الالتزام المؤبد

 

اِعتاد كثير من الناس على الازدواجية التي تقسم حياتهم إلى جزأين متناقضين، مثل ممارسة حياة دينية من جهة، وممارسة أمور تتناقض مع وصايا الله في العمل أو في العلاقات الشخصية أو في أوقات الفراغ من جهة أخرى. إلّا أن في ذلك إرهاق عظيم للنفس. ونجد هذه الظاهرة أيضا بين ما يُسَمَّون بالأشخاص المتديّنين – بل ربما تنحصر هذه الظاهرة فيهم. أما يسوع المسيح فلم يكن كذلك، بل كان يركز قواه تماما على هدف واحد، ويريد أن تكون جميع جوانب الحياة وتفاصيلها مرتبطة معا، ومُكرّسة لخدمة الملكوت. وقد طلب مِنّا المسيح بيع جميع المجوهرات الأخرى من أجل شراء لؤلؤة ثمينة جدا، وهي ملكوت الله. (متى 13: 45-46) فينبغي أن لا تكون عيوننا وقلوبنا مجزأة: نصفها مُنْصَبّ على اِتِّباع المسيح، ونصفها على شيء آخر غيره. فلو تأملنا هذا الموضوع بعمق، لأدرك كل واحد مِنّا، ضرورة مواجهة الانقسام في قلوبنا. فيجب أن نطرح

عنا كل انقسام في القلب. (يعقوب 1: 1-5) فنريد أن نكون قلبا واحدا وروحا واحدة في داخلنا، وفي علاقتنا الأخوية مع قريبنا، أي مع أخينا الإنسان. إذ إنها مسألة حياة أو موت. فما لم نحصل على وحدة القلب والفكر، سوف يمزقنا الانقسام إلى أشلاء.

 

من رسالة: يجب أن نكون على أهبة الاستعداد للدفاع عن قناعاتنا وإيماننا، حتى لو تطلَّب ذلك الاستشهاد في سبيل المسيح. وهناك قصة في مجلد تاريخ الإخوة الهوتريين Hutterite Chronicle، عن فتى أوروبي يبلغ من العمر ستة عشر عاما، وهو ابن طحان، كان قد اعتنق أسلوب حياة حركة أنابابتسم المسيحية Anabaptism. وعندما أُلقي القبض عليه وحُكِم عليه بقطع الرأس، بادر أحد النبلاء الأثرياء بتقديم عرض بأن يأخذه ويربيه كابن له، بمجرد إنكاره لإيمانه. إلّا أن الفتى رفض ذلك واستمر على إيمانه بالله، وعليه تمّ إعدامه. فلو كنا مصممين فعلا على المضي في طريق المسيح، يجب أن نكون على استعداد لتقديم مثل هذه التضحيات – مهما كانت صعبة، رغم عِلّاتِنا وإخفاقنا.

 

إنّ وعد الوفاء الذي نقدّمه لله، لا يجوز أن يُقام على قوة الوفاء البشري، بل يجب أن نعتمد على وفاء الله. فليس هناك من هو قوي جدا بفضل قوته البشرية ليتحمّل المصاعب مثلا، ويتحمّل ما كابده الشهداء المسيحيون الأوائل وغيرهم على مر التاريخ؛ ولكن الله وفيّ، فلو سلمنا أنفسنا له، فسوف تحارب ملائكته عوضا عنا.

 

ألا تزال محبتنا الأولى ليسوع المسيح حيّة فينا، وكذلك استعدادنا لتقديم كل شيء في سبيله، حتى لو تطلّب الأمر مواجهة الموت؟[11] فلدينا اليوم بيت عائلي ومنزل، ولكن لا نعلم ما يخبئه المستقبل لنا. فلا يمكن ضمان أزمنة هذه الدنيا أبدا. فقد كان على جماعتنا المسيحية المعروفة باسم برودرهوف خلال مجرى تاريخها، أن ترحل من بلد إلى آخر. فلا يمكننا تقديم أي أمان بشري. فقد وعد يسوع تلاميذه بأنهم سوف يُضطهَدون، وسوف يتعذّبون. (يوحنا 15: 20) أما نحن فلا يمكننا أن نَعِدَ بشيء أفضل من هذا. فأماننا الوحيد هو يسوع المسيح نفسه.

