بولس الرسول في التراث السريانيّ

 

اعتادت الكنائس السريانيَّة أن تقرأ رسائل القدِّيس بولس كلَّ يوم، سواء في القدَّاس أو في صلاة الفرض، حالاً قبل الإنجيل. وهي ما ميَّزت بين ما دوَّنه بولس وما دوَّنته المدرسة البولسيَّة، فكان لها أربع عشرة رسالة، حاسبةً »الرسالة إلى العبرانيِّين« رسالة بولسيَّة. هذا بالإضافة إلى رسالة ثالثة إلى أهل كورنتوس(1)، ورسالة إلى اللاودكيِّين قال عنها بولس في الرسالة إلى كولوسّي (4: 16): »وبعد قراءة هذه الرسالة عندكم، أرسلوها إلى كنيسة لاودكيَّة (مدينة في تركيّا) لتقرأها، واطلبوا رسالتي إلى لاودكيَّة لتقرأوها أنتم أيضًا«(2). متى نُقلت الرسائل البولسيَّة إلى السريانيَّة؟ أقلَّه منذ القرن الثالث، إن لم يكن في القرن الثاني وفي بدايته. فبالنسبة إلى الأناجيل، اعتادت الكنائس السريانيَّة أن تستعمل الإنجيل الرباعيّ أو دياتسّارون، الذي هو تنسيق الأناجيل انطلاقًا من إنجيل متّى. عاد الدياتسّارون(3) إلى القرن الثاني واستعمل نصوصًا سريانيَّة سابقة. هذا يعني أنَّ الرسائل البولسيَّة وُجدت في ذلك الوقت على أبعد تقدير.

أمّا مقالنا فيتوقَّف عند المجموعة البولسيَّة في الوسط السريانيّ، ثمَّ يتجوَّل مع الآباء الذين شرحوا القدّيس بولس. نبدأ مع الآباء السريان ثمَّ ننتقل إلى ما تُرجم عن اليونانيَّة.

 

1. المجموعة البولسيَّة

النسخة السريانيَّة للعهد الجديد، التي تستعملها الكنائس اليوم هي الترجمة »البسيطة«(4). أوَّل من استعمل هذه التسمية هو موسى بركيفا المتوفّي سنة 903(5). هذه النسخة التي ضمَّت العهدين القديم والجديد، بدت مكتملة في القرن الخامس، وذلك قبل أن تنفصل الكنيسة الغربيَّة والكنيسة الشرقيَّة الواحدة عن الأخرى(6). احتفظ الشرقيّون بالنصِّ الأساسيّ وما بدَّلوا فيه. وسنة  1328، نقرأ عند عبديشوع الصوباويّ لائحة بالأسفار المقدَّسة لم تتبدَّل، فما تضمَّنت رسالة بطرس الثانية ورسالتي يوحنّا الثانية والثالثة، ورسالة يهوذا وسفر الرؤيا(7). أمّا السريان الغربيّون، فحين اتَّصلوا بلاهوتيّين يكتبون في اللغة اليونانيَّة، أحسُّوا بالحاجة إلى نصٍّ جديد قريب من اللغة اليونانيَّة، وذلك منذ القرن السادس.

أوَّل طبعة لبسيطة العهد الجديد تمَّت في فيينّا من أعمال النمسا، سنة 1555، وأعيد نشرها مرارًا. سنة 1627، أضيف إليها سفر الرؤيا من الترجمة الحرقليَّة، وسنة 1630 الرسائل الأربع الناقصة (2 بط، 2 يو، 3 يو، يهو). هذا ما نجده في الطبعات اللاحقة حتّى نشرة لندن سنة 1950(8).

لا مجال للكلام عن الترجمة الفيلوكسينيَّة(9) التي تمَّت سنة 500-505 بيد الخورأسقف بوليكرب، وبناء على طلب المطران فيلوكسين، فجاءت حرفيَّة جدٌّا. لم يبقَ منها سوى القليل(10)، ولكنَّها احتفظت بالأسفار الناقصة في البسيطة (2 بط، 2 يو، 3 يو، يهو، رؤ). ثمَّ جاء توما الحرقليّ(11) فأعاد النظر في الترجمة الفيلوكسينيَّة، فقدَّم الترجمة »الحرقليَّة«(12). ولكن يبدو أنَّه كان نصٌّ قبل البسيطة، يدعوه العلماء »السريانيَّة العتيقة«(13) عُرفت في مخطوطين غير كاملين يتضمَّنان فقط الأناجيل ويعودان إلى القرن الخامس. الأولى الكيورتنيَّة التي نُشرت سنة 1858 بيد المستشرق وليم كيورتون(14). الثانية السينائيَّة التي كُشفتْ في دير القدِّيسة كاترينه في جبل سيناء ونُشرت سنة 1894(15). نشير إلى أنَّ جامعة السيِّدة في اللويزة (لبنان)، أعادت نشر هذين المخطوطين سنة 2002(16). ويبدو أنَّ سائر نصوص العهد الجديد نُقلت وهي الرسائل البولسيَّة الأربع عشرة، ورسالة يعقوب ورسالة بطرس الأولى ورسالة يوحنّا الأولى. انطلق النقلة من نصوص »السريانيَّة العتيقة« وقدَّموا لنا البسيطة، القريبة من اليونانيَّة. وفرض هذا الإجراء ربّولا، أسقف الرها من سنة 411 إلى سنة 435، ومنع استعمال الدياتسّارون، وأحرق نسخاته فلم تبقَ منه نسخة واحدة في السريانيَّة(17).

ولكن إذا احتفظت السريانيَّة العتيقة بالأناجيل الأربعة فقط، فأين نجد الرسائل البولسيَّة؟ حتّى الآن لم نجد نصٌّا متواصلاً، ولكنَّ الأكيد هو أنَّه وُجد نصٌّ شرحه أفرام السريانيّ شرحًا كاملاً، ولكنَّه ضاع في السريانيَّة ووُجد في الأرمنيَّة(18) وجاء من نشر سبع مئة إيراد أو تلميح إلى رسائل القدّيس بولس عند الكتّاب السريان الأوَّلين(19). عاد إلى أعمال توما المؤلَّفة من ستَّة عشر فصلاً والتي دوِّنت بمناسبة نقل رفات القدّيس توما إلى الرها. نشرها الأب بولس بيجان في سير الشهداء والقدّيسين(20). ثمَّ إلى مليتون السرديسيّ الذي عاش في القرن الثاني وكتب دفاعًا عن الدين الصحيح عنوانه »خطاب مليتون الفيلسوف أمام القيصر«(21). والكاتب الثالث هو مارا بن سرابيون، كان من مدينة شميشاط. كتب إلى ابنه سرابيون رسالة تعود إلى القرن الأوَّل أو القرن الثاني(22).

وتوقَّف الباحث مطوَّلاً عند أفراهاط الحكيم الفارسيّ الذي توفِّي في منتصف القرن الرابع كتب ثلاثًا وعشرين مقالة أو عظة(23) بين سنة 337 وسنة 345. عاش في بلاد فارس، وبالتالي بعيدًا عن التقليد اليونانيّ، ممَّا يجعل شهادته مميَّزة(24). نذكر على سبيل المثال ما ورد في المقالة الأولى: »ما وضع الناموس من أجل برِّهم، وهم كانوا ناموسًا لنفسهم«(25) (رو 2: 14). وفي المقالة الأولى أيضًا نقرأ رو 2: 25: »لكنْ معروفٌ هو أنَّ ختانتهم صارت غرلة«. ونقرأ في البسيطة: »إن تجاوزتَ الناموس صارت ختانتك غرلة«. ونقرأ في 1 تم 4: 5: »كلُّ المآكل مقدَّسة بكلمة الله وبالصلاة« (المقالة الأولى). جاءت هذه الآية كما يلي في البسيطة: »وما من شيء منبوذٌ إن أُخذ بالشكر. فهو مقدَّس بكلمة الله وبالصلاة«. ومن الرسالة إلى العبرانيّين نقرأ 9: 11 في البسيطة: »أمّا المسيح الذي أتى فكان رئيس كهنة الخيرات التي صَنع، ودخل إلى المسكن العظيم الكامل اللامعمول بالأيدي وما كان من هذه الخلائق«. جاء هذا النصُّ مرَّتين في المقالة الأفراطيَّة الأولى. »ودخل إلى بيت المقدس اللامعمول بالأيدي، وكان كاهنًا وخادمَ القدس«. وتكرَّرت الآية أو بعضها: »المسكن الذي ما صنع (ته) الأيدي، وما كان من هذه الخلائق«.

