تكوين سفر الرؤيا

 

 

عرف الشعب المسيحي أنّ الرسول يوحنا هو صاحب كل الكتب اليوحنّاوية، أي الإنجيل الرابع، رسائل يوحنا الثلاث، سفر الرؤيا. ولكن رغم التقاطع على مستوى اللاهوت واللغة، فالأبحاث في النقد الأدبي واللاهوت البيبلي تدعونا إلى فرضية تقول بأنّ المدوّن الأخير لسفر الرؤيا قد لا يكون ذاك الذي دوّن الإنجيل والرسائل. مثل هذا القول، يجب أن لا يقلقنا ولا أن يبلبلنا. فحين تعلن الكنيسة "قانونية" (هو كتاب يؤسّس العقيدة والأخلاق لأنه يرتبط بالله) أحد الكتب، فهي تؤكّد أنّ الإلهام الإلهي يُضفي على هذا الكتاب يقين كلمة الله وحقيقتها.. ولكن هذا الإعلان يترك الباب مفتوحاً أمام المسائل الأدبية والتاريخية. إن قرارات الكنيسة تعني انتماء الكتاب إلى "قانون" (لائحة) الأسفار المقدّسة. أما سائر المسائل فمتروكة لتمييز الشرّاح والمؤرّخين الواعين لمسؤولياتهم.
يتضمّن سفر الرؤيا، شأنه شأن سائر الأسفار، كلام الله. لهذا تعلن الكنيسة قانونيته، دون أن تفرض رأيها حول ما يتعلّق في هوية الكاتب وزمن كتابة هذا السفر أو ذاك. فحين ننفي تأكيداً قيل في السابق على مستوى الدراسة الأدبية والتاريخية، فنحن لا نترك خطّ الكنيسة، بل نحاوله أن نقوم ببحث بشري يساعدنا على الإحاطة بالإطار الذي يحيط هذا السفر من الأسفار المقدّسة.

1- مستوى المراجع
نطرح السؤال: هل هناك كتاب واحد أم أكثر؟ هل دوّن رؤ على مراحل؟ هنا نقابل أولاً بين يو ورؤ، ثم نتوقّف عند التكرارات التي تتيح لنا أن نكتشف المراجع.
أ- إنجيل يوحنا وسفر الرؤيا
إنّ أسلوب ولغة يو ورؤ يعودان إلى طريقة التفكير والكتابة في العالم اليهودي. ثم إن هناك تقارباً بين الكتابات اليوحناوية ونصوص قمران، والسبب يعود إلى التحاق مجموعات من قمران بالمدرسة اليوحناوية مع غناها الفكري: فالرنّة الليتورجية في تعليم يوحنا، نجدها في كتابات قمران. ثم إننا نجد وراء صورة المسيح الربّ حقائق لاهوتية مشتركة بين الإنجيل الرابع وسفر الرؤيا. نحن هنا أمام تعابير تميّز أسلوب يوحنا ومدرسته.

أولاً: صورة حمل الله
نقرأ هذه العبارة مرتين في إنجيل يوحنا (1: 29، 36) على لسان المعمدان. في المرة الأولى، رأى يسوع مقبلاً إليه فقال: "ها هوذا حمل الله" (يو 1: 29). ثم تابع شهادته الموجّهة إلى تلاميذه والذين حوله، أو بالأحرى الموجّهة إلى الكنيسة وإلينا. في المرة الثانية، كان مع اثنين من تلاميذه. ولما قال "هذا حمل الله" (يو 1: 36)، تبع التلميذان يسوع وأقاما معه ذلك اليوم كله. وسنجد تلميحاً إلى هذا الحمل أيضاً عند موت يسوع. فيسوع هو الحمل النهائي الذي "لا يكسر له عظم" (يو 19: 36) على مثال حمل الفصح عند اليهود (خر 12: 46: لا يكسر عظم).
