غدًا عيد للربّ

 

صعد موسى على الجبل وأبطأ هناك، فما بقي أحدٌ لكي ينبِّه الشعب إلى حفظ الوصايا وأهمُّها أنا الربُّ إلهك لا يكن لك إله غيري. لا تصنع لك تمثالاً منحوتًا ولا صورة... (خر 20: 2-4). فالله لا يُرى وأنتم تمضون إليه بالإيمان. صعد موسى ولا نعلم «ماذا أصابه» (خر 32: 1). ربَّما مات. ربَّما أخذه الله كما أخذ إيليّا (2 مل 2: 10-11). في أيِّ حال، لم يعُد معنا ذاك الشاهد على حضور الله. ونحن نريد إلهًا نلمسه بأيدينا نقبِّله بأفواهنا. لم ينسوا بعد أرض مصر وآلهتها. وتنازل هارون، وقال لهم: «انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم واتوني بها» (خر 32: 2). وما أسرع ما نفَّذ الناس ما طُلب منهم. عبادة الأصنام أسهل من عبادة الإله الواحد. والسير وراء الربِّ الإله أصعب من السير وراء اللذّات. «فنزع كلُّ الشعب أقراط الذهب التي في آذانهم وأتوا بها إلى هارون» (آ3). في أيِّ حال، كلُّ هذا سرقة قبل الانطلاق من مصر (خر 35:12) باتِّجاه برِّيَّة سيناء، فما أحلاه يمضي في الترَّهات بانتظار أن يصبح «طحينًا ناعمًا يذرِّيه موسى على وجه الماء ويسقي منه بني إسرائيل» (آ20).
«وأخذ هارون ذلك (الذهب) من أيديهم وصوَّره بالإزميل وصنعه عجلاً مسبوكًا» (آ4). فرح الشعب بما صُنع أمامه فهتفوا: «هذه آلهتك». وارتضى هارون بهتافهم «فبنى مذبحًا أمام (العجل) ونادى: غدًا عيدٌ للربّ» (آ5).
ولو نعرف الاندفاع الذي عاشه الشعب. «فبكَّر». هو لفظ يدلُّ على الاستعداد. ذاك ما قيل عن إبراهيم حين دعاه الله ليقدِّم له ابنه إسحاق: «فبكَّر إبراهيم صباحًا» (تك 22: 3). بكَّر لكي يطيع الربَّ ويقدِّم له فعل عبادة. أمّا رفاق هارون فبكَّروا إلى الخطيئة. «أصعدوا محرقات وقدَّموا ذبائح سلامة». هكذا اعتادوا أن يفعلوا للربّ. الحركات ذاتها قاموا بها. حسبوها أمام الربِّ فإذا هي أمام العجل الذهبيّ «الذي سيعود إلى شعب إسرائيل مع يربعام، فيصبح عجلين. واحد في الشمال، في دان، على حدود فينيقية. وآخر في الجنوب، في بيت إيل، على حدود مملكة يهوذا، وهكذا تتمُّ الحماية للمملكة بواسطة «عجلين». وما أعظم هذه الحماية! (1مل 12: 28-33).
*  *  *
هو التاريخ يعيد نفسه. في برِّيَّة سيناء «جلس الشعب للأكل والشرب ثمَّ قاموا للعب» (خر 32: 6). وبعد موت سليمان، «عمل يربعام عيدًا» (1مل 12: 32). واليوم يعملون عيدًا، بل أعيادًا لا مكان لله فيها. في الرابع من كانون الأوَّل، عيد البربارة. أمّا بربارة فشهيدة. أراد الحاكم ديوسقورس أن يقطع رأسها بالسيف، فتقنَّعت لئلاَّ تُعرَف وهربت، وفي أيِّ حال، أُمسكت من جديد وعُذِّبت كثيرًا قبل أن تلتحق بقافلة الشهداء الذين قيل فيهم: «دم الشهداء بذار المسيحيِّين». فماذا بقي لنا نتذكَّره من تلك التي استعدَّت أن تموت، فنسيَت جمالها، وهي شابَّة أراد والدها أن يزوِّجها بشابّ وثنيّ؟ أخذنا القشور. وضعنا الأقنعة على وجوهنا، بحيث لا يعرف الواحد الآخر، فاستطعنا أن نتصرَّف على هوانا ضاربين بعرض الحائط وصايا الله.
