البوقان الخامس والسادس

 

 

تصوّر الرؤية الخامسة والرؤية السادسة بشكل مطوّل. فما يحصل هو متشعّب ومليء بانطباعات جديدة، يتعب الكاتب ليجد صوراً يعبّر بها عنها. إنه لا يستطيع أن يصوّر ما هو مخيف. وتتردّد أداة التشبيه (كأن) في 9: 3، 5، 7، 8، 9، 10 فتجعلنا نستشفّ الصعوبة في الإحاطة بهذه الخبرة بواسطة ألفاظ بشرية. وتذكّر أحداث تاريخية ومخاطر الحرب (ولا سيما الفراتيين الآتين من الشرق) يتداخل مع عبارات مأخوذة من العهد القديم (خر 10: 14 ي؛ يوء 1: 1ي).
وصورة الجراد تصل إلى اللامعقول وإلى الغريب والشواذ. نحن نعرف منذ البداية أننا لسنا أمام الجراد، بل أمام كائنات هائلة (وربّما أمام أمراض داخلية وقلق يتجاوز كل تصوير) لا نستطيع أن نتصوّرها بشكل ملموس مهما كانت مخيّلتنا واسعة.

1- البوق الخامس أو دخان الهاوية (9: 1- 11)
نحن هنا أمام غمامة من الشياطين تهاجم الإنسان المتمرّد دون أن تقتله.
أ- المشهد (9: 1-3 أ)
عرفت كتب الجليان اليهودي أن تدلّ على ملاك لا إسم الله بكلمة "كوكب" أو "نجمة". ولكننا هنا أمام ملاك سقط من السماء منذ زمان بعيد (لم يره الرائي ساقطاً)، وسقط إلى الأبد (هذا ما تدلّ عليه صيغة الفعل). فإبليس أو أحد محازبيه هو على الأرض، وقد نال من الله سلطاناً بأن يعمل في وسط العالم مع الشبيهين به. نتذكّر هنا أي 1: 12 بالنسبة إلى المعنى.
إقترب إبليس من الهاوية التي هي المكان العادي لإقامة الشياطين (لو 8: 31؛ 2 بط 2: 4؛ يهو 6) ولاويتان وسائر الوحوش البحرية التي ترمز إلى الشرّ والخطر بكل أشكاله. هذه الهاوية تقع تحت الأرض وتتصل بالأوقيانوسات، كما تتصل بالأرض نفسها عبر "مدخنة" ضيقة. هذه "المدخنة تسمّى "بئر الهاوية" التي يغلق بابهَا حجرٌ ضخم (أي 38: 30) يوصده (ويختمه. نحتاج إلى مفتاح لكي نفتحه) ليمنع الملائكة الجاحدين من الخروج منه، والدخان الكثيف الذي يسيطر عليه من التفلّت منه. الصورة الجغرافية لهذا الممشى الذي يصل الهاوية بالأرض هي وادي هنوم (جا- هنوم أي: جهنّم) الواقع جنوبي أورشليم: فالأفران العالية التي تشتعل باستمرار من أجل العاملين في المعادن والفخّار، تخرج النار والدخان اللذين يذكّران الناس بالذبائح البشرية التي كانت تنحر سابقاً في هذا الموضع المشؤوم (2 مل 16: 3؛ 32: 35). ومهما يكن من أمر، نرى أن الطريق ستكون مفتوحة للمجرّب ورجاله. أجل، جاءت ساعة التجربة دون أن تكون ساعة التجربة المطلقة التي يسقط فيها كل إنسان.
ونقدّم بعض الملاحظات على المستوى الأدبي. تتكرّر أربع مرّات لفظة "بئر" ولفظة "دخان". وترد لفظة "هاوية" ثلاث مرات: مرتين هنا ومرة في 9: 11 بشكل تضمين. وترد أداة التشبيه "كأن" تسع مرات، ولفظة "أشبه" أربع مرات. وهكذا نفهم الصعوبة التي يحسّ بها الكاتب لكي يعبّر عن شعوره. والدخان الذي يخرج من البئر يملأ الكون ظلمة، وهذا ما يساعد المجرّبين في عملهم (يو 3: 20). هم يأتون بشكل جراد ويسيطرون على البقعة التي منها ينطلقون.
