الاستسلام لله

 

رغم ظروف زمننا الحاضر، يجب أن نكون منفتحين وأحرارا، لكي نحيا الآن في سبيل ما يريده الله عن المستقبل – أي أن نعيش في سبيل الحياة الأخوية المشتركة، وملكوت الله. ويجب أن نكون مستعدين وراغبين في التخلّي عن عنادنا لله؛ وسوف يتسنى لله عندئذ العمل فينا بواسطة روحه القدوس.

إنّ الله مستعد دائما، وموجود دائما. ولكننا – نحن البشر – غير مستعدين لدعواه. فلو استسلمنا لسُلطان الله، وطريق يسوع المسيح، وقوة الروح القدس، سوف يتسنى لذلك اللهب الذي ينير العالم كله أن يتّقد في داخلنا.

نحن نعرف وصايا يسوع عندما طلب منا أن نترك كل شيء ونتبعه: «بِعْ كُلَّ ما تَملِكُ ووَزِّعْ ثَمنَهُ على الفُقراءِ، فيكونَ لكَ كَنزٌ في السَّماواتِ، وتَعالَ اَتبَعْني.» (لوقا 18: 22) وأيضا: «وقالَ لَه واحدٌ مِنْ تلاميذِﮦِ: ‹يا سيَّدُ، دَعْني أذهَبُ أولاً وأدفِنُ أبي.› فقالَ لَه يَسوعُ: ‹إتبَعْني واَترُكِ المَوتى يَدفِنونَ مَوتاهُم!›» (متى 8: 21–22) وطلب أيضا من تلاميذه أن يتركوا قوارب الصيد التي يكسبون الزرق منها، وأن يتركوا أدواتهم وعِدَّتهم ويتبعوه: «وكانَ يَسوعُ يَمشي على شاطئِ بحرِ الجليلِ، فرأى أخَوَينِ هُما سِمعانُ المُلقَّبُ بِبُطرُسَ وأخوهُ أندراوُسُ يُلقِيانِ الشَّبكَةَ في البحرِ، لأنَّهُما كانا صيَّادَيْنِ. فقالَ لَهُما: ‹إتبَعاني، أجعَلْكُما صيَّادَيْ بشرٍ!›» (متى 4: 18–19)

وكان تلاميذ المسيح أيضا يعرفون وصاياه. وكانوا يعرفون أيضا أن كل إنسان له طريقته الخاصة في الاعتقاد بأنه «غنيّ» للدرجة التي تجعله يرفض الوصايا عن طريق التمسُّك بما لديه حتى لو كان قليلا؛ وتراه يردّ على دعوة يسوع المسيح قائلا: «لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَجِيءَ.» (لوقا 14: 20) ولهذا سأل التلاميذ يسوع وهم فزعين، وقالوا: «إِذَنْ، مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَخْلُصَ؟» (متى 19: 23-26) فأجابهم يسوع: «هَذَا مُسْتَحِيلٌ عِنْدَ النَّاسِ. أَمَّا عِنْدَ اللهِ، فَكُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ.»

لو فتحنا أنفسنا على عمل الله، وتخلينا عن إرادتنا البشرية الذاتية، لكان الله على استعداد دائما لأن يهبنا الإيمان والمحبة.

يريدنا الله أن نطلب منه العون. (متى 7: 1-7) ولا يعني هذا أنه لا يستطيع أو لا يريد أن يفعل ذلك دون طلبنا، ولكنه ينتظر مِنّا أن نفتح قلوبنا وحياتنا له، كي يعمل فينا هو وليس سواه.

