تجلَّى الربّ يسوع وحوله موسى وإيليّا

 

في القرن الثاني المسيحيّ أراد مرقيون أن يكون الإنجيل على قياس فكره فألغى منه كلَّ ما يُشتمّ منه رائحة العهد القديم. ترك أناجيل متّى ومرقس ويوحنّا، واحتفظ من لوقا بعد أن طهَّره من كلِّ ما يرتبط بالعهد القديم. وأعلن: الحمد لله الذي اختار بولس ليقدِّم التعليم المسيحيّ ولكن جاء اليهود فشوَّهوا رسائله كما سبق لهم وشوَّهوا الأناجيل. هو ما كتب «إنجيله» الخاصّ، كما فعل تاتيان حين أطلق الدياتسّارون أو الإنجيل الرباعيّ، ولا ترك كتبًا مقدَّسة مثل ماني الذي أراد أن تكون كتبه كلُّها مدوَّنة قبل موته لئلاَّ تطالها يدُ التحريف. قل: لا مجال لوجود «الشريعة والأنبياء»، والإله الذي ارتبطت به غير إله يسوع المسيح. ونحن نتخيَّل إلى أين وصلت بنا هذه الهرطقات بحيث صار يسوع نبيًّا من الأنبياء، لا أكثر ولا أقلّ. والذروة في هذا الانحدار الذي لم يستطع أن يفهم الأناجيل وعظمة يسوع الذي هو ابن الله وكلمته، هو إنجيل برنابا الذي هو وحده «الإنجيل الحقيقيّ» ساعة الأناجيل كلُّها مزيَّفة.
أمّا هذا المقطع الإنجيليّ الذي نتأمَّله الآن، فيجمع العهد القديم إلى العهد الجديد. جذور كلام الله نجدها في العهد القديم، وكمال كلام الله وملء نوره نقرأه في العهد الجديد. جُعل موسى الذي يمثِّل الشريعة وإيليّا الذي يمثِّل الأنبياء بجانب يسوع حين تجلَّى على الجبل: «صارت هيئة وجهه متغيِّرة». لم يعد ذاك الوجه البشريّ الذي اعتادوا على رؤيته، بل شعَّ بإشعاع إلهيّ. وصار «لباسه أبيضَ لامعًا» (لو 9: 29). هو لباس القيامة قبل القيامة. والجبل الذي عليه تجلَّى، أي كشف فيه عن لاهوته، لا اسم الله في الإنجيل. قيل «تابور» الذي يعلو 562 مترًا عن سطح البحر، والذي اسمه اليوم جبل الطور (والطور كلمة سريانيَّة تعني الجبل). يقع إلى الجنوب الشرقيّ من الناصرة، على الحدود بين قبائل يسّاكر وزبولون ونفتالي (يش 19: 22). اعتُبر هذا الجبل مقدَّسًا، وسوف يدعو بنو زبولون ويسّاكر الشعوبَ إلى هذا الجبل لكي «يذبحوا ذبائح البرّ» (تث 33: 19). منذ الإنجيل إلى العبرانيِّين الذي هو منحول، وُلد في كنيسة مصر، اعتُبر جبل تابور موضع تجلِّي الربّ. كما اعتُبر هذا الجبل المكان الذي دعا فيه يسوع تلاميذه بعد القيامة، وقال لهم: «اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم» (مت 28: 16-19).
أمّا الإنجيل فلا يقول اسم هذا الجبل. فمنذ القديم اعتُبر الجبل موضع اللقاء بين الإله والبشر. لهذا كانت المعابد الكنعانيَّة على الجبال المشرفة على المدينة والتي دعاها الكتاب «المرتفعات»، حيث يمضي الشعب ويذبح ذبائحه ويوقدها بالنار (1 مل 22: 43، بالنسبة إلى الملك يهوشافاط أو يوشافاط). مثل هذه المعابد ندَّد بها سفر الملوك، وحاربها الأنبياء ولاسيَّما إيليّا على جبل الكرمل (1 مل 18).
