أين صار البحث اليوحناويّ

 

 

أين صارت الأبحاث حول التقليد اليوحناويّ؟ أين هي الجبهة الحاليّة في هذا المجال الواسع؟ بعد تذكير موجز بالنتائج التفسيريّة التي صارت قديمة، نقدّم الجواب في خطّين اثنين: (1) الخط الأول يركّز على تطور الأساليب التفسيريّة المتّبعة اليوم. فتنوّعها هو أيضًا ينبوع غنى. (2) والخط الثاني يركّز على بعض المواضيع التي تجتذب بشكل خاص دارسي يوحنا اليوم؟ ومنها (أ) البناء الأدبي في الانجيل الرابع. (ب) التقاليد اليوحناويّة الأساسيّة وعلاقتها بالغنوصيّة. (ج) تاريخ الجماعة اليوحناويّة (هذا ما نعود إليه في مداخلة خاصة). (د) يوحنا والكتاب المقدس، المسألة اليهوديّة في التقليد اليوحناويّ. (هـ) اللاهوت والكرستولوجيا عند يوحنا (مداخلة ثالثة). (و) الروح والخلاص عند يوحنا (مداخلة رابعة). (ز) الهرمانايا أو التأويل اليوحناويّ. الرمزيّة، استعمال الممازحة التي ترتبط بلافهم عند الشعب أو عند السامعين، وبعبارة تُفهم في معنيين.
ونبدأ بتذكير تاريخيّ موجز يُشرف على الدراسات اليوم. لقد نظّم كتاب حديث (فهم الانجيل الرابع) تاريخ تفسير يوحنا بحسب ثلاث مراحل: قبل رودلف بولتمان. ثم بولتمان. وأخيرًا، بعد بولتمان. أعطى هذا الكتاب أهميّة مفرطة لمسألة التأويل بحسب طريقة بولتمان.

1- تذكير تاريخيّ
لن نقدّم هنا تاريخ التفسير اليوحناويّ منذ آباء الكنيسة حتى ولادة التأويل النقديّ في القرن التاسع عشر، وصولاً إلى القراءات الحاليّة للتقليد اليوحناويّ. بدأ الآباء فقرأوا النصّ ليعيشوا منه، فأبرزوا بشكل خاص رمزيّة هذا الانجيل المدهشة. حينئذ بدا النصّ حسب الهدف الذي حدّده له الانجيليّ: الايمان والحياة (رج 20: 23). ومع "عصر الأنوار" وولادة العلوم التاريخيّة، انتقل المؤوِّل من "مدخل" إلى النصّ، إلى التأويل، فجعل مسافة بين النصّ والقارئ: هكذا يعطي النصّ الأسباب الوضعيّة لـ "لايمان" لدى قارئ يتساءل حول شرعيّة الخبر، حول صحّته الأدبيّة والتاريخيّة. فعلى مدّ القرن التاسع عشر، كان السؤال الأهم سؤالاً حول التاريخيّة: هل خبر يوحنا صحيح مع أن "حياة يسوع" تختلف كل الاختلاف تقريبًا عن "حياة يسوع" كما في الأناجيل الإزائية (مت، مر، لو)؟ أما يبدو انجيل يوحنا تأمّلاً (وموعظة) جاء متأخرًا بالنسبة إلى مواد خشنة نجدها عند الإزائيين؟ ثم إن انجيل يوحنا لا يبدو موحّدًا، متجانسًا. أما يكون صُنع من قطع وتقاليد متمازجة؟ وفي أي حال، يشكّل الفصل الأخير (ف 21) بصورة واضحة، ملحقًا لعمل أول انتهى في البدء في ف 20 مع خاتمته الخاصة. ولهذا بدت الضرورة ملحّة لكي نكتشف العناصر الأقدم، ونُبرز الطبقات الأدبيّة المتعاقبة، ونُحيط بالينابيع الأدبيّة إن لم يكن وجود التصميم الأصلي.
