الوحدة

 

يقول يسوع المسيح في الإنجيل، في بشارة متى 23: 37: «كَم مَرَّةٍ أرَدتُ أنْ أجمَعَ أبناءَكِ، مِثلَما تَجمَعُ الدَّجاجةُ فِراخَها تَحتَ جَناحَيْها، فما أردتُم.» فهذه المناشدة، جنبا إلى جنب مع المناشدة في صلاة يسوع الأخيرة – «إجعَلْهُم كُلَّهُم واحدًا ليَكونوا واحدًا فينا، أيُّها الآبُ مِثلَما أنتَ فيَّ وأنا فيكَ» (يوحنا 17: 21) – تضعنا أمام تحدٍ حاسم ومستمر. وتدعونا هذه المناشدة إلى طريق المحبة الأخوية الكاملة والاتحاد في يسوع، وتدعونا إلى اِتِّباعه ونحن متّحدون حتى يتسنى للعالم إدراك أننا تلاميذه.

 

لا يوجد شيء يربط الناس أو يوحِّدهم بأسمى المستويات، أكثر من تحلّيهم بالرجاء نفسه، وبالإيمان نفسه، وبالفرح نفسه، وبالترقُّب نفسه. ولذلك فمن المؤسف جدا أن نرى المؤمنين الأفراد يقفون منفردين دون دعم المؤمنين الآخرين. وقد كان هناك دائما ناس اضطروا إلى الوقوف بمفردهم في مواجهة

الاضطهاد بسبب إيمانهم – وبقي بعضهم في السجن لسنوات. وعندما يكون هناك تطلُّع حقيقي إلى تدخُّل الله في الحياة، عادة ما ينجذب الناس بعضهم إلى بعض؛ ويقودهم إيمانهم المشترك إلى الحياة المشتركة، فيكون بمقدورهم أن يعزز ويشجع بعضهم بعضا. وإنّ المثول أمام الله يعطي قوة مُوَحِّدة دائما. فلنُصلِّ لأجل أن ينعم الله علينا بأن نتجمّع ونتّحد مع جميع أولئك الذين يعيشون في تطلُّع إلى تدخُّل الله في الحياة.

 

 إنّ وصية يسوع المسيح الأولى هي أن نحب الله بكل قلوبنا وبكل نفوسنا وبكل كياننا، والوصية الثانية أن نحب قريبنا مثلما نحب نفوسنا. (متى 22: 37–39) وفي هذا العصر الفردانيّ غير المسبوق،[24] تبرز حاجة ضرورية جدا إلى كنيسة يتألف قوامها من ناس مُكرِّسين حياتهم بعضهم لبعض بمحبة ووفاء كبيرين. ويؤكد يسوع باستمرار على أهمية المحبة والوحدة التامة – كالوحدة التي كانت له مع الله الآب. (يوحنا 14–17) ولا أعتقد أننا قد وصلنا في أي وقت مضى إلى هذه الحالة النهائية للوحدة، ولا في أقدس اللحظات التي عشناها؛ فالله وحده يعلم ذلك. ولكننا مع ذلك نريد أن نحيا حياة تشهد لهذه الوحدة. فلا يمكننا فصل تكريس حياتنا ليسوع، عن تكريس حياتنا لإخواننا وأخواتنا في الكنيسة. (1 يوحنا 4: 19-21)

 

 صحيح أن يسوع يمكن أن يُخدَم في أي مكان. ولكن ما أجملها من هِبة عندما يصبح اثنان أو ثلاثة أو عدد من الأشخاص، قلبا واحد وروحا واحدة بفضل المسيح! ثم إنّ حياة الوحدة هذه لا يمكن اصطناعها؛ فهي هِبة إلهية.

