القدِّيس أوغسطين تلميذ بولس الرسول

 

عرف العالمُ اللاتينيُّ في نهاية القرن الرابع وفي بداية القرن الخامس، مفسِّرين عديدين للرسائل البولسيَّة: ماريوس فكتورينوس(2)، الإمبروزيَستر(3) الكاتب المغفَّل لتفاسير وُجدت في كودكس بودابست (هنغاريا أو المجر)، جيروم، بيلاج. ويُضاف إلى هذه التفاسير اللاتينيَّة(4) ترجمة روفين لتفسير أوريجان حول رسالة بولس إلى أهل رومة. وتساءلنا مرارًا حول هذا الاهتمام الكبير بالقدِّيس بولس في القرن 4-5، تجاه الأنتيبولسيَّة(5) في القرن الثاني، مع تفاسير نادرة، لبولس في القرن الثالث(6). ما يفسِّر ذلك، بلا شكّ، هو الجدالات العقائديَّة حول شخص المسيح ومسألة الخلاص، ثمَّ الاهتمام بتقديم مثال الحياة المسيحيَّة. وهكذا يُقدَّم بولس على أنَّه نموذج الاهتداء إلى الربّ، والمعلِّم.

في هذا السياق نحدِّد موقع اهتمام أوغسطين ببولس، ولكنَّنا لا نكتفي بالكلام عن الاهتمام. ففي تفسير مزمور 147 لا يتردَّد أوغسطين في أن يقول لسامعيه: »ما من شيء معروف لنا أكثر من ]بولس الرسول[، ما من شيء أحلى، ما من شيء في الأسفار المقدَّسة أقرب إلينا«. في الحقيقة، بولس هو في نظر أوغسطين »معلِّم« كما سوف نبيِّن. ومن المستحيل في حدود هذا المقال أن نتفحَّص بشكل منهجيٍّ تفسير أوغسطين للرسائل البولسيَّة(7)، أو أن نقابله مع تفسير معاصريه(8). فالدراسات كثيرة. ولكن نودُّ أن نبرز دور بولس الحاسم في حياة أوغسطين وفكره: في اهتدائه أوَّلاً، في تكوينه اللاهوتيّ ثانيًا، وفي فساره الكتابيّ وفي تعليمه عن النعمة.

1. دور بولس في اهتداء القدِّيس أوغسطين

شدَّد الكتابان السابع والثامن في الاعترافات على الدور الحاسم الذي لعبته قراءة بولس في اهتداء أوغسطين. هناك جدال حول الخبر في الكتاب الثامن ونحن لا ندخل فيه(9)، بل نتجاوز خيارًا بسيطًا جدٌّا بين التاريخ والخدعة الأدبيَّة فندرك أنَّ حقيقة الخبر لا تنفي كلِّيٌّا وضعه في شكل أدبيٍّ وصياغته اللاهوتيَّة(10). فالاعترافات بما هي خبر، تكشف في أيِّ حال أهمِّيَّة بولس في الطريقة التي بها فهم أوغسطينُ اهتداءه وتحدَّث عنه.

تمسَّكتُ إذًا بجوع كبير بمؤلَّفات روحك الجليلة، وقبْلَها كلِّها بمؤلَّفات بولس الرسول. حينئذٍ اختفت الصعوبات التي كانت لي في يوم من الأيّام، حين بدا لي هذا في تعارض مع نفسه وفي لاتوافق مع شهادات الشريعة والأنبياء، في مضمون أقواله الأدبيّ. ورأيتُ أمامي، تحت وجه واحد، الأقوالَ المقدَّسة، وتعلَّمتُ أن »أنشد وأنا أرتجف«. فشرعتُ أقرأ واكتشفتُ أنَّ كلَّ ما قرأت من حقيقة عند الأفلاطونيِّين قد قيل هنا، ولكن مع تقييم نعمتك بحيث إنَّ ذاك الذي يرى لا »يفتخر«، وكأنَّه ما نال شيئًا. لا ما يرى بل أيضًا أن يرى، »فما الذي ناله وما أخذه«؟ وبحيث أنت يا من هو هو، يُدفَع إلى أن يراك بل يشقى لكي يمتلكك، وبحيث أنَّ هذا الذي لا يقدر أن يرى من بعيد، يمشي، مع ذلك، في الطريق التي فيها يمكن أن يأتي ويرى ويمتلك. فحتّى وإن ذاق الإنسان »شريعة الله بحسب الإنسان الباطنيّ«، فماذا يفعل »بالشريعة الأخرى التي تحارب في أعضائه شريعة روحه وتجعله سجين شريعة الخطيئة التي في أعضائه؟« ]...[ بعدالةٍ سُلِّمنا إلى الخاطئ العتيق، إلى أركون الموت، لأنَّه أقنع إرادتنا بأن تتوافق مع إرادته، التي رفضَتْ أن نلبث في حقيقتك. فماذا يصنعُ الإنسان في شقائه؟ من ينجِّيه من جسد الموت هذا سوى نعمتك بيسوع المسيح ربِّنا.(11)

إنَّ قراءة الردُّ على الأكاديميِّين(12) تشير إلى أنَّ هدف أوغسطين الأوَّل حين قرأ بولس، كان أن يتفحَّص إذا كان الرسول في تعارض مع »الخير الأسمى« الذي كشفه له الأفلاطونيُّون: وهو تعارض اعتبره أوغسطين مستحيلاً بالنظر إلى طريقة عيش المسيحيِّين. وشدَّد الكتاب السابع من الاعترافات، بشكل إضافيّ، على ضرورة تجاوز انتقاد المانويِّين، الذين اهتمُّوا اهتمامًا كبيرًا ببولس، واعتبروا أنَّه كان في تعارض مع نفسه ومع العهد القديم. فقاموا بقراءة نقديَّة لرسائله، وشجبوا التحريفات التي فيها(13). فهدفُ قراءة بولس، في نظر أوغسطين سنة 386، كان واضحًا: مواجهة مع طروح الأفلاطونيِّين، وإقامة تفسير جديد للتحرُّر من تفسير المانويِّين. وجاءت نتائج هذه القراءة حاسمة: أدرك أوغسطين وحدة الكتب المقدَّسة التي بدت له منذ الآن في »وجه واحد«(14). ما بدا له بولس فقط في تعارض مع الأفلاطونيِّين، بل كشف فيه ما يمكن أن يشفي عجزه لمشاهدة الحقيقة مشاهدة متداومة. وفهم أنَّ عجزه لا يقوم فيه بالتعارض بين طبيعتين، كما قال تفسير المانويِّين لبولس(15)، بل بتناقض أدخله الإنسان في ذاته بقرار حرٍّ، ولا يستطيع أن يحرِّره منه إلاَّ المسيح. إذًا، فسَّر بشكل مختلف الانقسام البولسيَّ بين اللحم (والدم) والروح والخلاص الذي يحمله المسيح.