ونقدّم بعض الأمثلة المعروفة عن التنافر أو التعارض داخل يو: في المطلع (1: 1-18)، يُذكر يوحنا المعمدان مرتين (6:1-8 ثم 1: 15)، فيتحطّم الايقاع في النشيد. زيد 53:6-58 على خطبة الخبز الذي صار جسد يسوع، مع أننا قرأنا في 6: 63: "الجسد لا ينفع شيئًا". والترتيب الحالي للفصول 4-6 التي تتمّ في الجليل ثم في أورشليم ثمّ في الجليل دون الاشارة إلى انتقال إلى الجليل. لهذا اقترح بعضهم تحويل مواضع النصوص. يجب أن نقرأ: 4+ 6+ 5+ 7: 15-24 + 7: 1-14.
ونتابع هذا التذكير التاريخيّ. ننطلق من هذه التقاليد الأولى كما "كوَّنها" المؤوِّل، فنقدّم حكمًا على قيمتها التاريخيّة. ولكن الخاتمة ستبدو حالاً سلبيّة: هذا الانجيل الذي يظلّ كاتبه الأول مجهولاً إن لم نقل مغمورًا (التلميذ الحبيب، أو يوحنا الانجيليّ، أو يوحنا الشيخ؟)، قد لا تكون له قيمة تاريخيّة رغم بعض التفاصيل الطوبوغرافيّة (مثل سيخار وشكيم وبئر يعقوب. والموضع المسمّى "جباتا" في خبر الآلام) والكرونولوجيّة (ذكر الأعياد يفترض أن رسالة يسوع امتدّت ثلاث سنوات تقريبًا. تاريخ موت يسوع، مساء الفصح). بل رغم تقاليد قديمة مثل محاكمة يسوع أمام بيلاطس فقط، تجاه محاكمتين، واحدة أمام السنهدرين أو المجلس الأعلى وواحدة أمام بيلاطس، كما فعل مرقس. ومع ذلك فكلمة يسوع حسب يو تبدو مختلفة عمّا في الأناجيل الازائيّة: هي رمزيّة، استعاريّة، دفاعيّة، لاهوتيّة. وهكذا تكون خطب يسوع في يو نتاجَ الانجيليّ، لا نتاج يسوع.
ولكن من أين جاءت هذه التفاسير الحرّة والمدهشة لشخص يسوع، وتوسّعات كلامه والتشديد على بعض فعلاته؟ قد نكون هنا أمام عمل مدوّن متأخّر نحدّد موقعه فقط في نهاية القرن الأول أو بداية القرن الثاني؟ وتتكدّس الفرضيّات في إطار مدرسة تاريخ الديانات. وكان تشديد على التأثير الهلنستي في أشكاله المختلفة. أما يكون يو فقط النتاج الثانوي للغنوصيّة أو بالأحرى الهرماسيّة؟ أما يكون قد تأثّر بفيلون الاسكندراني الذي أبرز أهميّة اللوغوس كما هو الأمر في مطلع يو؟ وقالوا: من هذا المناخ الهلنستي برزت "كرستولوجيا عليا" لكلمة الله حسب التدوين اليوحناويّ الأخير، ساعة اكتفت التقاليد اليوحناويّة الأولى بالكلام عن مسيح اسرائيل. وهكذا ألِّه الانسانُ يسوعُ.