وبعد ثلاثة أسابيع بالتمام والكمال، تحوَّل أجمل الأعياد، عيد الميلاد المجيد، إلى عيد نأكل فيه ونشرب ونلعب، ننسى العمق اللاهوتيّ ليوم يذكِّرنا بذاك الذي في ملء الزمان صار لنا «ابنًا مولودًا من امرأة» (غل 4: 4) بعد أن أرسله الله إلينا. فقال فيه إشعيا: «وُلد لنا وَلد، أُعطيَ لنا ابن...» (9: 6/5). كانت الظلمة على الأرض، ظلمة الشرِّ والخطيئة، فهتف النبيّ: «الشعب السالك في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا، والجالسون في أرض ظلال الموت أشرق عليهم نور» (آ2/1).
في نصف الليل يكون العيد. ولكنَّ الأنوار تكون في كلِّ مكان: في الشوارع، على مداخل المحالّ، هذا عدا الشجرات المضيئة التي تكون في كلِّ ساحة ويتبارى الذين يرفعونها. فلا بدَّ من اجتذاب الزبائن الذين يشترون الهدايا والألعاب ولا ينسون ديك العيد. لا بأس بأن يجتمعوا معًا ليلة الميلاد، ولكنَّهم لا يشاركون الجماعة في صلاتها، بل يواصلون الأكل والشرب حتّى ساعات الصباح. والمدهش عندنا هو أنَّ العيد يمتدُّ أسبوعًا، على ما فعل الملك يربعام. ففي اليوم الثامن هو رأس السنة، وما أدراك ما يُفعَل في هذا اليوم الذي صار عالميًّا، فيعيِّده البشر من أقصى الأرض إلى أقصاها: يأكلون، يشربون، يلعبون، يرقصون حتّى ساعات الصباح. يسكرون، يضيعون ويموت الكثيرون على الطرقات قبل أن يصلوا إلى بيوتهم.
*  *  *
اليوم الثامن في العالم اليهوديّ كما في العالم المسيحيّ، هو يوم مقدَّس، فبعد العيد الكبير، عيد القيامة، هناك الأحد الجديد. كان الذين استعدُّوا للعماد بشكل مكثَّف خلال زمن الصوم، ينالون الروح القدس والبنوَّة الإلهيَّة ليلة عيد القيامة. ويتوشَّحون باللباس الأبيض طوال أسبوع دعاه السريان الشرقيُّون: أسبوع الحواريِّين، نسبة إلى الرسل ونسبة إلى اللباس الأبيض الذي يدلُّ على انتصار المسيح على الموت: «أنتم كلُّكم الذين اعتمدتم بالمسيح لبستم المسيح» (غل 3: 27). وفي الأحد التالي الذي يُدعى الأحد الجديد، يخلع المعمَّدون الجدد اللباس الأبيض وينطلقون في حياة مسيحيَّة يكون شعارها ما نقرأ عند بولس الرسول: «إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة مضت. هوذا الكلُّ صار جديدًا» (2كو 5: 17).