أيكون الجبل «مسكن الآلهة ونهاية صعود الإنسان» فقط؟ بل هو جبل الله كما يقول مز 48: «عظيم هو الربُّ وحميد جدًّا في مدينة إلهنا. الجبل المقدَّس، الجميل، المرتفع، فرح الأرض كلِّها، جبل صهيون (أو: أورشليم المدينة المصونة) فرح أقاصي الشمال، مدينة الملك العظيم. الله في وسط قصورها كشف عن نفسه أنَّه الحصين» (آ 2-4). نلاحظ عبارة «أقاصي الشمال» لأنَّ جميع الجبال المقدَّسة كانت إلى الشمال بالنسبة إلى الشعوب: جبل سيناء بالنسبة إلى مصر. جبل حرمون بالنسبة إلى فلسطين، جبل الأرز الذي دُعيَ أرز الربّ، في ضهر القضيب والقرنة السوداء بالنسبة إلى فينيقية، جبل الأقرع بالنسبة إلى راس شمرا – أوغاريت. والسبب لأنَّ في الشمال تُشرق نجوم الدبِّ الأكبر. على الجبل مدينة الله، وإليها يمضي الحجّاج.
لهذا رأى عدد من الشرّاح أنَّ جبل التجلِّي هو جبل حرمون. فهذا الجبل حُرِّم الصعود إليه على الشعب، كما كان الأمر بالنسبة إلى جبل سيناء، حيث قال موسى للربّ: «لا يقدر الشعب أن يصعد إلى جبل سيناء، لأنَّك أنت حذَّرتنا قائلاً: أقم حدودًا للجبل وقدِّسه» (خر 19: 23). من أجل هذا دُعيَ «حرمون». أعلى قمَّة فيه 2814م. أنشد المزمور «ندى حرمون» (133: 3)، وتكلَّم ابن سيراخ عن «السرو في جبل حرمون» كما الأرز في لبنان والنخل في عين جدي والورد في أريحا (24: 14). ودعا النشيدُ العروس من «حرمون، من مرابض الأسود» (4: 8).
لماذا تحدَّث الشرّاح عن حرمون على أنَّه موضع التجلِّي؟ لأنَّ المشهد السابق جعلنا في قيصريَّة فيلبُّس حيث اعترف بطرس بالمسيح «ابن الله الحيّ» (مت 16: 16). أمّا هذه المدينة فهي قريبة من أهمِّ منابع الأردنّ، في سفح جبل حرمون من جهته الجنوبيَّة الغربيَّة. كانت تمرُّ فيها الطريق بين صور ودمشق وتشرف على بحيرة الحولة (التي جُفِّفت اليوم). هي بانياس الحاليَّة التي تبعد 46 كلم إلى الشرق من صور. فمن قيصريَّة صعد يسوع مع تلاميذه الثلاثة، بطرس ويعقوب ويوحنّا. وبما أنَّ الجبل «عالٍ» (مت 17: 1)، لا يمكن أن يكون تلَّة تابور، بل حرمون الذي تُغطِّيه الثلوج ببياضها فدعاه العرب حين وصلوا إليه «جبل الشيخ»، لأنَّ قمَّته تشبه رأس الرجل العجوز وشعره.
*  *  *
هناك أكثر من جبل في الأناجيل، ولاسيَّما إنجيل متَّى: جبل التطويبات: «ولمّا رأى يسوع الجموع صعد إلى الجبل. فلمّا جلس تقدَّم إليه تلاميذه» (مت 5: 1). وعلى الجبل، اعتاد يسوع أن يصلِّي. بعد تكثير الأرغفة (مت 14) نقرأ عن يسوع: «وبعدما صرف الجموعَ صعد إلى الجبل منفردًا ليصلِّي» (آ23). وقبل إشباع الأربعة آلاف (ف 15) «صعد إلى الجبل وجلس هناك» (آ29).