كانت أحكام هؤلاء المؤوّلين السابقين (وكانوا بشكل خاص من الالمان) مرات عديدة، جذريّة، فلا يستطيع أن يتفلّت منها الشارح. حين نقول هذا نستثني أشخاصًا مجلّين مثل الآب لاغرانج الفرنسي وعددًا كبيرًا من المفسّرين ذوي الثقافة الانكليزية مثل دود بشكل خاص. فتبدّلت النظرة التفسيريّة إلى يوحنا أو التقليد اليوحناويّ (كما سيُقال فيما بعد) بشكل خاص دون التوصّل إلى رفع اللغز رفعًا كليًا، وهو لغز ما زال يُطرح اليوم. ومع ذلك، فهناك فرضيّات عديدة ترتّبت قبل سنة 1950، ولكنها انهارت اليوم على أثر:
- تنقيبات قمران التي أتاحت تقييمًا جديدًا للعالم اليهوديّ في القرن الأول، وبالتالي تحديدًا لموقع العالم المسيحيّ المتهوّد الذي نجده بشكل خاص في التقليد اليوحناوي، في إطار عالم يهودي بدأ متنوّعًا كل التنوّع في ذلك الوقت، بما في ذلك الوجه الصوفيّ.
- الاكتشاف في نجع حمادي لمكتبة غنوصيّة، وهذا ما دفعنا إلى إعادة تقييم الظاهرة الغنوصيّة في القرن الثالث ب م، وما بعد ذلك. وهكذا استطعنا اليوم بشكل أفضل أن نتّبع "مسيرة" التقليد اليوحناويّ مع انحرافاته الغنوصيّة مع "إنجيل فيلبس".
- اكتشاف مخطوطات مختلفة على الورق البرديّ: اكتشاف ب 52 التي دوّنت في مصر قبل سنة 150. وبرديّة اغرتون التي دوّنت قبل سنة 150 ومزجت عناصر من يو مع الإزائيين. ثم ب 86. وفي سنة 1961، ب 75 (مكتبة بودمر). وبمختصر الكلام، بدا الأساس المخطوطيّ لانجيل يوحنا متينًا جدًا (23 برديّة)، وهو يعود إلى بضع سنوات بعد التدوين الأخير للانجيل الرابع، الذي يعود، على ما يبدو، إلى ما بعد سنة 95. هذا ما يقوله معظم الشّراح مستندين إلى اضطهاد دوميسيانس الذي اعتبر نفسه "الاله والربّ".
- تنقيبات أركيولوجيّة مختلفة. مثل بركة بيت زاتا مع أروقتها الخمسة التي يتحدّث عنها يو 5: 2. ولفيفة النحاس التي اكتشفت في قمران (هي اليوم في عمّان) تتحدّث عن "بيت اسداتايين"، "بيت (موضع) الحوضين".
- تحسّن أساليب الدراسة منذ سنة 1970 تقريبًا.

2- أساليب للدراسة جديدة
بعد سنة 1970 بشكل خاص، اجتاحت المسائل الاسلوبيّة الحقل التفسيريّ. منذ الآن، لم يعد يهتمّ الأخصائي بجديد فرضيّة أدبيّة، بقدر ما يهتم بطريقة طرحها أو إسنادها. وبمختصر الكلام، أخد التفسير يفكّر في ما يفعل. فكتاب تفسيريّ لا يوضح أسلوبه ونهجه يصبح مثار شكّ. لهذا، لا بدّ من توزيع الأعمال التالية بالنظر إلى الأساليب التي أخذ بها (دون أن يستبعد الاسلوبُ أسلوبًا آخر).
أ- التأويل التاريخيّ النقديّ
هناك متطلّبة أولى (لا تُراعى دومًا) تفرض التمييز الضروريّ بين السنكرونيا (أو: النظرة الاجماليّة) والدياكرونيا (أو: النظرة التفصيلية): دراسة النصّ في واقعه الادبي الحالي. دراسة تكوينه الأدبي وتكوين تاريخ التدوين. لا نمزج بين الطريقتين. في البداية، وحوالي سنة 1973 وما بعد، بدت الدراسات من النمط السنكروني، وكأنها تواجه الأعمال الدياكرونيّة المسمّاة "تاريخيّة ونقديّة". ولكن منذ عقد من الزمن، انتهت الحرب بينهما. وتكاتفت الوجهتان السنكرونيّة والدياكرونيّة، ووصلتا إلى نتيجة طيّبة، شرط بدء الدراسة بتحليل دقيق للسنكرونيا، لا بشكل مباشر بالدياكرونيا. نبدأ فنقرأ النصّ قبل أن نصوغ ما قبل النص فنصل إلى الأب وإلى الجدّ.