كان ماروتا أسقف ميافرقين (350-420)، وترك مقالاً في الهرطقات يحتوي على ثلاث عشرة هرطقة، وخطبة في الأحد الجديد. نشرها البطريرك رحماني(26). ونصل إلى أفرام السريانيّ (306-377)، وعنده نقرأ النصوص البولسيَّة في تفسير الدياتسّارون، في شرح الرسائل، في شرح سفري التكوين والخروج، في المدارش والميامر...

وها نحن نورد من شرح الدياتسّارون، رو 1: 2، 3: »من قبل وُعد في الكتب المقدَّسة على ابنه الذي تراءى في (جسم) بشريّ من زرع بيت داود«. قرأنا هنا »تراءى« (ا ت ح ز ي). أمّا في البسيطة فنقرأ »وُلد« (ا ت ي ل د). في اليونانيَّة، نقرأ فقط: صار genomenon ونقرأ أيضًا مرَّتين رو 8: 17: »إن نتألَّم معه نُمجَّد معه أيضًا«. كما نقرأ 1 كو 2: 8: »فلو عرفوه لما كانوا صلبوه«.

وقرأ الباحث الألمانيُّ ما ألَّف آية الله أسقف الرها (324-345) من رسالة إلى المسيحيّين في بلاد فارس، كما قرأ سيرة أوسيب الشميشاطيّ (+380) التي دوَّنها كاتب لم يُذكر اسمه(27)، ونشرها بولس بيجان في سير الشهداء والقدّيسين (الجزء السادس، ص 335-375) ومن تلاميذ أفرام، قورولونا، الذي ترك المقالات العديدة(28).

أمّا كتاب المراقي(29) الذي يُطلعنا على أحوال الكنيسة الرافدينيَّة في نهاية القرن الرابع، فأورد نصوصًا واسعة من رسائل القدِّيس بولس، بحيث نستطيع أن نكوِّن قسمًا من الرسائل وها نحن نقرأ الرسالة إلى رومة:

1: 7 وربُّ السلام يكون معكم، من الله أبينا ومن ربِّنا يسوع المسيح.

1: 20       كلُّ ما يُرى هو ظلٌّ لما لا يُرى وهو عابر (ورد ثلاث مرّات)

2: 14       لأنَّ الناموس لم يوضع للأبرار والمستقيمين والخيِّرين والصالحين. فهم وضعوا شريعة صالحة لنفسهم(30).

6: 16       لمَن تعطون مسمع الأذن فأنتم عبد له، إن للخطيئة وإن للبرّ (ورد مرَّتين)

6: 19       أنا أقول هذه: كما هيَّأتم أعضاءكم (لتكون) سلاح الخطيئة، هكذا تهيَّأوا لسماع أذن البرّ.

7: 24       أنا الأنسان الشقيّ من ينجِّيني من جسد الموت هذا.

7: 25       إلاَّ نعمة الله التي في ربِّنا يسوع المسيح.

8: 9 إن كان فيكم روح الله وإلاَّ أنتم مرذولون(31).

8: 10       إن (كان) المسيح فيكم، جسدًا مائتًا بسبب الخطيئة، فروح حيٌّ من أجل البرّ.

8: 15       ما أخذتم روح المخافة.

8: 17       إن تألَّمنا معه، معه نتمجَّد.

8: 18       أظنُّ أنا أنَّ آلام هذا الزمن والمسعى الذي يسعاه الكاملون، لا تساوي المجد والجمال اللذين يزمعون أن يقبلوا.

8: 20       وما رغبوا رغبة، بل على هذا الرجاء بحيث ينمون مثل الله... استُعبدت الخلائق للباطل، لا بإرادتها، بل من أجل ذاك الذي استعبدها (أخضعها) على الرجاء.

9: 3 يشهد لي الربُّ أنّي أردتُ أن أموت فيمجِّد الأشرارُ ربَّ المجد.

9: 14       الإثم لا يكون لدى البارّ.

11: 32      وما حبسهم الربّ... حبس الله بني إسرائيل لئلاَّ يطيعوا.

11: 33      ويجلو (يكشف) لهم عمق غنى حكمة يسوع المسيح.

12: 1       أطلب منكم يا إخوتي بوداعة المسيح وبتواضعه أن تقيموا

أجسادكم ذبيحة حيَّة ومقدَّسة ومقبولة في خدمة ناطقة.

12: 2       كونوا مميِّزين وناظرين أين هي إرادة الله المقبولة والكاملة...

فما صنعوا كلَّ إرادته العظيمة والمقبولة والكاملة

ويصنعون إرادة ربِّنا الصالحة والمقبولة والكاملة.

ووهب له ربُّنا القوَّة ليكون بحسب إرادته العظيمة والمقبولة        والكاملة

إرادة ربِّنا العظيمة والمقبولة والكاملة(32).

12: 14      تكونون مباركين لا لاعنين (باركوا ولا تلعنوا).

12: 16 كونوا مختارين (= اختاروا) الذين هم وضعاء واتبعوهم.

12: 19 لكن لا تصنع دينونة لنفسك (أي: لا تنتقم)، فأنا أصنع لك              دينونة (= أنا أنتقم)، قال الله.

والربُّ يصنع دينونتك لكن لا تصنع دينونة لنفسك.

إن تثبت في البرِّ ولا تصنع الدينونة لنفسك أنا أصنع دينونتك،            يقول الله.

12: 20 إن جاع عدوُّك فأطعمه، وإن عطش فاسقه.

12: 21 أنتم غلبتم الشرّير بكلِّ الصالحات تجاه كلِّ إنسان.

اغلبوا الشرَّ بالخير

وظَفر وغُلب الشرُ كلُّه بالصالحات.

13: 1 لا سلطان إن لم يكن من الله.

13: 7 لمن له الوقار (الإكرام) الوقار، ولمن له الحبّ الحبّ، ولمن له المخافة المخافة.

لمن له الوقار الوقار، ولمن له المخافة المخافة، ولمن له السلام السلام.

وكونوا عارفين ما يتوجَّب لكلِّ إنسان: لمن له السلام ولمن له الحبّ والوداد ولمن له المخافة والوقار.

13: 8 ولا تكونوا مديونين لأحد إلاَّ أن يحبَّ الواحدُ الآخر (مرَّتين).

14: 2 هناك من يعتقد أنَّه (يقدر) أن يأكل كلَّ شيء، والذي هو مريض يأكل البقول.

14: 4 ومن هم الذين يدينون عبيدًا ليسوا خاصَّتهم. فإن سقطوا لربِّهم سقطوا وإن قاموا لربِّهم قاموا. وفي الحقيقة قيامًا يقيمهم.

14: 18      نُرضي الربَّ بقلبنا.

14: 21      يحسن بنا أن لا نأكل لحمًا ولا نشرب خمرًا.

هكذا يليق بنا أن لا نأكل لحمًا وأن لا نشرب خمرًا.

15: 1 ينبغي علينا أن نحتمل نحن الأقوياء أمراض المرضى.

ينبغي علينا نحن الأقوياء أن نحتمل مرض الضعفاء.

خذ مرضَ المرضى.

ينبغي عليكم أن تأخذوا مرض المرضى.

تأخذون مرض المرضى.

خذوا مرض المرضى.

16: 16      هبوا السلام (= سلِّموا) لكلِّ إنسان بالقبلة المقدَّسة والنقيَّة.