هذا ما يعيدنا إلى الجبل الأساسيّ في العهد القديم، جبل سيناء الذي تحيط به الصحراء من كلِّ جانب. قيل إنَّ الاسم ارتبط بالإله سين، القمر، الذي يلقي بضوئه الساطع، ولاسيَّما حين الاحتفال بالفصح، في بدر الربيع. وربط آخرون الاسم بالعلَّيقة الملتهبة «س ن ه» (في العربيَّة: سناء). أمّا الكتاب المقدَّس، فيُماهي جبل سيناء، مع جبل حوريب، جبل الخراب لأنَّه جافّ، صحراويّ، لا ينبت فيه شيء.
جبل سيناء هو الموضع الذي إليه دعا الربُّ موسى فأعطاه الوصايا، كما كشف له عن ذاته. «وأمّا موسى فصعد إلى الله (إلى حيث الله، هناك مسكنه). فدعاه الربُّ من الجبل» (خر 19: 3). وفي آ20، بعد أن أعدَّ موسى الشعب، نقرأ: «ونزل الربُّ على جبل سيناء. ودعا الله موسى إلى رأس الجبل»، وهناك كلَّم الربُّ صفيَّه. وفي الكلام على العهد، يقول سفر الخروج: «فصعد موسى إلى الجبل، فغطَّى السحابُ الجبل، وحلَّ مجدُ الربِّ على جبل سيناء، وغطَّاه السحاب ستَّة أيَّام، وفي اليوم السابع دُعيَ موسى من وسط السحاب، وكان منظر مجد الربِّ كنار آكلة على رأس الجبل أمام عيون بني إسرائيل. ودخل موسى في وسط السحاب وصعد إلى الجبل. وكان موسى في الجبل أربعين نهارًا وأربعين ليلة» (24: 15-18).
لاحظنا هنا عبارة «ستَّة أيَّام». وبعدها دُعيَ موسى إلى الجبل. ذاك ما نقرأ في خبر التجلِّي، في إنجيل متَّى (17: 1: «بعد ستَّة أيَّام») وفي إنجيل مرقس (9: 2). وكما دخل موسى في مجد الربِّ يهوه على جبل سيناء، سوف يدخل في مجد الربِّ يسوع (كيريوس) على الجبل، الذي اسمه تابور أو حرمون. في هذا اللقاء، تبدَّل وجه يسوع. أما هذا الذي حصل لموسى بعد أن أقام على الجبل كلَّ هذه المدَّة؟ ذاك ما يرويه سفرُ الخروج أيضًا: «وكان لمّا نزل موسى من الجبل ولوحا الشهادة في يد موسى، أنَّ موسى لم يكن يعلم أنَّ جلد وجهه صار يلمع في كلامه معه. فنظر هرون وجميع بني إسرائيل موسى فإذا جلدُ وجهه يلمع، فخافوا أن يقتربوا إليه» (24: 29-30).
نلاحظ العبارات عينها في الأناجيل الإزائيَّة، متّى ومرقس ولوقا. «لمع» وجه موسى حين اجتمع بالربّ. أمّا يسوع فلمع وجهه من ذاته لأنَّه هو الربّ. خاف بنو إسرائيل لأنَّهم شعروا بنتيجة الاتِّصال بالربّ. وكذلك التلاميذ الثلاثة. قال متّى: «فلمّا سمع التلاميذ هذا الصوت، وقعوا على وجوههم وهم في خوف شديد» (17: 6). هو الخوف والرهبة في حضرة الله. اعتادوا أن يكونوا مع يسوع، ذاك الذي يرونهم بعيونهم، يسمعونه بآذانهم، يلمسونه بأيديهم (1 يو 1: 1ي)، ذاك الذي يستطيعون أن يقولوا له: «أكلنا وشربنا معك، وعلَّمت في أسواقنا» (لو 13: 26). ولكنَّ وجه يسوع الآن غير ما كانوا يرونه كلَّ يوم.