ب- عمل الجراد (9: 3 ب- 6)
إن تذكّر ضربة مصر التاسعة (خر 10: 1- 20) وقول يوء 1: 2-2: 11، يختفيان وراء هذه اللوحة التي دوّنت بشكل مبتكر جداً. على كل حال، هذا الجراد ليس بجراد. إنه "شبه" جراد (آ 7): فنحن نعلم أنه لن يلعب دوره العادي كمدمّر للمحاصيل. إن الأبواق الأربعة الأولى قد عبّرت عن انتفاضات الطبيعة ساعة إعلان قصد الله. أما البوق الخامس فيهتمّ الآن بالبشر الذين لا يملكون ما يدافع عنهم، لا يملكون السمة الإلهية المرسومة على جباههم، والتي تشبه، "ترس الإيمان" (أف 6: 16). إن الجراد سيفعل كالعقارب (آ 3، 5، 10)، تلك الحيوانات المخيفة بعضّتها التي لا تقتل بل توجع: نحن نحتاج إلى معونة الله لكي نتخلّص منها (تث 8: 15). الفكرة قريبة مما نجد في لو 10: 18-19: "كنت أرى الشيطان يسقط من السماء كالبرق. لهذا أعطيتكم سلطاناً بأن تدوسوا الحيّات والعقارب وكل قوّة العدوّ".
إن حرّية العمل التي تركها الله للمجرّبين محدودة مرتين. من جهة، لا تستطيع أن تقرّر موت البشر، بل تكتفي بأن تعذّبهم (حياتنا هي بيد الله). هذا ما نراه أيضاً في 11: 10 حيث يُنزل الشاهدان بسكّان الأرض عذاباً جديداً (رج 12: 2؛ 14: 10؛ 20: 10؛ العذاب في 14: 11؛ 18: 7، 10، 15). ومن جهة ثانية، سيمتدّ العذاب فقط خمسة أشهر. هذا التمديد الذي يعود أيضاً في آ 10، هو غير متوقّع وفريد (على ما يبدو) في كل الأدب الجلياني. هل نحن أمام تلميح إلى معدّل طول الحياة لدى الجراد؟ كلا. فالعالم الجلياني لا يتوقّف عند الدقّة الحسابية، بل عند اللغة الرمزية. ويرد الرقم خمسة في 17: 10 (خمسة سقطوا) ليصل بنا إلى الرقم سبعة. هل نحن أمام نصف الرقم عشرة الذي يعني زمناً قصيراً؟ هل زمن المجرّب هو خمسة من 12، أي خمسة مقابل سبعة (عدد الكمال) المحفوظة للمسيح؟ يبقى هذا التفسير معقولاً، مع أن زمن المسيح هو 1260 يوماً، أي سبعة أنصاف سنة (1/2 3). ومع هذا، فالخمسة أشهر المذكورة هنا هي الزمن الذي فيه يتضايق البشر من عضّات العقارب فيطلبون الموت ويرغبون فيه. أمّا الرقم سبعة فيرتبط ارتباطاً رمزياً بالحياة والحياة مع الله.

ج- تصوير الجراد (9: 7- 10)
إن تصوير سكان الهاوية الذين ينتشرون في الأرض، أمر له معناه. فهو يحاول أن يفهمنا طبيعة الحرب التي يقومون بها ضدّ البشر. وهذه الحرب نستشفّها في السمات التي تميّز "شبه" الجراد هذا.