 

إنّ الله لا يناقض نفسه. فهو لا يقول لأحد الأشخاص: «اُخرجْ إلى الحرب،» وللآخر: «لا تخرج إلى الحرب،» أو يقول لشخص: «كُنْ وفيّا في الزواج،» وللآخر «لك الحرية أن تُطلّق.» فلو كنا منفتحين على الحقّ – ولو كنا نصغي إلى الله في قلوبنا – فسوف نرى أنه يقول الشيء نفسه للجميع، حتى في المسائل العملية. فنحن لا نؤمن بقاعدة سريان رأي الأغلبية على

الأقلية. إذ نؤمن بإجماع الآراء الذي يحققه المسيح، الذي يريد أن يتكلم بالحقّ نفسه في كل قلب. فهذه الوحدة نعمة إلهية، ومعجزة نشهدها مرارا وتكرارا. (1 كورنثوس 1: 10) ولكن لو كنا غير أمناء مع الله وبعضنا مع بعض، فيمكن أن يأخذها الله مِنّا.

 

إنّ وحدة جميع المؤمنين هي المعيار الوحيد للحقّ. وعندما تكون الوحدة الحقيقية مفقودة، تأخذ الكاريزما مكانها – وهي سطوة الأفراد أو تأثير شخصياتهم على الآخرين. إذ يستمع الناس بأسلوب بشري للآخرين، لمجرد أن لهم شخصية قوية أو قيادة قوية. فلا تُعتبر الكاريزما أساسا خاطئا للحياة المشتركة فحسب، بل تُعتبر أيضا أمرا محفوفا بالمخاطر.

لا يمكن لأي جماعة دينية التنعُّم بحياة روحية سليمة، ما لم يكن لأفرادها وحدة مع الروح القدس، ومع الله بصورة متواصلة. فلا يمكن لضمير كل فرد أن يحيا ويزدهر إلّا في هذه الوحدة، ولا يمكن تحقيق إجماع حقيقي للآراء، إلّا في هذه الوحدة.

 

لا يهم أين تُعاش الوحدة. فالشيء المهم أنها تُعاش فعلا في مكان ما.

 

يسعى العديد من الناس اليوم للبحث عن تجارب روحية، أو مواهب كاريزمية أخَّاذة، مثل التكلُّم بِألسِنة. وهناك خطر عندما يبحث الناس عن هذه المواهب الروحية، لأن الرسالة الرئيسة للإنجيل تفوتهم، ألا وهي: الوحدة بالمحبة. فماذا ستستفيد البشرية لو تكلّم الآلاف وعشرات الآلاف من الناس بِألسِنة وليس لديهم المحبة والوحدة؟

 

يوحِّدنا إيماننا بيسوع المسيح، ويجعلنا نحيا كإخوة وكأخوات، ويحثّنا على دعوة الآخرين لاِتِّباعه معنا. ونؤدي هذا ونحن بفقر شديد لروح الله – فلا نفعل ذلك لأننا نريد كسب المزيد من

الأعضاء. ولكننا نشعر فعلا بحاجة مُلِحّة لدعوة الآخرين إلى الوحدة. إذ إنّ الروح القدس لا يبدد الناس، بل يوحِّدهم. (متى 12: 30)

 

تُعتبر محاولات التوفيق بين الكنائس والطوائف المختلفة أمرا جيدا دون شك. غير أن الوحدة الحقيقية – تلك الوحدة التي تَهدم جميع الحواجز – تبدأ بالتوبة. فعندما حلّ الروح القدس على جماعة التلاميذ في يوم الخمسين، أخذ الناس يسألون: «ماذا يَجبُ علَينا أنْ نَعمَلَ، أيُّها الإخوةُ؟» (أعمال 2: 37) فقد وخزتهم قلوبهم، وتابوا عن خطاياهم، وأصبحت جماعة المؤمنين قلبا واحدا وروحا واحدة. (أعمال 4: 32) ونرى للأسف، في الحركة المسكونية اليوم،[25] أن الحواجز أو الأسوار غالبا ما تبقى قائمة، ويتصافح الناس من فوقها. غير أننا يجب علينا أن نشهد لإمكانية الوحدة الحقيقية بين الناس. ولا تأتينا الوحدة إلا من خلال التوبة، ومن خلال مواجهة يسوع شخصيّا – كإنسان وروح حيّ وربّ.

 

 تميل الحركة المسكونية إلى حلّ الخلافات فيما بين الكنائس عن طريق تقديم تنازلات. غير أن التنازلات تحلّ محلّ التوبة، ومحلّ المصالحة العميقة مع الله، ومحلّ إجماع الآراء الذي ينمو كثمرة للتوبة. وفي النهاية، غالبا ما تبقى الكثير من الشرور الفادِحة مغطاة، ويجري دفعها جانبا وعدم التواجه معها.

