الإيمان بالمسيح

 

لماذا نستصعب وضع ثقتنا بالمسيح والاتكال عليه كليّا؟ فالمسيح يريد أن يهبنا حياته وروحه. ولو نظرنا إليه لمجرد لحظة واحدة لأبلغتنا قلوبنا بما يلي: ها هو مَنْ يجدر الوثوق فيه. ومع ذلك، فإنّ كل واحد مِنّا يختبر مشاعر الخوف والقلق. وهناك شيء فينا يسعى إلى المسيح، ولكن في الوقت نفسه، هناك شيء آخر فينا، يريد أن يخدم ذاته فقط، ولا يرغب في التسليم الكامل للمسيح. إلّا أن التسليم الكامل هو الذي يجب أن نفعله، إذ ينصحنا الإنجيل بأن نثق في الرب ونؤمن به، (يوحنا 14: 1) ولا يكفي أن نُسَلِّم للمسيح ما هو صالح فينا، أو نقدّم له خطايانا، أو نضع أمامه أعباءنا؛ فهو يريد أنفسنا بأكملها. فلو لم نُسَلِّم أنفسنا كليّا له – وتمسكنا بتحفظاتنا – فلن نحصل أبدا على التحرّر والسلام الروحيين الكاملين، اللذين وعدنا بهما المسيح في الإنجيل. فيجب أن نُسَلِّم صميم كياننا للمسيح.

غالبا ما تزرع قوة الظلمة الخوف في قلوبنا، وتمنعنا من التفاني الكامل لله. وعندما قال يسوع في المجمع اليهودي في كفرناحوم: «الحقَّ الحقَّ أقولُ لكُم: إنْ كُنتُم لا تأكُلونَ جسَدَ اَبنِ الإنسانِ ولا تَشرَبونَ دَمَهُ، فلَن تكونَ فيكُمُ الحياةُ،» (يوحنا 6: 53) رأى الناس حتى أتباعه أن هذا الكلام صعب القبول، فتركه الكثير منهم. ولكن عندما سأل يسوع التلاميذ الاثني عشر: «وَأَنْتُمْ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَذْهَبُوا مِثْلَهُمْ؟» فأجابه سمعان بطرس: «إِلَى مَنْ نَذْهَبُ يَا رَبُّ وَعِنْدَكَ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. نَحْنُ آمَنَّا وَعَرَفْنَا أَنَّكَ قُدُّوسُ اللهِ!» (يوحنا 6: 67–69) فيجب أن يعيش مثل هذا الإيمان فينا أيضا – في قلوبنا وفي نفوسنا وفي كياننا كله. ويجب أن يصبح حقيقة واقعة فينا باستمرار: ليس كنظام دينيّ، أو نظري، بل معرفة يمكننا من خلالها أن نثق بيسوع كليّا، ونُسَلِّمه كل شيء – حياتنا كلها – إلى الأبد. وليس من الضروري لنا أن نفهم كل شيء ذهنيّا، فالأمر الأكثر أهمية هو أن نختبر الثقة والإيمان، ونشعر بهما في قلوبنا وكياننا.

بدون يسوع المسيح لن نحصل على أي سلام. يوحنا 14: 27 فحيث يكون هو، يكون الله. وهو موجود لجميع الناس، حتى لأولئك الذين يتركونه، كما فعل كثير من الناس في زمنه من الذين وجدوا صعوبة كبيرة في قبول كلامه. فلذلك دعونا نصلّي من أجلنا ومن أجلهم: «يا رب، ساعدنا. تعالَ إلى هذا العالم. فنحن بحاجة إليك وإلى جسدك وروحك، وإلى موتك وحياتك، وإلى رسالتك للخليقة كلها.»

 

يجب أن لا نخاف من أعدائنا، ولا من الافتراء والاضطهاد الذي قد يحلّ علينا. (متى 10: 26-31) فيجب أن نتّكل على الرب يسوع، الذي تم الافتراء عليه واضطهاده هو أيضا. فلا نريد أي شيء أفضل. وعندما نلجأ بكامل الاتّكال والمحبة إلى يسوع، فأنا على ثقة تامة بأننا سنكون تحت الحماية الإلهية المليئة بالمحبة.

 

يجب أن نؤمن ونثق بأن يسوع المسيح هو الجواب الشافي والحلّ لكل الالتباس والحيرة والمشاكل والهموم التي تعترينا. أما أنا شخصيّا، فلم تكن لدي دائما ثقة بيسوع بما فيه الكفاية، إلّا أني أرى أن افتقاري إلى الثقة به يُعتبر خطيئة. فإنّ الحياة لا تخلو من الحيرة أو الهموم، ولكننا نعلم إلى أين ينبغي أن نلتجئ. فالأمر بسيط جدا: إذا كنتَ لا تفهم شيئا، توكّل على يسوع. وهذا بالطبع ليس سهلا دائما؛ إذ تتطلب العملية أحيانا معركة روحية من كل قلوبنا للقيام بذلك. إلّا أن يسوع يقول: «لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ. أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ، فَآمِنُوا بِي أَيْضاً.» (يوحنا 14: 1) فهذا هو الحلّ الوحيد.

 

 أنصحك بأن لا تحتار كثيرا في بعض مسائل الإيمان الصعبة، مثل: لماذا يستخدم الله رجلا يحبه كأداة لغضبه؟ فنحن لا نعرف الكثير عن محبة الله. وإنّ الإجابة الوحيدة على مثل هذه الأسئلة، هي الثقة الكاملة وغير المشروطة بالله.