هذه السمات الثماني تصوّرها الكتاب في شكلها العام الذي هو شكل الخيل. ثم تأتي التلميحات إلى رؤوسها ووجوهها وشعرها وأسنانها وصدورها وأجنحتها وأذنابها.
هذه "الحيوانات" ليست بمسالمة. وهدفها هو الحرب. لأنها تشبه الخيل الذي لم يسُتعمل في إسرائيل إلاّ للحرب (1 مل 10: 26- 29) والذي يقف مزاحماً لإيمان بالله (مز 20: 8؛ 33: 17؛ أش 30: 16). أما القاسم المشترك بين الجراد والخيل فهو السرعة.
والهدف النهائي لهذا القتال هو الوصول إلى السلطة والملك (موضوع الأكاليل)، الوصول إلى الغنى والرفاهية (موضوع الذهب). ولكن النصّ يشدّد على أنها ظاهر السلطة وظاهر الغنى. لشبه الجراد وجوه رجال وشعر نساء. نحن أمام مزيج من إثنين يكرهه شعب إسرائيل (تث 22: 5، 9- 11؛ لا 19: 19؛ 1 كور 11: 14-15)، ويدلّ على الفوضى في الخلق، وعلى العودة إلى الخواء. إنّ تسلّط الشيطان على البشر يمارَس على حساب التناسق في العالم. ولكن المجرّب ورفاقه يتظاهرون بوجوههم التي تبدو كوجوه بشرية. إنهم من البشر، مع أنهم "بشر كاذبون"، بشر مزيّفون (أبو الكذب، يو 8: 44). وتزيّن الجراد بشعره النسائي، بزينة الغواية (نش 4: 1؛ يه 10: 3؛ 2 مل 9: 30؛ أش 3: 14). أخذت قوى الهاوية ظاهر الملاطفة والفتنة، فبدت بشكل رفاق طيبين ومن أهل البيت. أما هدفها في الواقع فهو الإفتراس والتمزيق والأذيّة بأسنانها الأسدية. هي تمزّق بلا رحمة ولا شفقة، وكأنها لا تحسّ بما تسبّبه من عذاب للآخرين: صفّحت صدورها بالفولاذ فلا تدخلها الرأفة.
تسلّح الجراد بهذا الشكل، فانطلق إلى الحرب في حفيف أجنحة يشبه تحرّك المراكب. ولكن الخدعة تلعب في هذا القتالة: فالجراد لا يهاجم وجهاً لوجه، بل بذنبه. وهكذا يسيء إلى البشر.
وقبل تقتل الله الذي يتجاوب مع صلاة القديسين فيأتي ليعيد إلى الخليقة تناسقها، يقاسم "سكانُ الأرض" (أي الكائنات اللحمية التي ينقصها الإيمان الحقيقي) الهزّات في الكون (الأبواق الأربعة الأولى)، وتهاجمها تجارب عديدة تقلقها. وعلى الشيطان أن يعجّل ويُعمل الفكر لأن أهدافه التي تؤذي كلسعة العقارب (سلطة، إحتلال، قساوة، مال)، يجب أن تأخذ شكلاً صالحاً يخفي طبيعتها الحقيقية وهي مزاحمة الله في أهدافه. وعليه أيضاً أن يبرز مثالاً هو في النهاية عودة معمّمة إلى الخواء وإلى نهاية الخليقة بشكل مطلق (إلى العدم).


د- خاتمة (9: 11-12)
يقول أم 30: 27 إن لا ملك للجراد. ولكن بما أننا هنا أمام شبه جراد، فقد صرنا خارج القاعدة. ملك هذه الحيوانات هو من طبيعتها. إنه ملاك الهاوية. ويحمل إسماً يدلّ على مهمته ومهمّة رجاله. في العبرية، إسمه "أبدون" أي الهلاك، الدمار. ترتبط هذه اللفظة مع "شيول" (مثوى الأموات) في أم 15: 11؛ 27: 20؛ أي 26: 6. ومع القبر في مز 88: 12. نجد فكرة تدمير الحياة في أي 31: 12. ويصبح الموت والدمار شخصين حيّين في أي 28: 22. وسيتقوّى هذا التشخيص شيئاً فشيئاً في الأدب اليهودي المتأخّر، فلا يعود "أبدون" فقط "الشيول"، بل مسكنه الأعمق، وهاوية الهاويات. وهكذا ما يتوخّاه ملك الجراد بفضل حيله هو موت الإنسان النهائي والذي لا مفرّ منه.