وهنا لا بدَّ من إبراز دور المسيح المركزيّ: فهو »الطريق« والخلاص. وحين قام أوغسطين بجردة حساب لما وجد ولما لم يجد عند الأفلاطونيِّين(16)، شدَّد، عائدًا إلى فل 2: 6-11 ورو 5: 6 ورو 8:32، أنه إن كان الافلاطونيون أتاحوا له أن يستشفّ الحقيقة الالهيّة، فهم ما عرّفوه بمن هو الطريق: المسيح المتواضع، الذي مات عن الأشرار(17) وهو »الوسيط بين الله والبشر«(18). فمركزيَّة المسيح عند أوغسطين التي تظهر هنا والتي هي ثابتة من ثوابت فكره(19)، يجب أن تكون في علامة بولس في حياته وفي مؤلَّفاته.

ويختم أوغسطين خبر قراءته لبولس في نهاية الكتاب السابع من الاعترافات فيقول: »دخلتْ فيَّ هذه الأمورُ حتَّى الأمعاء بشكل مفاجئ حين كنت أقرأ »أصغر رسلك«(20). فاستطاع حينئذٍ أن يبيِّن في الكتاب الثامن كيف أنَّ امتلاك ألفاظ بولس، لعب دورًا حاسمًا في اهتداء إرادته، وصُوِّرت هذه القراءة الآن على أنَّها خبرة وجوديَّة. فاكتشف أوغسطين نفسه في ألفاظ الرسالة إلى غلاطية: »]...[ حين اختبرتُ بنفسي فهمتُ ما قرأتُ من قبل كيف أنَّ »اللحم (والدم) يشتهي ضدَّ الروح والروح ضدَّ اللحم (والدم)«(21). فبحسب الكتاب الثامن، حصل الاهتداء حين طبَّق أوغسطين على نفسه رو 13: 13-14: »لا للبطر والسكر، لا بالمضاجع والعهر، لا بالخصام والحسد، بل البسوا الربَّ يسوع المسيح، ولا تصنعوا تدبيرًا للجسد لأجل الشهوات« (اعترافات 8/12: 29). فكما أنَّ بولس أحسَّ بانقلاب بصوتٍ جاء من فوق فاهتدى، صوَّر أوغسطين نفسه وكأنَّه تحوَّل فجأة بعد أن سمع صوتًا آتيًا من البيت القريب(22) يكرِّر: »خذ واقرأ«. عندئذٍ قرأ هذه الكلمات في الرسالة إلى رومة. لا نشدِّد أكثر من اللزوم على التقابل بين خبر أع 9 وخبر الكتاب الثامن، ولكن يمكن القول إنَّ أوغسطين فسَّر سيرته الشخصيَّة على ضوء سيرة بولس. هذا يعني أهمِّيَّة بولس في مسيرة أوغسطين.

2. دور بولس في تكوين أوغسطين اللاهوتيّ

يكفي أن نعدِّد عناوين أولى مقالات أوغسطين التأويليَّة، لنلاحظ المكانة التي تحتلُّها الرسائل البولسيَّة. فبين سنة 394 وسنة 396، شرح أوغسطين ثلاث مرَّات الرسالة إلى رومة بشكل جزئيّ. وشرح الرسالة إلى غلاطية كلَّها، وردَّ على أسئلة إخوته حول نصوص بولسيَّة متنوِّعة في 83 أسئلة مختلفة(23). ونحن نعرف أنَّه قبل أن يكتب عَرْضَ الرسالة إلى غلاطية(24)، قرأ شرح جيروم لهذه الرسالة، كما عاد، على ما يبدو، إلى شرح ماريوس فكتورينوس (حاشية 1). ووُجدت نقاط اتِّصال بين الإمبروسياستر (حاشية 2) وعرض بعض الأمور من الرسالة إلى رومة(25)، ولاسيَّما في النظرة إلى معرفة الله المسبقة(26). غير أنَّ أوغسطين لبث حرٌّا بالنسبة إلى مراجعه، ولاسيَّما في تفسير بولس. ولا بدَّ أيضًا من الأخذ بعين الاعتبار تأثير قاعدة تيكونيوس الثالثة(27) »المواعيد والشريعة« التي نستشفُّ آثارها في تدوين الكتاب الأوَّل إلى سمبليسيانوس (حاشية 21). فهذه الدراسة المعمَّقة لبولس دلَّت على اهتمام التكوين اللاهوتيّ عند أوغسطين(28) كما نفهمها في اهتمام راعويّ (ردود إلى إخوته) وضرورة تجاوز التفسير المانويّ لبولس.

أ - تفسير الرسالة إلى رومة

أكثر رسالة شرحها بولس هي الرسالة إلى رومة. فإلى رومة تشرح مطوَّلاً ف 7-8، ولكنَّه يترك جانبًا آيات هامَّة مثل 1: 17؛ 3: 21-28 ثمَّ 5: 12. أمّا العرض المرسوم للرسالة إلى الرومان(29) فتوقَّف عند 1: 7. والأسئلة 66-67، 68 (حاشية 22) فعالجت على التوالي 6: 1-8: 11؛ 8: 14-24؛ 9: 20. وأخيرًا إلى سمبليسيانوس عاد أيضًا إلى 7: 7-25 و9: 10-29 ليردَّ على أسئلة سمبليسيانوس. هذه الخيارات تدلُّ على المسائل اللاهوتيَّة التي تهمُّ أوغسطين، ولكنَّها لا تشرح لماذا لم يحاول أوغسطين أن يُدرك بشكل إجماليٍّ نظرة بولس في الرسالة إلى رومة كما تدلُّ بداية رسالة رومة. فالمنظار الأنتيمانويُّ حاضر جدٌّا ولاسيَّما في إلى رومة حيث يسعى أوغسطين لكي يردَّ على الذين يعتبرون أنَّ بولس يشجب الشريعة أو يدمِّر حرِّيَّة القرار. إنَّه يميِّز، في هذا المجال، بمناسبة تفسير 3: 20، أربع درجات(30) من أجل الإنسان بشكل عامٍّ، فتشكِّل إطار تفسير لمجمل الرسالة: قبل الشريعة، تحت الشريعة، تحت النعمة، في السلام(31). قبل الشريعة، تبع الإنسان شهوة(32) اللحم (والدم)، وما حاربها. تحت الشريعة، حاربَ ولكنَّه قُهر بعد أن جرَّته الشهوة وهو عالم أنَّ ما يعمله شرّ. وهذا ما قاده إلى أن يطلب »نعمة المحرِّر« الذي يمنحه بأن لا يخضع بعدُ للرغبات الخاطئة. وأخيرًا، تزول الشهوة اللحميَّة في السلام. تصوَّر أوغسطين تاريخ الخلاص على أنَّه كلٌّ متكامل، فدافع هكذا عن قيمة العهد القديم ضدَّ المانويِّين. وفُهمت متتالية الشريعة والنعمة بشكل متزايدة، بحسب النصِّ البولسيّ: فوظيفة الشريعة أن تدلَّ على الخطيئة لا أن تلغيها. فالنعمة تمنح الحياة وتجعل الإنسان روحانيٌّا، وبالتالي قادرًا على تتميم الشريعة. وشدَّد سمبليسيانوس على وظيفة الشريعة مبيِّنًا أنَّها تقود إلى العيش في تعارض بين علمَ وأرادَ، وتبيِّن أنَّ الإنسان عاجز عن العمل بحسب الشريعة. وإن اهتمَّ أوغسطين بأن يدافع عن الشريعة ضدَّ المانويِّين، فقد أراد أيضًا أن يبيِّن ضدَّهم أنَّ بولس لا يلغي القرار الحرّ. »فتحْتَ الشريعةِ« يبدو القرار الحرُّ محدودًا، لأنَّه إذا كان للإنسان الإرادة بأن لا يخطأ، فلا سلطة له. ولكن بحسب إلى رومة يستطيع »في قراره الحرِّ أن يؤمن بالمحرِّر وينال النعمة«. ويتكرَّر هذا الإعلان في روم 9: يرتبط الاختيار الإلهيُّ بقبمعرفة الإيمان المقبل لدى الإنسان. فنداء الله يسبق فعل الإيمان، غير أنَّ الإرادة الحرَّة التي بها يقرِّر الإنسان مع نداء الله أو ضدَّه، هي حاسمة. و»تستحقُّ« أن تتقبَّل الروح القدس. مقابل هذا، في السؤال الثاني من الكتاب الأوَّل إلى  سمبليسيانوس، رفض أوغسطين أن ترتبط النعمة باستحقاق الإنسان. ومع ذلك، فهو لا يشكِّك بالقرار الحرِّ، ويبيِّن حين يشرح رو 9 أنَّه إن سبقتنا رحمةُ الله ومنحتنا الإرادة، فأن نريد يكون من الله ومنّا في الوقت عينه. ولكن لكي يسند أوغسطين خيار الله المجّانيَ مستبعدًا كلَّ جور من عند الله، أكَّد أنَّ جميع البشر يستحقُّون بعدلٍ أن يُحكم عليهم وأنَّهم لا يُفلتون من هذا الحكم إلاَّ بفضل رحمة الله. وهكذا أتاحت لأوغسطين الدراسة المعمَّقة للرسالة إلى رومة وخصوصًا ف 7-9، أن يعمِّق نظرته إلى النعمة: هي تستبق كلَّ استحقاق لدى الإنسان. فلا يمكن أن تنفصل عن التحرير بالمسيح (رو 7: 24-25)، فتدلَّ على العبور من مرحلة »تحت الشريعة« إلى مرحلة »تحت النعمة«) وتشكِّل وحدة مع موهبة الروح. فالأسئلة اللاهوتيَّة التي كانت أسئلة أوغسطين، قادته لأن يطبِّق، بدون حقٍّ، على خلاص كلِّ إنسان كلام رو 9 الذي دلَّ على اختيار اليهود والأمم.