وفي العالم اليهوديّ، اليوم الثامن هو يوم الختان. في الأصل، وكما هو اليوم في عدد من الديانات والحضارات، الختان هو استعداد الرجل لأن يكون «الختن» أي العريس. فحين يصل الولد إلى عمر المراهقة يُختن. ذاك كان الوضع بالنسبة إلى إسماعيل: «وكان إسماعيل ابنه (ابن إبراهيم) ابن ثلاث عشرة حين خُتن في لحم غرلته» (تك 17: 25). أمّا الشريعة الأساسيَّة فقالت: «ابن ثمانية أيَّام يُختن منكم كلُّ ذكر في أجيالكم... فيكون عهدي في لحمكم عهدًا أبديًّا. وأمّا الذكر الأغلف الذي لا يُختن في لحم غرلته فتُقطَع تلك النفس من غرلتها. إنَّه قد نكث عهدي» (آ12-13). بالختان ينتمي الولد إلى شعب الله. ومن لم يكن مختونًا، يكون خارج شعب الله، فلا يحقُّ له أن يشارك في الأعياد ولاسيَّما عيد الفصح. وهكذا خُتن إسحاق «وهو ابن ثمانية أيَّام كما أمره الله» (تك 21: 4). وهكذا صار من شعب الله. ويوم فطامه «صنع إبراهيم وليمة عظيمة» (آ8).
وهذا ما يُعمل اليوم عندنا في كلِّ احتفال دينيّ: وليمة عظيمة مع أخذ الصور العديدة والاهتمام بالأمور الخارجيَّة على حساب أمور الإيمان. ونتساءل بعد ذلك: لماذا الكثيرون من المسيحيِّين «على الهويَّة» فقط، لا في القلب ولا في الحياة اليوميَّة؟ هم اعتادوا أن يشاركوا في الاجتماع الأسبوعيّ، بل إنَّ كثيرين يفضِّلون أن يسهروا ليلة السبت ويطيلوا السهر بحيث ينامون يوم الأحد، يوم الربّ. قال الربّ: «ستَّة أيَّام تعمل وتصنع جميع أعمالك، وأمَّا اليوم السابع ففيه سبتٌ (بمعنى: راحة، لا عمل) للربِّ إلهك...» (خر 20: 9-10). يوم الربّ صار يوم النوم، أو يوم النزهة الطويلة. لهذا كانت الرسالة إلى العبرانيِّين قاسية على الذين ينسون الاجتماع الأسبوعيّ. هم يشبهون عيسو الذي «باع بكوريَّته لأجل أكلة واحدة» (عب 12: 17)، وهم يبيعون إيمانهم وحياتهم المسيحيَّة من أجل أصنام وضعوها أمامهم، كما وُضع العجل الذهبيّ، ولا يستطيعون التخلِّي عنها.
*  *  *
عيد الشهيدة بربارة، صار مناسبة لنصنع الأقنعة على وجوهنا، لأن نبدِّل وجوهنا ونخفيها، بحيث لا يرانا أحد فنعمل ما نشاء. حينئذٍ نسمع كلام الإنجيل: «لأنَّ كلَّ من يعمل السيِّئات يبغض النور، ولا يأتي إلى النور لئلاَّ توبَّخ أعماله. وأمّا من يفعل الحقّ فيُقبل إلى النور، لكي تظهر أعماله أنَّها بالله معمولة» (يو 3: 20-21). وفي هذه الاجتماعات حيث نأكل ونشرب ونلعب «نحبُّ الظلمة أكثر من النور، لأنَّ أعمالنا شرِّيرة» (آ19). دعانا يسوع «نور العالم» (مت 5: 14). ولكن «إذا كان النور الذي فينا ظلامًا، فالظلام كم يكون» (مت 6: 23)؟ أجل، صرنا ظلمة للناس، لا نورًا يراه «الناس فيمجِّدون الآب الذي في السماوات» (مت 5: 26).
وعيد الميلاد. ماذا صار اليوم؟ عيد الشجرة المضاءة المملوءة بالهدايا. وأين النور الذي أشرق على الرعاة؟ نحن لا نراه لأنَّ إيماننا ضعيف. فلو كنّا في رفقة الرعاة، ولو كانت عيوننا مثل عيونهم، لكنّا رأينا «مجد الربّ» يضيء علينا (لو 2: 9). ولكنّا شعرنا بالخوف والرهبة في حضرة الله. ولو كانت آذاننا مثل آذان أولئك الذين «يحرسون حراسات الليل على رعيَّتهم» (آ8). لكنّا سمعنا صوت الملاك: «ها أنا أبشِّركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب: إنَّه وُلد لكم اليوم في مدينة داود (في بيت لحم) مخلِّص هو المسيح الربّ» (آ10-11). ولكنَّ عيوننا عميت بسبب الأضواء المشعَّة فما اكتشفت النور الوحيد المنوِّر «الذي على وجه المسيح» (2 كو 4: 6). وآذاننا أيضًا صُمَّت من الضجيج في الحانات وأمكنة السهر والساحات والطرقات. فما استطاعت أن تسمع الصوت الخفيّ الذي ينطلق من الصمت أو في نسيم أو «صوت منخفض خفيف» (1 مل 19: 12) كما حصل لإيليّا.