أردنا أن نورد الآيات البولسيَّة المأخوذة من الرسالة إلى رومة والواردة في كتاب المراقي. ويمكن أن نقول الشيء عينه بالنسبة إلى سائر الرسائل، مثلاً 1 كو 1: 22، 23: »اليهود يسألون الآيات والأراميّون يطلبون الحكمة، أمّا نحن فنكرز بيسوع المسيح وهو مصلوب«(33). أو 1 كو 5: 11: »إن كان أخٌ زانٍ أو مرذول أو طمّاع أو سكِّير، مع هكذا لا تأكلوا خبزًا«. أو 1 كو 9: 21، 22: »(آ22) مع المرضى صرت مريضًا لأربح المرضى (آ21) ومع الذين لاناموس لهم صرتُ مثل رجل لاناموس له. مع أنَّ قلبي هو في ناموس المسيح. لكي أربح الذين لا ناموس لهم«. وفي 1 كو 11: 27-30: »(آ27) من أكل جسد الربِّ وشرب دمه وهو غير مستحقّ، أخذ له (لنفسه) الدينونة والنار المتَّقدة في يوم الدينونة« (آ29) ثمَّ من يأكل جسد ربِّنا ويشرب دمه (آ329) يأكل ويشرب دينونة. وبما أنَّكم لم تدينوا (تجعلوا) أجسادكم (تميِّز) من المآكل ولم تتوسَّلوا إلى ربِّنا لكي ينجِّيكم (آ30) من أجل هذا كثيرون هم فيكم السقماء والمرضى ورقد كثيرون«(34).

وأخيرًا قرأ الباحث الألمانيُّ ما تركه بالاي الخورأسقف المقيم بقرب حلب، والعائش في النصف الأوَّل من القرن الخامس(35)، كما قرأ الخبر المنحول حول انتقال مريم(36) ومغارة الكنوز التي نُسبت إلى أفرام(37). وأعمال الشهداء(38) والكرونيكة الرهاويَّة(39).

 

2. شرح الرسائل البولسيَّة

نصوص عديدة من السريانيَّة العتيقة أشرنا إليها وما أوردناها كلَّها، ولا ذكرنا المحيط الذي وُلدت فيه، كما لم نذكر علاقتها بنصوص الترجمة البسيطة أو الحرقليَّة(40). فهناك أكثر من ترجمة سريانيَّة للعهد الجديد. كما كان هناك نقلٌ للعهد الجديد إلى أراميَّة فلسطين المسيحيَّة، التي تعود إلى القرن 5-6 والتي نجد نصوصها في كتاب القراءات، الذي تعود مخطوطاته إلى القرنين 11-12.

 

أ - الشروح السريانيَّة

أمّا الشروح(41) فهي على نوعين: تلك التي دُوِّنت في السريانيَّة، وتلك التي نُقلت عن اليونانيَّة.

نذكر أفرام أوَّلاً الذي ترك لنا شرحًا للدياتسّارون وصل إلينا في السريانيَّة وفي الأرمنيَّة. أمّا شرح أعمال الرسل(42) وشرح الرسائل البولسيَّة، فوصلا في اللغة الأرمنيَّة(43). فسَّر أفرام الرسائل البولسيَّة كلَّها ما عدا الرسالة إلى فيلمون. كما شرح الرسالة إلى العبرانيّين، وما نسيَ الرسالة الثالثة إلى كورنتوس التي سبق وأشرنا إليها. أمّا الأسلوب، فبعد مقدِّمة قصيرة، يرد التفسير آية آية مع التشديد على المعنى الحرفيّ وإزالة الصعوبات. ربَّما نكون هنا أمام »درس« يُعطى للطلاب في مدرسة نصيبين أو في مدرسة الرها. فنحن نعرف أنَّ رئيس المدرسة، في ذلك الوقت، هو من يقدِّم شرح الكتب المقدَّسة.

اقتدوا بي كما أنا (أقتدي) بالمسيح. بما أنَّكم أنتم ما رأيتم المسيح لكي يكون هو مثالاً لكم، فاقتدوا بي، وهكذا نحن أيضًا نركض للاقتداء بالمسيح.

وعظَّمهم حتّى الكبرياء قائلاً: أنا أمتدحكم، أيُّها الإخوة، لأنَّكم تذكروني في كلِّ شيء. كما استلمتُ الوصيَّة هكذا تتمسَّكون بها.

قال: رأس الرجل هو المسيح. أمّا رأس المرأة فهو رجلها. ورأس المسيح هو الله. بهذين المثلين أراد أن يبيِّن، كما الجسد الذي يُدعى المسيح هو من ذات الطبيعة مع الإنسان، فهو رأس الرجل. وكما الرجل هو مشارك في الطبيعة مع المرأة فهو رأس المرأة. وهكذا أيضًا رأس الابن ليس من طبيعة غريبة عن ذلك، لأنَّ الله هو من طبيعته وهو رأسه.

لهذا كلُّ رجل إذ يصلّي أو يتنبَّأ ورأسه مكشوف، يهين رأسه.

وكلُّ امرأة إذ تصلّي أو تتنبّأ ورأسها مكشوف، تهين رأسها. في الحقيقة أراد أن يقول هذا الكلام عن النساء اللواتي كنَّ في رومة وفي كورنتوس. وعن سائر المؤمنين الذين يدخلون إلى الكنيسة لكي يصلُّوا أو لكي يتنبَّأوا، فيتنبَّأون برأس مكشوف. هم ما كانوا يصنعون نجاسة وهم يتبعون عادة قديمة. ولكنَّ الرسول أراد بهذا الذي قاله عن رأس الرجل والمرأة أن يشير إلى حجاب يغطّي رؤوس النساء اللواتي كنَّ يتمشَّين منذ أيام القدم بدون حجاب يغطّي.

قال: ما خُلق الرجل من أجل المرأة، لكن كما أنَّ كلَّ شيء تكوَّن من أجل آدم، كذلك حوّاء خُلقت من أجل آدم.

لهذا يجب على المرأة أن تجعل الكرامة على رأسها من أجل الملائكة، أي الكهنة(44).

*  *  *

وبعد أفرام، تنتظر الكنيسة الغربيَّة القرن التاسع ليكون لها تفسير الرسائل البولسيَّة. وذلك مع موسى بركيفا (813-903). وُلد في بلدة كحيل (أو: مشهد كحيل) التي كانت مدينة مهمَّة واقعة على نهر دجلة قرب تكريت. التحق في صباه بدير مار سرجيس (على جبل بطمان الحاليّ). سنة 863 أقيم أسقفًا على بارمان (الفتحة الحاليَّة) وبيت كيونا (البوازيج) في منطقة تكريت. ثمَّ ضُمَّت إليه أبرشيَّة الموصل(45).

شرح موسى بركيفا العهدين القديم والجديد، كما قال ابن العبريّ في مخزن الأسرار. وما يهمُّنا تفسير رسائل القدّيس بولس، وإن لم يصل إلينا كاملاً(46). حُفظ في شرح ابن العبريّ في مخزن الأسرار.

أمّا ديونيسيوس ابن الصليبيّ فوُلد في مستهلِّ القرن الثاني عشر، في مدينة ملطية وتوفّي سنة 1171. سنة 1154 كان أسقفًا على أبرشيَّة مرعش. وسنة 1155 ضُمَّت أبرشيَّة منبج إلى أبرشيَّة مرعش. ومع ذلك، لبث منكبٌّا على الدرس والمطالعة والتأليف، بحيث أصبح من كبار المؤلِّفين أمثال يعقوب الرهاويّ وغيره، وأخصب أدباء زمانه.

شرح معظم أسفار العهد القديم وكلَّ أسفار العهد الجديد حتّى سفر الرؤيا. نُشر تفسير الأناجيل ونُقل إلى العربيَّة(47). أمّا رسائل القدّيس بولس فما زالت مخطوطة. وها نحن ننقل بداية الرسالة الأولى إلى كورنتوس.

وأيضًا نكتب السبب الذي (لأجله) دوِّنت الرسالة الأولى إلى كورنتوس. كورنتوس هي مدينة واقعة في رأس لسان البحر الذي يدخل في جزيرة (بيلوبونيز Peloponnèse). من أجل هذا، كانت تجارات كثيرة في كورنتوس.