وجه موسى، وجه يسوع. يقولون، ويا لأسف ما يقولون: موسى نبيٌّ ويسوع نبيّ. الوحي هو هو. قاله آدم، أخنوخ، موسى، يسوع. إذًا لماذا جاء يسوع، ابن الله، إلى الأرض؟ وما الذي أضافه إلى ما قال الأنبياء؟ أمّا اليهود فاعتبروا أنَّ موسى أعظم من يسوع لأنَّه أعطاهم المنّ. قالوا له: «أرنا آية حتّى نؤمن بك. آباؤنا أكلوا المنَّ في البرِّيَّة كما جاء في الكتاب: وأعطاهم خبزًا من السماء ليأكلوا». فأجابهم يسوع: «الحقَّ الحقَّ أقول لكم: ما أعطاكم موسى الخبز من السماء، أبي وحده يعطيكم الخبز الحقيقيّ من السماء» (يو 6: 30-32). لا شكّ. هم لا يستطيعون أن يفهموا. يسوع هو ابن يوسف. من الناصرة. نحن نعرف أباه وأمَّه. هو إنسان. لا شكَّ في ذلك. ولكن لماذا نتوقَّف عند الطبيعة البشريَّة وننسى الطبيعة الإلهيَّة. قيل: يسوع هو المسيح ابن مريم! هل هو فقط ابن مريم، أم ابن الله أيضًا؟ في مشهد التجلِّي، هتف الله من السماء: «هذا هو ابني الحبيب، فله اسمعوا» (مت 17: 5). وسبق لله فقال في المعموديَّة: «أنت ابني الحبيب بك سررتُ» (مر 1: 21).
*  *  *
بما أننا لا نستطيع أن نرتفع إلى يسوع الكلمة وابن الله، نحدره إلينا، فيصبح أقلّ من موسى ومن إبراهيم (يو 8: 53: «ألعلَّك أعظم من أبينا إبراهيم؟»). ولو تقرأون إنجيل برنابا، تعرفون أين مقام يسوع!! قال يسوع هنا: العبد يبقى عبدًا ولا يستطيع أن يرتفع إلى مستوى أبناء الله. وكم يفرح العبد بأن يبقى عبدًا. أمّا اليهود الذين رفضوا الإيمان بيسوع، فرُذلوا وأخذوا يعاتبون الله بأنَّه خان وعده! قال بولس الرسول: لا ندامة في عطايا الله. ولكنَّنا نحن نرذل هذه العطايا وننحدر وننغلق على ذواتنا أو نعود إلى الوراء ونحسب أنَّنا رحنا إلى الأمام.
قابل بولس الرسول المجد الذي حلَّ على موسى مع مجد المسيح. مع موسى هي «خدمة الموت» «لم يستطع بنو إسرائيل أن ينظروا إلى وجه موسى لسبب مجد وجهه الزائل» (2 كو 3: 7-8). الفرق شاسع بين خدمة الجسد وخدمة الروح. وفي الرسالة إلى العبرانيِّين، موسى هو الصنعة، والابن هو الصانع. موسى هو البيت والابن باني البيت. «كان موسى أمينًا في كلِّ بيته كخادم... وأمّا يسوع فكالابن على بيته» (3: 5). وماذا يكون إبراهيم؟ قال يسوع: «تهلَّل إبراهيم أن يرى يومي فرآه وفرح» (يو 8: 56). وانحدر اليهود مع من يفكِّر فكرهم: «ليس لك خمسون سنة بعد وتقول: رأيت إبراهيم؟» (آ57). عندئذٍ أجاب يسوع: «قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن» (آ58). أنا هو. أنا يهوه. فالربُّ «هو هو أمس واليوم وإلى الأبد» (عب 13: 8).
