القيادة الكنسية

 

لا تستطيع أية كنيسة مسيحية حقيقية أن تكون جماعة حيّة، ما لم يكن لها قيادة كنسية تعتمد على إرشاد الروح القدس. وتحتاج سفينة الحياة المشتركة إلى ربّان لكي يرشدها إلى الطريق. ويجب على هذا الربّان أن يسمح لنفسه بأن يُرشَد من الأعالي بتواضع كبير، ويجب عليه أيضا أن يَكرِم ويحترم الجماعة الأخوية التي يقودها. وما يعنيه إرشاده من الأعالي، أن يستمع لصوت الروح القدس عندما يخاطب الكنيسة ككل. ويجب على راعي الكنيسة أن لا يعزل نفسه عن بقية أفراد الرعيّة. فمن خلال التعاون الوثيق مع جميع الأعضاء، يمكن التوصل إلى توجهات واضحة تماما في جميع المسائل التي تصادفهم. وهذا يَصُحُّ على  جميع مسائل الإيمان، والأمور العملية، والموقف الروحي العام للكنيسة.

إنّ كل خدمة حقيقية تُقدَّم إلى الكنيسة – بما فيها خدمة القيادة الكنسية – تُقدَّم كما يُقدِّم عضو الجسم خدمته إلى الجسم كله. ولهذا يجب تقديم الخدمة بمحبة وصدق وأمانة، وبطريقة طفولية بريئة. أما الشخص الذي يحمل مسؤولية معينة، فهو ليس أعلى شأنا من الشخص الذي ليس له أي مسؤولية: فليس هناك من هو أعلى شأنا، وليس هناك من هو أقل شأنا. فنحن جميعنا أعضاء جسد واحد.

 

تعني القيادة الكنسية الحقيقية خدمة الرعيّة، (1 بطرس 5: 1-4) لذلك فإنّ استغلالها كمركز قوة للهيمنة على الآخرين هو أمر فظيع. وعندما يحصل مثل هذا الاستغلال للقيادة الكنسية في الحياة المشتركة للكنيسة، يصبح عملا شيطانيا حقا، وذلك لأن الإخوة والأخوات يُسَلِّمون أنفسهم طواعية، وبكامل الثقة والطيبة وحسن النية إلى الكنيسة. وقد يخضع الناس في البلدان الديكتاتورية لسلطة حكومية قوية، حتى لو كانت نفوسهم ترفضها باعتبارها أمرا شريرا. ولكن في أخوية المؤمنين، حيث يثق الأعضاء بِرُعاتِهم، فإنّ استغلال السلطة هو جريمة بطش حقيقية للنفوس.

 

عندما نسأل بعض الإخوة أن يتولوا مسؤولية قيادة الكنيسة، يجب علينا أن نسأل الله أن يهبهم الكثير. ويجب علينا أيضا أن ندعهم على طبيعتهم – كما خلقهم الله. وينبغي أن لا يكونوا واثقين أكثر مما هو واجب بنفوسهم؛ فينبغي أن لا يعبّروا إلّا عما يهبهم الله. فنحن لا نتوقع منهم أكثر من ذلك. ثم إنه لو أحسّ شخص ما بأنه كان مدفوعا إلى القيام بدور لم يكن بالحقيقة مخصصا له، فسوف تكون النتيجة كارثية. فلا نتوقع من شخص من المفترض أن يكون أُذُناً أن يصبح عَيْناً.

 

عندما نتحدث عن سُلطة الرُعاة في الكنيسة، ينبغي أن يكون الأمر واضحا جدا، أننا لا نعني أبدا السُّلطة على الناس. وقد أعطى يسوع المسيح تلاميذه سُلطانا، ولكنه أعطاهم سُلطانا على الأرواح – وليس على الناس. وعلى هذا النحو، أُعطي السُّلطان

إلى قسم مِنّا من الذين تم تعيينهم لقيادة الكنيسة، ولكن ليس سُلطانا على الناس. ومن السهل جدا أن ننسى هذا. فيجب علينا أن ننشد التواضع مرارا وتكرارا.