كورنتوس هي رأس إلادا Hellade وتقع في برزخ (استموس isthme) وهو سعام لسان البحر والموضع الذي فيه يُدعى هذا اللسان فالوفونيسوس الذي هو جزيرة فالفوس Pelops وهو إنسان جبّار وفيه خرج الشرّير الذي رذله اليهود وفيه جُمعت كتب السحرة وعددها خمس ربوات وأحرقت. وفيها ضُرب بولس من قبل غاليون. وهي كثيرة بالشعب المعروف بالغنى والحكمة ولبث فيها الرسول سنتين وتراءى له ربُّنا فيها. وإذ رأى الشيطان أنَّ المؤمنين ارتدُّوا رمى فيهم الخلافات والانقسامات وشرعوا يجادلون هذا الرئيس، والآخرون الآخَر، هذا بسبب غناه، والآخر بسبب حكمته. وظهر فيه واحد ينام مع امرأة أبيه، وبدلاً من أن يوبِّخه الشعب افتخر به. ومنهم بسبب شراهتهم أكلوا ذبائح الأوثان ومنهم من قرَّب إلى القضاة قضاتهم وآخرون يربُّون شعرهم كالنساء ولا يشاركون المساكين يفتخرون بالألسن والمواهب ويصدّون القيامة. وإذ كتب لهم هذه (الكتابة) على هذه (الأمور) كتب لهم الصواب وأرسل لهم تيموتاوس مع الكتابة(48).

ونذكر أخيرًا في القرن الثالث عشر في الكنيسة السريانيَّة العربيَّة، غريغوريوس ابن العبريّ (1226-1286) الذي جمع في مخزن الأسرار شرح أسفار العهدين، وبينها رسائل القدِّيس بولس. استند إلى العديدين الذين سبقوه ولاسيَّما فيلوكسين المنبجيّ وسويريوس الأنطاكيّ ويعقوب الرهاويّ وموسى بركيفا. كما استند إلى إيشوعداد المروزيّ، من الكنيسة السريانيَّة الشرقيَّة(49).

وهكذا ننتقل إلى الكنيسة الشرقيَّة التي عرفت الجدالات العديدة على مستوى التفسير الكتابيّ. سيطرت شخصيَّة تيودور المصِّيصيّ مدَّة طويلة، ولمّا كان تحوُّل إلى يوحنّا الذهبيّ الفم، جاءت الحرومات ولاسيَّما في سينودس الأساقفة سنة 612(50) الذي دمَّر ما تركه حنانا من شروح.

فحنانا هذا الذي وُلد في النصف الأوَّل من القرن السادس وتوفِّي سنة 610، كان من مقاطعة حدياب. درس في نصيبين على يد إبراهيم بيت ربّان (509-569). ثمَّ علَّم في مدرسة نصيبين، غير أنَّ تعليمه لم يلائم التعاليم الشرقيَّة التقليديَّة. فطُرد في أيّام بولس مطران نصيبين. ولكنَّه عاد سنة 572 وتولَّى إدارة المدرسة حتَّى وفاته. فتوافد الطلاّب بالمئات بسبب تعليم حنانا المتجدِّد.

كتب عنه عبديشوع في الفهرس: »وضع حنانا الحديابيّ الكتب المقبولة: شروح المزامير، والتكوين وأيّوب، والأمثال وقوهلت (أو سفر الجامعة) ونشيد الأناشيد، وشرحًا للأنبياء الاثني عشر، وتفسير إنجيل القدِّيس مرقس، ورسائل بولس الرسول، وقانون الإيمان والأسرار...«(51)

أُتلفت آثار حنانا ولكن بقيَ عددٌ منها عند إيشوعداد المروزيّ، أسقف الحديثة كما في جنَّة النعيم(52).

أمّا تيودور بركونيّ فعاش في القرن الثامن، وعلَّم في مدرسة كشكر التي تأسَّست في القرن السادس. أمّا كتابه سكوليون أو كتاب الدريسات(53) فأفرد تسعة فصول أو مقالات (ميامر) حاول فيها الكاتب أن يوضح المسائل الصعبة في الكتب المقدَّسة، فكرَّس أربعة ميامر للعهد الجديد. وكانت الرسائل البولسيَّة الأربع عشرة حصَّة المقال التاسع: رومه، 1 و2 كورنتوس، غلاطية، أفسس، فيلبِّي، كولوسِّي، 1 و2 تسالونيكي، 1 و2 تيموتاوس، تيطس، فيلمون، العبرانيِّين. جاء شرح تيودور بشكل مساعد لفهم شروح المفسِّر، تيودور المصِّيصيّ، فهو تلميذه الأمين، وقد أورد عددًا من نصوصه. ولكنَّه أورد نصوصًا أخرى من أوريجان والآباء الكبادوكيِّين ولاسيَّما القدِّيس باسيل. ويبدو أنَّه وُجد مقتطفات لتيودور المصِّيصيّ مع غيره من الآباء رجع إليها تيودور بركوني(54).

 

إيضاح الرسالة إلى فيلبّي

أحبَّ الفيلبِّيُّون بولس كثيرًا. ولهذا نال المديح منهم في أمور كثيرة. فكتب لهم الرسول هذه الرسالة فعلَّمهم أمورًا عديدة. وبالأخصّ حذَّرهم بأن يحفظوا نفوسهم من جماعة الختان (أي: ينادون بالختان) فهؤلاء، على ما يبدو، قصدوا أن يُضلُّوهم لكي يُختَتنوا.

إذ كان في شبه (د م و ت ا) الله ما حسب اختطافًا (ح ط و ف ي ا) أن يكون مماثلاً (ف ح م ا) لله (فل 2: 6). أراد أن يقول بهذا: هو ما اختُطف اختطافًا كونه الله. فالاختطاف يقال حين يَخطف إنسانٌ درجةً ووقارًا (أو: إكرام) ليسا له.

وقال هذا: »أن أكتب لك الأشياء عينها« (فل 3: 1)، هي ليست في هذه الرسالة نكتبها أيضًا.

وهذه: ما كان لإنسان شركة معي في حساب الأخذ والعطاء (فل 4: 15). بدل: »هم يعطونه وهو يأخذ«.

 

إيضاح الرسالة إلى الكولوسِّيِّين

كتب الرسول هذه الرسالة (ووجَّهها) إلى الكولوسِّيِّين، هؤلاء الذين اقتبلوا التعليم بواسطة أبفراس (كو 1: 7). ولكنَّهم ما رأوا بولس بالوجه حتَّى الآن. فهؤلاء أيضًا حذَّرهم من هؤلاء الذين من الختان، وثبَّتهم في ما اقتبلوا.

بدل: أتى بنا إلى ملكوت ابنه الحبيب (1: 13) قال اليونانيّ: ابن حبِّه(55). فسَّر المفسِّر (أي تيودور المصّيصيّ) فقال: »دعاه ابن حبِّه، لأنَّه ليس الابن من طبيعة ما، ولكنَّه بالحبِّ تأهَّل بالبنوَّة بواسطة التصاقه بالوحيد، ابن طبع الآب.

»به خُلق كلُّ شيء« (1: 16). (قال هذا) لا عن الخلق الأوَّل، لكن على (الخلق) الجديد الذي كان ثانية بالمسيح.

أراد أن يسكن فيه كلُّ ملء الله (1: 19). دعا ملء الله، الكنيسة. قال: »أراد الله أن يسكن في المسيح كلُّ ملء الخليقة« التي امتلأت منه، لأنَّه أراد أن يلتصق بها.

وهذه: أكمِّل في لحمي (ودمي، في جسمي البشريّ) نقص مضايق المسيح (1: 24). طلب أن يقول بهذا إنَّ ربَّنا الذي سبق له وتألَّم من أجل مساعدة الجميع: »أكمِّل كلَّ ما ينقص من الضيقات من أجلهم«. جليٌّ أنَّه بواسطة الأتعاب والضيقات يُنمِّي بولس الإيمان بالمسيح بين الأمم.

كنوز الحكمة المخفيَّة في المسيح (2: 3). قال عن تلك المزمعة أن توهَب لنا عند ذاك لأنَّها الآن مخفيَّة.

عناصر العالم (2: 8). هنا أيضًا يُسمِّي: ملاحظات الأيّام.

وهذه: فيه يسكن كلُّ ملء اللاهوت جسميٌّا (2: 9). سمَّى ملء لاهوت الخليقة، أي بالمسيح تلتصق الخليقة كلُّها وهي مركَّبة فيه في شبه جسم. جليٌّ أنَّ كلَّ الخلائق تجدَّدت في المسيح، لأنَّها ارتبطت به في أخوَّة كيانيَّة.