ب - شرح الرسالة إلى غلاطية

في إلى غلاطية، اهتمَّ أوغسطين بأن يوضح السياق التاريخيَّ للرسالة، وهدفَه الذي قابله بهدف الرسالة إلى رومة. فكما في إلى رومة، تضمَّن هذا التفسيرُ ملاحظات أنتيمانويَّة، ولكن بدا المرمى أوسع: نحسُّ باهتمامات أوغسطين الراعويَّة، وهو يرغب بأن يكوِّن إخوته ويصلح كنيسة أفريقيا، التي كانت مقسومة بفعل جدال الدوناتيِّين (رفضوا قبول التائبين الذين خافوا من الاضطهاد...)، ومتشرِّبة بعدُ من عادات وثنيَّة مثل اللجوء إلى التنجيم. وصورة بولس التي نكتشفها في هذا التفسير، هي صورة مؤسِّس جماعات مسيحيَّة، يعلن الإنجيل، ويدافع عن الحقيقة ضدَّ الذين يرتابون بها، ويعلن أنَّ المؤمنين الآتين من الأمم هم أيضًا أبناء إبراهيم، ويسعى أخيرًا ليشفي الشقاقات ويحافظ على الوحدة في المسيح. وحادثة أنطاكية مهمَّة من هذا القبيل. كان أوغسطين ضدَّ جيروم، فدافع عن عصمة الكتاب المقدَّس وأعلن أنَّ بولس لم يكذب. وهكذا برَّر بولسَ، لأنَّه لام بطرس أمام جميع المؤمنين إذ رآه يعود إلى العالم اليهوديّ: »ما كان مفيدًا أن يوبِّخ سرٌّا ضلالاً يُسيء جهرًا«. غير أنَّ أوغسطين شدَّد أيضًا على »مثال التواضع العظيم« الذي قدَّمه بطرس حين قبل الإصلاح الأخويَّ من بولس. وبالنسبة إلى 6: 1، عاد أوغسطين إلى واجب الإصلاح الأخويِّ وإلى طريقة ممارسته. فالتواضع، الذي هو أوَّلاً  تواضع المسيح، هو القاعدة الكبرى في النظام المسيحيّ. فبه »تُحفظ المحبَّة«. فالتواضع هو »موهبة الروح الأولى والعظمى« التي تتيح للمؤمن أن يتجنَّب المنازعة والحسد. وهكذا نفهم بسهولة اهتمام أوغسطين بالرسالة إلى غلاطية: ما وجد فيها فقط تعليمًا نظريٌّا حول الشريعة، بل اكتشف فيها أيضًا مثالاً للمسؤول في الجماعة الكنسيَّة.

ج- الأسئلة 83 المختلفة

يفسِّر هذا الكتاب بعض النصوص البولسيَّة المهمَّة بالنسبة إلى الكرستولوجيّا (حول يسوع المسيح) والأنتروبولوجيا (حول الإنسان). إذا وجب على الابن نفسه أن يكون »خاضعًا لمن أخضع له كلَّ شيء« (1 كو 15: 28)، فهل نظنُّ أنَّ الابن ليس مساويًا للآب؟ وكيف نفهم لفظ »شكل« habitus في فل 2: 7: »في منظره عُرف كإنسان«. أو: في أيِّ معنى يُقال: »صورة الله اللامنظور« (كو 1: 15)؟ هذه الأسئلة هي مناسبة لأوغسطين بأن يؤكِّد في الوقت عينه مساواة الابن مع الآب، وواقع التجسُّد. والسؤال 69 المكرَّس لما في 1 كو 15: 20-28، يعلن أوَّلاً قاعدة الإيمان الكاثوليكيِّ regula fidei catholicae، التي بحسبها تعلن النصوص دُنوَّ الابن بالنسبة إلى الآب، يجب أن تُفهم مرارًا عن الابن في تجسُّده. والنصوص التي تُعلن أنَّه مساوٍ للآب تعني لاهوته: نحن نجد القولين في فل 2: 6 و2: 7. ولكن ينبغي أن نضيف أنَّ الابن هو غير الآب. فالذي هو مولود غير ذاك الذي يَلد. والصورة أيضًا (كو 1: 15) هي غير ذاك الذي هو صورته: فالآيات التي تعبِّر عن »صفات الأشخاص« (أو: الأقانيم) لا تؤثِّر على المساواة فيما بينهم. عندئذٍ نستطيع أن نفهم في أيِّ معنى ينبغي على المسيح أن »يملك إلى أن يجعل كلَّ أعدائه تحت قدميه« (1 كو 15: 25): فبالنظر إلى تجسُّده وحاشه (أو: آلامه)، هو »يملك الآن في المؤمنين باتِّضاعه، بعد أن أخذ صورة العبد«، ودمار كلِّ رئاسة وكلِّ قوَّة يحصل »بالتواضع والصبر والضعف«. ولكن حين يُقال أنَّ كلَّ شيء أُخضع له »ما عدا ذاك الذي أخضع له كلَّ شيء« (1 كو 15: 27)، فهذا يقال عنه »بالنظر إلى المبدأ الذي منه ينبثق«، »من حيث إنَّه صورته التي فيها يسكن كلُّ ملء الألوهة« (كو 1: 15؛ 2: 9). وأخيرًا، يتساءل أوغسطين إذا كانت آ28 (1 كو 15) تنطبق فقط على المسيح بما أنَّه رأس الكنيسة، أو على »المسيح الكامل الذي يضمُّ الجسد والأعضاء«. ويستخلص مبرهنًا انطلاقًا من غل 3: 16، 28-29؛ 1 كو 12: 12، 29 أنَّ الإعلان ينطبق على المسيح الكامل.