 

إنّ خادم الكلمة معرّض دائما لخطر تعليم شيء باطل، أو إخفاء شيء من الحقيقة.[22] وأنا أشعر بخوف كبير من هذا، وأسألكم أن تتشفعوا لنا جميعا – نحن خدام الكلمة – بالصلاة لأجلنا. (أعمال 10: 26) وقد تمكن القديس بولس الرسول من أن يقول إنه لم يهمل شيئا، (أعمال 20: 20-27) بل فعل كل ما يجب أن يقوم به كرسول للكنيسة. (2 تيموثاوس 3: 10–11) (2 تيموثاوس 4: 7، 17) وقد أثر هذا بي بشكل كبير. (أعمال 23: 1) فصَلُّوا لأجل كل خادم من خدام الكلمة، لكي يجلب الإنجيل كله إلى الكنيسة، بصورة متجددة مرة تلو مرة، دون تحوير أو تغيير أي شيء مهما كان.

 

يقول يسوع بكل وضوح، إنّ الذي يُعطى له الكثير، يُطلب منه الكثير. (لوقا 12: 48) ويجب أن يدرك خادم الكلمة، أنه سيُطلب منه أكثر من الآخرين. فلا توجد أي امتيازات في مهمته.

 

بالتأكيد، ينبغي أن يُوَبَّخ أي راعي كنيسة، لو شعر أحد بأنه اقترف خطأ ما. فأتذكَّر كم كنتُ شاكرا لله قبل عدة سنوات، عندما أخذني أحد الإخوة جانبا بعد اجتماع خاص بأعضاء الأخوية – إذ كنتُ قد انفجرت غضبا على أحد الأشخاص – وسألني: «هل أنت متأكد حقا من أن غضبك كان من الروح القدس؟» فكان عليّ أن أعترف بأنه لم يكن كذلك، لهذا دعوت إلى الاجتماع معا مرة ثانية، وأصلحتُ الموقف. فلو شعرتم بأنني أو أن أي شخص آخر يسيء استخدام موقعه في السُّلطة، فأرجوكم أن تتكرّموا عليّ بالإشارة إلى تلك الإساءة.

 

لا نريد أن تكون مشاعر الجماعة الأخوية للكنيسة مُتَعلِّقة بإنسان معين، فلا أخشى شيئا أكثر من تلك الخدمة التي تجعل مشاعر

شخص ما تتعلّق بشخص آخر – سواء كانت خدمة تعليمية أو تقديم مشورة رعوية أو أي خدمة أخرى. فهذا أمر فظيع، وأنا أرفضها رفضا باتّاً. فإنّ الذي يجب أن يربطنا هو المسيح.

 

لا يوجد شيء أبغضه أكثر من تسلُّط البشر على نفوس الآخرين وعلى حياتهم، ولاسيما في الحياة المشتركة. فقد نذرتُ نفسي لمحاربة هذا الشرّ حتى نهاية عمري. ولو أشار لي أحد أين ومتى تسلّطتُ على أي إنسان آخر – حتى لو كان ذلك بغير معرفتي – أريد أن أتوب توبة قلبية عن ذلك. فممارسة السُلطة الشخصية البشرية أكبر عدو للكنيسة الحيّة.

 

وضع يسوع طفلا وسط تلاميذه وقال لهم: «الحقَّ أقولُ لكُم: إنْ كُنتُم لا تَتَغيَّرونَ وتَصيرونَ مِثلَ الأطفالِ، فلن تَدخُلوا مَلكوتَ السَّماواتِ. مَن اَتَّضعَ وصارَ مِثلَ هذا الطِّفلِ، فهوَ الأعظمُ في مَلكوتِ السَّماواتِ.» (متى 18: 2-4) ونرى هنا أن يسوع يحب روح الطفولة البريئة. وينبغي أن يكون هذا الحال فيما بيننا كذلك. وينبغي أن يكون هذا حال العلاقة الزوجية أيضا. فيجب على كل من الزوج والزوجة أن يرغبا في أن يكون أحدهما أقل شأنا من الآخر. وينبغي أن يكون هذا الحال نفسه في الحياة المشتركة كذلك، إذ يجب على كل عضو مُكرّس فيها، أن يرغب في أن يكون أقل شأنا من البقية – سواء كان قسيسا أو أمين صندوق أو أيا كان. فهذا هو هدفنا.

