الهِبات الروحية

 

 لا تنسوا أبدا أن أهم عمل تعملوه خلال كل يوم من أيام حياتكم، هو عمل المحبة، أو تقديم خدمة لأخينا الإنسان. أما الأشياء الأخرى، مثل حب المال والمظاهر والمناصب والأنانية، فليس لها أي قيمة أمام الله، بل أنها قد تمزق صلتنا مع الله أو تفصلنا عن إخواننا. فكم يناشد يسوع قلوبنا مناشدة شديدة في نبوءاته عن يوم الدينونة الأخيرة! (متى 25: 31–46) ففي ذلك اليوم، لن يكون السؤال الذي سوف يسألنا الرب إياه: هل كنتم مُنظَّمين تنظيما جيدا؟ أو هل كنتم ناجحين في تدبير الأمور؟ وإنما سيسألنا: هل أطعمتم الجياع؟ أو هل آويتم الغرباء؟ أو هل كسيتم العُريانين؟ أو هل زرتم المرضى أو السجناء؟ – وبعبارة أخرى، سيسألنا: هل كنتم تعملون بدافع المحبة والرحمة؟ فدعونا لا نتغاضى في حياتنا عن أي حاجة لأخينا الإنسان، ولا ننسى الأقوال والأفعال التي تقوّي المحبة.

 

مثلما أن قِلَّة الهبات لا تعيق الإنسان عن التأثُّر بالله، فهكذا الأمر عند كثرتها، فهي لا تجعل الإنسان صالحا بالأسلوب المُتكبّر للدرجة التي تمنعه من القيام بأعمال بدنية وضيعة. فيجب أن نكون على استعداد للقيام بأية خدمة تُطلَب مِنّا، وأن نخدم في أوضع الأماكن. وربما يكون شخص ما من أكثر أصحاب الهبات الروحية في مجتمع كنيسته، ولكنه لو افتقر إلى التواضع، ولو لم يتأثَّر قلبه بروح يسوع المسيح، فلن تُثمر حياته أي عمل صالح.

 

ربما أفضل طريقة لفهم مَثَل الوزنات الذي ضربه يسوع المسيح، بأن يؤخذ المَثَل في سياق الكنيسة: فإنّ الوزنات هي الهبات التي أعطيت لمختلف الإخوة والأخوات. (متى 25: 14–30) إذ يستلم أحد الأشخاص هبة الحكمة، والآخر المعرفة، والآخر الإيمان والشفاء والنبوءة والتمييز بين الأرواح أو التكلُّم بِألسِنة أو ترجمة الألسِنة. (1 كورنثوس 12: 8–10) وإنّ كل هذه الهبات الروحية مطلوبة لمهام الكنيسة المتنوعة، بدءا من القيادة الكنسية، وامتدادا إلى أي مهمة أخرى. ولا يوجد أي فرق

بين أهميتها؛ فهي كلها أجزاء من جسد واحد. فليست العين أهم من الأُذن – ولكنهما ببساطة عضوان مختلفان.

غير أن بعض الناس يَودُون عدم رؤية أية اختلافات في الهبات بين أفراد الكنيسة. فهم يعتقدون بأنه لو كان الجميع ذات الشيء، لما عرف أحد مَنْ كان مَنْ، وسوف تتأسس حينئذ العدالة الحقيقية في نظرهم. غير أن هذا ليس في إنجيل يسوع. إذ نقرأ في الإنجيل، متى 25: 24–30، عن رجل لم يُعْطَ سوى وزنة واحدة. فرأى هذا الرجل بأنه لم يُعْطَ نصيبه العادل، فأخذ يكره سيده. فلم يفعل أي شيء بوزنته، ولكنه قسّى قلبه. فلم يفتقر إلى المحبة فحسب، بل كان أيضا مليئا بالكراهية. وقال: «يا سيِّدُ، عَرَفْتُكَ رجُلاً قاسِيًا.» وهذا أسوأ شيء يمكن أن يحدث لنا: أن نشعر بأننا لم نُعْطَ نصيبنا العادل؛ وأن نشعر بأن الآخرين قد تلقوا من الله أكثر مما تلقينا نحن؛ وبعد ذلك نصبح حسودين جدا، ونفتقر إلى المحبة – ومفصولين جدا عن الجماعة – لدرجة أننا لا نساهم فيها بأي شكل من الأشكال على الإطلاق. وقال السيد في المَثَل: «فكانَ علَيكَ أنْ تضَعَ مالي عِندَ الصَّيارِفَةِ.» وكان يقصد: «اِفعلْ ولو شيئا قليلا على قدر استطاعتك.»