والسؤال 73 الذي يتطرَّق إلى فل 2: 7 يميِّز معنى لفظ شكل habitus، ويستبعد ما يتضمَّن تبدُّلاً في اللاهوت أو في الناسوت. والسؤال 74 المكرَّس إلى كو 1: 14-15 هو توضيح مضمون ألفاظ صورة imago مساواة aequalitas شبه similitudo. وفي النهاية يستنتج أوغسطين: الابن ليس »فقط صورة الله لأنَّه يصدر عنه، وشبهه لأنَّه صورة، ولكنَّه أيضًا مساوٍ له بحيث لا يُوجَد تقييد مسافة زمنيَّة«. هذا التحديد هو حاسم بالنسبة إلى الأنتروبولوجيا: ففي السؤال 51، وبحسب التقليد الآبائيّ، شرح أوغسطين: »أن يكون الإنسان صورة الله ومثاله، ]...[ غير أن يكون على صورة الله ومثاله«: فالتعبير الأوَّل يعني الابن. والثاني يعني الإنسان المخلوق. في النصوص اللاحقة، تخلَّى أوغسطين عن هذا التمييز واعتبر أنَّه أمر شرعيٌّ بأن نقول إنَّ الإنسان هو صورة الله. ففكرة المساواة التي ربطها السؤال 74 مع فكرتي العودة والمثال، جعلت مثل هذا القول ممكنًا لأنَّها قدَّمت وسيلة تعبير أخرى عن المسافة التي تفصل الإنسان عن ابن الله. ونستطيع أن نفترض أيضًا أنَّ قراءة 1 كو 11: 7 (الإنسان هو صورة ومجد الله) الذي أورده أوغسطين ليسند طريقته في الكلام على الثالوث،  لم تكن غريبة عن هذا التبدُّل في الألفاظ(33). ونلاحظ أيضًا أهمِّيَّة الأنتروبولوجيا البولسيَّة في صياغة فكر أوغسطين، في تلك الحقبة: فاستعمل في السؤال 51، وفي الوقت عينه، التمييز بين الإنسان الخارجيِّ والإنسان الباطنيِّ (2 كو 4: 16)، والتمييز بين الإنسان القديم والإنسان الجديد (كو 3: 9-10)، والتمييز بين آدم الأوَّل وآدم الثاني (1 كو 15: 45-49). وميَّز في خطِّ بولس، من جهة، القيامة وتجديد الإنسان الباطنيِّ وهذا ما يتمُّ بموت الحياة السابقة موت الخطيئة، وبولادة إلى حياة جديدة، حياة البرّ. ومن جهة ثانية، القيامة المقبلة للإنسان الخارجيّ. مثل هذا التمييز يبقى ثابتة من ثوابت فكر أوغسطين.

3. بولس في طريقة التفسير عند أوغسطين

إن كان بولس لعب مثل هذا الدور في تكوين أوغسطين اللاهوتيّ، لن نندهش حين نرى أوغسطين يأخذ من بولس المبادئ التي وجَّهته في قراءته للكتاب المقدَّس: وخصوصًا للتفكير في العلاقة بين العهدين، القديم والجديد، وللتعرُّف إلى مختلف الطرق التي بها أشار الكتاب إلى المسيح.

أ - العهد القديم والعهد الجديد

»الحرف يقتل والروح يحيي«. هذه الجملة هي موقع كتابيٌّ رئيسيٌّ لكي نفكِّر في العبور من العهد القديم إلى العهد الجديد(34). وقد لعبت دورًا كبيرًا في مسيرة أوغسطين: إنَّ الطريقة التي بها استعمل أمبرواز هذه الآية ليجاوز صعوبات التفسير الحرفيّ، أتاحت لأوغسطين أن يتجاوز اعتراضات المانويِّين المتعلِّقة بالعهد القديم. وأبعد من إيراد صريح لما في 2 كو 3: 6 الذي يمكن أن نجده في كرازة أسقف ميلانو (أي أمبرواز)، لمَّح أوغسطين إلى الطريقة التي فيها اتَّبع أمبروازُ فيلون (فيلسوف الإسكندريَّة) وأوريجان، فدعا سامعيه أو قارئيه بأن لا يتوقَّفوا عند المعنى الحرفيِّ وحده، وأن يكتشفوا السرَّ، الفهم الروحيّ(35). إذًا، فهِمَ أوغسطين أوَّلاً 2 كو 3: 6 كمبدأ فساريّ(36)، وفائدة الإيمان(37) تشير إلى هذا التفسير وتطبِّقه على فرائض »السبت والختان والذبائح وأمور أخرى مشابهة«. فالمسيح ما جاء ليلغي العهد القديم، بل »حجابَه« فقط. وفهْمُ 2 كو 3: 6 بهذه الطريقة يدعو إذًا إلى »كشـف« revelari »الأسرار« mysteria أو »الخفيّات« secreta في العهد القديم بواسطة المسيح. ولكنَّ قراءة متنبِّهة لبولس خصوصًا في الرسالة إلى رومة، قادت أوغسطين (ربَّما بتأثير القاعدة 3 تيكونيوس، حاشية 26) إلى تفسير آخر لما في 2 كو 3: 6: ففي الكتاب الأوَّل إلى سمبليسيانوس، استضاءت أقوال مفارقة لدى بولس بالنسبة إلى الشريعة في رو 7 مع »الزوج« couple: »جديد الروح« و»عتيق الحرف« بواسطة 2 كو 3: 6. فالشريعة هي »الحرف وحده للذين تعلَّموا أن يقرأوها ولا يستطيعون أن يتمُّوها«. عندئذٍ هي تحكم على المؤمن وتقتله. أمَّا الروح (القدس) فيحيي، لأنَّ »روح المحبَّة الذي هو روح العهد الجديد« فيمنحنا أن نتمَّ الشريعة. وهكذا صارت 2 كو 3: 6 مفتاحًا لفهم تاريخ الخلاص. حافظ أوغسطين في جميع مؤلَّفاته على تأويلين لما في 2 كو 3: 6. فالتفسير الثاني المسيطر لا يُزيل الأوَّل: هو يوضح أنَّ الأوَّل يحافظ على قيمته وإن يكن الثاني »أكثر توافقًا وأفضل« (الحرف والروح 4: 5-6).