وترد عبارة "الحمل" مراراً عديدة في سفر الرؤيا. ففي الليتورجيا الأولى، رأى الرائي "بين العرش (حيث يقيم الله) والكائنات الحية الأربعة (أي الخليقة كلها الموزّعة في أربعة أقطار الكون) وبين الشيوخ (كانوا 24. مثّلوا آباء العهد القديم ورسل العهد الجديد) حملاً واقفاً كأنه مذبوح" (5: 6)0 الحمل هو واقف لأنه قام من بين الأموات. هو مذبوح لأنه قدّم ذاته على الصليب فانتصر على الموت. لقد مات المسيح عنا، وهو لا يزال يحمل آثار آلامه حتى نهاية العالم. هذا الحمل ستسجد له الكائنات الحية... لأنه إله، لأنه الرب (5: 8). وله القدرة والمجد والحمد (5: 12). وله "الجبروت إلى أبد الدهور" (آ 13). هذا الحمل هو الذي يفضّ الختوم السبعة (كان الكتاب مختوماً بملء الأختام بحيث لا يستطيع أحد أن يقرأه ويفهمه إلا يسوع المسيح، 5: 5)، ويبدأ بأولها (6: 1). فيخاف من غضبه جميع الخطأة (6: 16). غضبه يشبه غضب الله لأنه مساوٍ لله. رج أيضاً 7: 9، 10، 14، 17؛ 12: 11؛ 13: 8؛ 14: 1، 4، 10؛ 15: 3؛ 17: 14؛ 19: 7، 9؛ 21: 9، 14، 22، 23، 27؛ 22: 1، 3، 14.
ثانياً: الشهادة
ترد لفظة الشهادة وفعل شهد مراراً في إنجيل يوحنا. فيوحنا المعمدان جاء للشهادة لكي يؤمن الناس على يده (يو 1: 7-8). ولما بدأت شهادته (آ 9) إعترف ولم ينكر بأنه ليس المسيح، بل صوت صارخ. والكنيسة تشهد أمام العالم اليهودي الذي يمثّله نيقوديمس: "نحن نشهد بما رأينا ولا تقبلون شهادتنا" (يو 3: 11). فشهادتنا تستند إلى شهادة يسوع (آ 32- 33). ويورد يسوع الشهادات التي تتحدّث عنه: يوحنا، الأعمال، بل "الآب نفسه شهد لي" (5: 31- 36). ويعود يسوع إلى شهادة الآب له في 8: 13-17 (رج 9: 35؛ 21: 24).
وفي سفر الرؤيا يبدأ الكتاب بالسبب الذي لأجله نُفي يوحنا: شهادة يسوع (1: 9). وحين يُفضّ الختم الخامس، سيرى الرائي "نفوس المذبوحين في سبيل كلمة الله والشهادة التي شهدوها" (6: 9)، كما سيرى شهادة الشاهدين اللذين يمثّلان الكنيسة والمسيح، كما يمثّلان موسى وإيليا، وبطرس وبولس (11: 7). ونقرأ في 12: 11 عن إخوتنا الذين غلبوا ذاك الذي يتهمهم (أي: الشيطان). "غلبوه بدم الحمل وبشهادتهم له، وما أحبّوا حياتهم حتى في وجه الموت". وقد ذهب التنين يقاتلهم لأنهم يتمسّكون بشهادة يسوع (آ 17؛ 19: 10؛ 20: 4).
ثالثاً: صور أخرى
وهناك أيضاً صورة الماء. ذاك الذي يطلبه يسوع من السامرية، فتطلبه هي منه في النهاية: "أعطني هذا الماء لكي لا أعطش البتة" (يو 4: 15). كان يسوع قد قال لها: "لو كنت تعرفين عطية الله، ومن ذا الذي يقول لك: أعطيني لأشرب! إذن لكنت أنت تسألينه فيعطيك ماء حياً" (آ 10).
هذا الماء هو الروح الذي سيُعطى للكنيسة بعد أن يُمجّد يسوع (يو 7: 38). ويحدّثنا سفر الرؤيا عن الماء الجاري ويدعونا قائلاً: "من كان عطشاناً فليأت. ومن شاء فليأخذ مياه الحياة مجاناً" (22: 1، 17).
