المغفرة

 

ينبغي أن يكون من غير المقبول على الإطلاق أن يحضر أحد إلى اجتماعات الصلاة دون أن يغفر لأخيه أو لقريبه أو حتى لعدوه. إذ يقول يسوع بكل وضوح: «وإنْ كُنتُم لا تَغفِرونَ لِلنّاسِ زلاَّتِهِم، لا يَغفِرُ لكُم أبوكُمُ السَّماويُّ زلاَّتِكُم.» (متى 6: 14-15) ولا يمكننا أن نغيّر قيد شعرة واحدة من هذه الحقيقة. فالطريقة الوحيدة للحصول على السلام الروحي في المسيح، هي من خلال حصول المرء على السلام مع إخوته المؤمنين. أما عدم التسامح فيؤدي إلى الانفصال، ويسبب الانفصال ضررا روحيّا يؤدي إلى الموت. إذ يتطلب السلام الكامل أمانة كاملة. فلا يمكننا العيش بسلام مع إخواننا، ما لم نكن حاملين الحقّ في صدورنا، وصادقين في محبتنا. 

 إنّ المغفرة الحقيقية للخطايا غير ممكنة دون يسوع المسيح. ويغفر الناس في العالم بعضهم خطايا بعض، (أفسس 1: 7) ولكن دون معونة يسوع، الأمر الذي لا يجدي نفعا. (كولوسي 1: 14) وكانت الكنيسة الكاثوليكية في زمن الإصلاح الكنسي في القرن الميلادي السادس عشر، حيث كان لها تأثير هائل على الناس، «تغفر» الخطايا من خلال بيع صكوك الغفران. أما اليوم، فيقوم أخصائيو علم النفس والأطباء النفسانيون «بغفران» الخطيئة. فيقولون للناس: «أنتم لم تقترفوا أية خطيئة؛ فسلوككم سليم جدا؛ ولا يوجد ما يعيبه. فلا تشعروا بتأنيب الضمير على وجود الخطيئة في حياتكم؛ فما باليد حيلة.» فهكذا يغفر العالم الخطايا والذنوب.

تسير الأمور في الكنائس والجماعات المسيحية بشكل غير سليم، لأن كلام يسوع بشأن صنع السلام والمصالحة قبل تقديم القرابين إلى المذبح، لم يَعُد يؤخذ بعد الآن على محمل الجد. (متى 5: 23–24) وقد قال يسوع نفسه هذه الوصية، وقد عُهِد إلينا نحن كأتباعه بأن نشهد لكلامه. ويعني هذا الأمر أننا ينبغي أن لا نجيء إلى الصلاة، أو نشترك في العشاء الرباني، ما لم يكن هناك سلام تام فيما بيننا. وكثيرا ما يحدث أن بعض الأمور العالقة، تُترك دون معالجة عندما يصلّي الناس معا. ولكن لن تدوم الحياة المشتركة بهذا الأسلوب، ولن يدوم الزواج كذلك. فيجب علينا تصفية الأجواء، وحلّ المشاكل، ومسامحة بعضنا لبعض دائما.

 

لو كنا نكنُّ ضغينة لشخص ما، سوف ينغلق باب الله في وجوهنا كليّا، ولا سبيل لنا إليه. (متى 6: 14-15) فما لم نغفر للآخرين زلاتهم، لن يغفر الله لنا زلاتنا. وأنا متأكد من أن صلوات كثيرة لم تُسمع، لأن المصلّي كان يكنّ ضغينة لشخص ما، حتى لو لم يكن على علم بها. وقد قال يسوع أكثر من مرة، يجب علينا أن نغفر للآخرين قبل أن نصلّي. فلو أردنا يسوع، وجب علينا أن يكون لنا قلب غفور.

 

لدى كنيسة يسوع المسيح السُّلطة لتمثيل ملكوته في أيامنا الحالية، مثلما كان لديها في زمن الرسل تماما. (متى 18: 18)

فلديها سُلطة الحلّ والربط، وسُلطة الغفران والامتناع عنه. فلا يمكن لأي ضمير أن يحيا دون غفران الخطايا، ولا يمكن لأحد دخول ملكوت الله دون غفران الخطايا. ولكن ما لم نغفر أولا للآخرين، لا يمكننا الحصول على الغفران. (متى 6: 14–15)

 

نقرأ في رسالة الرسول يعقوب في الإنجيل، أنه ينبغي أن نعترف بخطايانا بعضنا لبعض حتى يُغفَر لها. (يعقوب 5: 16) غير أن هذا غير ممكن، إلا عندما يُقيم يسوع فينا. فلا توجد مغفرة دونه.