يتساءل كثير من الناس، لماذا يظهر الله لنا على هذه الشاكلة، ولماذا لا يفرض مشيئته على الناس. ولكن هذه هي طبيعة الله بكل بساطة. فهو ينتظرنا لنكون مستعدين له. ورغم أنه يعاقب الأفراد والشعوب كي يدعوهم إلى التوبة؛ ولكنه لا يفرض أبدا طريقه الصالح المقدّس عليهم. ولتوضيح هذه النقطة، نضرب المثال التالي: لو حاول أحد الآباء أن يفرض نواياه الطيبة على ابنه، عن طريق الأخذ بخناق ولده والقبض على رقبته وإجباره بالإكراه على قبولها، لشعر الولد غريزيا بأن تصرفا كهذا بعيد كل البعد عن المحبة. ولهذا السبب لا يفرض الله إرادته على أيّ إنسان. لذلك نرى الآن أننا نواجه تلقائيا سؤالا بالغ الأهمية، وهو كالآتي: أنرغب في الاستسلام لله طواعية ودون إكراه – وأن نفتح نوافذ قلوبنا ليدخل بِرّه المقدّس ويُسيّر حياتنا كلها؟

 

علينا أن نُسَلِّم نفوسنا لله من كل قلوبنا، ولو فشلنا مرة في ذلك، يجب علينا أن نعيد الكَرّة ثانية. ونحن جميعا بحاجة إلى المغفرة اليومية لذنوبنا وإخفاقنا. ولكن ما يهم هو هذا السؤال: أنريد أن نكون أمناء – أمناء حتى نهاية حياتنا؟ وتعني هذه الأمانة تسليم كل شيء والإيمان بالله وبالمسيح – أي تسليم إرادتنا الذاتية، وطموحاتنا في السعادة الشخصية، وأملاكنا الخاصة، وحتى ضعفنا. فهذا كل ما هو مطلوب من كل إنسان. فلا يتوقع يسوع مِنّا الكمال، ولكنه يريد أن نُسَلِّم نفوسنا له من كل قلوبنا.

 

ما هو الاستسلام الحقيقي غير المشروط؟ قد يستسلم شخص لشخص أقوى منه، أو جيش لجيش أقوى منه. وقد نستسلم نحن البشر لله لأنه قادر على كل شيء، أو لأننا نخاف عقابه. ولكن كِلا السببين ليسا استسلاما كاملا لله. فلا يحصل

الاستسلام الكامل إلا عندما نلمس طيبة الله وصلاحه – وبأنه هو وحده الصالح – وفي هذه الحالة فقط يمكننا الاستسلام لله استسلاما غير مشروط من كل قلوبنا ونفوسنا وكياننا، طوعيا، وبدافع المحبة ومن دون إكراه.

عندما يُسَلِّم الإنسان نفسه لله من كل قلبه ومن كل نفسه، ويكرّس كل حياته لخدمته، سوف يقوم تلقائيا بالبحث عن شركاء آخرين، من الذين لديهم المحبة ذاتها التي يجري التعبير عنها بشكل واضح، وسوف يكرّس حياته لهم أيضا. غير أنه لا يمكنه تكريس حياته للآخرين ما لم يكرّس حياته لله أولا.

 

 لو وجدنا في يوم من الأيام جماعة مسيحية معينة – حتى لو كانت أصغر بكثير من جماعتنا – حيث يجري فيها التعبير عن محبة يسوع المسيح، تعبيرا أكثر اكتمالا ووضوحا مما يجري فيما بيننا في مجتمعات جماعتنا، فأتمنى بل وأعتقد اعتقادا جازما، بأننا سوف نتوق إلى الانضمام إليهم، حتى لو كان ذلك يعني فقدان تقاليد معينة نعمل بها، أو التخلّي عن هوية كنسيّة معينة.

 

 نحن في أمس الحاجة إلى أن يقودنا الله إلى الحدّ الذي ندرك فيه مدى شقائنا وضعفنا – نعم، مدى فقرنا الروحي ومدى عجزنا التام. (2 كورنثوس 12: 1-11) فكل مَنْ يشعر بأنه قوي ولو قليلا، يجب أن يكشف الله مدى ضعفه. وعندما يُظهِر الله لنا حقيقة شقائنا وفقرنا، نشعر عندئذ بعجزنا التام أمامه. ولكنه يساعدنا بعد ذلك بنعمته، ويقوينا بمحبته اللامتناهية. ونحن مُتَّكِلون على الله بالتأكيد، الآب والابن والروح القدس. فلا مُعين لنا غيره.