دعا الناموسَ صكَّ ذنوبنا (2: 14).

الرئاسات والسلاطين التي عرَّى (عرّاهم) حين خلع لحمه (ودمه، جسمه البشريّ) (2: 5): كلّ الشياطين. دعا خلْعَ لحمه (ودمه) اللاموات (أو: الخلود).

وهذه: لكي تُستعبَدوا (تخضعوا) لعبادة الملائكة (2: 18). وهذا لأنَّ الذين اقتنعوا بحفظ الناموس، أتوا بالملائكة إلى الوسط (أي: جعلوهم يتدخَّلون) بحيث يُوهب (الناموس) كما بيدهم.

كُتبت (الرسالة إلى كولوسّي) من رومة (حيث بولس سجين، 4: 10). وأُرسلت بيد تيخيكس (4: 7)(56).

وعاصر تيودورَ بركوني كاتبٌ آخر صار كاثوليكوس في كنيسة المشرق، اسمه إيشوع برنون. وُلد في قرية كبَّاري التي كانت تقع بين نينوى الموصل عند مصبِّ نهر الخوسر في دجلة. وتلقَّى العلم على إبراهيم بردشفاد في مدرسة باشوش جنبًا إلى جنب مع تيموتاوس الأوَّل. وعُيِّن مفسِّرًا في مدرسة المداين. ثمَّ تركها بعد مدَّة وذهب إلى دير إيزلا الكبير...«(57) تحدَّث عنه عبديشوع أنَّه ترك »مباحث في الكتاب المقدَّس« جاءت في مجلَّدين. هي مسائل مختارة حول العهد القديم والعهد الجديد(58). هذه »المسائل« تتبع النصَّ البيبليّ ولا تضيف أمورًا لاتفسيريَّة كما فعل تيودور بركوني. هذان الكتابان أوردا تيودور المصِّيصيّ. ولكن يبدو أنَّ إيشوع تأثَّر بالذهبيِّ الفم وأوغريس البنطيِّ عبر حنانا.

واقترب من سكوليون تيودور بركوني، تفسيرٌ أغفل اسمه دُعيَ تفسير دياربكر(59)، لأنَّ المخطوط وُجد في هذه المدينة التي كان اسمها آمد. أمَّا نواة هذا التفسير فيعود إلى تيودور المصِّيصيّ، غير أنَّ الكاتب لم يستعمل أسلوب »السؤال والجواب« لهذا جاء كلامه شبيهًا بما نجد في الترجمة السريانيَّة لتيودور المصِّيصيّ الذي هو المرجع الرئيسيّ لهذا التفسير التيودوريّ المبسَّط.

وننهي هذه الجولة في الكنيسة السريانيَّة الشرقيَّة مع إيشوعداد المروزيّ، ابن القرن التاسع. هو ابن »مرو« في بلاد فارس. أصبح أسقفًا على الحديثة (على الضفَّة الشرقيَّة من نهر دجلة، بعد مصبِّ الزاب الكبير فيه) سنة 850، ثمَّ جاثليقًا سنة 853. قام بشروح العهدين القديم والجديد، ونُشرت كلُّها مع ترجمتها. بالنسبة إلى العهد القديم، في مجموعة الكتّاب الشرقيِّين(60). وبالنسبة إلى العهد الجديد، نُشرت النصوص مع الترجمة إلى الإنكليزيَّة في الربع الأوَّل من القرن العشرين(61). أمّا ما يتعلَّق برسائل القدِّيس بولس فنقرأه في الجزء الخامس(62).

استعمل إيشوعداد تفسير دياربكر ومؤلَّفات إيشوع برنون، كما انفتح على مراجع أخرى وُجدت في مكتبةٍ جمعَ مخطوطاتها الكاثوليكوس تيموتاوس الأوَّل. ثمَّ »أغنى الأساس التقليديّ للتأويل البيبليّ، فما اكتفى مثل سابقيه بإشارة سريعة إلى نصٍّ مشروح، بل قدَّم الإيراد كلَّه. نذكر مثلاً أوسيب الحمصيّ الذي وُجدت ترجمة آثاره في المكتبة المذكورة. واستفاد إيشوعداد من شروح الذهبيِّ الفم في ما يخصُّ الرسائل البولسيَّة والأناجيل. وما نلاحظ بشكل خاصٍّ هو أنَّ إيشوعداد استقى من سويريوس الأنطاكيِّ وكيرلُّس الإسكندرانيِّ، اللذين يعتبرهما التقليد الشرقيُّ من القائلين بالطبيعة الواحدة(63).

كتب الرسول الطوباويُّ هذه الرسالة إلى الكولوسِّيِّين مع أنَّه ما رآهم بعد. هناك من يقول إنَّ كولوسّي هي أيضًا في منطقة آسية. وبما أنَّ أناسًا من اليهود الذين آمنوا بالمسيح كانوا يطوفون في كلِّ مكان ويقنعون الذين آمنوا من الشعوب أنَّ عليهم أن يحفظوا الناموس أيضًا مع الإيمان بالمسيح. إذًا، أتى هؤلاء (اليهود) إلى الكولوسِّيِّين لأجل هذا الهدف. لهذا، سمع الرسول (بذلك)، فكتب إليهم هذه الرسالة، وثبَّتهم في الإيمان الذي تقبَّلوه من أبفراس، وحذَّرهم بحيث لا يسيرون وراء هؤلاء الذين من الختان...

تلك كانت مقدِّمة الرسالة إلى كولوسّي مع إشارة إلى السبب الذي لأجله كتبت: التنبُّه من أهل الختان. ويبدأ التفسير:

1: 12 هذه (الآية): الذي أهلَّنا إلى قسمة ميراث القدّيسين في النور. أي: أهَّلكم بواسطة معرفته إلى جوق القدِّيسين مع أنَّكم غرباء عن مخافة الله (أو: الديانة). في النور. أي بواسطة معرفته.

1: 13       هذه (الآية): أتى بنا إلى ملكوت ابنه الحبيب. اليونانيُّ قال: ابن حبِّه.

1:15 هو الذي هو شبه الله اللامنظور. قال اليونانيّ: صورة. ففيه كما في صورة منظورة نرى ونصوِّر في وجداننا هذه الطبيعة اللامنظورة. وبكر كلِّ الخلائق. في أماكن كثيرة، باسم البكر يبيِّن الكتاب الوقار لا قِدَم الولادة مثل هذه (الآية): »أجعله أيضًا بكرًا« (مز 89: 28) ثمَّ: »ابني، بكري إسرائيل« (خر 4: 22). أي أهل الوقار. ومن المعروف أنَّه كان قبلهم من دُعي: »أبناء الله«.» رأى أبناءُ الله« (تك 6: 3).

فالمسيح الذي هو في (جسم) بشريٍّ دُعيَ أيضًا من قبلُ بكر كلِّ الخلائق. وفي هذا صار من قبل في الحياة اللامائتة (أو: الخالدة) ومبدأ التجديد من جديد. وفي تلك التي لأهل رومة قال بجلاء: »ليكون بكر إخوة كثيرين« (8: 29) الذين هم أبناء شبهه (أي: يشبهونه). وأيضًا في (الرسالة) إلى العبرانيّين: »وكنيسة الأبكار المكتوبين« (12: 23)، فبيَّن عظمة الوقار الذي أُهِّلوا له، وليس لأنَّه قبْلَ إخوة آخرين، ولأنَّه أضاف كلَّ الخلائق أشار إلى ذاته على أنَّه أكثر وقارًا (أو: مجدًا) من الخليقة كلِّها.

1: 16 وبه خُلق كلُّ شيء، ما هو في السماء. ما قال »بيده« (أو: بواسطته)، بل به، لأنَّه ما تكلَّم عن الخلق الأوَّل لكن عن هذا التجديد الذي صار في المسيح، وهو الذي أتى بالخلائق التي انفصلت الواحدة عن الأخرى، إلى التوافق.