وتحدَّثوا عن الملائكة. قيل إنَّهم حملوا الشريعة إلى اليهود. وكان كلام عن جبرائيل: أمّا بعض الفرق الضالَّة فتحدَّثت عن الملائكة الذين لا جسم لهم، وبالتالي هم أرفع من الابن الذي اتَّخذ جسمًا. قالت الرسالة إلى كولوسّي: بيد يسوع خُلق كلُّ ما في السماوات وما على الأرض، ما يُرى (أي البشر) وما لا يُرى (أي الملائكة)، كلُّهم خُلقوا بيده، وخُلقوا لأجله. هو قبل الكون كلِّه وبه يقوم كلُّ شيء. وإلاَّ هو يعود إلى العدم (1: 15ب). وقالت الرسالة إلى العبرانيِّين: الملائكة هم خدَّام. وأمر الربُّ فقال: للابن تسجد الملائكة. فهو إلهها. وكرسيُّه إلى دهر الدهور. «أنت يا ربّ، في البدء، أسَّست الأرض، والسماوات عمل يديك. هي تزول وأنت تبقى، وكلُّها كالثوب تبلى...» (عب 1: 10-11).
وتميَّز موسى بالشريعة. ولكنَّ الرسول كان قاسيًا عليها، مع أنَّ اليهود والذين يتبعونهم يقدِّسونها. قال الرسول: «ما عرفتُ الخطيئة إلاَّ بالشريعة». ويسوع الذي قال: «ما جئتُ لأنقض بل لأكمِّل» (مت 5: 10)، عمَّق الشريعة فصارت البداية البدائيَّة في المسيحيَّة. «قيل: لا تقتل» (مت 5: 21). ولكنَّ يسوع تكلَّم عن الغضب وعن الكلام القاسي، ومنع المؤمن من أن يقدِّم قربانه قبل أن يصالح أخاه. والزنى؟ النظرة إلى المرأة «ليشتهيها» زنى. والطلاق!! «من طلَّق امرأة يزني، ومن تزوَّج مطلَّقة يزني». وقال إنجيل متّى في عظة الجبل التي هي دستور الحياة المسيحيَّة: «سمعتم أنَّه قيل: تحبُّ قريبك وتبغض عدوَّك. أمّا أنا فأقول لكم: أحبُّوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم». هناك من يتلطَّى وراء العبارة «ما جئت لأنقض الشريعة» التي هي خاصَّة بمتَّى ويتحدَّث عن يسوع اليهوديّ الذي جاء فقط من أجل بني إسرائيل. العميان كثيرون في أيَّامنا، كما قال يسوع للأعمى منذ مولده. فالمسيحيَّة لا ترتبط بأرض ولا بشعب ولا بفئة من الفئات، ولا بلغة «نحسبها مقدَّسة». ففي العنصرة شعوب عديدون قالوا: «نسمعهم يتكلَّمون بألسنتنا عن عظائم الله» (أع 2: 11). وما هو لافت أنَّ يسوع تحدَّث في أراميَّة فلسطين فما تعبَّدنا لهذه اللهجة، بل نشرنا الإنجيل في لغة عالميَّة في ذلك الوقت، هي اليونانيَّة. وكلُّ واحد منّا يقرأ كلام الله في اللغة التي يريد. بصفته إنسانًا، كان يسوع ابن بيئة معيَّنة. وبصفته ابن الله اجتاز الزمان والمكان، وحرَّر البشر من عادات كثيرة، ومن محرَّمات آتية من العالم الوثنيّ ولاسيَّما على مستوى الطعام والشراب. فالمبدأ الأوَّل: رأى الله فإذا كلُّ شيء حسن وحسن جدًّا (تك 1). وأورد مرقس كلام الربّ: «ليس شيء من خارج الإنسان إذا دخل فيه يقدر أن ينجِّسه، لكنَّ الأشياء التي تخرج منه هي التي تنجِّسه» (7: 15).