وهناك صورة نهر الحياة في يو 7: 38: "من آمن بي فستجري من جوفه أنهار ماء حيّ". وفي رؤ 22: 1: "أراني الملاك نهر الحياة صافياً كالبلّور ينبغ من عرش الله والحمل". إنّ النهر يتفجّر من الهيكل كما يقوله حز 47: 1- 12. وفي أورشليم الجديدة، الهيكل هو الله والحمل (رؤ 21: 22)0 أجل، إنّ الحياة تأتي مباشرة من الله ومن الحمل. وهناك أخيراً صورة الكنيسة التي هي عروس الحمل. في يو 3: 29 نقرأ بلسان يوحنا المعمدان: "من له العروس فهو العريس. وأما صديق العريس، القائم بقربه ويسمعه، فإنه يهتزّ فرحاً لصوت العريس". ونقرأ في رؤ 21: 2: "وأنا يوحنا رأيت المدينة المقدّسة، أورشليم الجديدة، نازلة من السماء من عند الله، كعروس تزيّنت واستعدّت للقاء عريسها". هذه العروس هي "زوجة الحمل" (آ 9) التي ترافق الروح لتنادي عروسها: تعال، ماراناتا (22: 17). في العهد القديم، يُعتبر إسرائيل بعض المرات عروس الرب (هو 2: 21؛ حز 16: 8؛ أش 62: 4- 5). في العهد الجديد، الكنيسة هي عروس المسيح (2 كور 11: 2؛ أف 5: 25- 31). وهكذا يرى يوحنا في هذا الخط أنّ يسوع هو رئيس شعب الأزمنة الأخيرة.

رابعاً: إختلافات ظاهرة
ولكن مع هذه النقاط التي تدلّ على تقارب بين يو ورؤ، هناك اختلافات ظاهرة. مثلاً، لغة سفر الرؤيا المتأثّرة بالعالم السامي تختلف عن لغة الإنجيل والرسائل. أسلوب يوحنا مجرّد، تعليمي، رتيب، ناشف وقليل الصور. أمّا رؤ فدوّن في لغة ملموسة ومصوّرة. إنه نهر لا ينضب من الرموز والصور التي تتغلغل في هذا الكتاب النبويّ.
وهنا يُطرح السؤال الجوهري: هل نكتفي بالقول إنّ سفر الرؤيا يقدّم رؤية نبويّة؟ وهل نستطيع أن نؤكّد أنّ كاتباً واحداً دوّن يو ورؤ؟ وهكذا راح بعض الشرّاح يتحدّثون عن "يوحنا" (رؤ 1: 9) آخر وهو غير الذي كتب الإنجيل الرابع.

ب- التكرارات
ها نحن نورد بعض هذه التكرارات التي جعلت بعض الشرّاح يتحدّثون عن مراجع كما في أسفار موسى الخمسة.
* سقوط الشيطان
نقرأ في 12: 9، 12: "وسقط التنين العظيم إلى الأرض، وهو تلك الحيّة القديمة والمسمّى إبليس أو الشيطان، خادع الدنيا كلها، وسقط معه ملائكته... فافرحي أيتها السماوات ويا أيها الساكنون فيها. الويل للبرّ والبحر لأنّ إبليس نزل إليكما وكله غضب لأنّ أيامه قصيرة". ثم نقرأ في 20: 2- 3: "فأمسك (الملاك) التنين، تلك الحيّة القديمة، أي إبليس أو الشيطان، وقيّده لألف سنة (أي: الزمن الذي يفصل مجيء المسيح عن نهاية الزمن) ورماه في الهاوية وأقفلها عليه وختمها، فلا يضلّل الأمم بعد حتى تتمّ الألف سنة، ولا بدّ من إطلاقه بعد ذلك الوقت بقليل". إنّ عمل إبليس محدّد وآخرته فشل محتّم.
* رؤية الوحش
يصوّر 13: 1، 3، 8 الوحش كما يلي: "ورأيت وحشاً خارجاً من البحر (يمثّل سلطة رومة السياسية)، له سبعة رؤوس وعشرة قرون، على قرونه عشرة تيجان، وعلى رؤوسه أسماء التجديف... وظهر أحد رؤوس الوحش كأنه مجروح حتى الموت فشُفي من جرحه المميت، فتعجّبت الأرض كلها وسارت وراء الوحش... فيسجد له جميع سكان الأرض كلهم، أولئك الذين أسماؤهم غير مكتوبة منذ بدء العالم في كتاب الحياة، كتاب الحمل الذبيح". ونجد في 17: 3، 8: "فحملني بالروح إلى الصحراء، فرأيت إمرأة تجلس على وحش قرمزي مغطّى بأسماء التجديف، له سبعة رؤوس وعشرة قرون... والوحش الذي رأيته كان وما عاد كائناً. سيصعد بعد قليل من الهاوية ويمضي إلى الهلاك. وسيتعجّب سكان الأرض الذين أسماؤهم غير مكتوبة منذ بدء العالم في كتاب الحياة عندما يرون الوحش، لأنّه كان وما عاد كائناً وسيظهر ثانية".