وهو يحمل أيضاً في اللغة اليونانية إسم "أبوليون". هو شخص يدمّر الآن ودائماً (إسم الفاعل). لماذا هذا التحديد؟ من أجل التقارب بين أبدون (المدمّر) وأبولون إله الحب (شعاره هو الجرادة) الذي يُعبد في كل مكان ولكنه يدمّر الإنسان في العمق. هذه بداية القتال، يبقى علينا أن نتحدّث عن مرماه الحقيقي.

2- البوق السادس أو جيش النار (9: 13- 21)
أ- مدخل إلى التفسير
هذه الضربة السادسة تشبه سابقتها وتبرز في إطار النار كما في الأبواق الأربعة الأولى (8: 5). إن هجوم الخيل يبدو شبيهاً جداً بهجوم الجراد بحيث نميّز بصعوبة التسلسل بين لوحة ولوحة والتطوّر بين فكرة وفكرة. وما يبرز هنا هو المذبحة الكبيرة التي يقوم بها 200 مليون من الفرسان. وهي مذبحة تتجاوز إلى حدّ بعيد "الأذية" التي سبّبها الجراد. حين تحدّثنا عن الجراد كنا خائفين من دمار يتعدّى أذيّة بسيطة، ساعة دلّت هذه اللفظة على عمل الفرسان (9: 19). فإذا عدنا إلى التطويبة التي في رأس الكتاب (طوبى للذي يقرأ ويسمع ويعمل، 1: 3) أدركنا أن المعنى هو في مكان آخر.
يجب أن لا ننسى ترابط مشاهد رؤ بحيث يوضح مشهدٌ معنى مشهد آخر. فمشهد الجراد ومشهد الفرسان قريبان من مشهد وحش البحر ومشهد وحش البرّ. فنحق نجد التقابلات التالية:
- من جهة، يخرج الجراد من الهاوية (9: 1) المرتبطة ارتباطاً عضوياً بالأقيانوس، وإن لم تكن هي الأوقيانوس. وكذا نقول عن الوحش الأول. هو يخرج من البحر (13: 1) الذي هو في نظر رائي بطمس البحر المتوسط، ووجهة الغرب. ويتحدّث الجراد ووحش البحر عن موضوع واحد هو الحرب (9: 7، 9؛ 13: 4- 7).
- من جهة ثانية، ينطلق الفرسان من شواطىء الفرات (9: 14) ويخرج الوحش الثاني مني الأرض (13: 11). كلاهما ينتميان إلى وجهة الشرق. وهكذا ترتسم خطّة الكمّاشة التي أسنانها الجراد ووحش البحر ثم الفرسان ووحش البرّ. ويختلف هذا "الزوج" عن سابقه: إنه لا يحارب، بل يعمل بالنار (9: 13، 18؛ 13: 13).
وما الذي يميّز الجراد والفرسان عن وحش البحر ووحش البرّ؟ يُذكر المذبحْ الذهبي (9: 13) فيدلّ على أن الجراد والفرسان يتدخّلون على أثر صلوات القديسين. ويتحدّد موقع عملها قبل ذكر الموت والقيامة. وضررهم يتوجّه فقط على البشر الذين لم يُحتموا بسمة الله (9: 4). أما الوحشان فلا يظهران إلا بعد أن يدعوهم التنين الذي يرتبطان به ارتباطاً تاماً (13: 2، 11). وعملهما يتوجّه على القديسين، على المسيحيين (هذا هو وضع الوحش الأول، 13: 7) ثم على البشرية كلها (وضع الوحش الثاني، 13: 16).
