الصِّدق

 

من الضروري جدا أن تكون حياتنا صادقة وأن تبقى صادقة، وأن لا نفعل شيئا لا أقل ولا أكثر مما يطلبه الله مِنّا في أي وقت كان! وهناك، من ناحية أخرى، خطر في أن تصبح حياتنا المسيحية غير صادقة، عندما نتوصّل إلى الحقيقة بطريقة فكرية بحتة، ومن ثم نحيا حياتنا على ضوء ما توصلنا إليه فكريّا، في حين أن الله لم يكن قد وهبنا الحقيقة فعليّا، ولم يضعها في قلوبنا وأرواحنا بَعْدُ.

 

دعونا لا نستعمل أبدا كلمات دينية عندما لا نعنيها. (متى 7: 21) فلو كنا نتحدث بإعجاب عن التلمذة للمسيح، وكنا في الوقت نفسه نقاوم مطالبه، سوف نقوم بعملنا هذا بإيذاء أرواحنا وحياتنا الروحية. فلنتحفّظ في استخدام الكلمات الدينية ومصطلحات الإيمان. إذ إنّ استعمالها دون أن نعنيها، سوف يقوم بتدميرنا – وسوف يكون رياؤنا كارثة بالنسبة إلى أبنائنا بصورة خاصة.

ويحذرنا يسوع بشدة من محاولة التظاهر بمظهر الورع في عيون الآخرين. (متى 6: 5) فلنكن صادقين ونقول ما نفكر به على حقيقته، حتى لو كان كلاما غير صحيح، بدلا من استخدام العبارات الصحيحة دون أن نعنيها.

 

 كان رئيس الكهنة، بحسب التقليد اليهودي القديم، يذكر اسم الله «يهوه» مرة واحدة فقط في السنة – في يوم الغفران – ولم يكن يذكره إلّا في قدس الأقداس في الهيكل. وبالنسبة إلينا، فإنّ مثل هذا الاحترام والتوقير لاستعمال الكلمات الدينية، هو شكل مهم من أشكال العِفَّة الروحية. فلنكن حذرين جدا في استعمال اسم الله.

 

من المهم أن تكون صريحا وصادقا بشأن مشاعرك الحقيقية. فمن الأفضل أن تكون خشنا جدا، بدلا من أن تكون مهذبا جدا. ومن الأفضل أن تكون جافّا جدا بدلا من أن تكون أنيسا جدا. ومن الأفضل أن تقول كلمة قاسية وصحيحة، بدلا من

أن تقول كلمة لطيفة لكن باطلة. ويمكنك دائما أن تتأسّف وتعتذر عن كل كلمة غير لطيفة، أما الرياء فيسبب أضرارا دائمة، ما لم توهب نعمة خاصة لعلاج الموقف.

 

إنّ حركة الشبيبة الألمانية، التي كانت من إحدى روافد حياتنا المشتركة، تميّزت بالبحث عما هو صادق. ورغم أنها لم تكن حركة «دينية،» إلّا أن شيئا من يسوع المسيح كان حيّا فيها. فلم يكن السؤال الأول الذي طرحه الشباب: هل هذا الشيء صحيح أو صالح أو حقيقي؟ وإنما سألوا: هل هذا الشيء صادق؟ فكان الشباب يفضّلون أن يقول الشخص ببراءة شيئا غير صحيح أو غريب، بدلا من الاستماع إلى خطب دينية غير صادقة. فقد رفضوا دينا ببَّغائيّا لا يفهمون معناه؛ فقد جاهدوا من أجل الوصول إلى الحقيقة.

لقد نشأ من أعماق قلوب الناس نهج جديد في الحياة، ومشاعر جديدة عبّرت عن نفسها بطرق عديدة. وأدت هذه الرغبة الداخلية عندهم إلى إقامة علاقات أخوية حميمة في مختلف الفعاليات، مثل نزهات المشي الطويلة في الطبيعة، والغناء والرقص الشعبي، حتى أنهم سكنوا في مُجَمَّعات سكنية متقاربة ومتشاركة. وأصبح التجمُّع والمسامرات حول دفء نار الحطب المتوهج تجربة روحية عميقة. وعبّرت الحركة الإيقاعية للرقص الجماعي الفلكلوري، عن شيء موجود في أعماق القلب. وكانت هناك جهود لتجسيد ما كان صادقا بحقّ، وكان يعني ذلك بالمقابل رفض كل المظاهر البشرية، بما في ذلك الموضة. وكان أهم شيء لديهم، هو ما يحسّ به الإنسان داخليا في كيانه، وقد وجد ذلك تعبيرا حيّا في كل مجال من مجالات الحياة.

 

 إنّ مَنْ يقف في طريق الله هو ليس الإنسان الخاطئ الذي يمكن رؤية خطيئته بشكل واضح. فإنّ أكبر أعداء الله هم أولئك الذين يتلقون ويقبلون دعوة المسيح ليتبعوه، ويستمرون بعد ذلك في خدمة الشيطان في آن واحد – رغم استخدامهم لغة دينية.

وتتعامل معظم الأمثال الذي ضربها يسوع المسيح، مع مثل هؤلاء الناس، وليس أهل العالم. ونرى في مَثَل العذارى العشر، في إنجيل متى 25، 1-13 كيف ذهبن لاستقبال العريس، فقد غَفَتْ خمس منهن وفاتهن العريس؛ ونرى أيضا في مَثَل العبد الصالح والعبد الشرير في إنجيل متى 24: 48–49، أن السيد يُعَيّن عبدا، ولكن العبد يصبح غير أمين، وغير ذلك من الأمثلة. لذلك نرى أن أكثر ما يعيق ملكوت الله، هم الذين سمعوا دعوة المسيح ومن ثم استجابوا لها، ولكنهم يستمرون في خدمة الشيطان، بينما تراهم لا يزالون يستخدمون لغة مسيحية.

 

لو بقينا قريبين من يسوع، لرأينا صدقا خالصا في أنقى صوره. فهو يتكلّم بِحِدَّة قاطعة عن التديُّن الزائف، الذي يحاول تطهير الإنسان من الخارج! في حين يخبرنا يسوع بكلام واضح بأنه يجب تطهير الإنسان من الداخل أولا! (متى 23: 26-28)