* سقوط بابل
نقرأ في 14: 8: "وتبعه ملاك ثان آخر يصيح: سقطت، سقطت بابل العظيمة التي سقت الأمم كلها من فورة خمر زناها". بعد المنفى، صارت بابل تسمية نموذجية للممالك المعادية لله وشعبه. وستكون آخرتها اللعنة (أش 46: 1- 3؛ 47: 1- 15...). وفي 18: 2- 3: "وصاح (الملاك) بأعلى صوته: سقطت، سقطت بابل العظيمة! صارت مسكناً للشياطين ومأوى لجميع الأرواح النجسة وجميع الطيور النجسة البغيضة! لأن الأمم كلها شربت من فورة خمر زناها، وملوك الأرض زنوا بها، وتجّار العالم اغتنوا من كثرة نعيمها". هنا نتذكر أش 13: 21: "تربض وحوش القفر ويملأ البوم بيوتها، تأوي إليها طيور النعام وترقص فيها معز الوحش أو شياطين البرية". يشدّد النبي على رخاء القصور والتعاسة الحاضرة. كما نتذكر إر 50: 39: "تسكنها وحوش القفر والثعالب، وتأوي إليها بنات النعام. لا يسكنها إنسان بعد اليوم إلى الأبد". إن هذه الصور تدلّ على أنّ بابل، أمّ المدن، قد صارت قفراً وخراباً.
* رؤية أورشليم المقبلة
نقرأ في 21: 1-8: "وأنا يوحنا رأيت المدينة المقدّسة، أورشليم الجديدة، نازلة من السماء، من عند الله، كعروس تزيّنت واستعدّت للقاء عريسها... ها هو مسكن الله والناس: يسكن معهم ويكونون له شعوباً. الله نفسه معهم ويكون لهم إلهاً...". وفي 21: 9- 22: 5، نقرأ: "في الروح إلى جبل عظيم شاهق وأراني المدينة المقدّسة نازلة من السماء من عند الله...". إنّ موضوع أورشليم الجديدة التي تنزل من السماء، يضمّ موضوعين من العهد القديم: أورشليم الإسكاتولوجية المثالية (أش 60؛ 62؛ 65: 18- 25). ثم، نماذج سماوية عن علامات لحضور الله وسط شعبه (خر 25). هذا ما سيفعله الله من أجل المدينة المقدسة التي هي الكنيسة في واقعها المثالي المجيد عند عودة الرب. وهي تُسمّى أورشليم لأنها تجمع شعب الله. وهي تأتي من السماء لأنها ليست نتيجة تحقيق بشري، بل جماعة أسّسها الله وأنعشها.
وجاء رأي يفرض نفسه شيئاً فشيئاً: وُجدت كتابات أولانية، فصارت أساساً لتصميم سفر الرؤيا كما نجده في الوضع الحاضر. ولكن من ألّف هذه الكتابات الأولانية؟ متى ألّفها، وفي أية لغة ألّفها، ولماذا ألّفها؟ هل كانت نصوصاً يهودية تنصّرت، أم هي نصوص مسيحية منذ البداية؟ مَن دمج هذه المراجع المختلفة لكي يعطينا النصّ الحالي؟ هل مرّ التدوين في مراحل أدبية مختلفة متبل أن يصل إلى شكله النهائي؟ أسئلة ما تزال مطروحة، وقد تبقى مطروحة مدة طويلة. أمّا نحن، فيكفي أننا أشرنا إلى هذه التكرارات التي قد تكون وليدة تقليد شفهي. وفي أي حال، سنقرأ النصّ كما هو أمامنا دون البحث عن جذوره.

2- كاتب سفر الرؤيا
لقد تساءل الناس عن هوية كاتب رؤ منذ زمان بعيد، لا منذ القرن الثامن عشر فقط. إنّ صاحب رؤ يسمّي نفسه مرّات عديدة: "يوحنا" (1: 1، 4، 9؛ 22: 8). هل هو الرسول يوحنا إبن زبدى وأخو يعقوب (1 مر 1: 19)؟ وهل الرسول هو كاتب الإنجيل الرابع وسفر الرؤيا؟ أم أن كاتب رؤ هو يوحنا آخر، هو كاهن من آسية الصغرى عاش في محيط الرسول؟
أ- الموقف الأول
الموقف الأول هو موقف التقليد المسيحي الذي يؤكّد أنّ الإنجيلي يوحنا هو الذي كتب سفر الرؤيا. وها نحن نذكر الأسماء.