ب- تحاليل من النمط السنكرونيّ
اهتمّ الكتّاب مرارًا بالسنكرونيا وبحسب المناهج المختلفة. (1) السيميائيّة أو التحليل البنيويّ. غير أن هذه الممارسة بدت مملّة وذات نتيجة ضئيلة. (2) التحليل البنيويّ انطلاقًا من التضمينات والتصالبات، ولكن شرط أن لا نستسلم "لمرض التصالب" (نجد تصالبًا في كل نصّ). (3) التحليل البلاغيّ، حسب قواعد البلاغة القديمة من أرسطو إلى كونتليانس. ولكن هذه القواعد البلاغيّة قد تطوّرت وظلّ تطبيقها ذاتيًا (لا وضعيًا). فيجب أن نقرّ بأن النتائج تختلف اختلافًا لافتا بين مفسّر وآخر داخل نظام واحد: فاكتشاف التصالبات بشكل خاص، يعكس الفكر الاستنباطيّ لدى ذاك الذي يظنّ أنه يكتشفها في النصّ، وذلك بالاستعانة بمنطق "غربيّ". كم مرّة تبدو هذه القراءات من النمط السنكرونيّ نسقيّة، فتتابع "تضرّسات" خبر كان يستند إليها التأويل التاريخيّ النقدي.
ج- الأبحاث الاجتماعيّة الدينيّة
ووعى مفسّرون البُعد التاريخيّ للنصوص، فحاولوا أن يحدّدوا موقعها في سياقها الحضاريّ والدينيّ. من هنا أهميّة هذه الأبحاث التي برع فيها ريمون برون.
د- تاريخ "النتيجة" والتنبّه إلى السرد
هـ- تاريخ تقبّل النصوص
في قلب مسيرة تقليديّة واحدة، حتى آباء الكنيسة، بل حتى أيامنا، ما نسي الشرّاح البُعد التفسيريّ الذي بدأ به بولتمان من أجل قراءة حاليّة لانجيل يوحنا من أجل انسان اليوم. إمّا مع تنبّه إلى الوجهة الروحيّة كما في تفسير ليون دوفور. وإمّا مع تنبّه إلى تاريخ تقبّل النص.

3- بعض المواضيع المدروسة في أيامنا
نشير أولاً إلى المواضيع التي ما عادت تلقى اهتمام الباحثين: الدراسات حول اللغة والاسلوب والكاتب (التقليد اليوحناويّ من التلميذ الحبيب إلى المدوّن الأخير) وتاريخ التدوين (قبل سنة 70 أو بعد سنة 95) لم تعد كثيرة في أيامنا، لأن هناك توافقًا على أثر الأعمال السابقة.
أما المواضيع التي ما زالت مثار جدال، فهي إلى المسائل التفسيريّة، كما يلي:
أ- ينابيع تدوين يوحنا ومراحله
أي القراءة التاريخيّة النقديّة، من النمط الدياكروني.
أولاً: لم يولد إنجيل يوحنا دفعة واحدة. لهذا يميّز الأخصائيّون مرارًا المراحل التالية: (1) مرحلة سابقة ليوحنا في مدّ التقاليد الشفهيّة وقبل تأليف ف 1- 20. (2) ضمَّ عملُ الكتابة هذا تقاليدَ أولى مختلفة في إطار تناسق إجماليّ. (3) في مرحلة ثالثة، حصلت بعد كتابة ف 1-20، قُدّمت ردّة فعل كاتب الرسائل المنسوبة إلى يوحنا، قبل الوصول إلى التدوين النهائيّ للانجيل مع ف 21. (4) وأخيرًا، يجب أن نتابع المسيرة اليوحناويّة فنرى كيف استولى الغنوصيون على هذا التقليد وكيف جاهد ايريناوس ليعيد هذا التقليد إلى الكنيسة. ونقول الشيء عينه في إطار الصراع ضدّ المونتانيّة. فذريّة العمل اليوحناوي (وإن جاء منحرفًا في قسم منه) تضيء العمل نفسه بطريقتها الخاصة. 