يبقى أن نحدّد العلاقة القائمة بين الجراد والفرسان، وهي علاقة تتوازى مع تلك التي تجمع وحش البحر ووحش البرّ. إنّ تحليل المقطوعة السابقة جعلنا نرى في الجراد تجربة السلطة والغنى، وهي تجربة تسحر لكنها تخون لأنها تقودنا إلى الخواء. وفي صورة الفرسان نكون أمام تجربة الشرك وعبادة الأوثان. وهذا التطوّر الجهنّمي سوف نقرأه في ظهور الوحشين اللذين يتكلّمان باسم التنين فيدلاّن على ما في هذه التجارب من أشكال ملموسة وهائلة.
ب- طلائع تندر بالخطر (9: 13- 14)
"ونفخ الملاك السادس بالبوق، فسمعت صوتاً خرج من القرون الأربعة لمذبح الذهب الذي أمام الله" (آ 13). هو المذبح المذكور في 8: 3. إذن، هناك رباط خاصّ بين ليتورجية في: 3-5 والبوق السادس. قد يكون الصوتُ صوتَ الملاك الذي له سلطة على النار (14: 8). فالأحداث التي يثيرها الصوت تبدو جواباً على صلوات المؤمنين (على مثال الأحداث السابقة). أجل، جاء جواب الله من مذبح الذهب الذي يرمز إلى صلوات المؤمنين.
"أطلِقِ الملائكة الأربعة المقيدين على نهر الفرات" (آ 14). لسنا هنا أمام ملائكة صالحين على مثال أولئك والذين أمسكوا رياح السماء (7: 1) لئلا تحدث ضرراً. غير أنهم قد يكونون قُيِّدوا لخطيئة كبيرة اقترفوها. وحين حرّرهم الله والحمل، أطلقوا العنان للقوى المدمّرة (1 أخنوخ 66: 1). نجد وراء هذا التصوير كل خبرة إسرائيل التاريخية التي طبعت مخيّلته الجماعية.
نهر الفرات هو الحدّ الذي بعده لا تسمّى الأرض أرضاً مقدّسة وأرض موعد (تك 2: 14؛ 15: 18؛ تث 1: 7). هو حدود قوى الخواء في الشرق كما البحر في الغرب. إن هذه البلدان البعيدة في الشرق قد شكّلت تهديداً صار أمراً ملموساً مرّات عديدة (أشور، بابل، أش 8: 7). وسيكون خطيراً في نهاية الأزمنة مع اجتياح جوج، ملك ماجوج (حز 38-39). لقد استعمل الله هذه الشعوب كأداة يعاقب بها شعبه ويربّيه، قبل أن يعاقب هذه الشعوب على قساوتها المفرطة في هزيمة تصوّر مسبقاً الدينونة الأخيرة (أش 10: 5- 19؛ زك 14: 1 ي). إذن، نحن هنا أمام تقليد جلياني يهودي ينسب إلى الملائكة دور المجتاحين الآتين من الشرق الذين يوكلهم الرب بمهمة دمار موقتة.
نستطيع أن نرى هنا تلميحاً إلى خطر آتٍ من الشرق، آتٍ من عند الفراتيين. كان نظر رومة دوماً إلى الشرق من حيث تأتي الجيوش الفراتية، كما إلى الغرب بسبب البرابرة الذين لن يوقفهم شيء عن اجتياح الإمبراطورية في القرن الخامس.