 

إنّ قول الحقّ، الذي يُعتبر من مهام راعي الكنيسة، هو ليس هِبة توهب حصريا للأشخاص المتميزين بالذكاء والتفوّق. لأنه لو كان الأمر كذلك، لكان لدى معظم الناس مبرر يدعوهم إلى الخشية من أن يكونوا تلاميذ المسيح، أو رعاة كنيسة. فإنّ الذي يستلم الحقّ من الله هو ليس ذكاء الإنسان الفكري، وإنما روحه الطفولية. ويقول يسوع المسيح: «الحقَّ أقولُ لكُم: إنْ كُنتُم لا تَتَغيَّرونَ وتَصيرونَ مِثلَ الأطفالِ، فلن تَدخُلوا مَلكوتَ السَّماواتِ.» (متى 18: 3) فإنّ روح الطفولة البريء هو الروح القدس، وسيبقى الروح القدس، وبسبب ذلك فهو سُلطة وإعلان

إلهي. وعندما ندرك أن الحقّ لا يُعلَن إلّا للأطفال ولبسطاء القلب، فإنّ مثل هذا الإدراك أمر جوهري وحاسم في طريق التلمذة ليسوع المسيح. (متى 11: 25)

 

 كنتُ ممنونا جدا على بوادر القلق التي أبديتَها بخصوص اجتماعنا الأخير مع أفراد الجماعة المُكرَّسة للكنيسة. فرغم كثرة الأمور المهمة والحساسة، غير أننا ضيّعنا وقتنا في كلام فارغ. فإنّ خدمة القيادة والإرشاد التي من المفروض أن أُقدِّمها للناس باعتباري راعي كنيسة، كانت بالتأكيد غائبة لديّ. فهناك دائما توتُّر وشدّ بين نقيضين في هذه الخدمة: فمن ناحية لا نريد أن نملي على الناس، ومن ناحية أخرى، لا يكون الحال جيدا هو الآخر، لو سمحنا لكل واحد أن يتكلم بما يحلو لسانه، فإنّ روح الله لا يمكنه حينئذ أن يتكلم.

 

إنّ الشخص الذي تعطيه الكنيسة مسؤوليات معينة استثنائية – مثل خادم الكلمة (قسيس) أو مُشرِفة على المنازل السكنية، أو مُوَزِّع العمل، أو رئيس العمال في المعمل – سوف يؤديها إما بخدمة متواضعة، وإما بتحويلها إلى تسلُّط على الآخرين، كما لو كانوا مرؤوسين تحته. وهذا خطر موجود أيضا عند البالغين الذين يعملون مع الأولاد. فهناك ميل أو حبّ في داخل كل واحد مِنّا أن يكون عظيما، حتى لو كانت هذه الميول ضعيفة – فربما يميل الشخص إلى أن يكون مُتسلطا بعض الشيء – إلّا أن هذه الميول الصغيرة هي بالحقيقة بداية لنشوء شرّ أكبر بكثير، الذي سيجلب بدوره معاناة كبيرة في النهاية.

عندما يفرض شخص في موقع المسؤولية سُلطته على الآخرين، ويعامل إخوانه وأخواته كمرؤوسين له، فإنّ الآلام الناجمة عن هذا العمل لا تُصدَّق. فلو كان خادم الكلمة أو القسيس متسلطا، فيحتاج الأمر إلى شجاعة معينة للمخاطرة بشيء ما، والاحتجاج على ذلك. غير أني أتمنى لجميع الأعضاء مثل هذه الشجاعة. فلا سيّد علينا سوى يسوع المسيح، ونحن بأجمعنا مجرد إخوة.