ونضيف إلى استعمال أوغسطين 2 كو 3: 6 كمبدأ فساريّ، العودةَ إلى 1 كو 10: 1-11 ثمَّ غل 4: 22-26، كأساس للتفسير الروحيّ. فالقراءة الرمزيَّة لأحداث الخروج في 1 كو 10: 1-11 جاءت تردُّ على المانويِّين لتبرِّر قراءة العهد القديم قراءة نبويَّة. شدَّد أوغسطين على سلطة كلام بولس. لسنا أمام »تكهُّن بشريّ«: فالله نفسه يتكلَّم عبر الرسول. إذًا، لا نستطيع أن نشرح بشكل يختلف عنه أسرار sacramenta سفر الخروج. غير أنَّ بولس لم يشرح سوى رمزٍ واحدٍ فقال: »والصخرة كانت المسيح«. فهو يدعونا لكي نبحث انطلاقًا من هنا عن مدلول سائر الرموز: عبور البحر، السحابة، المنّ. وتبقى هناك صعوبة: كيف استطاع بولس أن يقول إنَّ الآباء »أكلوا الطعام الروحيَّ عينه« الذي أكلناه؟ أما يُلغي هكذا عثار الصليب؟ ولكن تزول الصعوبة بلفظ »روحيّ«. فبعضهم لم يأكل في المنِّ سوى الطعام الجسديّ. ولكنْ »هناك آخرون كان المسيح في قلبهم حلاوة أكثر ممَّا كان للمنِّ في فمهم«. آمن الآباء »بالمسيح الذي سوف يأتي«. ونحن نؤمن اليوم »بالمسيح الذي أتى«، »ولكنَّه المسيح نفسه«! اختلفت العلامات، أمَّا الواقع الذي تدلُّ عليه فهو المنُّ (إنجيل يوحنّا 26: 12). في العظة 45 حول إنجيل يوحنّا، شدَّد أوغسطين مرَّة أخرى على تماهي الإيمان بالمسيح قبل مجيئه وبعده. فضمَّ 1 كو 10: 1-4 إلى 2 كو 4: 13: »وإذ لنا روح الإيمان عينه كما كُتب: آمنتُ ولهذا تكلَّمت، نؤمن نحن أيضًا ولهذا نتكلَّم«. توسَّع الموضوع توسُّعًا كبيرًا في الجدال مع البيلاجيِّين لكي تَبرز شموليَّةُ وساطة المسيح: لا نستطيع أن نستبعد أبرار العهد القديم من نعمة الوسيط (الإلهيّ)« (نعمة المسيح والخطيئة الأصليَّة 2/ 26: 31).

وفي شكل مماثل، استعمل أوغسطين غل 4: 22-26 ليؤسِّس شرعيَّة الأليغوريا(38). وشدَّد مرَّات عديدة على أنَّ التفسير الأليغوريّ في غل 4: 22-26 لا يستبعد قيمة المعنى الحرفيّ: فامرأتا إبراهيم ترمزان إلى العهدين، ولكنَّ إبراهيم نال في الحقيقة ابنين، واحدًا من المرأة الحرَّة، وآخر من الأمة (سؤال 65). ونتج من ذلك بشكل عامٍّ أنَّ هناك ثلاث طرق لتفسير نصٍّ ما: المعنى الخاصّ، المعنى الرمزيّ، أو المعنى الخاصّ والمعنى الرمزيّ (مدينة الله 17/3: 1-2). وهذا التمييز الذي تكفله »سلطةُ الرسول«، يلعب دورًا هامٌّا في مدينة الله (15-18)، لأنَّه يتيح لنا أن نرى علامة إسرائيل العهد القديم بالمدينتين. ونجد في الكتاب المقدَّس »ثلاثة أنواع من النبوءات: بعضها يشير إلى أورشليم الأرضيَّة، والبعض الآخر إلى أورشليم السماويَّة، وبعضها إلى هذه وتلك«. في الرسالتين اللتين ردَّ فيهما على البيلاجيِّين(39) عاد أوغسطين في الوقت عينه إلى غل 4: 22-26 وإلى 2 كو 3: 6 لكي يشرح بأنَّ هناك طريقتين للكلام عن العهد القديم. ويريد العُرف أن ندلَّ هكذا على »الشريعة وكلِّ الأنبياء الذين تنبَّأوا إلى يوحنّا«. غير أنَّ هذه التسمية غير دقيقة. فالأصحُّ أن نتكلَّم في هذا المعنى عن »أداة قديمة« vetus instrumentum. وطريقة الكلام الأخرى، التي تستند إلى سلطة الرسول »تدعو قديمًا العهدَ الذي أُقيم بواسطة موسى وتميَّز عن طريق المفارقة على أنَّه جديد »كلَّ ما أقيم منذ سنوات كثيرة، من أجل إبراهيم«. وتُفهَم طريقةُ الكلام هذه إذا اعتبرنا، من جهة، أنَّ »وحي العهد الجديد تمَّ بالمسيح حين تجلَّى في جسم بشريّ«، أي بعد عطيَّة الشريعة (كانت المواعيد الإلهيَّة مخفيَّة من قبل). ومن جهة أخرى، أنَّ هذا الوحي يعني »الإنسان الجديد« ساعة يبدأ كلُّ إنسان بالضرورة بـ»الإنسان القديم«. بحسب هذا المدلول، نستطيع أن نؤكِّد أنَّ إبراهيم والأبرار في الأزمنة القديمة، هم منذ الآن »أولاد الوعد والنعمة بحسب إسحاق، أولاد المرأة الحرَّة ووارثو الله لا بالنظر إلى الشريعة، بل الوعد، ووارثون مع المسيح«. هم »يخصُّون أورشليم العلويَّة التي هي أمُّنا«. وإيمانهم هو إيماننا عينه »فكانوا مسيحيِّين« لا بالاسم، بل بالحقيقة »حتَّى قبل مجيء المسيح. مثلُ هذا الفهم لتاريخ الخلاص هو في العمق فهمٌ بولسيّ.

ب - ثلاث طرق للكلام عن المسيح في الكتاب المقدَّس

ميَّزت عظة دولبو 22(40) في الكتاب المقدَّس ثلاث طرق للكلام عن المسيح: (1) بما أنَّه إله فهو أزليٌّ مع الآب. (2) بعد التجسُّد،  بما أنَّه الإله الذي صار إنسانًا والإنسان الذي هو أيضًا الله«، وبما أنَّه »وسيط ورأس الكنيسة«. (3) وأخيرًا، بما أنَّه »المسيح الكامل في ملء الكنيسة، أي الرأس والجسد«. فالتمييز بين الشكل الأوَّل والشكل الثاني نقرأه في مطلع يوحنَّا كما في فل 2: 6-7. وشرح الشكل الثالث يقدِّم الإيرادات البولسيَّة العديدة التي ترتبط بموضوع الكنيسة عروس المسيح وجسده.