 

يجب علينا أن لا ننسى أن يسوع قد علّمنا طريق المحبة الكاملة – ويعني هذا الطريق محبة جميع الناس حتى أعدائنا، والصلاة من أجل الذين يضطهدوننا. وباعتبارنا تلاميذ يسوع، فهو لم يعدنا بأيام جميلة فقط، فيجب أن نكون مستعدين للاضطهاد أيضا. وقد قُتِل الناس عبر التاريخ بسبب قناعاتهم الإيمانية. فيجب أن نشكر الله على حمايته لنا حتى الآن، وأن نكون مستعدين أيضا لخوض المعاناة في سبيل إيماننا.

 

إنّ الالتزام المسيحي باِتِّباع المسيح يجب أن لا يتغير بتغيُّر الظروف. ويجب أن يكون هذا الأمر واضحا جدا. وبالنسبة إلى أفراد كنيستي، على سبيل المثال، قد تزول الحماية الشاملة لمجتمعات كنيستنا أينما كانت وفي أي لحظة، ولكن، لو بقي فرد واحد من مجتمعاتنا المسيحية على قيد الحياة من جراء الاضطهاد، فسوف يبقى ملتزما بالتزاماته نحو المسيح ونحو الكنيسة.

 

إذا كنا نحب الله بكل قلوبنا ونفوسنا وكياننا – ونعيش حياتنا في سبيل تمجيده وسبيل ملكوت الله – يمكن عندئذ أن ندعوه في صلواتنا بكامل اليقين: «يا ربّي، يا صخرتي.»( مزمور 28: 1) فلا يهم لو كان لدينا أعداء، أو ما يقوله هؤلاء الأعداء عنّا. لأننا سوف نسمع صوت الله في قلوبنا وسنكون أوفياء له.

 

يجب علينا أن نبقى أوفياء لله حتى النهاية. وإنّ أخطر مرحلة يمرّ بها المسيحي هي مرحلة منتصف عمره مع الإيمان. ففي البداية، عندما يكون إيماننا جديدا، يبدو الله قريبا مِنّا على نحو استثنائي، ولكن، بعد بضع سنوات، غالبا ما يبدأ الفتور بالدخول في حياتنا. وإذا كنا مُكرِّسين حياتنا لله، سوف يساعدنا على تخطي هذه السنوات من عمرنا، رغم أننا يجب أن نبقى

الاضطهاد، فسوف يبقى ملتزما بالتزاماته نحو المسيح ونحو الكنيسة.

 

إذا كنا نحب الله بكل قلوبنا ونفوسنا وكياننا – ونعيش حياتنا في سبيل تمجيده وسبيل ملكوت الله – يمكن عندئذ أن ندعوه في صلواتنا بكامل اليقين: «يا ربّي، يا صخرتي.»( مزمور 28: 1) فلا يهم لو كان لدينا أعداء، أو ما يقوله هؤلاء الأعداء عنّا. لأننا سوف نسمع صوت الله في قلوبنا وسنكون أوفياء له.

 

يجب علينا أن نبقى أوفياء لله حتى النهاية. وإنّ أخطر مرحلة يمرّ بها المسيحي هي مرحلة منتصف عمره مع الإيمان. ففي البداية، عندما يكون إيماننا جديدا، يبدو الله قريبا مِنّا على نحو استثنائي، ولكن، بعد بضع سنوات، غالبا ما يبدأ الفتور بالدخول في حياتنا. وإذا كنا مُكرِّسين حياتنا لله، سوف يساعدنا على تخطي هذه السنوات من عمرنا، رغم أننا يجب أن نبقى