قرع يسوع الباب، فما وجد من يسمع، وإن سُمع هذا الصوت لم يكن هناك من يفتح، فلبث يسوع مثل الشحّاذ واقفًا عند الباب، في الليل بعد أن بلَّل الندى شعره (نش 5: 2). فالعروس مأخوذة بلبسها وعطرها وبأمور أخرى، لهذا لم تتحرَّك. ولمّا تحرَّكت كان الحبيب مضى وراح (آ6). نتأخَّر ونتأخَّر كثيرًا. ونقوم ولكن ماذا ينفع الندم بعد أن ينتهي العيد. ونكذب على نفوسنا حين نتكلَّم عن الحبِّ «في عيد الحبّ». فلو كان الحبُّ الحقيقيّ موجودًا لما احتجنا أن نتكلَّم عنه. ولمّا احتجنا إلى الهدايا والورود والسهر لكي نعرف أنَّ في الأرض حبًّا. الحبُّ عميق سواء عبَّرنا عنه في الخارج أو لم نعبِّر! والويل للرجل الذي ينسى زوجته في ذلك العيد! تنزل عليه صواعق السماء. وإذا كان الرجل فقيرًا، ماذا تكون حالته، والجارة تنحسد من الجارة، والسلفة من سلفتها. ويحسُّ الرجل أنَّه مُحتقَر في محيطه لأنَّه لا يستطيع أن يفعل كما يفعل الأغنياء حوله. ماذا تقولون عن ولد يهدِّد أباه بأنَّه لن يذهب في الغد إلى المدرسة إن لم يعيِّد في المطعم مع عدد من رفاقه بمناسبة يوم ولادته! وهي حفلات وحفلات تنسينا روح الفقر التي بثَّها يسوع فينا حين قال: «طوبى للمساكين بالروح، لأنَّ لهم ملكوت السماوات» (مت 5: 3).
*  *  *
نحن حصَّة الله والله حصَّتنا، إذًا نحن أبناء الملكوت. نحن من المساكين، إذًا لنا ملكوت السماوات. نحن من الأغنياء، لا يكون مكاننا «في حضن إبراهيم» (لو 16: 23)، في حضن الله، كما هو الأمر بالنسبة إلى الأولاد. هم «يدخلون ملكوت السماوات» (مت 18: 3). أمّا الأغنياء فمثلُهم ذاك «الغنيّ الغبيّ» الذي جعل «حياته في أمواله» (لو 12: 15)، وفرح للخيرات الكثيرة التي أجبرته على توسيع مخازنه. فهتف راقصًا: «يا نفس، لك خيرات كثيرة، موضوعة لسنين كثيرة، افرحي وكلي واشربي وتنعَّمي!» (آ19). هو تعيس، شقيّ! حسب نفسه خالدًا، فإذا هو مائت في تلك الليلة حيث أطلق نشيده في خطِّ الوثنيِّين: «لنأكل ونشرب».
الإنسان وكيل وما يملك ليس له وحده، بل للذين حوله. فالثوب الذي في الخزانة ليس لنا، بل للفقير الذي لا ثوب له. والطعام الذي يفيض عنا، هو للجائع الذي بيته قريب من بيتنا، هذا إذا كان عنده بيت. هذا ما حدَّثنا عنه يسوع في مثل لعازر والغنيّ: «كان إنسان غنيّ، وكان يلبس الأرجوان والبزّ وهو يتنعَّم كلَّ يوم مترفِّهًا. وكان مسكين (فقير) اسمه لعازر طُرح عند بابه مضروبًا بالقروح، ويشتهي أن يشبع من الفتات المتساقط عن مائدة الغنيّ، بل كانت الكلاب تأتي وتلحس قروحه» (لو 16: 19-21).