 

يعني الاستسلام لمشيئة يسوع المسيح، أن يصبح المرء واحدا معه، وأن يصبح جميع أفراد الجماعة واحدا، بعضهم مع بعض. وقد جاهد يسوع جهادا مُضنيا لتسليم مشيئته لمشيئة الآب، لدرجة أن عرقه صار قطرات دم نازلة على الأرض. فقد

أحاطت به قوى الشرّ، وحاولت أن تجعله يسقط، ولكنه بقي وفيّا: وكان موقفه «لِتَكُنْ لاَ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَتُكَ.» (لوقا 22: 42) وينبغي أن يكون هذا الموقف موقفنا أيضا نحن المؤمنين، في جميع المسائل، حتى لو تعرضنا للاضطهاد بسبب إيماننا. ومهما يحدث لنا، سواء كان سجنا أو موتا، فعلينا أن نقول: «لِتَكُنْ لاَ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَتُكَ.»

 

الخضوع يقول المسيح: «ما اَختَرْتُموني أنتُم، بل أنا اَختَرْتُكُم وأقَمْتُكُم لِتَذهبوا وتُثْمِروا ويَدومَ ثَمَرُكُم.» (يوحنا 15: 16) وهذا مهم جدا: «أنا . . . أقَمْتُكُم.» فكم مرة يسبب الشخص أضرارا رهيبة، عندما لا يكون راضيا بمكانه في الحياة، وبالمهمة التي أقامه الله لها. إذ يؤدي عدم الرضا هذا إلى الكراهية. فيجب أن يحب بعضنا بعضا، ونرضى بالمكان الذي أعطاه الله لكل واحد مِنّا.

 

عندما أرسل يسوع تلميذين لجلب حمار في يوم أحد الشعانين، (متى 21: 1–7) لم يكن لدى هذين التلميذين أي مهمة في العالم كله أهم من جلب ذلك الحمار. ولو قال لهما أحد الأشخاص: «أنتما مدعوان إلى عمل أشياء أعظم من هذه الأمور التافهة؛ إذ يمكن لأي شخص كان أن يجلب حمارا،» ومن ثم سمعا لكلامه، وما قاما بهذه المهمة المتواضعة، لأصبحا مخالفين لكلام المسيح. ولكن بالنسبة إليهما، لم يكن عندهما في تلك اللحظة أي شيء أعظم من إحضار الحمار للمسيح. وأتمنى لنفسي ولكل فرد فينا أن نؤدي حسب روحيّة هذه الطاعة، أي مهمة موكلة إلينا، سواء كانت كبيرة أو صغيرة. فلا يوجد أعظم من طاعة المسيح.

 

التواضع يدعو يسوع كل واحد مِنّا ليكون متواضعا. فلو طلب المرء العظمة البشرية، لما كانت الحياة المشتركة المكان المناسب له. فيمكن لكل واحد مِنّا أن يغريه الطموح، ولهذا يجب علينا أن نتخذ موقفا حازما في وجه هذه التجربة.

من رسالة: إنه لأمر حسن أن يكون المرء ضعيفا. إذ إنّ ضعفنا البشري ليس عائقا أمام ملكوت الله، ما دمنا لا نستخدمه كذريعة لخطايانا. واقرأ في الرسالة إلى أهل كورنثوس 12: 7–9، حيث يكتب الرسول بولس، إنّ الربّ يُظهِر نفسه بأكثر الطرق المجيدة من خلال ضعفنا. وبالتأكيد، فإنّ هذا المقطع الإنجيلي ليس من أهم المقاطع الإنجيلية التي تتناول الكنيسة ككل، ولكن قد يكون من أهمها فيما يتعلق بالتلمذة الشخصية للمسيح.