حين عقد الله عهداً مع إبراهيم، وعده ونسله بأرض تمتدّ من النيل إلى الفرات (تث 11: 24؛ يش 1: 4؛ تك 15: 18). كان الفرات يشكّل الحدّ الفاصل بين شعب إسرائيل وأعدائه الرئيسيين. في أش 8: 5-8، تصوّر الجيوش الأشورية كطوفان عظيم "يعلو على جميع جداوله ويطغو على كل شطوطه ويندرىء على يهوذا". والفرات هو أيضاً حدود المملكة الرومانية في الشرق: هناك هُزم كراسوس سنة 53 ق. م، ثم استسلم ولجش سنة 62 ق. م. قد يكون يوحنا انطلق من هذا الواقع ليقدّم لنا صورة اسكاتولوجية تدعو الناس إلى التوبة. فرقم 200 ميلون مع الموت الذي يحمله هو حدث اسكاتولوجي يحمل الهول إلى البشر.
ج- عمل الفرسان (9: 15- 19)
جاءت الساعة التي فيها يتعرّف الله إلى أخصّائه. والشيطان هو أيضاً مستعدّ، وسيرسل حملاته العسكرية. ويرى رؤ في تفاؤله أن ثلث البشر فقط سيقع في فخاخ الوثنية. لسنا هنا أمام حرب حقيقية وحّمام هائل من الدم. فالفرسان ليسوا مجهّزين لهذا العمل، ولا يحملون أي سلاح هجومي. فقتل ثلث السكان صورة تشبه تحرير أربعة ملائكة مقيّدين. فالإبتعاد عن الإله الحقيقي والتعلّق بالأصنام هو مسيرة إلى الموت. "أصنام الأمم معثرة لنفوس الناس" (حك 14: 11). وعبادة الأوثان تعارض الوصية الأولى من الوصايا العشر وهي وحدها الخطيئة التامة الأساسية التي تلغي الخليقة، هي خطيئة تقود إلى الموت (روم 5: 12).
وتكاثر الملائكة الأربعة فصاروا جيشاً من 200 مليون فارس: هذا أعظم رقم يُذكر في الكتب المقدسة، شرط أن نضع جانباً دا 7: 10 حيث نجد 10 مليارات من الناس يقفون أمام الله. كان سكّان الإمبراطورية، على ما يبدو، 80 مليوناً في القرن الأول. وسكان العالم: 200 مليون. لسنا هنا أمام إحصاء دقيق بل أمام فكرة تقول إن كل إنسان قد أصابته تجربة الشرك.
"فانفكّت قيود الملائكة الأربعة" (آ 15). الله يراقب كل شيء ويسيطر على مجرى الأمور، كما يضع حداً لهذه الأعمال السلبية: ساعة دخول الملائكة على المسرح. ثم القوّة المدمّرة، ثلث البشر. هذه النسبة هي التي وجدناها في الأبواق الأربعة الأولى.
"عدد جيش الخيّالة" (آ 16). وجود أل التعريف، يدل على أنهم معروفون. ونحس هنا أن الكاتب يوجز تقاليد واسعة كما فعل 2 مك حين دوّن كتابه. والأرقام الهائلة (20.000 × 10.000= 200 مليون، 5: 11؛ دا 7: 10) والسمات المخيفة تدلّ على أننا أمام رمز لا أمام واقع تاريخي حقيقي. لم يكن للكاتب وقت بأن يحُصي هذا الجيش، بل سمع عدده (رج 7: 4).
"وتراءت لي الخيل" (آ 17-19). وسيصوّر الخيل لا الخيّالة ما عدا في آ 17 أ (على الفرسان دروع من نار). وتذكّرنا الصورة بصورة الجراد (9: 7- 10). ولكن الجراد عذّب الناس أمام الأفراس فقتلهم. وما نلاحظه هو الطابع الناري الذي يميّز سباعية الأبواق (مع أننا لا نجد في البوق الخامس إلاّ الدخان. لا ننسى أن النار تدلّ على الله). نتخيّل هنا نار حريق ينتقل بسرعة من مكان إلى آخر.