 

ب- التفاسير المنقولة عن اليونانيَّة

نحن نعرف العمل الجبَّار الذي قام به السريان حين ترجموا مؤلَّفات الآباء اليونان، خلال ثلاثة قرون من الزمن، أي الخامس والسادس والسابع(64). ففي القرن الخامس كتب يعقوب السروجيُّ رسالة إلى رهبان مار باسوس تُبيِّن كيف أنَّ مؤلَّفات ديودور الطرسوسيِّ كانت منقولة إلى السريانيَّة بحيث يقرأها الطلاَّب(65). أمَّا تيودور أسقف المصيصة فاعتُبر المفسِّر بلا منازع في مدرسة نصيبين. وتجاه ديودور وتيودور في المدرسة الأنطاكيَّة، تُرجمت آثار كيرلُّس أسقف الإسكندريَّة وكانت في متناول الطلاَّب(66).

نشير هنا إلى أنَّ عمل الترجمة من اليونانيَّة إلى السريانيَّة، سار في ثلاث مراحل. في الأولى كانت ترجمة حرفيَّة. في مرحلة ثانية، جاءت الترجمة حرَّة. وفي المرحلة الثالثة انتقلت النصوص إلى المؤلَّفات السريانيَّة مع ذكر صاحبها أو لا(67).

إذا أردنا أن نعرف المفسِّرين اليونان الذين انتقلوا إلى العالم السريانيِّ، ننطلق من التفاسير السريانيَّة، مثل إيشوعداد المروزيِّ وغيره، كما من »المختارات« التي ما زال عددٌ منها في بطون المخطوطات. ففي سنة 2000، تحدَّث فان رومباي عن توسُّع التفسير البيبليِّ في الكنائس السريانيَّة في القرون الوسطى(68). وبيَّن النصوص التي أخذت من الآباء اليونان. أمّا روماني(69) فقرأ مجموعة لندن التي تعود إلى الربع الثاني من القرن السابع، ووجد تفسيرًا على قسم كبير من أسفار العهد القديم والعهد الجديد. أمَّا الآباء المذكورون فهم أثناز، كيرلُّس، سويريوس الأنطاكيِّ، باسيل، غريغوار النازينزيُّ، غريغوار النيصيُّ، يوحنّا الذهبيُّ الفم.

أمَّا إذا عدنا إلى إيشوعداد المروزيِّ فنكتشف عددًا آخر من الآباء اليونان: أوريجان، لوقيان الأنطاكيّ، أبولينار أسقف اللاذقيَّة، إبيفان أسقف سلامينه، ديونيسيوس الأريوبّاجيّ...(70).

ونودُّ أن نعطي مثل تيودور المصيصيّ(71). أسلوبه متداخل مثل خيوط الألياف، لهذا لم يصل إلينا منه سوى مقاطع من الترجمات السريانيَّة تعود إلى القرن الخامس. منذ البداية اعتُبرت قراءته صعبة، فوجب تبسيط أسلوبه المعقَّد. لهذا كانت مجموعات (لم تطبع حتَّى الآن) من »أسئلة وأجوبة« منسوبة إلى تيودور(72). إنَّ تبسيط وشرح تيودور والدفاع عنه، وتكييف شروحه للنصِّ البيبليِّ السريانيّ، كلُّ هذا شكَّل عملاً تأويليٌّا قام به السريان الشرقيُّون. وتفسير دياربكر وتيودور بركوني وإيشوع برنون استعملوا هذه الموادَّ التأويليَّة أي تفاسير تيودور ومجموعة تقليديَّة تتضمَّن فيما تتضمَّن حلَّ المسائل الموجودة عند تيودور والشروح التي تأتي بحسب روحه وإن لم نستطع أن ننسبها إليه. ومع ذلك تابعوا عمل التبسيط والشرح والكتابة، كلٌّ بطريقته.

تحدَّثنا مطوَّلاً عن الطريقة التي بها تعامل السريان الشرقيُّون مع تيودور، وآخرهم إيشوعداد الذي لا يبدو أنَّه استقى منه مباشرة، بل عبر سابقيه في العالم السريانيِّ مثل تفسير دياربكر أو إيشوع برنون(73).

نتذكَّر هنا أنَّ تيودور ترك التفاسير العديدة. وما بقي لنا في العهد القديم، حول سفر التكوين، شرح المزامير وتفسير الأنبياء الاثني عشر، حيث وصلتنا في السريانيَّة مقاطع إن لم يكن شروح. وفي العهد الجديد، تفسير إنجيل يوحنّا الذي ضاع في اليونانيَّة ووُجد كاملاً في السريانيَّة. وما يهمُّنا أخيرًا، تفسير عشر رسائل للقدِّيس بولس. إلى غلاطية وأفسس وفيلبِّي وكولوسِّي وتسالونيكي (الأولى والثانية) وتيموتاوس (الأولى والثانية) وتيطس وفيلمون. ضاع هذا التفسير في اليونانيَّة أو أُتلف، ولكنَّه وُجد كاملاً في اللاتينيَّة عن ترجمة تعود إلى القرن الخامس وقد وُضعت على اسم أمبرواز أسقف ميلانو بحيث لا تُتلَف(74).

وصل إلينا في السريانيَّة مقاطع من تفسير هذه الرسائل ونحن نجدها بشكل خاصٍّ في جنَّة النعيم وعند إيشوعداد المروزيّ(75). وتحدَّث عبديشوع الصوباويّ (+1318) في فهرسه عن تفاسير حول رسائل مار بولس الأربع عشر. فوُجدت مقاطع كبيرة لشرح الرسائل الكبرى(76). هذه وُجدت في خمسة مخطوطات في الفاتيكان (762) أو موناكو (412) وغيرهما. وهذا ما يدلُّ على انتشار هذه التفاسير وتأثيرها في العالم السريانيِّ، بالإضافة إلى أسئلة تيودور المفسِّر الذي لا نجده إلاَّ في السريانيَّة.

وتجاه تيودور في الكنيسة السريانيَّة الشرقيَّة، أطلَّ الذهبيُّ الفم في الكنيسة السريانيَّة الغربيَّة فوصل تأثيره إلى الشرق، فكانت تلك الأزمة التي تحدَّثنا عنها. فمؤلَّفات يوحنّا انتقلت إلى السريانيَّة في ترجمة أو في أكثر من ترجمة. نذكر على سبيل المثال العظات حول إنجيل متّى وعددها تسعون عظة.

وفي ما يتعلَّق ببولس الرسول، وصل إلينا خمس عظات حول الرسالة إلى رومة. كانت عظات الذهبيِّ الفم هنا 32 عظة اعتُبرت من أجمل ما كتبه الآباء، فقال بعضهم: »إنَّ كنوز حكمة يوحنّا العالِم وافرة بشكل خاصٍّ في تفسيره للرسالة إلى رومة. وأظنُّ (ولا يمكن أن يُقال أني أكتب على سبيل الممالقة) أنَّ بولس الإلهيَّ لو أراد أن يقدِّم مؤلَّفاته في اللغة الأثينيَّة، ما كان تكلَّم إلاَّ مثل هذا المعلِّم المشهور، وهذا لأنَّ تفسيره يلفت النظر بمضمونه وجمال مبناه وعباراته الأدبيَّة« (العظة الخامسة، العدد 32).

ونُقلت العظات حول كورنتوس الأولى، وعددها أربع وأربعون. ناقشت هذه الرسالة المفهوم البولسيَّ للسرِّ المسيحيّ (العظة الثانية) وردَّت على الأنوميِّين الذين يقولون إنَّ الابن لا يشبه الآب. أمَّا العظة 40 حول 1 كو 15: 29 فتجعلنا في إطار سهرة الفصح:

أوَّلاً أريد أن أذكِّركم، أنتم الذين تنشَّأتم، ما أمركم منشِّئوكم في هذه الليلة الاحتفاليَّة أن تكرِّروه. ثمَّ أشرح لكم المقطع موضوع اهتمامنا، لأنَّه يسهل أن تفهموه. لا يأتي هذا المقطع على شفاهنا إلاَّ فيما بعد. أودُّ أن أتكلَّم بوضوح ولكنّي لا أجرؤ بسبب اللامتنشِّئين... بعد أن أُعلنَتْ لنا الأسرار والعبارات المقدَّسة والرهيبة التي تحتوي العقائد النازلة من السماء، ننهي هكذا حين ننال العماد: أؤمن بقيامة الموتى. في هذا الإيمان تُعطى لنا المعموديَّة: بعد أن نعترف بها نُغطَس في الاستحمام المقدَّس. وإليك ما ذكَّرنا به بولس حين قال: »إن لم يكن من قيامة فلماذا اعتماد للموتى؟« يعني للأجساد. أنتم تتقبَّلون المعموديَّة لأنَّكم تؤمنون بقيامة جسد ميت، وتؤمنون أنَّه لا يبقى في هذه الحالة... النزول في الماء والصعود يرمزان إلى النزول إلى الجحيم والصعود من هذا المثوى (حيث يكون الموتى). لهذا يدعو الرسول المعموديَّة قبرًا: »دُفنّا معه بالمعموديَّة في الموت«.