 

هناك شخص يتميز بالذكاء، وآخر ماهر بالحرف اليدوية، وآخر موسيقي بارع. فهذه مواهب فطرية، وينبغي أن لا تُدفن، غير أنها ومن أجل الصالح العام للكنيسة، غالبا ما ينبغي أن يضحّي الإنسان بها. وسيكون من الخطأ أن يعتقد رجل له مواهب فكرية، بأنه لا يستطيع القيام بأي عمل إلّا العمل الفكري – وإلا فسوف تراه يظن أنه «يدفن مواهبه» (متى 25: 18) – أو أن تعتقد امرأة لها مواهب موسيقية أن القيام بالأعمال الوضيعة هو مضيعة لموهبتها. فيجب أن نكون على استعداد للتضحية بمواهبنا الطبيعية من أجل صالح الجماعة كلها.

 

 أنت تكتب لي في رسالتك بأنك إنسان قليل المواهب، ولكن هذا لا يهم. فجميع الناس يتأثّرون بالله حتى لو كانت مواهبهم قليلة. وإنّ ما يهم هو أن تُسَخِّر المواهب القليلة التي

تملكها فعلا – أي بمعنى أن يجري توظيفها من قبل الله. (1 بطرس 4: 8-11) فليست المشكلة في الافتقار إلى المواهب أبدا، وإنما في الافتقار إلى الاستعداد لاستخدامها من قبل الله.

 

يتحدث الرسول بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس في إصحاح 12 و 13 عن العديد من المواهب المختلفة، بما في ذلك موهبة النبوءة، والقيادة الكنسية، والشفاء والتكلُّم بِألسِنة. ولكنه يقول بعد ذلك، إنّ كل هذه المواهب العظيمة لا تُحتسب شيئا بدون وجود المحبة. وحياتنا المشتركة هِبة أيضا، ولكن ما لم يهبنا الله المحبة باستمرار، فسوف تصبح حياتنا المشتركة بلا حياة كالآلة.

 

تُعتبر هبة القدرة على التمييز بين الأرواح أمر حيوي لأية كنيسة حيّة، ولكن يجب أن يهبها الله. فهي ليست هبة بشرية. أما عندما نقوم نحن كأفراد أو كجماعة بالتساهل مع خليط من الأرواح الخيّرة والشريرة في وسط مجامعنا، فنفقد حينئذ اتصالنا مع روح الله القدوس، حتى لو كنا نعتقد بأننا متسامحون.

ويجب علينا من ناحية أخرى أن نحترس لئلا نجاهد ضد الأرواح النجسة أو الكاذبة بالاستعانة بحماسة بشرية، وأن نحترس أيضا لئلا نقوم بتصحيح أو انتقاد بعضنا لبعض بدافع الخوف من احتمالية دخول شيء زائف إلى الكنيسة. ورغم أنه يجب علينا أن ندرك أهمية التمييز بين الأرواح، يجب من ناحية أخرى، أن ندرك أيضا أنه من غير المجدي القيام بإبعاد تلك الأرواح بأساليب بشرية.

يبيّن لنا مَثَل القمح والزوّان، اللذان ينبتان معا في حقل واحد، كيف يمكن إلحاق الضرر بالآخرين، من خلال محاولة «تنظيف الحقل» بأنفسنا نحن البشر. (متى 13: 24–30) لقد كان التلاميذ مليئين بالحماس، فقالوا ليسوع: «أتُريدُ أنْ نَذهَبَ لِنَجمَعَ الزُّؤانَ؟» ولكن يسوع نبههم إلى أن يكونوا حذرين، قائلا: «لا، لِئلاَّ تَقلَعوا القَمحَ وأنتُم تَجمعونَ الزُّؤانَ.» (متى 13: 29) فهناك دائما خطر تصحيح الآخرين أكثر من اللازم،

وتوبيخ بعضنا لبعض أكثر من اللازم، فالحلّ الوحيد لنا أن نكون أكثر اعتمادا على الله.

 

لقد وُهِبت موهبة التكلُّم بِألسِنة في عيد الخمسين من خلال حلول الروح القدس. (أعمال 2: 4) وكانت هذه تجربة إلهية مقدسة بصورة مؤكدة، وينبغي أن نكنّ لها توقيرا بالغا. وأعتقد أن مثل هذه الاختبارات المقدسة يمكن أن توهب اليوم أيضا. ولكن يجب أن نحترس من روح الضلال. (1 يوحنا 4: 6)

يتحدث الناس بِخِفّة وبدون توقير كافٍ عن كونهم «ممتلئين من الروح القدس»، وعن حيازتهم على «هبات روحية.» وغالبا ما يستعملون هذه المصطلحات للإشارة إلى التكلُّم بلغات عديدة. إلّا أن هذه العبارات لم تُستعمل في العهد الجديد في هذا الصدد، إلا في حالات قليلة. أما في كثير من الحالات الأخرى، فلا توجد أي إشارة عن الألسِنة. فمَنْ تراه كان يجرؤ على أن يقول بأنه لا يمكن للمرء أن يمتلئ من الروح القدس دون دليل التكلُّم بِألسِنة؟ وقبل عيد الخمسين بثلاثين سنة، كان كل من أليصابات وزكريا «ممتلئين من الروح القدس.» (لوقا 1: 41 وَ 67) وكانت هناك منذ ذلك الحين، الملايين من الحالات التي أنعم الرب فيها بالخلاص على الذين لم يتكلّموا بِألسِنة.