ثانيًا: ونذكر بعد ذلك طرح بولتمان الذي اكتشف في يوحنا ثلاثة ينابيع أو ثلاثة مراجع: مجموعة من أقوال وحي (إغو ايمي: أنا هو). مجموعة الآيات التي نجدها الآن في ف 1-12 مع الخاتمة في 20: 30- 31. خبر الآلام. ما زال لهذه الفرضيّة محبّذون، ولاسيّما في ما يخصّ "كتاب الآيات". واستند باكر أيضًا، بحثًا عن "الكتاب اليوحناويّ الأساسيّ"، إلى كتاب الآيات حيث يبرز وجه يسوع، مسيح اسرائيل، الذي يجري آيات مسيحانيّة مثل إيليا أو موسى. بعد ذلك سيدلّ انجيليّ آخر على يسوع كمرسل الله في إطار "كرستولوجيا عليا". وذلك قبل أن يُدخل مدوّن أخير في النهاية عناصر من النمط الاسكاتولوجيّ أو الأسراري (يو 6: 53-58).
أما بوامار ولاموي فقد ميّزا عدّة طبقات أدبيّة (وثيقة ج، استعادها يوحنا 2 أ، يوحنا 2 ب، يوحنا 3). نعترف بأن إعادات هذه البناءات المتنوّعة ليس لها محبّذون، وإن أدرك كل واحد أن التقليد اليوحناويّ هو نسيج عدّة قراءات متواصلة. ومع ذلك، فبقدر ما البحث عن مراجع مكتوبة (إعادة بناء نصّ يأتي قبل النصّ الحاليّ) يبقى أمرًا مشكوكًا فيه، بهذا القدر تبقى الاشارة إلى المواضيع التقليديّة، السابقة للكتاب الحالي، دومًا مفتوحة ومقبولة. وهكذا يبقى علينا أن ندرك سبب هاتين الظاهرتين: من جهة، وحدة التقليد اليوحناويّ في رنّته الخاصة، اللغوية واللاهوتيّة. ومن جهة أخرى، تنافر غريب بين عناصر حاليّة تسمّى عناصر يوحناويّة.
بوجيز الكلام، نسمح لنفوسنا بأن نميّز هذه المواضيع القديمة و"ندلّ" عليها، وقد استعادها التقليد اليوحناويّ. ولكننا نظنّ أنه يستحيل علينا أن "نعيد تكوين" النصّ الينبوع.
- إن ما يلي "تكثير الأرغفة والسير على المياه" الذي يدلّ على يسوع الذي هو موسى الجديد، بل أعظم من موسى (لأن الله هو الذي يعطي الخبز ويسود على المياه، لا موسى)، قد استعيد من متتالية إخباريّة أخذت من محيط مسيحيّ متهوّد. هذا ما يدلّ عليه الإزائيون.
- إن يو 6 حيث الخطبة حول الايمان بهذا الخبز السماوي الذي هو الكلمة الجديدة، تقطعه ظاهرًا بعضُ اعتبارات حول الخبز الذي صار جسد الرب (آ 53-58: "إن لم تأكلوا جسد ابن الانسان). نشير هنا إلى أن الدراسات على يو 6 هي عديدة جدًا. والنتائج تختلف حسب المقاربة السنكرونيّة أو الدياكرونيّة.