* يوستينوس الشهيد
كتب في حواره مع اليهودي تريفون حوالي سنة 151-155 ما يلي: "واحدٌ منا، إسمه يوحنا، ورسول المسيح، قد نال وحياً نبوياً يعلن لمؤمني المسيح أنهم سيقيمون ألف سنة في أورشليم. وحينئذ تحصل القيامة العامة والأبدية، كما تحصل في الوقت عينه دينونة جميع البشر" (81/ 4).
* قانون موراتوري
هو قصيدة تعليمية مؤلّفة من 22 بيتاً. دوّنت سنة 180 تقريباً. واكتشفها موراتوري في مكتبة ميلانو الأمبروسية، ونشرها سنة 1740. قال: "في الرؤيا كتب يوحنا إلى سبع كنائس. ولكنه في الواقع يتوجّه إلينا كلنا". ولكننا نجد بعض الشكّ والإرتياب في هذه الوثيقة. قال: "وتسلّمنا أيضاً رؤيا يوحنا ورؤيا بطرس اللذين لا يريد بعض منا أن يقرأهما في الكنيسة".
* كتّاب من القرن الثالث
إيريناوس، أسقف ليون في فرنسا (+ 206) في كتابه ضدّ الهراطقة. ترتليانس (+ 220) في كتابه ضدّ مرقيون. إكلمنضوس الإسكندراني (+ 215) في كتابيه المربيّ وأي غني. هيبوليطس الروماني (+ 235) وتلميذ إيريناوس في كتابه "ضدّ المعادي للمسيح". أوريجانس (+ 255) في تفسير إنجيل يوحنا. كل هؤلاء أكّدوا أن يوحنا الرسول قد كتب الإنجيل الرابع وسفر الرؤيا.
ب- الموقف الثاني
هو موقف الذين يعارضون أن يكون يوحنا الرسول والإنجيلي، هو صاحب رؤ.
* غايوس
كاهن روماني عاش في بداية القرن الثالث وأعلن في حواره مع بروكلوس (إحتفظ بهذا الكلام أوسابيوس في التاريخ الكنسي) ان رؤ كتاب دوّنه قرنتيس الغنوصي وربطه باسم يوحنا.
* ديونيسيوس الإسكندراني (+ 264)
لا يرى أنّ يوحنا الرسول هو الذي ألّف رؤ. فهناك يوحنا آخر دوّن هذا السفر. وأورد البرهان الذي نجده في التاريخ الكنسي لأوسابيوس. وبحسب هذا البرهان، نجد في أفسس مدفنين على اسم يوحنا. ويعلن ديونيسيوس أنّ لا شيء مشتركاً بين رؤ والإنجيل الرابع ورسائل يوحنا.
* أوسابيوس القيصري
بدا موقفه متردّداً بالنسبة إلى كاتب رؤ. ترك السؤال مفتوحاً، بل دافع عن "يوحنا آخر" غير الإنجيلي والرسول. وهذا ما كتبه في التاريخ الكنسي: 
"أن يكون هذا الكتاب ليوحنا، لن أعارض وأوافق على أنه كتاب رجل قديس وملهم من الله. ولكني لا أقبل بسهولة أن يكون هو الرسول وابن زبدى وأخ يعقوب، الذي ترك لنا الإنجيل "حسب يوحنا" و"الرسالة" الكاثوليكية. أظنّ، إنطلاقاً من الكلام ومما يسمّى ترتيب الكتاب أن ليس (يوحنا) نفسه... إنّ يوحنا لا يتكلّم في أي مكان عن نفسه، لا في صيغة المتكلّم ولا في صيغة الغائب. أما صاحب رؤ فيجعل نفسه منذ البداية في الواجهة... لم يقل، كما قال في الإنجيل مراراً، إنه التلميذ الحبيب إلى الرب، أو إنه استند إلى صدره... فالإنجيل والرسالة (الأولى) يتوافقان ويبدأان بالطريقة عينها... أما رؤ فهو يختلف كل الإختلاف عن هذين الكتابين ويبدو غريباً عنهما. إنه لا يرتبط بهما وليس بقريب منهما. ونستطيع القول إنّ رؤ لا يمتلك معهما لفظة واحدة".