والألوان: هو كبريت يحترق. والنيران صفراء، حمراء مثل رؤوس أسُود. والشعلة الصغيرة هي زرقاء. ويصوّر الكاتب الشكل والحركة. الدروع هي مقدّمة النار التي تخرج من أفواهها نيراناً جديدة. الفم هو قلب النار التي منها تخرج النار والدخان والكبريت. والأذناب طويلة ومشتعلة وهي تتحرّك بسرعة، وتستطيع أن تصبح بدورها أفواهاً جديدة ومراكز تدمير عديدة. هنا نستطيع أن. نتذكّر سدوم وعامورة.
يُذكر الفم ثلاث مراث (آ 17، 18، 19)، وكذلك الرأس (آ 17، 18، 19) وعمل القتل (آ 15، 18، 20). أمّا الأذناب فتذكر مرتين في آ 19. والسلاح مثلّث وكذلك الإستعراض. من جهة، هناك النار والدخان والكبريت الذي يخرج من أفواهها (آ 17-18). ومن جهة ثانية نجد صفات صدور الخيل: نار، ياقوت، كبريت (آ 17). فالصدر الذي يحتوي القلب (مركز الفكر) هو من ذات الطبيعة التي يبصقها الفم (عضو الكلام). والحال، ارتبطت النار والدخان والكبريت بعبادة الأوثان (14: 10- 11). وأحمر الياقوت (صديق أبولون في اليونانية) هو لون الأصنام البيبلي (إر 10: 9؛ حز 23: 6).
إن مثل هذا التجميع للصور والتشابيه يدلّ على تقدّم الشّر في موجات متلاحقة، لا على تهديد بالحرب فقط. فقدرة الخيل تكمن في أفواهها وأذنابها (9: 19). نحن في النهاية أمام شياطين (كبريت) ينفّذون دينونة ملغزة يكون ضحيتها أتباعهم أنفسهم.
وهكذا يعمل الفرسان بكل كيانهم (من الرأس إلى الذنب)، بكل قواهم (صورة الأسُود)، بكل عقلهم (الصدر)، بكل خطبهم (الأفواه)، بحيلهم التي أخذوها من آبائهم (الحيّات). ينشرون النار المحرقة والدخان الذي يعمي والكبريت الذي يعقّم (أش 34: 9). وهكذا يهلك في سرابهم ثلث سكان الأرض. أجل، جاء الوقت الذي فيه يأخذ المجرم "جسداً" ويصبح واقعاً، وذلك حين يقدّم الوحش الثاني صورة صادقة عليها نار السماء ليعبدها العالم (13: 13- 14).
د- الخاتمة (9: 20- 21)
وننتظر الخاتمة لنعرف أن الموضوع هو الشرك ورفض الله. لنعرف أن الثلث قُتل. أن الجميع أُصيبوا. لم يرتدّ أحد ولم يتخلّ عن عبادة الأوثان (آ 20) ولا عن نتائجها (آ 21). الأصنام هي هنا، وهي مذكورة في ترتيب تناقصي على مستوى الكرامة (ذهب، فضة، نحاس، حجر، خشب) وفي ترتيب تصاعدي على مستوى العقم الشخصي (رأى، سمع، مشى). في هذا الوقت يُنتج عبّادها المتأثرون بها كل الثمار المحرّمة في الوصايا العشر (القتل، السحر، الزنى، السرقة).
"وأما البشر الذين نجوا من هذه البلايا" (آ 20- 21). فنا نجد الهدف العميق لضربات الله. فالله لا يحبّ الدمار. فمتطلّبات قداسته تحرق الإنسان الخاطىء، أو بالأحرى تحرق خطيئته وتدعوه إلى التوبة. من يرفض أن يشتعل يحسّ بنار حبه وكأنها نار غضب. وكان سفر الحكمة قد حدّثنا عن حكمة الله حين يعاقب: ما يتوخّاه هو ارتداد الإنسان. ولهذا يجعل عقابه مناسباً (حك 12: 9-10). ولكن ضربات مصر جعلت الفرعون يقسيّ قلبه (خر 11: 10). وبلايا الأبواق الستة لم تجعل سائر البشر يعودون إلى الرب (أع 15: 17).