فأهمِّيَّة النشيد في رسالة فيلبِّي في مؤلَّفات أوغسطين جاء واضحًا في كتاب كرستولوجيا وروحانيَّة القدِّيس أوغسطين. النشيد في رسالة فيلبِّي(41). درس هذا الكتاب الطريقة التي بها عاد أوغسطين إلى فل 2: 6-7 في رباط مع قاعدة الإيمان regula fidei (ص 333- 400). لا حاجة للعودة إلى بداية استعمالات فل 2: 6-7 بعد أن قرأنا مثَلاً في سؤال 69. ولكنَّنا نتوقَّف عند الكتاب الأوَّل من الثالوث: قرأ فيه أوغسطين النصوص الكتابيَّة التي استغلَّها المانويُّون ضدَّ ألوهيَّة المسيح. حاولوا أن ينقلوا إلى طبيعة الابن الإلهيَّة عبارات كتابيَّة تشير إلى دنوِّه كإنسان، فردَّ أوغسطين عليهم حالاً بنصِّ فل 2: 7: »لاشى نفسه فأخذ صورة عبد«. واستنتج أنَّ »الابن صار أدنى من ذاته«. هو مساوٍ للآب في صورة الله forma dei وأدنى من ذاته في صورة عبد forma servi فالقاعدة التي نشير إليها لكي نحلَّ هذه المسألة بفضل مجمل الكتاب المقدَّس (كما قال)، تُؤخَذ من فصل في رسالة بولس الرسول حيث نتعلَّم هذا التمييز بشكل أكثر وضوحًا«. عندئذٍ أورد أوغسطين فل 2: 7 وجعل من الثنائيّ في صورة الله/في صورة العبد: in forma Dei/in forma servi الإطار الذي يعرض فيه الإعلانات الكتابيَّة التي تنطبق على الطبيعتين الإلهيَّة والبشريَّة. والدور الذي منحه أوغسطين إلى فل 2: 6-7 في التعبير عن قاعدة الإيمان regula fidei يشرح لجوءه العاديَّ إلى هاتين الآيتين ليزيل صعوبات في تفسير الكتاب المقدَّس: أو هو يتجاوز التعارض بين آيتين (مثلاً مز 78: 4 و2 كو 3: 2: كيف يكون المسيح في الوقت عينه »خبز الملائكة« و»لبن الأطفال«). أو هو يميِّز في نصٍّ من النصوص ما ينطبق على صورة الله forma Dei وما يُفهَم من صورة العبد forma servi (في مزمور مثل مز 86). ليس من قبيل الصدف أن يرجع أوغسطين مرارًا عديدة إلى نشيد فيلبِّي: فالمقطوعة البولسيَّة هي في قلب كرستولوجيَّته (حاشية 40، ص 482-499). إنَّها أتاحت له أن يؤكِّد بقوَّة كمال الطبيعة الإلهيَّة وكمال الطبيعة البشريَّة في المسيح، وفي الوقت عينه اتِّحادهما من دون امتزاج (ضدَّ فاوستوس 3/6) وهي تعبِّر أفضل تعبير عمق التلاشي والتمجيد الذي لا ينفصل عنه (مز 110/7: 20) وأخيرًا تدلُّ على مركزيَّة التواضع في حياة المسيحيّ (إنجيل يوحنّا 29: 8)

الإيرادات البولسيَّة جوهريَّة، كلَّ مرَّة يتساءل أوغسطين حول إمكانيَّة تطبيق آية على المسيح، لا يستطيع أن يقولها في شكل الله forma Dei ولا حتّى في شكل العبد forma servi بل على أنَّه المسيح الكامل Christus totus. مثل هذه الإيرادات عديدة في شروح المزامير(42): ففي نظر أوغسطين، يجب أن نسمع صوت المسيح في الزبور كلِّه، ولكن يجب أن نعرف إن كان يتكلَّم باسمه الخاصِّ أو باسم أعضائه. مثل هذا التأويل يفترض التأكيد بشدَّة على »وحدة الرأس والجسد«. وهذا ما يبرِّره أوغسطين بعونِ ملفٍّ كتابيٍّ يحتلُّ فيه بولس مركز الصدارة(43). هو يورد النصوص البولسيَّة حول الجسد والأعضاء (1 كو 12: 12؛ أف 5: 23)، حول وحدة الزواج (أف 5: 31-32). كما يورد نصوصًا يدلُّ فيها بولس على تماهيه مع المسيح (غل 2: 20؛ كو 1: 24)، وعلى احتواء المسيحيِّين في المسيح (غل 3: 16، 27-29). وتأثير تيكونيوس واضح، فالقاعدة الأولى تعود إلى ملفٍّ كتابيٍّ مشابه(44). وقراءة مقطع من المزامير (مز 31) يفهمنا كم تشرَّب أوغسطين من بولس: فسَّر آ2: »عليك يا ربُّ توكَّلت، فلا أخزَ إلى الأبد« فقال:

إذًا يتكلَّم المسيح هنا في النبيّ. أتجرَّأ فأقول: المسيح يتكلَّم. وهو يقول في هذا المزمور أمورًا تبدو وكأنَّها لا تليق بالمسيح، وبسموِّ رأسه، وخصوصًا بالكلمة الذي كان في البدء، الله لدى الله (يو 1: 1). ولكن يمكن أنَّها لا تليق به في صورة عبد (فل 2: 7) التي أخذها من العذراء. ومع ذلك، فالمسيح يتكلَّم لأنَّ في أعضاء المسيح يُوجَد المسيح. ولكي تعلموا أنَّ الرأس وجسده يُعتبَران مسيحًا واحدًا، قال هو نفسه متكلِّمًا عن الزواج: »يكون الاثنان في جسد واحد. إذًا ليسا هما اثنين، بل جسد واحد« (مت 19: 5-6). ولكن يقولون: ربَّما يتكلَّم عن أيِّ زواج كان؟ فنسمع بولس الرسول يقول: »يكونان اثنين في جسد واحد. هذا السرُّ عظيم وهو يعني المسيح والكنيسة« (أف 5: 31-32). هو جعل من نفسه شخصًا واحدًا انطلاقًا من اثنين، من الرأس والجسد، من العريس والعروس ]...[. إذا كانا اثنين في جسد واحد، لماذا لا يكونان اثنين في صوت واحد؟ إذًا، ليتكلَّم المسيح لأنَّ في المسيح تتكلَّم الكنيسة، وفي الكنيسة يتكلَّم المسيح، والجسد هو الرأس والرأس في الجسد. واسمع الرسول يعبِّر عن ذلك بوضوح أكثر: »كما أنَّ الجسد فيه وله أعضاء عديدة، وأنَّ جميع أعضاء الجسد، وإن كانت عديدة، تكوِّن جسدًا واحدًا. هكذا هو المسيح« (1 كو 12: 12). ولمَّا تكلَّم عن أعضاء المسيح أي عن المؤمنين، لم يقل: هكذا هي أعضاء المسيح، ولكنَّ هذا الكلَّ الذي يتكلَّم عنه، دعاه المسيح (حاشية 42، ترجمة).