 

 عندما كنتُ أقرأ بشارة مرقس الرسول في الإنجيل، أدهشني تأكيد يسوع على مدى حاجتنا إلى التواضع. فإنّ يسوع بنفسه لم يأتِ ليخدمه الناس، بل «ليَخدِمَهُم ويَفديَ بِحياتِهِ كثيرًا مِنهُم.» (مرقس 10: 45) ويجب أن يكون هذا نهجنا أيضا، حتى لو كنا نعلم بأننا نُقَصِّر كثيرا في إتمام ذلك.

 

إنّ التطويبات التي ذكرها يسوع المسيح في موعظته على الجبل، لم تَدْعُ المسيحيين ليكونوا قديسين عظماء ومتألقين في العالم، وإنما ليكونوا بشرا متواضعين. (متى 5: 3–12)

 

 لمّا كنتَ تعلم بأنك تتسم أحيانا بتوجيه النقد، وتفتقر إلى التواضع، فاسْعَ إذن إلى التواضع. فالتواضع فضيلة رائعة لو صمّم الإنسان التحلّي بها، لأن التواضع يليّن من قساوة القلب، ويجعل الشخص منفتحا على الله. أما الانتقاد فليس بالضرورة أمرا غير صحيح، ويمكن أن يكون إيجابيا. ولكن يمكن أيضا أن يكون أمرا مُدمِّرا للغاية.

 

ينبغي أن لا نشغل أنفسنا كثيرا بالقلق على قلّة محبتنا للآخرين، أو على شخصياتنا الضعيفة. فلا يوجد مَنْ هو طاهر وصالح غير الرب يسوع. فإنّ شخصيته في الحقيقة هي الشخصية السليمة الوحيدة، ويمكنه برحمته الأبدية، أن يُطهِّر قلوبنا في سبيل نواياه الإلهية. فلنُسَلِّم نفوسنا له حتى يتمكن من أن يأخذ

بأيدينا، ويستعملنا كما يشاء. ولننصرف عن تجربة إبليس التي وقع فيها قايين، الذي أخذ يحسد تقرُّب أخيه إلى الله. (تكوين 4: 5) ولنفرح بمجرد الانتساب إلى يسوع المسيح، ولنسمح له بأن يضعنا في المكان الذي نثمر فيه أكثر الثمار الصالحة من أجل تمجيد الله.

 

 إذا قبلنا بضعف حياتنا وصغرها بأسلوب يقودنا إلى التواضع أمام الله، فسوف ندرك بأن عوننا الوحيد، لا يكمن إلّا في الاستسلام الكامل لله، وفي الاتِّكال الكليّ عليه. وقد يكون هذا الإدراك إدراكا مؤلما للغاية، لأننا يجب أن نكسر شوكة كبريائنا أمام الله. ولكننا سننال النصر بالحصول على الحياة الحقيقية المليئة بالفرح والتوبة والمحبة وخدمة أخينا الإنسان!

 

يقول بولس الرسول: «فَتَمِّموا فَرَحي بأنْ تكونوا . . . مُنَزَّهينَ عَنِ التَّحزُّبِ والتَّباهي.» (فيلبي 2: 3) وهو لا يقصد بالتباهي الرغبة في جعل الشكل جميلا فحسب – الذي هو أيضا أمر مخالف للروح المسيحية – بل يقصد أيضا التباهي الديني للناس، الذين يريدون التألُّق بين البشر، وكسب إكرامهم لهم شخصيّا. فينبغي أن لا يكون هناك أي مجال لمثل هذا التباهي أو الغرور بيننا. ويتابع بولس الرسول قوله: «مُتواضِعينَ في تَفضيلِ الآخَرينَ على أنفُسِكُم.» وهذا الخُلُق يخالف رغبة الإنسان في أن يصبح أفضل من أخيه أو من أخته في الكنيسة. فلو أردنا اِتِّباع المسيح، فكيف يحقّ لنا أن نطمح إلى جعل نفوسنا عظيمة أو مُهِمة؟ فيذكر بولس الرسول أن يسوع المسيح «تَواضَعَ، أطاعَ حتّى الموتِ، الموتِ على الصَّليبِ.» (فيلبي 2: 8)