"ما تابوا ممّا فعلت أيديهم". ليس الموضوع سلوكهم العام، بل الأصنام التي بها يرفض الإنسان أن يسلّم ذاته إلى الله وحده (تث 4: 28؛ مز 115: 4؛ 135: 15؛ إر 1: 16؛ دا 5: 4، 23؛ رج 1 كور 10: 19-20). "ما تابوا عن القتل والسحر". في آ 20، وجدنا مبدأ الشرك. وفي آ 21، نتائجه الأخلاقية (21: 8؛ 22: 5؛ رج روم 1: 18-23، 24- 32). إن لائحة هذه الرذائل (مت 15: 19؛ غل 5: 20) تتجذّر في ليتورجيا العماد وفقاهته، إنها ترسم حدوداً لا نستطيع بعدها أن نحيا حياة يلهمها الإيمان المسيحي.
وهكذا يري رؤ أنّ البلايا تدشّن الدينونة وتفصل البشر إلى فئتين: فئة الإيمان وفئة عبادة الأوثان. فئة الطاعة للوصايا وفئة التخليّ عن الأخلاق. ولكن الله لا يستسلم لغياب التوبة هذا. فقبل أن تجيء النهاية، على الكنيسة أن تقوم بمهمتها كنبيّة وشاهدة لله فيبلغ إعلان دينونة الموت والحياة إلى جميع البشر ويمنحهم مهلة للتوبة.
ماذا نختار؟ الملاك المقيّد بوجه أسد، أو الإله الذي أُنزل عن عرشه بوجه حمل؟ هل نختار الإله الواحد أو إبليس الذي هو لجيون، عديدون (9: 16؛ رج مر 5: 9)؟ هل نختار الصنم أم صورة الله الحيّ؟ هل أصبحنا لا نقدر أن "نبصر ونسمع ونمشي"؟

خاتمة
ماذا نتعلّم من هذا النصّ؟ ثلاثة أمور:
- لقد أُصيب الناس أنفسهم بالأحداث التي أعلنها البوق الخاص. هزّت بلايا الأبواق الأربعة الأولى الكون، ولكن الخليقة لم تُصب بأذى (9: 5). أما الآن، فالبلية أعظم. ففي البوق الخامس، سيتعذّب البشر خمسة أشهر (9: 5). أما في البوق السادس فسيموت ثلث البشرية (9: 15). لم يسمع البشر تهديد الله ونداءه إلى التوبة. فمن أدار ظهره لإله الرحمة والغفران، ذهب إلى لقاء إله العقاب والغضب.
- إنّ سّر الإختيار. والختم الإلهي صار مفهوماً فهدّأ روع المؤمنين. فالذي لما يختم على جبهته بالختم الإلهي ليس "هالكاً" بذات الفعل. فالله يعطيه نعمة، يعطيه مهلة: ولكنه سيرفض هذه المهلة ولا يتوب كما تقول آ 20 و آ 21.
- إن التعليم المتعلّق بالشيطان الذي سيسمّيه بولس الرسول "إله هذا العالم" (2 كور 4: 4) هو جزء من التعليم المسيحي. فالشيطان الذي يصوّر كأنه "كوكب سقط من السماء على الأرض" (9: 1؛ رج سي 10: 12-13؛ يو 8: 44؛ 2 تس 2: 4) هو قوّة شخصية، هو الشرّير (زك 3: 1 ي؛ لا 7:16 ي؛ حك 2: 24؛ 2 بط 2: 4؛ يهو 6). له سلطة على الكون (البوق الخامس) وعلى البشر (البوق السادس). ولكن الشيطان لا يستطيع أن يمارس سلطانه إلاّ إذا أعطاه الله "مفتاح بئر الهاوية" (9: 1؛ رج أي 1: 6- 12).