*  *  *
تحدَّث متَّى ومرقس عن «اليوم السادس» بالنسبة إلى التجلِّي، أمّا لوقا فقال: «وبعد هذا الكلام بثمانية أيَّام، أخذ يسوع بطرسَ ويعقوب ويوحنّا وصعد إلى جبل ليصلِّي» (9: 28). لماذا اليوم الثامن؟ أهناك تناقض بين إنجيل وإنجيل؟ يا ليت الكنيسة فعلت مثل هرطقات عديدة في هذا الشرق! يا ليتها أحرقت ثلاثة أناجيل وأبقت على إنجيل واحد! هكذا لا يكون تناقض، ولا تحريف! ويا ليت الكنيسة الشرقيَّة قبلت بإنجيل تاتيان، المدعوّ الدياتسّارون، ورمت خارجًا الأناجيل الأربعة التي لا تتوافق في أمور كثيرة! وماذا نعمل بإنجيل برنابا الذي كذَّب صاحبُه مرَّتين: حين ترك الثوب الرهبانيّ. ثمَّ حين ترك إيمانه لأسباب مادِّيَّة دنيويَّة. ونحسب أنَّ هذا هو الإنجيل الحقيقيّ! أمّا إنجيل يسوع فضاع. والأناجيل الأربعة لا صلة لها بيسوع لأنَّها لم تُكتب في لغة يسوع. أمّا إنجيل يسوع الذي دُوِّن في الأراميَّة. فلا يعرفه سوى الدكتور كمال الصليبيّ! مضى إلى الصحراء يبحث عن يسوع، وتوفِّي قبل أن يجده. وفي النهاية، أرسل يهوذا وامرأته يعيشان هناك في سعادة ما بعدها سعادة.
ولكنَّ كلَّ هذا هو حلم لدى بعض الأشخاص! مسيرة تقود البشريَّة إلى الضياع. أمّا الكنيسة التي هي جسد المسيح فاحتفظت بالأناجيل الأربعة، التي كُتبت في أربعة مواضع في العالم، في أنطاكية (متّى)، في رومة (مرقس)، في أثينة وكورنتوس (لوقا) وفي أفسس (يوحنّا). أربع شهادات عن يسوع: «نكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملاً» (1 يو 1: 4). وقال يوحنّا في نهاية إنجيله: «وآياتٍ أخرى كثيرة صنع يسوع قدَّام تلاميذه لم تُكتب في هذا الكتاب. أمّا هذه فكُتبت لتؤمنوا أنَّ يسوع هو المسيح ابن الله، ولكي تكون لكم، إذا آمنتُم، الحياةُ باسمه» (20: 30-31). الهدف الأوَّل الدعوة إلى الإيمان، وسوف يقول في 21: 25: لو كُتب كلُّ ما فعله يسوع «لستُ أظنُّ أنَّ العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة».
جعلَنا متَّى ومرقس في إطار جبل سيناء. ولوقا في إطار عيد المظالّ، حيثُ كلُّ مؤمن يصنع له ولعائلته «مظلَّة» أو «خيمة» من أوراق وأغصان الشجر. في الأصل، هو عيد القطاف وجمع الغلاّت. خصوصًا الزيتون من أجل الزيت، والكرمة من أجل الخمر، والتين... هو العيد الثالث بين أعياد الحجِّ السنويّ، بعد عيد الفصح وعيد الأسابيع أو العنصرة. دُعيَ «عيد الربّ» (لو 23: 39). أو: «العيد» (1 مل 8: 2، 65؛ 2 أخ 7: 8؛ نح 8: 18). وقال عنه المؤرِّخ فلافيوس يوسيفس في العاديّات اليهوديَّة (8: 100): «أقدس الأعياد وأعظمها عند اليهود».
كان في الأصل عيدًا زراعيًّا، ثمَّ اتَّخذ معنى روحيًّا، إذ يذكِّر المؤمنين بخيمة الله وسط خيام العبرانيِّين السائرين في برِّيَّة سيناء وقبل الوصول إلى أرض الموعد. وهو يتوزَّع على سبعة أيَّام. ويذكر يوحنّا انتصاف العيد حين كان يسوع يعلِّم (7: 14).
*  *  *
موسى على الجبل وإيليّا على الجبل. موسى دفنه الربُّ في أرض موآب، فما عرف أحد أين دُفن (تث 34: 7). أمّا إيليّا فغاص في الرمال قبل أن يصعد في العاصفة إلى السماء (2 مل 11). فاعتُبر حيًّا وأنَّه سوف يأتي لكي يعدَّ الطريق: «وهاأنذا أرسل إليكم إيليّا النبيّ قبل مجيء الربّ... فيردُّ قلوب الأبناء على آبائهم» (ملا 3: 23-24).