 

 يجب علينا أن ننسى أنفسنا، وأن نكرّسها لخدمة الذين من حولنا يوميا، حتى لو كانت لدينا معاناة روحية. إذ إنّ الله

سوف يُعيننا حينئذ. غير أن مواصلة ذكر مشاكلنا، أو التحدُّث عن صعوباتنا مرة بعد أخرى، لا يُعتبر بالضرورة أمرا جيدا دائما. لأن الله يعلم بما نحتاج إليه، قبل أن نطلب منه ذلك. فاتَّكِلْ عليه مثل الاتكال الكامل للطفل على والديه. وسوف يمدّ إليك يد المساعدة بعد ذلك.

 

لو سَوَّلت لنا نفوسنا بأن نفقد ثقتنا بإخوتنا في مجتمع الكنيسة إما بسبب سقوطهم في الخطيئة سابقا وإما بسبب أي شيء آخر؛ فسوف يلزمنا في هذه الحالة أن نجد وسيلة للحصول على الهدوء الروحي والاطمئنان في داخلنا، وننسى ما قد تم غفرانه ونقلب صفحة جديدة معهم ونثق بالروح القدس العامل في نفوس المؤمنين التائبين. فيجب أن نتحلّى بموقف ممتلئ بالثقة عندما نكرّس حياتنا ليسوع، أي بمعنى موقف يقول: «لِتَكُنْ لاَ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَتُكَ،» (لوقا 22: 42) لكي يجعلنا هادئين روحيّا بكل معنى الكلمة. فبدون هذه الثقة المُقوّية للروح، لما أمكنني أنا شخصيّا من أن أحيا يوما واحدا للمسيح. فستزول الكنائس والجماعات التي تعيش حياة مشتركة مثلنا؛ بل سنزول كلنا. ولكن سيبقى يسوع المسيح وحده منتصرا إلى المنتهى.

 

 لقد علمتُ من الأمهات اللواتي لديهن أطفال صغار، أنهن يخشينَ أحيانا من الأشياء الرهيبة التي يمكن أن تصيب أطفالهن في عالم اليوم. وأنا أشعر معهن كثيرا. لأن أولادي الكبار ولدوا خلال قصف إنكلترا في الحرب العالمية الثانية، عندما كانت تمرّ الطائرات القاصفة من فوقنا في كل ليلة. وقد سقطت قنبلتان قريبا مِنّا في وقتين مختلفين – إحداهما على أرضنا، والأخرى على القرية المجاورة. إلّا أن خوفنا من غزو هتلر لإنكلترا كان أكبر من خوفنا من القنابل. لأن ذلك كان يعني الموت بالنسبة إلينا نحن البالغين. وعندما كنت أفكر في ما قد يحصل لأطفالنا بعد ذلك، كان يصيبني اضطراب روحي لا يوصف في داخلي.

أما الآن فلا نعيش في خوف من الطائرات القاصفة، ولكن رغم ذلك، فإنّ زماننا الحالي يتضمن أيضا الموت والمعاناة

الشديدة. فمن المحتمل جدا أن يأتي يوم يعاني فيه الكثير مِنّا – بما في ذلك أولياء أمور الأطفال الصغار – من الاضطهاد والاستشهاد في سبيل إيماننا. فأتوسل إليكِ – من أعماق قلبي – بأن تثقي بالله كليّا. وهناك العديد من المقاطع المخيفة في الكتاب المقدس، لاسيما في سفر الرؤيا للرسول يوحنا. ولكن السفر يقول أيضا، إنّ الله نفسه سوف يمسح الدموع من عيون جميع المتألمين. (رؤيا 21: 4) فيجب علينا أن نؤمن حقا بأن يسوع لم يأتِ ليدين بل ليخلِّص:

 

لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. فَإِنَّ اللهَ لَمْ يُرْسِلِ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ الْعَالَمُ بِهِ. (يوحنا 3: 16–17)

 

فنرى هنا اشتياق الله الفائق الوصف لإنقاذ البشرية. وسنكون في النهاية في وحدة ووئام مع الله. ويجب علينا أن نؤمن بذلك، من أجل مصلحة أولادنا أيضا، حتى لو كان علينا خوض المعاناة في سبيل المسيح.

 

تنتشر محبة الله الواسعة على كل الأرض، كانتشار أشعة الشمس على الوادي. ورغم أن هناك أشياء رهيبة في العالم، كالحرب؛ وسوف تأتي الحروب بالتأكيد، ولكن الله أعظمُ وأجلُّ منها. وهو أعظم بكثير من الإنسان، ومحبته أعظم بكثير من محبة الإنسان. فلا تعيشوا في خوف. فتأمَّلوا وانظروا إلى الأسفل عبر الوادي وإلى أعالي الجبال، وتأمّلوا الله العظيم الذي خلق كل شيء، الذي يضعكم في راحة يديه ويرعاكم.

فلو عشنا وفقا ليسوع وتعاليمه، لما كان هناك أي داعٍ للخوف. فلنكن إذن مخلصين له ولله ولنطرح عنّا الخوف كله.

 

تَعَلَّمْ أن تثق بيسوع المسيح دائما، حتى لو لم تفهم أحيانا أمرا مُعيّنا. وغالبا ما تنشأ حالات في الحياة دون فهم سبب لها. فالحلّ الوحيد هو الثقة بيسوع. سوف تمرّ بأوقات عصيبة جدا، ولكن لا تنسى أبدا أن الغلبة النهائية لله. فآمِنْ بهذا دائما. إذ إنّ السماء والأرض تزولان ولكن ستأتي سماء جديدة وأرض جديدة. (رؤيا 21: 1)