- إن الآيات التي أجراها يسوع ارتبطت بالايمان وهي تبرّره. في 2: 23: "كثيرون آمنوا به حين رأوا الآيات". ولكن بعد ذلك ستقدَّم الآيات على أنها ذات قيمة دنيا، ويخفّ اعتبارها بالنسبة إلى الايمان. في 4: 48: "إذا كنتم لا ترون الآيات والمعجزات، أفلا تؤمنون"! تبعوه "لأنهم رأوا الآيات" (6: 2) وفي 20: 29: طوبى للذين آمنوا ولم يروا.
ب- التقاليد اليوحناويّة. العالم اليهوديّ القديم والغنوصيّة
أولاً: الغنوصيّة
مع بولتمان وغيره، شدّد الشرّاح مرارًا على أهميّة الغنوصيّة: فحسب نظرة كونيّة من النمط الثنائي، موروثة من بلاد فارس (اهورا ≠ مزدا)، ساعة سقط الانسان السماوي الاولاني في الظلمة، أُرسل مرسَل سماوي على الأرض ليخلّص نفسه من المادة وينتزع الآخرين منها فقط بقدرة معرفته للخلاص. هذا هو "المخلّص المخلّص" من عالم ماديّ وشرّير. وقد يكون يو صحّح هذه السطرة ومسحنها، فطبّقت على يسوع رسمة "النزول والصعود"، نزول يسوع، المرسل السماوي الذي يحمل النور والحقّ والحياة. ثم أدخل موضوعًا بيبليًا هو موضوع الخلق، ورفضَ "ثنائيّة كوسمولوجيّة" (على مستوى الكون) محتفظًا بـ "ثنائيّة القرار"، قرار الايمان الحالي بدون تطلّع اسكاتولوجي.
منذ مؤتمر مسّينة (سنة 1966) بشكل خاص، لم يعد من الممكن أن نعود هكذا إلى الغنوصيّة قبل القرنين الثاني والثالث ب م، أقلّه في معنى نهج لاهوتيّ مكوّن (فهذا "المخلّص- المخلّص" قد صار سطرة تأويليّة). وإن تكلّمنا عن غنوصيّة قبل الغنوصيّة، لن نلقي ضوءًا على الوضع. ولكن، إن كنا نرفض الغنوصيّة كنسق موحَّد (وهذا ما لم تكنه يومًا)، فيجب أن لا نلغي في الوقت عينه المواضيع العديدة التي تمازجت مرارًا، فدخلت العالم الهلنستي في القرن الأول المسيحي. مثلاً، التشديد على موضوع الخلاص وموضوع المعرفة.
بعد هذا، أتاحت اكتشافات قمران نظرة جديدة إلى يوحنا، فجعلت الوضع في الوقت عينه أكثر بساطة وأكثر تعقيدًا. أكثر بساطة حين أعيد يو إلى العالم اليهوديّ. وأكثر تعقيدًا بسبب التنوعّ في هذا العالم اليهوديّ.
ب- من العالم الهليني إلى العالم اليهوديّ
بعد أن ردّ مفسّرون عديدون على الطروحات الغنوصيّة، حوّلوا نظرهم إلى تجذّر يو في العالم اليهوديّ. فالكتاب المقدس هو ما ينير بالدرجة الأولى وأفضل إنارة النص اليوحناوي، لا العالم الهليني الذي بدا فكره "بخاريًا" (ضبابيًا) مرّات عديدة. فآلت الأمور ببعضهم إلى نسيان السياق الهلنستي للانجيليّ ليتوقّفوا فقط عند الكتاب المقدس في استكشاف يو. وذلك في شبه "مواجهة حصريّة" بين يو والتوراة، ونسوا أن التقليد اليهودي (من مدراش، وتراجيم) يحمل الكتاب المقدس، وأن الحضارة الهلنستيّة قد ولجت العالم اليهوديّ في ذلك العصر.