ينتج عن مثل هذه الوحدة بين المسيح وبيننا »تبادلٌ عجيب«. »ما أنف أن يحوِّلنا إليه وأن يتكلَّم معنا بكلماتنا، لكي نتكلَّم نحن أيضًا بكلماته هو«. في عبارة »حوَّلنا إلى ذاته transfigurare nos in se نقرأ ترجمة فل 3: 21 التي قرأها أوغسطين بشكل: حوَّل جسد ضعفنا بحسب جسد مجده(45). بدَّل أوغسطين تبديلات لها مدلولها: إذ تحدَّث بولس عن تحوُّل جسدنا الذي سوف يتمُّ في القيامة، صوَّر أوغسطين هذا التحوُّل وكأنَّه حصل منذ الآن بفضل التجسُّد والحاش (أو: الآلام) وأضاف »إلى ذاته« in se فأبرز هكذا أنَّ تحوُّل المسيحيِّين يتمُّ في دخول في جسد المسيح. وأخيرًا لعب على معنى لفظ جسد corpus الذي يدلُّ في نظرة أوغسطين على جسد المسيح الفرديِّ وجسده الكنسيّ (حاشية 42، ص 380-388). غير أنَّ هذه التحوُّلات لها ما يبرِّرها العودة إلى رو 6: 6: »سُمِّر إنساننا العتيق معه على الصليب« (مز 38: 27؛ 143: 9؛ رسالة 140/6: 14-15). مثل هذه الطريق في الكلام عن الكنيسة وعن الخلاص، تركَّزت بشكل قويٍّ على المسيح ودلَّت علـى تأثـير بولـس العميق على أوغسطين.

4. بولس المدافع عن النعمة، مثال لأوغسطين

بسرٍّ عميق جدٌّا وخلاصيّ، كلُّ سمات الكتب المقدَّسة، بل وجهها، هو هنا لكي ينبِّه هؤلاء الذين يعرفون أن ينظروا إليه عن قرب: »من يفتخر فليفتخر في الربّ.«

هذه الأسطر في المجموعة(46) تضمُّ بقوَّة تعليم الكتاب المقدَّس في تنبيه بولس في 1 كو 1: 31. فالدعوة إلى الافتخار في الله ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتعرُّف إلى النعمة: »ما هو الذي لك ولم تأخذه؟« (1 كو 4: 7). هذا يدلُّ على أنَّ التعليم البولسيَّ عن النعمة يوجز، في نظر أوغسطين، تعليم الكتاب المقدَّس. كما نعرف بشهادة مصير القدِّيسين المسبق(47) أنَّ هذه الآية التي أوردها القدِّيس قبريانوس ليبيِّن »أن لا نفتخر بشيء، لأنَّ لا شيء لنا«، عملَتْ على اقناع أوغسطين بأوَّليَّة النعمة بشكل جذريّ، ساعة ردَّ على أسئلة سمبليسيانوس. فالتعليم الأوغسطينيُّ حول النعمة يجد ينبوعه في رسائل بولس، كما يدلُّ على ذلك ملفُّ النصوص الكتابيَّة التي ذكرها أوغسطين (رو 5: 1ي؛ 7: 1ب؛ 9: 1ي؛ 1 كو 4: 7؛ 2 كو 3: 6؛ فل 2: 13؛ أف 2: 8؛ 1 تم 2: 4). بولس هو أرفع »من علَّم النعمة« و»كرز بها«. وهو أيضًا لها »الشاهد«. ولا يني أوغسطين يعود إلى مثاله لكي يدافع عنها(48).

أ - المدافع عن النعمة

إنَّ تفحُّصَ أولى تفاسير الرسالة إلى رومة، أتاح لنا منذ الآن أن نكتشف دور بداية التعليم الأوغسطينيِّ حول النعمة. لا مجال هنا لتأويل النصوص البولسيَّة التي تهمُّنا. ولكن لا بدَّ من أن نبيِّن كيف أنَّ أغسطين، في بداية الجدال مع البيلاجيِّين،  يتوجَّه من جديد نحو بولس لكي يعمِّق النظرة إلى النعمة ويعمِّقها في وجه البيلاجيِّين. أتوقَّف بسبب المدلول الخاصِّ عند استحقاقات الخطأة والغفران(49) وعند الحرف والروح(50). في المؤلَّف الأوَّل الذي يعود إلى سنة 411-412، وسَّع أوغسطين التعليم حول النعمة في علاقتها بكلام عن الخطيئة الأصليَّة، وقابل بين المسيح وآدم بحسب تعليم رو 5: 12-21. في الروح والحرف (دُوِّن سنة 413) وسَّع التعليم انطلاقًا من تعارض بين الحرف والروح، متوسِّعًا في النظرة البولسيَّة إلى الشريعة، وواهبًا رو 5: 5 مكانة مركزيَّة: »أُفيضَ حبُّ الله في قلوبنا بالروح القدس الذي وُهب لنا«.

والأسئلة التي طرحها »مَرسلاّن« تشرح بسهولة الإيرادات العديدة من الرسالة إلى رومة، التي نجدها في استحقاقات الخطأة(51). فحين أراد أوغسطين أن يردَّ على الذين يقولون »إنَّ آدم نفسه خُلق بحيث يكون مائتًا، ولو لم يخطأ، لا عقابًا على خطيئة، ولكن بضرورة طبيعته« (1/2: 2)، عاد بشكل صريح، في بداية الكتاب الأوَّل إلى 2 كو 5: 24؛ رو 8: 10-13، لكي يبيِّن أنَّ جسد الإنسان يمكن أن يكون مائتًا دون أن يُفرَض عليه أن يموت، لو لم تكن الخطيئة هناك. ثمَّ ضمَّ 1 كو 15: 21-22 إلى رو 5: 12، ليُثبت أنَّ نتيجة الخطيئة هي موت الجسد. إنَّ التفسير البيلاجيَّ لما في 5: 12 الذي يعارض نتيجة الخطيئة كما يعارض انتقاله بالتناسل، قاده إلى شرح رو 5: 12-21 شرحًا طويلاً (1/9: 9-15، 20)، ساعة لا يكاد النصُّ يرد في مؤلَّفات سابقة للجدال. وأخيرًا الاعتراضات المتعلِّقة بعماد الأطفال، جعلت أوغسطين »يكدِّس« الشهادات الكتابيَّة، خصوصًا تلك المأخوذة من بولس الرسول التي (كما قال) هي عديدة إلى درجة بأنَّه »دوَّن رسائل كثيرة وسهر بعناية كبيرة لكي يُبرز نعمة الله ضدَّ الذين يتشامخون بأعمالهم الصالحة وإذ يجهلون برَّ الله ويريدون أن يقيموا برَّهم، لا يخضعون لبرِّ الله« (رو 10: 3). وعالج الكتاب الثاني الطروحات البيلاجيَّة المتعلِّقة باللاخطأ impeccantia. عندئذٍ حاول أوغسطين أن يبيِّن مستندًا بشكل خاصٍّ إلى  رو 7: 24-25 (2/12: 17)، إلى إقرار بولس الشخصيِّ في فل 3: 6-16 (2/13: 20)، أنَّ برَّ الإنسان يلبث ناقصًا على الأرض، وأنَّه ما من إنسان بلا خطيئة إلاَّ »الوسيط الوحيد بين الله والبشر، يسوع المسيح« (1 تم 2: 5). وأخيرًا، ناقش الكتابُ الثالث بعض تفاسير بولس التي قرأها بولس في شروح(52) بيلاج، وخصوصًا شرح رو 5: 12-13 و1 كو 7: 14 (3/2: 2-11، 19).