فلا تعني مغفرة الخطايا أي شيء، ما لم يتم إعلانها في اتحاد مع يسوع المسيح، من خلال روحه القدوس. فلا يوجد غير يسوع، الذي يعدنا بأنه سيغفر لنا في يوم الدينونة الأخيرة، ولا يوجد غيره مَنْ سيتغلب أيضا على الأرواح النجسة والشياطين في ذلك اليوم. أما نحن أنفسنا كبشر، فلا يمكننا التغلب على الشرّ، حتى لو كنا نعيش معا في أُخوّة، وحتى لو أُحرِقنا كشهداء. فما لم يحيا يسوع فينا ونحن فيه، فإنّ جميع جهودنا عبثا.

 

تشير هذه الكلمات الإنجيلية: «هوَ الّذي أحَبَّنا وحَرَّرنا بِدَمِهِ مِنْ خطايانا، . . . فلَهُ المَجدُ والعِزَّةُ إلى أبَدِ الدُّهورِ.» (رؤيا 1: 5–6) إلى أن الذي يغفر الخطايا هو لسنا نحن البشر. فإنّ غفران الخطايا غير ممكن بغير المسيح، الذي أحبنا وحررنا بدم حياته.

نحن نعلن غفران الخطايا في الكنيسة التي تكون مُتّحِدة، غير أن هذا الغفران ينزل إلينا من السماء – فنحن أنفسنا كبشر ليس لدينا أية سُلطة مهما كانت. فلا شيء بشري يمكنه أن يتولى الأمر، لأن نعمة الصليب يجب أن تكون موجودة.

 

يشرق لنا نور المسيح القائم من بين الأموات مثل شمعة مشتعلة، تبذل نفسها وتعطي نورا. فعندما يقوم المسيح من بين الأموات في داخل نفوسنا – وعندما تشرق الشمس – يتغلب حينئذ النهار على الليل. وهذا هو الحال مع مغفرة الخطايا. فيجب أن نعيش تجربة المرء عندما يكون مُثقّلا بالخطايا والذنوب، وأن نعيش

بعد ذلك تجربة التحرُّر منها. وسنرى بعد ذلك كيف أن شمس المسيح تشرق من جديد من خلال مغفرة الخطايا.

 

إنّ قوة الغفران الشافية، التي في يسوع المسيح وحده، يجب أن تظل مركز الكنيسة الحيّة، ومركز رجائنا للعالم كله.

وتعني المغفرة الخلاص الشخصي، والتحرُّر من قيود الخطيئة. ولكن يجب أن يُنظر إلى المغفرة دائما في سياق خلاص العالم بأسره، الذي هو أعظم من الخلاص الشخصي. وينبغي أن نأمل من المغفرة أن تجلب ملكوت السلام إلى شعوب بأكملها، وإلى جميع الناس. وإنّ هذا الأمل، الذي يمكن رؤيته في كل صفحة من صفحات العهد الجديد، مصدره يسوع المسيح. ويجب أن يكون هذا الأمل حيّا فينا، بحيث لا يكون مجرد شيء نؤمن به، بل شيء يتأجّج في صدورنا.

 

لما كان يسوع قد مات من أجلنا، فإنّ دمه يتكلم بصوت أعلى من صوت دم هابيل، لأن دم هابيل يرمز إلى الإنسان البريء المقتول. غير أن الإنسان التائب يحصل على المغفرة بفضل يسوع المسيح حتى لو كان مجرما قاتلا. لأن دم يسوع الغفور يتحدث بصوت أعلى من صوت دم القتيل المُتَّهِم الذي يتّهم قاتله. (متى 23: 35) (عبرانيين 12: 24)

 

لدينا وعد المسيح الرائع الذي يقول: لو غفرنا للآخرين زلاتهم، فسوف تُغفر لنا زلاتنا. (متى 6: 14-15) ولدينا بالتأكيد أيضا تحذيره الحادّ، إذا لم نغفر للآخرين زلاتهم، فلن تُغفر لنا زلاتنا. فلينظر بعضنا إلى بعض بنظرة جديدة، ولينظر بعضنا إلى بعض كعطية من الله، حتى لو كان بعضنا يعرف نقاط ضعف البعض الآخر.

 

يكتب بولس الرسول إلى أهل كولوسي ويقول لهم: إنهم مدعوون إلى أن يحيوا في سلام المسيح كأعضاء في جسد واحد. (كولوسي 3: 15) فلا يكفي أن نشعر بسلام الله من حولنا – بل يجب أن يسيّر هذا السلام قلوبنا. ونحن نعلم بأن الروح الإنسانية

تَئِنُّ توقا إلى السلام. ولهذا قال يسوع المسيح لتلاميذه في الليلة الأخيرة: «سلامًا أترُكُ لكُم، وسَلامي أُعطيكُم، لا كما يُعطيهِ العالَمُ أُعطيكُم أنا.» (يوحنا 14: 27)

من طبيعتنا نحن البشر أننا لسنا في سلام ومودة فيما بيننا؛ فإننا منقسمون. إلّا أننا مدعوون للمصالحة مع الله في المسيح. فهو يُقدِّم إلينا مغفرة الخطايا، لكي نحصل على الوحدة والسلام معه، وبعضنا مع بعض. ولا يكفي أن نسعى إلى السلام من أجل نفوسنا فحسب، ومن أجل أرواحنا فحسب، بل يجب علينا أيضا أن نسعى إليه من أجل الجماعة كلها، وفي النهاية من أجل الخليقة كلها.