لا يبدو من المعقول أن حكم أوسابيوس حول المسألة يستند إلى أبحاث شخصية في العهد الجديد. فهو قد اتبع وجهة ديونيسيوس الإسكندراني ومنه أخذ برهان المدفنين اللذين يحملان إسم "يوحنا". ويتابع أوسابيوس كلامه فيقول: "وهكذا بانت لنا بواسطة هذه الكلمات حقيقة الرأي الذي يقول بوجود رجلين بهذا الإسم في آسية (آسية الصغرى، أي تركيا)، وبوجود مدفنين في أفسس يُقال فيهما الآن انهما مدفنا يوحنا".
إنه لمن الأهمية بمكان أن ندرك الحسّ اللاهوتي الذي تمتّع به هؤلاء الكتّاب. ردّ ديونيسيوس الإسكندراني على الطرح الذي يعتبر الرسول يوحنا صاحب رؤ، وفي الوقت عينه طالب بقانونية هذا الكتاب، أي طلب إدخاله في اللائحة القانونية التي تتضمّن أسفار العهد الجديد. وإذ عدّد أوسابيوس في التاريخ الكنسي الكتب التي تعترف بها الكنيسة، ذكر أيضاً سفر الرؤيا وزاد "إذا بدا هذا صحيحاً". وجاء إثناسيوس الإسكندراني بعد بضع سنوات فأعلن في رسالة العيد التاسعة والثلاثين (367) التي كانت حاسمة بالنسبة إلى الكنيسة اليونانية، أعلن أنّ رؤ هو في عداد أسفار العهد الجديد القانونية السبعة والعشرين.
ج- إستنتاجات
توضّح السؤال حول قانونية رؤ. ويبقى السؤال حول كاتب رؤ. لا يزال الشرّاح يعرض أجوبة جديدة. أمّا نحن فنقدّم الإستنتاجات التالية: 
أولاً: يبدو أنّ يوحنا الرسول والإنجيلي ليس كاتب رؤ كما نقرأه في العهد الجديد. قد يكون دوّن داخل المدرسة اليوحنّاوية وبروح يوحنا. ولكن يداً أخرى دوّنته. وقد سمّى بعض التقليد هذا الكاتب: يوحنا الشيخ أو يوحنا الكاهن.
ثانياً: إنّ الذي نعم برؤى بطمس والذي يسمّي نفسه يوحنا (1: 1، 4، 9؛ 22: 8) قد يكون يوحنا الرسول نفسه الذي نقل فكره إلى "تلاميذه". وقد يكون شخصاً آخر عرف فكر الرسول وأسلوبه، كما عرف الأدب اليهودي الجلياني. قد يكون تلميذَ يوحنا أو سكرتيراً له.
ثالثاً: يستعمل رؤ رؤى سابقة ليوحنا، دوّنت في العالمين اليهودي والمسيحي: هذا ما تدلّ عليه الطبقات الأدبية واللاهوتية، والتكرارات والمعارضات والإختلافات. لن نقسم رؤ كما قسم الشرّاح أسفار البنتاتوكس إلى أربعة مراجع. ولكنا نقول بأن مدوّناً أخيراً صاغ النصوص الجليانية السابقة ليوحنا، ووضع لمساته زائداً أموراً عديدة أخذها من يوحنا نفسه (8:13؛ 8:17).
رابعاً: قد نستطيع أن نتكلّم عن كتّاب عديدين، توزّعوا على فترة من الزمن. وليس في الضروري أن تكون أقوالهم انتُقلت كتابة فقد انتُقلت بالشفاه والذاكرة. قد يكون أول "كاتب" صاغ القسم الجلياني يبدأ مع ف 4) منطلقاً من مراجع عديدة. وقد يكون جاء "كاتب" آخر فوضع لمسات "يوحناوية". وإذ أراد أن يجعل هذا التعليم آنياً وقريباً من الناس، جعل قبل النصّ الجلياني بحصر المعنى، الرسائل السبع إلى الكنائس، وهي تدلّ على زمان ومكان كتابة رؤ في شكله الأخير.
نحن هنا على مستوى الفرضيات. فالجواب الأخير حول كاتب رؤ لم يصل إلينا بعد.
خامساً: متى وأين دوّن رؤ
كتب إيريناوس (ليون، حوالي 200): "رؤي هذا الكتاب منذ زمن قريب. ولكن ما حدث فيه حدث خلال جيلنا، في نهاية حكم دوميسيانس".