لهذا بدا من الضروريّ أن نقدّم التصحيحين الأساسيّين التاليين:
الأول: يجب أن نعيد النظر ونُظهر الفروق في تقسيمات "اليهوديّة والهلنيّة" (أو: العالم اليهودي والعالم الهلينيّ)، اليهوديّة المسمّاة فلسطينيّة، واليهوديّة المسمّاة هلنستيّة. فجميع اليهود كانوا في ذلك الوقت في ظلّ التأثير اليوناني، التأثير اليوناني- الروماني. فلنميّز بالحري عدّة عوالم يهوديّة: اليهوديّة القديمة في زمن عزرا. اليهوديّة الهلنستيّة التي انغرست في فلسطين (500000 أو 600000) أو ظلّت في الشتات (6 أو 7 ملايين). اليهودية الرابينيّة بعد 150 ب م، ودمار أورشليم الثاني. ولنتجنَّب الكلام عن يهوديّة مسمّاة بين عهدين.
الثاني: لا يقلّ هذا التصحيح عن سابقه. إن اليهوديّة الهلنستيّة المغروسة في فلسطين، تدلّ على تنوعّ مدهش (أي: ليس هناك تيّار واحد). فهل يجب أن نتكلّم عن عالم يهوديّ واحد، أم عن عوالم (في صيغة الجمع)؟ وليس هناك يهودية "ارثوذكسية" (صاحبة إيمان مستقيم تقدّم القاعدة الصحيحة) بجانب "يهوديّات" منحرفة (قمران أو فيلون الاسكندراني). كانوا يمارسون فقط "ارثوبركسيّة" (أو ممارسة مستقيمة): الختان، السبت، الوصايا. وسارت بعض المواضيع اللاهوتيّة بشكل مختلف حسب الأوساط اليهودية: حول المسيح، وقيامة الموتى، والملائكة، والعناية الالهيّة، والحريّة.
وبموجز الكلام حرّكت اكتشافات قمران تفجّرًا في معرفتنا للعالم اليهودي (أو العوالم اليهوديّة) في القرن الأول المسيحيّ، فتجدّدت المقابلة بين النصّ اليوحناويّ والمحيط اليهودي ومختلف الأوساط اليهوديّة.
ونقدّم موقفين تفسيريين في هذا المجال:
- ارتباط التقليد اليوحناوي مع قمران واضح. ولكن المسافة بين الخطّين واضحة أيضًا. فيوحنا قريب من جماعة العهد وفي الوقت عينه بعيد جدًا.
- العلاقة (بما فيها من رباطات واختلافات) بين الجماعة (أو الجماعات) اليوحناويّة وجماعة العهد، تبدو شبيهة بعلاقة الاسيانيين مع سائر اليهود، وبعلاقة تلاميذ يوحنا المعمدان مع سائر الجماعات المسيحيّة (بطرس، يعقوب، بولس). وإذا نظرنا إلى سائر الكنائس اللايوحناويّة، نفهم خاصيّة المجموعة المسيحيّة المتهوّدة، المسمّاة يوحناويّة، في أنطاكية، والمجموعة المسيحيّة ذات النزعة اليهوديّة المهلينة من النمط اليوحناويّ في أنطاكية، والمجموعة المسيحيّة المهلنية في أفسس. هذا ما نعود إليه فيما بعد.
أما الآن فنتابع جردتنا متكلّمين عن الدراسات حول البناء الأدبي لإنجيل يوحنا. فالدراسات عديدة حول يو 1 (المطلع) ويو 6 (خبز الحياة) وهي لافتة للنظر. أما دراسة ف 13-17 (لا تسمّى بعد اليوم الصلاة الكهنوتيّة) فلا تلقى اهتمام المفسّرين.
ج- البنية الأدبية للانجيل الرابع
درسها الأب كوتنيه في المدخل إلى البيبليا، واستعادها الأب فغالي في كتابه حول يوحنا.