ونقدِّم أيضًا بداية العظة السابعة من الرسالة الأولى إلى أهل كورنتوس التي تبدأ كما يلي: »ولكن هناك حكمة نتكلَّم عليها مع الكاملين وهي غير حكمة هذا الدهر ولا رؤساء هذا الدهر، وسلطانهم إلى زوال... (2: 6-7).

الظلمة تليق بشكل أفضل من النور للذين عيونهم مريضة. ولهذا يمضون فيلجأون بالأحرى إلى زاوية مظلمة. والشيء عينه يحصل بالنسبة إلى الحكمة الروحيَّة. فحكمة الله هي جهالة للغرباء، الذين لا يعرفون سوى حكمتهم الخاصَّة التي هي في الواقع جهالة. وضعُهم مثلُ وضع الذي امتهن الإبحار فيمضي في وسع البحار بدون شراع بل بدون سفينة. ويحاول أيضًا أن يبرهن بواسطة العقل أنَّ هذا ممكن. وآخر جاهلٌ كلَّ الجهل يجعل ثقته بالسفينة، بالملاّح، بالقبطان، وينطلق هكذا باطمئنان. فما ندعوه جهلاً عند هذا الأخير يتفوَّق بلا شكٍّ على علم الأوَّل. ففنُّ قيادة السفينة أمرٌ حلو. ولكن حين يعد بأكثر ممَّا يقدر أن يفي، فيصبح من جنس الجنون. فكلُّ فنٍّ ينحصر في حدوده ولكانت الحكمة الغريبة استحقَّت اسم هذه الحكمة لو أنَّها لجأت إلى الروح. ولكن حين استندت إطلاقًا إلى ذاتها، وأقنعت نفسها بأنَّها لا تحتاج إلى أيِّ عون، صارت جهالة بعد أن بدت أنَّها حكمة(77).

ونُقلت الرسالة الثانية إلى كورنتوس بعظاتها الثلاثين، فقدَّمت مع الأولى أفضل نموذج عن فكر يوحنّا وتعليمه. لا كلام عن الرسالة إلى غلاطية التي جاءت بشكل تفسير لا بشكل عظات، فيبدو أنَّ السريان لم ينقلوها. ولكن تمَّ نقل العظات الأربع والعشرين من الرسالة إلى أفسس. نشير إلى أنَّ هذه العظات قيلت في أنطاكية فحملت لاهوت أنطاكية حول النظرة إلى المسيح. أشارت العظة 11 إلى انشقاق في جماعة السامعين. وقدَّمت العظة 20 تعليمًا ساميًا حول الزواج المسيحيّ.

ونقرأ المقطع الثاني من العظة الثانية وبداية النصّ: »أيَّتها النساء اخضعن لأزواجكنَّ...«

»فكما الكنيسة خاضعة للمسيح« الذي هو الرمز الإلهيُّ للأسرة، »على النساء أن يخضعن لأزواجهنَّ كما للربّ«. واسمعوا التكملة: »أيُّها الرجال، أحبُّوا نساءكم كما أحبَّ المسيح الكنيسة«. رأيتم عظمة كلام الرسول، وامتدحتم بولس وأُعجبتم به وهو ينظِّم حياتكم بحكمة كبيرة. هو إنسان روحيٌّ حقٌّا وبالتالي أهل لكلِّ إعجاب. لا بأس. ولكن اسمعوا الآن ماذا يطلب منكم. وإذ أراد أن يرسم واجباتكم واصلَ التشبيهَ عينه: »أيُّها الرجال، أحبُّوا نساءكم كما المسيح أحبَّ الكنيسة«. ترون مقدار الخضوع، فانظروا مقدار المحبَّة. تريدون من المرأة أن تطيعكم كما الكنيسة تطيع المسيح، فاهتمُّوا كلَّ الاهتمام بها كما المسيح اهتمَّ بالكنيسة. إن وجب أن تضحُّوا بحياتكم من أجلها، أن تمزَّقوا تمزيقًا، أن تحتملوا كلَّ أنواع العذابات، فلا تتأخَّروا. وحين تفعلون كلَّ هذا، لا تكونون عملتم شيئًا شبيهًا بما عمله المسيح. أنتم تعملونه لشخص سبق واتَّحد بكم، أمّا المسيح ففعله لنفس تُبعده عنها وتَكرهه. ولكنَّه اهتمَّ واهتمَّ فتغلَّب على كرهها وبغضهما واحتقارها ونزواتها. وإذ جعلها عند قدميه، لم يستعمل التهديد ولا الكلام القاسي ولا التخويف ولا ما يشبه هذا. فتصرَّفوا بمثل هذه الطريقة تجاه نسائكم(78).

الرسالة إلى فيلبِّي بعظاتها الخمس عشرة تدافع عن سرِّ التجسُّد ردٌّا على الهراطقة، من مرقيون إلى بولس الشميشاطيِّ، إلى أريوس والأريوسيّين (العظة السابعة، 2: 5-11). شدَّد الواعظ على اللاهوت الكامل في المسيح وعلى الناسوت الكامل، الذي يتضمَّن النفس والجسد (ردٌّا على أبّولينار الذي اعتبر أنَّ اللاهوت حلَّ محلَّ النفس في يسوع). قال: »لا نمزج ولا نقسم. إله واحد. مسيح واحد ابن الله. حين أقول واحدًا، أتحدَّث عن الوحدة لا عن الذوبان. فالطبيعة الإلهيَّة لم تسقط بحيث صارت الطبيعةَ البشريَّة. فالطبيعتان متَّحدتان«.

ونُقلت العظات (12 عظة) حول الرسالة إلى كولوسِّي. تحدَّثت الأولى عن الصداقة. وتوقَّفت الثانية (1: 15-18) عند شخص يسوع المسيح. وشرحت الرابعة لماذا لم يأتِ المسيح إلى العالم من قبل. والخامسة بيَّنت كيف أنَّ العقل البشريَّ لا يقدر أن يفهم الأسرار وكلَّ ما يتجاوز الطبيعة. في السادسة مزَّق يسوع ودمَّر بموته الصكَّ الموضوع على البشريَّة. وعرضت السابعة التدبير والولادة الجديدة اللذين تمَّا في المعموديَّة...

وعرف السريان العظات حول الأولى إلى تسالونيكي (11 عظة)، والعظات حول الرسالة إلى تيطس (6 عظات). هل نقل السريان مثلاً العظات إلى العبرانيّين؟ إلى الآن لم تكشف المخطوطات شيئًا من العظات الأربع والثلاثين التي تلاها الذهبيُّ الفم في القسطنطينيَّة ونُشرت بعد موته بيد الأب قسطنطين أحد كهنة أنطاكية انطلاقًا ممّا أخذ عن طريق الاختذال. ولكن ما يلفت النظر هو عدد النصوص التي نُقلت إلى السريانيَّة وضاعت في اليونانيَّة. نذكر بعضها وإن لم تتعلَّق مباشرة بالرسائل البولسيَّة: تجارب يسوع والتجسُّد، أسبوع الآلام، مت 21: 28 والرحمة، عيد العنصرة، دعوة متّى، الخاطئة... كلُّ هذا يدلُّ على مكانة الذهبيِّ الفم في الكنيسة السريانيَّة(79).