هذه الطروحات المتعلِّقة بالخطيئة الأصليَّة وبعماد الأطفال حرَّكت، على ما يبدو، جدالات في قرطاجة سنة 413، بحسب العظة 294(53). ينبغي بلا شكٍّ أن ننسب إلى هذه الجدالات المنظار الجديد الذي وسَّعه أوغسطين في الروح والحرف. فهذا المؤلَّف قدَّم قراءة إجماليَّة للرسالة إلى رومة، ليُثبت أنَّ الإنسان لا يقدر أن يكون بارٌّا بدون النعمة، أي بدون موهبة الروح (القدس). أمَّا البيلاجيُّون فاعتبروا أنَّ الإنسان يبلغ إلى البرِّ بقوَّة إرادته وبفضل الفرائض الإلهيَّة (2: 4-5، 8).

أمَّا أحد الأهداف الجوهريَّة لدى أوغسطين، فهو أن يوضح وضع الشريعة، ويحدِّد في أيِّ معنى يؤكِّد بولس في رو 3: 20 »أنَّ ما من بشر يتبرَّر بالشريعة قدَّام الله«. أمَّا بيلاج فماهى في تفسير رو 3: 20-21 بين أعمال الشريعة و»الختان والسبت واحتفالات أخرى« من هذا النوع، وقاوم أولئك الذين »يستغلُّون هذا المقطع ليلغوا أعمال البرّ« (في شرح رو 3: 20). ردَّ أوغسطين على مثل هذا التفسير، فبيَّن، مستندًا إلى رو 7 أنَّ »الحرف الذي يقتل« لا يدلُّ على الفرائض الطقوسيَّة وحدها، بل أيضًا على الشريعة بحيث تحرِّم الخطيئة، لأنَّها تضيف الشهوة وتزيد التعدِّي على الشرّ« (الروح والحرف 13: 21-25). وعطاء النعمة أي »الروح المحيي« يتيح لنا وحده أن نحبَّ الشريعة وبالتالي أن نتمَّها (الروح والحرف 14: 26-19: 32). ورأى فيها أوغسطين العهدَ الجديد الذي تنبَّأ به إر 31: 31-34: »الشريعة التي كتبها الله في القلوب«، ليست سوى الحضور الباطنيِّ للروح الذي يفيض المحبَّة فيبدِّد المخافة ويملأ بالفرح، »ويصنع فينا الإرادة والعمل بحسب إرادته« (فل 2: 13؛ الروح والحرف  19: 33-25: 42). تلك هي النعمة التي »تبرِّرنا« أي تجعلنا أبرارًا فتنقلنا من الخطيئة إلى البرّ (الروح والحرف 26: 45).

ب - المعترف بالنعمة

لا ينحصر الرفدُ البولسيّ، في نظر أوغسطين، في تعليمه. فوجه بولس هو شهادة ساطعة لما هي النعمة. عاد أوغسطين مرارًا إلى معنى اسم بولس Paulus. فاللفظ اللاتينيُّ يعني »القليل« peu. إن كان الرسول اتَّخذ اسم بولس فلأنَّه »آخر الرسل« (1 كو 4: 9). وتفسير 1 كو 15: 9-10 هو مناسبة دائمة لإظهار التعارض بين صِغر بولس (أنا أصغر الرسل) والعمل الذي قام به: »اشتغلتُ أكثر منهم كلِّهم...«. قال هذا ليبرز ما استطاعت نعمةُ الله أن تفعل في ذلك الذي هو وضيع. ذكر أوغسطين مرارًا اهتداء بولس في أع 9، وما اهتمَّ يومًا بأن يقابل مختلف أخبار سفر الأعمال، بل شدَّد على قدرة النعمة التي جعلت، في لحظة واحدة، من المضطهد كارزًا ومبشِّرًا. فإن استطاع المسيح أن يشفي »مريضًا« مثل بولس، فمن يقدر أن ييأس من فنِّ هذا الطبيب.

ورأى أوغسـطــين أيضًـا فــنَّ الطـبيـب في »شـوكـة الجسـد« (أو: اللحـم): sulumits hDa   التي يشتكي منها بولس (2 كو 12: 7-10) التي هي أيضًا دواء ضدَّ الكبرياء (مز 59: 2، 5). فإن احتاج بولس، بمحبَّته الكبيرة، إلى طبيب، فمن يقدر أن يحسب نفسه بلا خطيئة؟ في سياق الجدال الأنتيبيلاجيّ، شدَّد أوغسطين على ضعف بولس، وهو ضعفُ يقرُّ به بولسُ نفسه. والذين يقولون إنَّ بولس لا يتكلَّم باسمه الشخصيِّ في رو 7: 15 (لا أفعل ما أريد، بل ما أكرهه إيَّاه أفعل)، قدَّم له أوغسطين في الخطبة 154 (3: 4-4: 5) فل 3: 12-14 الذي قد يفسِّره بعضهم طلبًا للاموت (= للخلود) لا للكمال. عندئذٍ أورد 2 كو 4: 7 (نحمل هذا الكنز في آنية من خزف) كما أورد 2 كو 12: 7 (ولئلاَّ أرتفع بفرط الإيحاءات وأتكبَّر). ما يُقرُّ به بولس هنا هو »ضعف نفسه« (أو: ضعفه الذاتيّ).

ولاحظ أوغسطين أنَّ بولس لم يخف من الاستشهاد، بل رغب فيه (2 تم 4: 6؛ فل 1: 23). ولكنَّه كان يفضِّل أن يرتدي الخلود وعدم الموت، دون أن يُعرَّى من الجسد (2 كو 5: 4). وأتت ثقتُه »لا من نفسه، بل من ذلك الذي وهب له كلَّ شيء«. وأخيرًا، ذكر أوغسطين »إكليل البرّ« (2 تم 4: 7-8) الذي استحقَّه بولس، وأضاف حالاً متوجِّهًا إليه: »أجل الإكليل الذي يحقُّ لك واجب لاستحقاقاتك، ولكنَّ استحقاقاتك هي مواهب من عند الله« (بيلاج 14: 35).

الخاتمة

كانت قراءة بولس حاسمة بالنسبة إلى أوغسطين. ولكن لا بدَّ من القول أيضًا أنَّ التفسير الأوغسطينيّ لبولس أثَّر تأثيرًا كبيرًا على الغرب. كيف نفسِّر مثل هذا التأثير؟ اعتبر بعضهم أنَّ النهج الذي استعمله أوغسطين في كرازته يمكن أن يشرح هذا الوضع: فأوغسطين جعل بولس يتكلَّم وتحاور معه، وأدخل عند الضرورة شخصًا ثالثًا. وهكذا صارت قراءة بولس القراءة التي يدافع عنها بولس نفسه. وفي تفاعل دقيق قوَّتْ سلطة بولس سلطة أوغسطين وسلطةُ أوغسطين سلطةَ بولس. ولكنَّ هذه الطريقة التي بها جعل أوغسطينُ بولسَ يتكلَّم، تكشف بدورها تصاحُبًا بين هذين الكبيرين. عرف أوغسطين نفسه في خبرة بولس وفي النهاية تماهى معه. لهذا فقراءة أوغسطين لبولس لا يمكن إلاَّ أن تحرِّك الفكر وتفتح الطريق إلى آفاق جديدة تمتدُّ امتداد الكنيسة.(54)