د- يوحنا والكتاب المقدس، المسألة اليهوديّة في التقليد اليوحناويّ
أولاً: الايرادات البيبليّة
هناك قرابة 17 أو 19 ايرادًا واضحًا (خصوصًا من الأسفار الخمسة وأشعيا والمزامير) وقريبًا (ممّا يسمّى) السبعينيّة أو العبريّة (الماسوريّة). وقد حوِّلت من الداخل تحويلاً كبيرًا لتخدم خدمة أفضل حركة السرد. حينئذ صار الكتاب في خدمة الكلمة الجديدة. والهدف تعبير أفضل عن الايمان، لا بشكل مباشر إسناد هذا الايمان. هكذا يصبح الكتاب شاهدًا ليسوع، لا مجرّد قطعة إثباتيّة (يو 5: 19-20: "الكتب تشهد لي"). فكلام الله هو في خدمة الكلمة، يسوع المسيح، والروح يذكّرنا به. الكتاب يكشف الايمان ويعلنه قبل أن يبرّره. وهو يدخل في سياق نبوءة تجد الآن في يسوع شمتها الكاملة (ايرادات التتمة: لكي يتمّ).
عند ذاك أصبح قراءة الكتاب بشكل مباشر قراءة كرستولوجيّة. وهذه الكرستولوجيا هي موجودة في الكتاب. لا يبدو يوحنا بشكل "مدراش" (كتابة مستحدثة) ولا بشكل "فشر" (تفسير، كتاب نؤوّنه فندلّ به على شخص أو حدث حاضر كما في قمران). فكل شيء ينطلق من يسوع ولا ينطلق من الكتاب. نحن أمام "مدراش" أو "فشر" "مقلوب". فيسوع هو الذي يعطي وزنه للكتاب، ويُبرز قيمته النبوية. حينئذ يصبح الكتاب في الدرجة الثانية. فالايرادات ليست عديدة. وهناك ايرادات ذات هدف كرستولوجى (1: 33؛ 2: 17؛ 6: 31، 45؛ 10: 34؛ 12: 13، 15). وهناك ايرادات ستزداد وضوحًا حالاً قبل الآلام وخلالها (12: 38، 40؛ 18:13؛ 15: 25؛ 19: 24، 36، 37). ففي يسوع يجد الكتاب ملء اتمامه.
ثانيًا: يوحنا واليهود.
كيف نحدّد موقع يو والتقليد اليوحناويّ تجاه اليهود؟ لماذا لفظة "اليهود" ترتدي معنى معاديا وذلك في مرّات عديدة؟ هل نقول "اليهوداويين" (نسبة إلى يهودا أي المنطقة التي عاصمتها أورشليم) فنبرّر بهذه الذريعة أهل الجليل والسامرة؟ هل يعني النصّ فقط رؤساء اليهود أو الفريسيين؟ هل نحصر هؤلاء اليهود بـ "أنماط أدبيّة" يستطيع كل واحد أن يجد نفسه فيها حين لا يؤمن؟
على المستوى التاريخيّ، لاشكّ في أنه من الضروريّ أن نحدّد موقع يوحنا في محيطه المسيحيّ المتهوّد. ولكن هذا المحيط هو مهمّش بعض الشيء: من جهة، يعارض اليهودَ الذي لا يتقبّلون يسوع، بل يحاربونه (طرد المسيحيين من المجمع). ومن جهة ثانية، يتنازع مع أوساط مسيحية متهوّدة أخرى (لا بولسيّة) لم يعرفوا أن يتحرّروا بما فيه الكفاية من الشريعة: "شريعتهم". بعد هذا تدلّ لفظة "اليهود" (وكذا هو الأمر في بولس مع بعض فروقات) على أن القطيعة بين الجماعة اليوحناويّة وسائر اليهود، قد فرضت نفسها سريعًا، وإن قال يسوع بحسب يو إن "الخلاص يأتي من اليهود" (4: 22). ومع أن بولس شدّد على أسبقيّة اسرائيل، وقبل بوجود مسيحيين متهودين تجاه مسيحيين هلينيين، فما كان عبّر عن فكره بهذا الشكل، لأن الخلاص بالنسبة إليه يأتي فقط من الايمان بالمسيح.