نتذكر هنا أنّ القرارات المتعلّقة بعبادة الإمبراطور، قد ظهرت في. عهد الإمبراطور دوميسيانس، الذي امتدّ من 13 أيلول 81 إلى 18 أيلول 96. طرحت سؤالاً محرجاً على المسيحيين فعرّضتهم للإضطهاد. ثم نأخذ بعين الإعتبار أنّ أوسابيوس يجعل منفى يوحنا في بطمس في السنة 14 لحكم دوميسيانس. وهكذا يكون رؤ قد ظهر في شكله النهائي سنة 95 أو 96. قد يكون تدوينٌ أول تمّ على أيام الإمبراطور فسباسيانس (69-79). والتدوين الأخير في أيام دوميسيانس.
أين دوّن رؤ؟ في منطقة متأثرة بكنيسة أفسس. وما يدلّ على ذلك، الأشخاص الذين وجّهت إليهم الرسائل، والصعوبات والتوتّرات الموجودة بين المسيحيين.

3- يوحنا نبيّ في آسية الصغرى
من هو يوحنا هذا الذي وضع اللمسات الأخيرة على رؤ؟ ما هي علاقته بيوحنا الرسول؟ نقول: إن لم يكن كاتب واحد ألّف يو ورؤ، فهذان الكتابان قد دوّنا في المحيط نفسه. نحن في أسرة يوحناوية، في مدرسة يوحناوية.
ونطرح السؤال حول الدور الذي لعبه "يوحنا" هذا داخل الجماعة.
في بداية الكنيسة تأسّس تنظيم الجماعة على الرسل والأنبياء (1 كور 12: 28؛ أف 2: 20؛ 3: 5؛ 4: 11؛ أع 13: 1). ويبدو أن رؤ عرف فقط الأنبياء بجانب الرسل (18: 20، 24؛ 22: 9): "إفرحوا أيها القديسون (أي المؤمنون) والرسل والأنبياء". "شوهد دم الأنبياء والقديسين وجميع الذين سقطوا قتلى في الأرض". "أنا عبد مثلك ومثل إخوتك الأنبياء وجميع الذين يعملون بكلام هذا الكتاب".
كان الأنبياء متجوّلين، أو هم ارتبطوا بجماعات تقوم بأودهم. قال تعليم الرسل (ديداكيه): "تأخذ من كل بواكير معصرتك وبيدرك وبقرك وغنمك، وتعطيه للأنبياء، لأنهم عظماء كهنتك". أما دورهم فيقوم بأن يعرّفوا الجماعات (بفضل الروح) إلى شهادة يسوع، ويحرّضوهم على ممارسة كلامه. إنّ إنجيل متى يتحدّث مراراً عن الأنبياء (مت 23: 34: ها أنا أرسل إليكم أنبياء وحكماء وكتبة) فيعطينا فكرة عن التنظيم الكنسي في زمان كتابة رؤ.
في نهاية القرن الأول، حلّ محلّ هذا التنظيم الأوّل نمطٌ جديد من البنية "الملكية" المؤسسة على الأسقف وحلقة الكهنة والشمامسة. هذا ما يشهد له تعليم الرسل الذي دوّن في ذلك الوقت. ففي ف 11-13، عالج السلوك الواجب تجاه الرسل والأنبياء، فيما يخصّ التمييز والإستقبال والأجرة. وفي ف 15 (قد تكون نسخة ثانية) نقرأ: "إختاروا أساقفة وشمامسة يليقون بالرب. رجالاً ورعاة، متجرّدين، صادقين وممتحنين، لأنهم يقومون تجاهكم بوظيفة الأنبياء والمعلّمين. إذن، لا تحتقروهم. بل كرّموهم كما تكرّمون الأنبياء والمعلّمين".
إستعاد الأسقف الإرث النبوي ووجّهه نحو التعليم والتدبير المادّي. زال الشهود الرسوليون، وامتدّت الكنيسة ووجدت الإنشقاقات والهزطقات. كل هذا دفع الكنيسة لكي تكيّف تنظيم السلطة فيها. وهكذا سوف نرى أساقفة في كل آسية الصغرى. ولكن حين يطلب اغناطيوس الأنطاكي أن يحتفل بالأفخارستيا حول الأسقف، فهذا يعني أنّ الفكرة لم تدخل بعد في جميع العقول.
