا تملك شيئًا في ذاتها وليست ينبوع ذاتها. حتّى لو حسبنا أنَّ هذا المعنى يمكن أن يكون بعض ما أرادته الآية، يجب أن نقرَّ أنَّه أُخذ هنا على مستوى لم يفكِّر فيه صاحبه. فما يهمُّ منذ الآن هو المستوى العقائديّ. مثل هذا التطوُّر يشبه تطوُّرًا نلاحظه في تفسير خر 3: 14 حين استخرجوا منه، في زمن أوريجان، نظرة ماورائيَّة على الله أنَّه الكائن (قلسوس 1/3: 6). هذا ما يتجاوز، أكيدًا، المجموعة البولسيَّة وحدها.

ونأخذ مثلاً آخر أكثر وضوحًا في استعمال 1 كو 1: 24 (المسيح قدرة الله وحكمة الله). عارض بولس حكمة الله مع حكمة خفيَّة، حكمة القصد الإلهيِّ الذي كشفه المصلوب. ونستطيع القول بالنسبة إلى بولس، إنَّ المسيح يمثِّل حقٌّا في شخصه، حكمة الله وقدرته. ولكن حيث كان يقول من قبل إنَّ حكمة الله وقدرته هما المسيح على الصليب، رأى قُرَّاء الأجيال اللاحقة في هذه الآية أسماء علم للابن مع معنى يؤسِّس بشكل مباشر كلامًا عقائديٌّا. هذه القراءة تفترض المرور على مطلع يوحنّا الذي شخصن بشكل صريح اسم المسيح - الكلمة، مطالبًا بإرث الأقوال الحكميَّة. وهكذا إذ خدم بولس نفسه كمفتاح فساريٍّ لقراءة الأخبار الكتابيَّة، ها هو يُقرأ بدوره على أنَّه مفتاح يوحنّاويّ، مثل الأناجيل نفسها، وهذا بقدر ما التوجيه العقائديُّ لهذه القراءة يَبرز بمساعدة رواحٍ ومجيء مع النصوص اليوحنّاويَّة. نحن هنا في علاقة مع المؤلَّفات البولسيَّة حيث لا خيانة ولا صراحة ووضوح.(9)