 

لو كانت الوحدة الكنيسة على صعيد المشاعر فقط فلا تكفي. ففي مجتمعات كنيستنا التي تعيش كلّ منها حياة مشتركة، ينذر كل فرد مُعمّد فيها، أن يتحدث بصراحة مع إخوته وأخواته عندما تكون هناك مشاكل – ويشمل ذلك توبيخ بعضنا لبعض من ناحية، وقبول التوبيخ من الآخرين من ناحية أخرى. وكلما تجنّبنا هذا الصدق الأخوي، بسبب خشيتنا من العواقب التي قد تحصل، لا تكون وحدتنا واقعا ملموسا. فإنّ مشيئة الله هي في الأفعال، ويجب أن نعيش وفقا لمشيئة الله بالأفعال. وعندما نؤدي ذلك، يمكن للمسيح أن يخلق كنيسة موحَّدة حقا، ويعمل الروح

القدس على تنقيتها. ولن نترك الضغائن تنمو في صدورنا، بل سوف نصبح قلبا واحدا وروحا واحدة، كما كان الحال في الكنيسة الأولى.

 

قال يسوع أكثر من مرة، إنه يمكن التعرُّف على جودة أي شجرة من ثمارها. (متى 12: 33) (لوقا 6: 44) فعلينا أن لا ننسى هذا. وبمقدور كل واحد مِنّا رؤية نوع الشجرة التي تنتمي إليها مجتمعات البلاد اليوم: فثمرها القتل والظلم وعدم الطهارة والخيانة والدمار.

ما الثمر الذي أراد يسوع رؤيته؟ إنّ الثمرة الأولى هي الوحدة. وإلّا فكيف سيتسنّى للعالم أن يتعرّف على تلاميذه؟ قال يسوع: «إجعَلْهُم كُلَّهُم واحدًا ليَكونوا واحدًا فينا، أيُّها الآبُ مِثلَما أنتَ فيَّ وأنا فيكَ، فيُؤمِنَ العالَمُ أنَّكَ أرسَلْتَني.» (يوحنا 17: 21)

كيف يمكننا أن نُظهِر ثمار الوحدة، ونبقى في آن واحد جزءا من مجتمعات البلاد في يومنا الحاضر؟ والجواب على هذا السؤال: يستحيل فعل ذلك، لأن المجتمعات يسيّرها الجشع وحب المال، وروح هذا العالم، الذي «كانَ مِنَ البَدءِ قاتلاً . . . وأبو الكَذِبِ.» (يوحنا 8: 44) فلا يسيّرها روح الوحدة، وإنما روح التفكك والدمار والانفصال. أما الوحدة الحقيقية فلا يمكن الحصول عليها إلّا في حياة الإخاء.

أليس صحيحا أن المسيح يطالب الإنسان بتسليم كامل كيانه لنظامه الإلهي الجديد؟ فالوقت عاجل. فليكن لنا شعور حقيقي بالمسؤولية! ولنتجمَّع مع المسيح ونتّحد معه كفروع على شجرة الحياة! (تكوين 3: 22)

 

يمكن رؤية جوانب كثيرة ليسوع المسيح عند أي جماعة مُكرَّسة يسيّرها الروح القدس، تماما مثلما يمكن رؤية ألوان مختلفة في قوس القزح. فكل واحد مِنّا مختلف، ولكن الله هو الذي خلقنا، وينبغي أن لا نحاول أن نخلق لنا شخصيات على خلاف ما نحن عليه. فينبغي أن نقدّم قلوبنا ونفوسنا وكياننا ليسوع، ونترك له المجال لكي يسيّرنا حسب إرادته. حينئذ سوف تحصل حياتنا على إشباع روحي حقيقي، وسوف نحب بعضنا بعضا كما نحن عليه، على اختلافاتنا – حتى لو كانت هذه الاختلافات عرقية. إذ يجري التعبير عن يسوع المسيح نفسه في كل أخ وفي كل أخت.