دوّن رؤ سنة 95 (أو 96) فلم يذكر إلاّ الأنبياء. وهكذا حيث يتحدّث رؤ عن ملاك كل كنيسة، نفكّر في المسؤول عن تلك الكنيسة دون أن نحدّد صفته. والتنظيم المسيطر هو التنظيم النبويّ الذي لا يزيله إلى فوضى المونتانية في القرن الثاني.
إذن، يوحنا "نبيّنا" ليس شخصاً منعزلاً يعيش على هامش الجماعة، ولا عضواً في مجموعة غريبة جاءت من فلسطين إلى أفسس. إنه مسؤول في الجماعة. وهو يشارك الجميع في تحمّل الإضطهاد والجهاد في الإيمان. هذا ما كلّفه المنفى إلى بطمس. إنه قائد مجموعة الأنبياء الموزّعين على الكنائس السبع. موضعه مميّز وهو يشبه موضع بولس في الكنائس التي أسّسها. وستكون له حرب مع حلقات نبوية أخرى، لأنه يراها تميل في تعليمها عن الإيمان المستقيم (2: 14، 20- 24).
كيف تصوّر هذا "النبي" تعليمه في رؤ؟ نحن أمام وحي. أمام كشف لعمل يسوع بواسطة يسوع نفسه. هو لا يستعمل "أبوكالبسيس" (وما فيها مني خفي) إلاّ في هذا الموضع. أما فعل "أبوكالبتاين" فلا يستعمله أبداً. إنه يفضّل كلمة "شهادة". فما يهمّه هو الخبرة النبوية المسيحية لا سيّما تلك التي في خطّ بولس الرسول الذي قال في رسالته إلى غلاطية: "إنّ الإنجيل الذي بشّر به على يدي، ليس هو إنجيل بشر. لأني ما تسلّمته ولا تعلّمته من إنسان، بل بوحي يسوع المسيح" (1: 11- 12).
وتعليم هذا النبي هو تعليم في زمن الإضطهاد. تعليمه هو تعليم رعائي. فبداية رؤ هي بداية رسالة، لا بداية مؤلف نظري. "من يوحنا إلى الكنائس السبع في آسية" (1: 4). والتمنّي الأخير في 22: 21 (فلتكن نعمة الرب يسوع معكم أجمعين) يذكّرنا، شأنه شأن البداية، برسائل القديس بولس.
كتب يوحنا إلى مجموعة كنائس تعيش حالة من الإضطهاد. سمّى دوميسيانس نفسه "الربّ والإله". وما طلب من المسيحيين هو عبادة الإمبراطور ومن خلالها عبادة الدولة. أراد يوحنا أن يواجه هذا الوضع الخطر للكنيسة، فكتب رؤ. فهناك مسيحيون يساومون محاولين التوفيق بين الإيمان المسيحي وسلوك يستوحي متطلّبات العالم الوثني بما فيه من شرك وعبادة أصنام. هذا هو وضع النقولاويين في 2: 6، 15. إكتشف يوحنا الخطر ونبّه المسيحيين إليه. كتب فذكّرهم بإيمان الكنيسة الأولى، وحاول أن يسلّحهم في هذا الجهاد مصوّراً لهم انتصار الحمل وداعياً إياهم إلى قرار حازم يفرض عليهم متطلّباته.
فإذا أردنا أن نفهم رؤ، نضع أمامنا الظروف السياسية والإجتماعية الملموسة التي وجدت فيها الكنائس نفسها. هناك وضع حاضر تعيشه الآن الكنيسة في عهد دوميسيانس بعد أن انفصلت عن العالم اليهودي، فلم يعد لها وضع قانوني تستند إليه. وهناك وضع سابق تعود إليه أيام الإمبراطور نيرون الذي قُتل في أيامه بطرس وبولس وعدد كبير من المسيحيين. ويتساءل الكاتب: هل زالت الكنيسة في زمن نيرون؟ الجواب هو كلا. والبرهان هو أنها ما تزال حيّة الآن، وهي تنتشر يوماً فيوماً داخل العالم الروماني وخارجه. فلماذا نخاف اليوم في عهد دوميسيانس؟ الله هو أمين. وأبواب الجحيم لن تقوى على كنيسته. هذا هو اليقين الذي أراد رؤ أن يزرعه في قلوب المؤمنين