 

الاستياء  لابد وأن يختبر كل مسيحي ملتزم، ساعات يشعر فيها بتخلي الله عنه، حتى أن يسوع نفسه اختبر ذلك وهو على الصليب. وإنّ الحلّ الوحيد في مثل هذه الساعات هو أن نقول مثلما قال المسيح: «يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي.» (لوقا 23: 46) فلو سلّمنا أنفسنا لله الآب دون قيد أو شرط، فسوف يبيّن لنا الطريق. أما الذي لا يغفر لأخيه الإنسان، فلن يبيّن له الآب أي شيء. فلن يرحمه الله، وسيتخلى عنه، ما دام مستمرا في كراهيته وعدم المسامحة.

 

 كونا حازِمَين في رفضكما لرذيلة سرعة الزعل (أو حِدّة الخلق) كلها، ولأي شيء آخر من شأنه أن يدمّر المحبة. فيا أخي العزيز، ويا أختي العزيزة، أنتما لستما الشخصين الوحيدين اللذين يمكن لهما أن يجدا سببا ليكونا حساسين. فأنا شخصيّا يكرهني ويتّهمني الكثيرون؛ غير أني لو استسلمت للاستياء، سوف ينغلق في وجهي باب الصلاة إلى الله. إذ لا يستمع الله إلّا لأولئك الذين يغفرون ويسامحون.

 

 أتألَّم لأجلك لأنك تخوض صراعات روحية عسيرة جدا، وما زلت في ريعان شبابك. ولكن لا تُلْقِ باللوم على والدك بسبب هذه المشاكل. فلقد أصبحنا جميعا من خلال آدم تحت لعنة الخطيئة والموت، (رومة 5: 12-21) ولا يمكننا الحصول على حياة جديدة أو نقاء القلب إلا من خلال دم المسيح. وينطبق هذا الأمر عليّ وعلى أي إنسان آخر. فتمسّك بيسوع المسيح.

 

 أنت تشكك في دوافع الآخرين وتشعر بالسخرية بشأن ما جرى من خداع انكشف بيننا في الكنيسة. نعم، إنه أمر فظيع – ورهيب جدا، بحيث يجعل المرء يتمزق كليّا. أما لو كنتَ مستاء من هذا الأمر، فهذا يعني أنك لا تقوم إلّا بإضافة خطيئة على خطيئة. فاقرأ المزمور رقم 22؛ وتأمَّل فيما حدث ليسوع المسيح، وكيف كان ردّ فعله على السخرية والاحتقار والخيانة. فلم تدعه كل هذه الأمور يفقد ثقته في الناس ولا محبته لهم.

 

 أنت تسأل عن الغفران لكل من خطيئتي الحسد والكراهية اللتين عندك. أما نحن شخصيّا، فسوف نغفر لك هاتين الخطيئتين بكل سرور. غير أن الغفران الذي توافق عليه الجماعة المُكرَّسة للكنيسة كلها، الذي يعني تجديد اتحادك مع المسيح ومع كنيسته، لا يمكن أن يُعطى، ما لم تبتعد أنت كليّا عن هاتين الخطيئتين.

فنحن لسنا غاضبين عليك، ولكن لا يمكننا إعلان الغفران بالنيابة عن الجماعة المُكرَّسة للكنيسة، ما لم تُظهِر توبة حقيقية. وربما قد بدأتْ توبتك سلفا. ولو كان الأمر كذلك، فاستمر في هذا الاتجاه. فالله صالح، ولن يرفضك. كما أن الجماعة المُكرَّسة للكنيسة تحبك أيضا، ولن ترفضك هي الأخرى. ولكن لا يمكننا الاتحاد معك، ما دام هناك حسد وكراهية فيك.

 

 لقد كتبتَ لي في رسالة أنه من المستحيل أن تستمر في عملك، وذلك لأنك مستاء جدا بسبب الأذى الذي لحق بك. فيجب أن تُفصِح عن هذا الاستياء علنا، وتتغلب عليه في داخلك. وفي نهاية المطاف، إنّ الإساءات التي يقترفها الآخرون بحقّك، لا يمكنها فصلك عن الله؛ وإنما فقط الإساءات التي تقترفها أنت

بحقّ الآخرين. فهذا الأمر في غاية الأهمية: ويجب أن تتغلب على كل الأذى والاستياء اللذين في داخلك.

 

 اُثبتْ على الرجاء والإيمان، وسيملأ الفرح الروحي قلبك، ويشفي جراحك – ذلك الفرح الذي من شأنه التغلب على كل خوف وتشاؤم. وقبل كل شيء، نحن مدعوون إلى طريق الفرح – الفرح بالله، وفرح بعضنا ببعض، لأن المحبة تعني الفرح بمعناها العميق.