ليس لرعاة الكنيسة أي حقّ على الإطلاق للتسلُّط على النفوس الموكلة إليهم. وتأمَّلوا كيف عهد يسوع رعيته لبطرس. فلم يُسَلِّمه أي حقّ للتسلُّط على الخِراف. (يوحنا 21: 15–17) وإنما سأله فقط: «أتُحِبُّني؟» ثم قال له: «إرعَ خِرافي.» فعندما يظن المكلّف بالخدمة الرعوية أن له الحقّ في حكم النفوس، فيا لها من خطيئة فظيعة – وهي بالحقيقة ليست أقل من جريمة قتل. وهذا يسري أيضا على أولئك الذين يقدّمون الرعاية للأولاد.

 

لا أريد أي تبجيل أو تعظيم للبشر. وأطلب منكم أن لا تبجِّلوا أبدا أي إنسان، أيّاً كان، بل تبجيل المسيح وحده الذي يحيا في ذلك الإنسان. فإننا نستنكر تبجيل الناس، لأنه يؤدي إلى الطائفية والبِدَع. (1 كورنثوس 3: 1-15) وفي البِدعة يظنّ رئيسها أنه إنسان عظيم، ولكن هذا وهم رهيب. فنحن نريد أن نكرم المسيح في إخواننا وأخواتنا؛ ونريد أن يحب بعضنا بعضا – فهذا ما أوصانا به المسيح. ولكننا نرفض فكرة العظمة البشرية، التي هي جهالة عند الله.

ونشتاق اشتياقا قلبيا إلى أن تهجرنا جميع القوى والأرواح التي مصدرها من غير الله، ونشتاق إلى حبيبنا يسوع، ليضع يديه المجروحتين على كل واحد مِنّا. فنحن نشتاق إليه ليكون معنا أجمعين، ونشتاق إلى أن نكون مستعدين لخدمته. ونسأل الله أن ينعم علينا بأن يتلاشى كل شيء سطحي فينا، وكل ما قد يعيقنا أو يخيفنا. فلا نريد الاعتراف إلّا بسيادة يسوع المسيح وحده. نعم، إنّ كل شيء موضوع في يديه: فهو الملك على جميع الرؤساء والسلاطين، وهو رأس الكنيسة، والكرمة التي نحن مجرد أغصان فيها.

 

إنّ أي شيء يعلنه المسيح لا يتساهل مع أي نور بشري يحاول أن يشاطره. فلو كان هناك نور بشري – مثل الكبرياء والتغطرُس – في أي خادم للكلمة، لوجب إطفاؤه. ويجب أن لا يحكم في الكنيسة سوى نور يسوع المسيح. إذ لا يحتاج الله إلى نور بشري. فهو يحتاج إلى رجال ونساء يعيشون في الظلمة، ولكنهم ينتظرون نوره، ويجوعون إلى الحقّ، ويتعطشون إلى

الماء الحيّ. فلو وعظ أحدهم بالإنجيل لكي يجعل الفضل منسوبا إليه شخصيّا، ولم يعترف بأنه لا يستطيع أن يفعل شيئا من دون الله، فهو لِصّ سارق. فهو يسرق كلمات يسوع ويسخِّرها لمجده الذاتي.

 

لا يمكن لأي فرد ولا لأية جماعة أن تأتي بثمار صالحة دون الاتحاد مع يسوع المسيح. (يوحنا 15: 4) وحالما يصمّم الشخص أن يتبع يسوع، يصبح غُصنا في الكرمة، ولا يعود بإمكانه أن يحيا حياة أنانية لِذاتِه من بعد ذلك الحين. فعندما يَفصُل الإنسان نفسه ويعزلها عن المسيح بدافع الكبرياء والزهو بالذات، فهذا هو طريق الشيطان، الذي ينتهي بالموت. وأمنيتي لكل عضو من أعضاء الكنيسة، وخصوصا لرعاتها، أن يثبتوا في يسوع، وأتمنى أكثر من ذلك أن يُقيم يسوع عندهم.