موسى هنا وإيليّا هنا حول يسوع. يجب أن يشارك الجميع في العيد. لهذا هتف بطرس: «ما أحسن أن نكون هنا. فنصنع ثلاث مظالّ: لك واحدة ولموسى واحدة، ولإيليّا واحدة» (لو 9: 33). هي رؤيا. والتلاميذ الثلاثة سوف تغطِّيهم السحابة التي تدلُّ على حضور الله. كلُّ هذا في إطار العيد. عندئذٍ تذكَّروا أنَّ إيليّا كان على جبل حوريب وكان له لقاء مع الربّ، لا في الريح ولا في الزلزلة ولا في النار بل في «صوت منخفض ضعيف» (1 مل 19: 12). مثل النسيم، مثل الصمت. عندئذٍ سمع إيليّا نداء الربّ. وعاد إلى الرسالة بعد أن أحسَّ بالتعب والخوف.
أمّا هذه الرؤيا فما كانت من أجل يسوع، بل من أجل التلاميذ، وذلك لكي يستعدُّوا لمسيرة الآلام والصلب، والموت والقيامة. لن يستطيعوا أن يتقبَّلوا ما أنبأ به يسوع: «من ذلك الوقت ابتدأ يسوع يُظهر لتلاميذه أنَّه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم...» (مت 16: 21). وتتقابل هذه الرؤيا مع خبرة أوردها يوحنّا في إنجيله. قال يسوع: «يا أبتاه مجِّد اسمك!» فجاء صوت من السماء... عندئذٍ قال يسوع: «ليس من أجلي صار هذا الصوت، بل من أجلكم» (12: 28-30).
*  *  *
في قلب عيد المظالّ، كما قال لوقا، عرف التلاميذ الثلاثة خبرة رائعة: رأوا مجد الربِّ في شخص يسوع الذي عرفوه حتّى الآن إنسانًا شبيهًا بهم في كلِّ شيء ما عدا الخطيئة. تجلَّى يسوع وحوله موسى وإيليّا. فأكمل الشريعة والأنبياء. كلُّ ما سبقه كان إعدادًا له. فهو لا يسير في خطٍّ واحد مع الذين سبقوه منذ آدم. وفي أيِّ حال لا نستطيع أن ندعو نبيًّا كلَّ اسم في الكتاب المقدَّس أو في التقليد العربيّ واليونانيّ. فالنبيّ هو الذي يدخل في سرِّ الله ويعلن كلامه. فأيُّ نبيٍّ هو آدم الذي أراد أن يشابه الله فيقرِّر الشرَّ والخير؟ وأيُّ نبيّ هو يعقوب الذي استغلَّ أخاه أوَّلاً في وقت جوعه، ثمَّ غشَّ أباه وكذب عليه قبل أن يقتني ثروة على حساب خاله وأولاد خاله! المثل معروف: عند العرب كلُّ شيء صابون. متى نتعلَّم قراءة الكتب المقدَّسة من مصادرها لا من مصادرنا المتأخِّرة آلاف السنين؟ متى نتعلَّم احترام الآخرين وكتبهم ومعتقداتهم ونترك التعالي الذي يجعلنا شبيهين بالسنبلة الرافعة رأسها؟ أما نعرف أنَّها فارغة؟ لا، يسوع ليس نبيًّا، إنَّه ربُّ الأنبياء. يسوع لا يحمل الكلمة كما يفعل الأنبياء. يسوع هو الكلمة كما قال يوحنّا في بداية إنجيله: «في البدء كان الكلمة، والكلمة كان لدى الله، والكلمة هو الله» وابن الله. متى نتعلَّم أن نميِّز بين الناس المحدودين في الزمان والمكان، وبين من هو الأزليّ الذي أراد أن يتجسَّد حبًّا بالبشر. فإن هو أخذ صورة إنسان، نتذكَّر كلام الرسول: هو صورة الله الذي لا يُرى الذي لاسمه تجثو كلُّ ركبة في السماء وفي الأرض.