كان التكلُّم بِألسِنة في الكنيسة الأولى، له صلة وثيقة بالتوبة. وقد بدأ يسوع المسيح بمهمته بالدعوة إلى التوبة، وهكذا بدأ الرسول بطرس أيضا مهمته بهذه الكلمات: «تُوبوا وليَتعَمَّدْ كُلُّ واحدٍ مِنكُم باَسمِ يَسوعَ المَسيحِ، فتُغفَرَ خطاياكُم ويُنعَمَ علَيكُم بالرُّوحِ القُدُسِ،» (أعمال 2: 38) فلو لم نَتُبْ بصدق، ولو لم نؤمن بيسوع المسيح، فإننا لم نتلقَ الروح القدس. وللأسف، نرى اليوم غياب التوبة في كثير من الحركات المسيحية التي ترى أن التكلُّم بِألسِنة علامة على «الامتلاء من الروح القدس.»

ليس من الحكمة أن نساوي بين استلام الروح القدس، وحلول بعض المشاعر المعينة. وكأن أسلوب المشاعر هو الأسلوب الوحيد الذي يعمل به الروح القدس! إذ لا تتوقف سكنى الروح القدس فينا على مشاعرنا، وإنما على اتحادنا مع المسيح، الذي يتممه الله من خلال إيماننا به. أما شروط الكتاب المقدس

لاستلام الروح القدس، فهي التوبة والإيمان بالمسيح، وتبرئتنا أو غفران خطايانا. (أعمال 2: 38)

 

 يجب أن نكنّ التوقير لهبة التكلُّم بِألسِنة كما هي موصوفة في كتاب أعمال الرسل الإصحاح الثاني وفي الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس إصحاح 12. غير أن خلق تعليم أو ديانة من هذه الهِبة، إنما هو عمل باطل. فقد قيل لنا في الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس إصحاح 13 أن نسأل الله الهبات الأسمى، وهي الإيمان والرجاء والمحبة، وأعظمهن المحبة.

إنّ هبة المحبة تأخذنا إلى يسوع المسيح، وإلى الحياة المشتركة، وإلى مساعدة الآخرين وإلى التبشير؛ وهي لا تأخذنا إلى الحديث عن هباتنا الروحية. فلو كنا ممتلئين بالمحبة، فعلى الأرجح أننا سنتكلّم بِألسِنة، ولكننا لسنا بحاجة إلى التحُّدث عن ذلك. ويقول يسوع: «وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَادْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً.» (متى 6: 6)

إنّ الحركات الكاريزمية، التي تشدّد كثيرا على أهمية التكلُّم بِألسِنة، قائمة على تعاليم باطلة تزرع الانقسامات؛ فهي تعطي الإجلال والتمجيد للناس بدلا من الله. فلو جاءني شخص وقال لي بأنه يستطيع أن يتكلّم بِألسِنة، فأنصحه بعدم التحدّث عن ذلك، وأنصحه أيضا بدلا من التركيز على ذلك، أن يُظهِر في حياته ثمار الروح القدس، كما هي موصوفة في الموعظة على الجبل. فلم يعلّمنا يسوع المسيح التكلُّم بِألسِنة، بل على الكفّ عن استعراض ديننا، والمضي بدلا من ذلك في طريق التواضع والمحبة والوحدة.

 

إنّ الأمر الذي من شأنه تغيير مسار التاريخ البشري، ليس التنمية البشرية – بل تدخُّل الله الحيّ في حياة الناس. فعندما يلمسنا الله، يصبح لدينا أمل في تغيير قلوبنا وأرواحنا، وأمل في مجيء الروح القدس، ومجيء ملكوت الله إلى حياتنا. إذ يأتينا الروح القدس بفرح الله: الفرح بالمحبة، والفرح بالمقاسمة مع الإخوة والأخوات، والفرح بالعلاقات الشريفة بين الرجال والنساء، والفرح بالعدالة والسلام بين الأعراق والأمم. أما بالنسبة إلينا نحن البشر، فإننا نبقى مساكين وعاجزين ومعذبين، لو اعتمدنا على أنفسنا‏ وعلى جهودنا الذاتية، ولو عشنا بمعزل عن الله. ويجب علينا أن نؤمن بأنه في مقدور فرح الله وملكوته أن يُغَيِّر الأرض والسماء!