هل نحن في أعيادنا بعيدون جدًّا عن هذا «الغنيّ» الذي سوف يتمنَّى على إبراهيم أن «يرسل لعازر ليبلَّ طرف إصبعه ويبرِّد لساني، لأنِّي معذَّب في هذا اللهيب» (آ24)؟ هل نبقى غافلين عمّا ينتظرنا نحن الذين تسمَّينا باسم يسوع وقلنا له: «يا ربّ، يا ربّ! أليس باسمك تنبَّأنا، وباسمك أخرجنا الشياطين، وباسمك صنعنا قوَّات كثيرة؟» (مت 7: 22). نقول له هذا ونحن واثقون بنفوسنا مثل ذاك الفرِّيسيّ. حينئذٍ يصرِّح لنا: «إنِّي لم أعرفكم قطّ. اذهبوا عنِّي يا فعلة الإثم» (آ23). مثل هؤلاء يكونون مثل العبد الشرِّير الذي «يبتدئ فيضرب الغلمان والجواري، ويأكل ويشرب ويسكر» (لو 12: 45). عندئذٍ «يأتي سيِّد ذلك العبد في يوم لا ينتظره وفي ساعة لا يعرفها فيقطعه...» (آ46). كما تُقطَع الشجرة قطعتين، أو يخرجه خارج الجماعة كما في حرم، على ما فعل بولس الرسول مع الأخ الزاني في كنيسة كورنتوس (1 كو 5: 1ي).

وخرج الله من وسط الجماعة. في الأصل، كانت خيمته وسط الخيام، لكي يبارك بحضوره كلَّ الخيام. أمّا الآن، فصارت خيمة الربّ «خارج المحلَّة» (خر 33: 7). هو لا يستطيع بعدُ أن يُقيم في وسطهم بعد أن صاروا «رجسًا». ودعاهم «شعبًا صلب الرقبة» (آ3) وفرض عليهم أن ينزعوا زينتهم (آ6) ويلبسوا ثوب الحِداد والتوبة. وروى سفر الخروج وهو يضخِّم الأرقام عدد القتلى الذين نالوا العقاب. في أيِّ حال، لسنا بحاجة في أيَّامنا إلى «بني لاوي» (خر 32: 28) لكي يموت المذنبون. فخطيئتنا تحمل عقابها في ذاتها. والحوادث التي تقع في رأس السنة عديدة، تاركة وراءها الجرحى والقتلى.
عيد العجل الذهبيّ. ليبقَ لهم «العجل» بدل «الثور» الذي اعتادوا أن يكرِّموه في مصر. هو الكاتب الملهم يهزأ بهم. ماذا فعلتم؟ بعتم الله «بعجل». فالمصريُّون كانوا أفضل منكم حين عيَّدوا «الثور» رمز الخصب. أمّا العجل! يا للعار لهذا الشعب الذي نسيَ العيد قرب جبل سيناء. وكيف استعدّ بالتوبة والطهارة والمخافة. «فانحدر موسى من الجبل إلى الشعب، وقدَّس (أي فصله عن الأمور العاديَّة) الشعب وغسلوا ثيابهم (ومعها قلوبهم). وقال للشعب: «كونوا مستعدِّين لليوم الثالث» (خر 19: 14-15). اليوم الثالث يرمز دومًا في الكتاب إلى حضور الله وعمله. ويتواصل الكلام: «وأخرج موسى الشعب من المحلَّة لملاقاة الله، فوقفوا في أسفل الجبل» (آ17). أتى الشعب، فأتى الله. «ونزل الربُّ على جبل سيناء» (آ20).