لن نتوقَّف عند الآباء الكبادوكيِّين الذين كان أثرهم بالغًا في العالم السريانيِّ بحيث نُقلت آثارهم باكرًا وفي أكثر من ترجمة(80). إلاَّ أنَّ هؤلاء الآباء لم يتركوا لنا تفسيرًا للرسائل البولسيَّة. يبدو أنَّ أوريجان لم يُترجَم إلى السريانيَّة، وما بقي من أثناز لا يتعلَّق بالرسائل البولسيَّة. وكذا نقول عن أوغريس البنطيّ. أمّا كيرلُّس فترك لنا التفاسير الكتابيَّة حول الأسفار الخمسة وإشعيا ومتّى ولوقا ويوحنّا. ونشير إلى أنَّ تفسير لوقا جاء كاملاً ونُشر مع أكثر من ترجمة(81). أمّا الرسائل البولسيَّة التي نشرها بطريرك الإسكندريَّة هذا، فبقي منها مقاطع هنا وهناك. نعرف من السلسلات الكتابيَّة(82) أنَّ كيرلُّس شرح الرسائل البولسيَّة الكبرى، أي رو، 1 و2 كو، عب وبقيت مقاطع لا بأس بها(83).

ونورد مقطعًا من عظات يوحنّا الذهبيِّ الفم كما نقرأها في السريانيَّة لا كما في اليونانيَّة. فنعرف كيف تطوَّر الفكر اليونانيّ حين وصل إلى العالم السريانيّ.

فلماذا يُولد من عذراء؟ ولماذا يَحفظ بتوليَّتها؟

لأنَّها لمَّا كانت عذراء منذ القدم بشَّرها الملاك، ولكنَّ حوّاء منذ أن أُضلَّت ولدت كلمة علَّة الموت. أمّا مريم فعندما بُشرت ولدت الكلمة التي تدعونا إلى الحياة الأبديَّة. كلمة حواسّ علَّمت بالشجرة التي بها طُرد آدم من الفردوس، أمّا الكلمة التي ولدتها العذراء فعلَّمت بالصليب الذي بواسطته عاد اللصُّ الممثَّل لآدم، إلى الفردوس. فاليهود والوثنيّون لم يؤمنوا (وكذلك أصحاب البدع) أنَّه الله وُلد بدون ألم ولا زرع، ولهذا خرج اليوم من الجسد المتألِّم وحفظ الجسد بدون ألم لكي يظهر أنَّه لمّا وُلد من العذراء لم يثلم بتوليَّتها. هكذا وُلد بدون زرع وبقي جوهر القدّيسة كما هو. هكذا وُلد بشكل يليق بالله، ردٌّا على أولئك الذين صنعوا لهم تماثيل شبيهة بالبشر ليعبدوا آلهة حجريَّة تحقيرًا لخالقهم، فظهر لهم الله على شكل بشر ليزيل ما صنعوه باطلاً ويعودوا إلى عبادته، ويؤمن كلُّ من ابتعد عنه من اليهود والوثنيّين والهراطقة، ويعطي الرجاء للذين لا رجاء لهم والفرصة لمن فاتته، الذي له المجد والكرامة مع أبيه وروحه القدُّوس الآن وكلَّ أوان وإلى أبد الآبدين(84).

جاءت عظات الذهبيِّ الفم طويلة. أمّا التي نقلنا نهايتها فهي قصيرة جدٌّا، ونحن لم نجد ما يقابلها في النصوص اليونانيَّة. فنحن لسنا أمام ترجمة حرفيَّة ولا أمام ترجمة مختصرة. بل انطلق الكاتب الذي نجهل اسمه وقدَّم عظة استقى موادَّها من يوحنّا ودوَّنها بأسلوبه لتصلح بشكل عظة في الزمن الليتورجيّ. أمّا هذه فجُعلت »لتجسُّد ربِّنا يسوع المسيح ووالدة الإله العذراء القدّيسة«(85). وإليك هذا المقطع حول قيامة الربّ.

فالقيامة من بين الأموات كانت ضرورة حتميَّة لخلاصنا ورجاء كلِّ واحد فينا. وهكذا كانت قيامة مخلِّصنا من بين الأموات، لذلك يجب أن تُعلَن أمام جميع مَن تحت السماء.

لقد قام من بين الأموات، وصار بقيامته الطريق الساعي للحياة لنا كلِّها. فهو آدم الثاني. فكما بآدم متنا كلُّنا، هكذا بالمسيح نحيا كلُّنا (1 كو 15: 22). وهذا ما يقوله مار بولس: »وكما لبسنا مثال الترابيّ، كذلك سنلبس أيضًا صورة السماويّ (1 كو 15: 49). إذًا، لا يطلبْ أحدٌ الحيَّ بين الأموات (لو 24: 5)، لا يطلبْ أحدٌ الحيَّ بين القبور. فأين هو إذًا؟

إنَّه في السماء وبالمجد اللائق به. إنَّه في العروش العالية. ولكي تكون هذه الأمور حقيقة راسخة، لنَعُدْ بالذاكرة إلى ما قاله المسيح: »لا بدَّ له أن يُسلم بأيدي الخطأة ويتألَّم ويموت ويقوم في اليوم الثالث« (مت 20: 18) (مختارات، ص 209-210).

ويتواصل كلام الواعظ فيبيِّن أوَّلاً أنَّ الجسد الذي مات هو ذاته الذي قام. كان جسدًا حيوانيٌّا فصار جسدًا روحانيٌّا.

وهذا برهان واضح أنَّه ليس إنسانًا آخر، بل هو ذاته. فالذي رأوه يعاني سكرات الموت على الخشبة ثمَّ وُضع في القبر، هو الذي يكلِّمهم الآن مُثبتًا أنَّه غلب الموت واقتلعه من الإنسان. ولقد أمرهم أن يجسُّوا يديه ورجليه ومكان المسامير، فيسلِّموا بشكل أكيد أنَّ الذي تألَّم هو الذي قام. فلا يشكُّ أحدٌ بالقيامة، ولا يتزعزع رجاء أحد لكلِّ الساكنين تحت السماء. ولنسمع ما يقوله الكتاب الإلهيّ: »يُزرَع جسد حيوانيّ ويقوم جسدٌ روحانيّ« (1 كو 15: 44).

فكما أنَّ الجسد الحيوانيَّ يخضع للأهواء الحيوانيَّة (الجسديَّة)، كذلك الجسد الروحانيُّ يخضع لإرادة الروح القدس. فالجسد يتسلَّح ضدَّ الروح والروح ضدَّ الجسد (غل 5: 17). ولكن بعد القيامة تتوقَّف المعركة، إذ تَبطل أسلحةُ الجسد وتتوقَّف أهواؤه نهائيٌّا وتتحوَّل إلى سلام ومصالحة وانصياع لمتطلِّبات الروح. إنَّ الناموس الذي في الأعضاء (رو 7: 23) والناموس الذي يقف الآن ضدَّ ناموس عقلنا ويسبينا إلى الخطيئة (آ25) يُلغَى إذ يصبح الجسد روحانيٌّا. فالذي يسقط في الأرض يلبس عدم الفساد (1 كو 15: 54) ويحتقر الموت (مختارات، ص 211-212).

 

الخاتمة

تلك كانت مسيرتنا مع بولس الرسول في التراث السريانيِّ. منذ القديم تُرجمت نصوصه كما نصوص الأناجيل وشُرحت كما ذكرت في المقالات العددية. قدَّمنا نصوصًا وُجدت في تضاعيف الكتب التي دُوِّنت قبل البسيطة، ممَّا يدلُّ على أنَّ السريان لم ينتظروا هذه الترجمة الرسميَّة ليقرأوا الرسائل البولسيَّة. وشُرح مار بولس لدى الآباء السريان، كما نُقلت نصوصه إلى عالم اليونان فصارت إرثًا سريانيٌّا شأنها شأن ما كتبه السريان أنفسهم. فما من كنيسة تستطيع أن تنعزل عن نفسها، والتفاعل كان ظاهرًا في القديم وما زال ظاهرًا إلى الآن. ولكنَّنا نتحسِّر أنَّ الأدب السريانيَّ لم يُنشر بعد. فما زال »محفوظًا« في المخطوطات كما في سجن. ونحن ننتظر من الشرق السريانيِّ أن يعرِّف الغرب إلى غناه، بل يعرِّف الشرق الذي يعيش فوق كنز ثمين جدٌّا ولكنَّه يترك غناه لآخرين ويبقى طالبًا المياه يوم انطلق ماء الحياة من أرضه.