هكذا يكون العيد. نقترب من الله، لا من الأصنام، لا من «تجارات» العالم، لا من السراب الذي ندخل فيه فنفهم في النهاية إلى أيِّ درك انحدرنا. أهذا هو عيد الربّ؟ أهذا هو العيد الذي أطلَّ عليه الرعاة «فأخبروا بالكلام الذي قيل لهم عن هذا الصبيّ» (لو 2: 17). هذا الطفل «المقمَّط والمضجع في مذود» يعلِّمنا الصمت والتأمُّل مثل مريم التي كانت تحفظ جميع هذا الكلام مفتكرة به في قلبها» (آ19). في هذا العيد كما في كلِّ الأعياد «يمجِّد المؤمنون الله ويسبِّحونه» (آ20). ولا «يمجِّدون» هذا العالم بشهواته وملذَّاته وغناه وبزخه وترفه، وكأنَّه صفعة على وجوه الفقراء. نبَّهنا عاموس من زمان حين كلَّم نساء السامرة الغنيّات: «اسمعن هذا القول، يا بقرات باشان التي في جبل السامرة، الظالمة المساكين، الساحقة البائسين، القائلة لسادتها: "هاتِ لنشرب"» (4: 1). وهدَّد النبيّ عاموس بالعقاب الآتي. وذاك ما حصل حين جاء الأشوريُّون واحتلُّوا مدينة السامرة سنة 721 ق.م.: أُخذت النسوة بالشصّ مثل السمك أو بالخزام مثل الجراد، ورحن في طريق المنفى حافيات بثياب ممزَّقة... وأنا أخاف أن يحصل مثل هذا لأبناء وبنات هذا الجيل.
*  *  *
غدًا عيد للربّ. للربِّ أم لنا ولنزواتنا ولبزخنا ولعادات بشريَّة لا تمتُّ إلى الإنجيل بشيء. ونريد من الربَّ أن يعترف بجميلنا. نحن هنا له، صلَّينا له. دفعنا العشور له! ويسخر منّا إشعيا، ويردِّد ما نقوله لله: «لماذا صمنا ولم تنظر، ذلَّلنا أنفسنا ولم تلاحظ؟» (58: 3). وهكذا حسبْنا الله مثل صنم، له عين ولا ترى! هو لا يريد أن يرى ما نعمل. ويقول لنا: «ها إنَّكم في يوم صومكم تُوجدون مسرّة (تجدون إفادة)، وبكلِّ أشغالكم تسخِّرون (العمّال). ها إنَّكم للخصومة والنزاع تصومون، ولتضربوا بكلمة الشرّ». أي فيما أنتم صائمون تضربون الآخرين وتفعلون الشرّ. ويتواصل كلام الربّ: «أمثلُ هذا يكون صومٌ أختاره؟» (آ5). أمثل هذا تكون أعيادكم؟ أهكذا تحتفلون بعيد الميلاد المجيد، الذي كان نقطة تحوُّل في تاريخ البشريَّة؟ صار العيد لكم لا لله. صار للأغنياء، لا للجميع، وخصوصًا الفقراء لا ينالون سوى الفتات. ولمّا هدَّد عاموس نساء باشان قال: ومع كلِّ هذا «لم ترجعوا إليَّ» (4: 8، 9، 10، 11) وردَّد هذا الكلام أكثر من مرَّة. أجل، العيد مناسبة للقاء مع الله ومع الإخوة والأخوات. هل هو حقًّا كذلك. فيبقى لنا القول النبويّ: «اطلبوا الربّ فتحيوا، ولا تطلبوا بيت إيل». بيت إيل حيث عبادة البعل وبالتالي الموت. أمّا الله فيقدِّم لنا الحياة. وننهي بالسؤال الذي طرحه إيليّا على شعبه ويطرحه اليوم علينا: «حتَّى متى تعرِّجون بين الفرقتين (فرقة الله مع إيليّا، وفرقة بعل مع إيزابيل وكهنتها)؟ إن كان الربُّ هو الإله فاتبعوه. وإن كان البعل فاتبعوه» (1 مل 19: 21).