المعمودية

 

هناك ثلاثة أمور ذات أهمية قصوى في المعمودية: الإيمان بيسوع المسيح، واليقين بغفران الخطايا من خلال التوبة، والاندماج في الجماعة المسيحية، التي هي الكنيسة.

 

تتضمّن المعمودية إقامة عهد مع الله ومع كنيسته التي نُقدِّم أنفسنا من خلالها إلى يسوع المسيح، من كل قلوبنا مع كل ما نحن عليه ومع كل ما لدينا، مؤمنين بأن المسيح سيغفر لنا خطايانا. (أفسس 1: 7) ثم إنّ غفران الخطايا هذا غير ممكن إلّا بفضل موت يسوع المسيح، لأنه قد أعطى كنيسته سُلطانا لمغفرة الخطايا باسمه. (يوحنا 20: 23)

فليغفر الله ذنوب كل شخص يتمنى المعمودية، وليطّهر يسوع كل واحد منهم بدمه، ويجعلهم أولاد الله، وإخوة حقيقيين، وأخوات حقيقيات. (1 يوحنا 1: 7)

 

إنّ المعمودية هي شهادة الإنسان واعترافه بضرورة التوبة، وعليه فهي تعني تكريس مطلق، وتقديم أنفسنا ليسوع المسيح، وتفريغها كليّا من أجله، كإناء يجري تفريغه، وذلك لكي نصبح فارغين من ذواتنا، وفقراء روحيّا إلى الله.

 

المعمودية هي إعلان المؤمن عن ضميره الصالح أمام الله [بعد توبته واعترافه بجميع خطاياه]، (1 بطرس 3: 21) وهو أمر غير ممكن إلّا بفضل عون النعمة الإلهية الرؤوفة، والقدرة المُطهِّرة لدم المسيح. (رومة 6: 3–6) ثم إنّ ما يخاطب ضمير الإنسان المؤمن، ويقوم بتوجيهه نحو الاتحاد مع إرادة الله، هو روح المسيح، روح الحقّ. (يوحنا 15: 26) فلا يوجد سلام حقيقي إلّا في مثل هذا الاتحاد – أي اتحاد الضمير الصالح مع الله. (رومة 7: 6) فيتحرّر الضمير هنا من الشريعة ومن قوى الروح الفاسدة في عصرنا. (غلاطية 3: 25–27)

لقد تعمّد يسوع في نهر الأردن، وأعتقد أنه كان يريد أن تكون المعمودية تغطيسا حقيقيا. غير أن الصيغة أو الكيفية ليست مهمة – فلو لم يكن هناك مياه متاحة للتغطيس، يمكن أيضا سكب الماء على الشخص الذي يجري تعميده. وإنّ الشيء المهم هو أننا نُدفَن مع المسيح في المعمودية، ونقوم معه بفضل الإيمان الذي يهبنا إياه الله، ذلك الإيمان العامل في نفوسنا، إذ نقوم تماما مثلما أُقيمَ المسيح من بين الأموات. (كولوسي 2: 12)

 

تُعتبر المعمودية خطوة نحو التكريس الكامل لله وللكنيسة، ولا نريد محاولة إقناع أي شخص باتخاذها. ولكن يجب علينا أن ندعو الناس إلى التوبة؛ ويجب علينا أن نشير إلى أن الإنجيل يحتوي على أشدّ إدانة للخطيئة، رغم أنه يحتوي أيضا على أحرّ ترحيب بالخطأة التائبين. ويدعونا الله لكي نجيء إليه بذنوبنا كلما وقعنا فيها ونجيء إليه باحتياجاتنا كلما صادفتنا. ويمكننا دائما الالتفات إليه بكامل الثقة، مهما كانت الظروف.

 

 نحن لا نصبح أشخاصا كاملين من خلال المعمودية؛ ولا نرتقي لكي نصبح آلهة. فسوف نظل دائما أشخاصا خطأة متواضعين، ينزل الله إليهم. إنها معجزة لا نستحقها أبدا، ولكن الله مليء بالنعمة.

 

من الأفضل للمرء أن يبقى دون عماد، بدلا من اتخاذ خطوة المعمودية هذه دون حماسة ودون اهتمام قلبي سواء كان ذلك من أجل الوالدين أو من أجل شخص يحبه أو من أجل الحصول على الأمان في عضوية الكنيسة. فيجب أن تكون المعمودية قرارا شخصيّا بحتا، ولا يمكن لأي شخص أن يؤديها بالنيابة عنك.

هناك الملايين من الناس المُعمدين، ولكن المعمودية بالنسبة إلى الكثيرين منهم، ما هي إلّا طقوس ميّتة كليّا. وأود أن أنصح كل من يريد أن يتعمّد، أن يسأل نفسه أولا: «أمستعدٌ أنا لأن أحب يسوع المسيح أكثر من أي شيء آخر، وأن استرخص في سبيله كل شيء – سواء كان زوجة أو أهل أو أولاد – وذلك لكي يتمكن المسيح من أن يحيا فيّ؟ (لوقا 14: 25-27) أمستعدٌ أنا

لتقديم كل شيء، إلى يسوع المسيح، وإلى إخوتي في مجتمع الكنيسة؟» فلو كنتَ غير مستعد، فلا تتعمّد. فيجب أن تكون على استعداد للموت من أجل المسيح، لكي يتسنى له أن يحيا في قلبك. ويجب أن يكون يسوع المسيح كنزك الوحيد.

 

لو تعمَّدتَ من أجل يسوع المسيح، فإنّه سوف يرحّب بك ويحبك ويهبك المغفرة والسلام. (رومة 8: 1–4) وسوف يحيا في داخلك، ويعينك على التغلب على كل تجربة من تجارب إبليس. وسوف تصبح نقيا وطاهرا بدمه.

 

للمعمودية الحقيقية صلة عميقة بموت يسوع المسيح وقيامته. (رومة 6: 3–6) ولا يمكن فصلها عنهما. إذ إنّ المعمودية تعني فعلا الموت مع المسيح ومن ثم القيامة معه. (متى 10: 39) (يوحنا 12: 24–26) ثم إنّ عبارة «الموت مع المسيح» قد تم الإفراط في استعمالها، بحيث أنها ربما فقدت شيئا من قوتها؛ ولكننا عندما نتأمّل بعمق معنى مجيء الله إلى هذه الأرض ومعنى موته من أجلنا، سنبدأ بالشعور بجديّة الموضوع، حينما يطلب المسيح مِنّا أن نموت معه.

 

تتطلب المعمودية قرارا شخصيّا من المرء، للاعتراف بخطاياه، وتقديم حياته كليّا ليسوع المسيح. وتعني المعمودية بالنسبة إلى الشخص المؤمن، تفضيل الموت على اقتراف الخطيئة ثانية بصورة متعمّدة. ويجب عليك اختبار المسيح شخصيّا، والإحساس بأنه سلام لقلبك، وبأنه مات من أجلك. ولكن هذا لا يكفي. فيجب أن يكون لديك رؤية عن المسيح أكبر بكثير من هذه الرؤية. وسيكون من الخطأ أن تنسى اختبارك الشخصي مع المسيح، ولكن يجب أن ترى أبعد من ذلك، وتدرك جسامة المعاناة وخطايا العالم كله. ويجب أيضا أن تدرك عظمة الله، وعظمة الكون، وعظمة يسوع المسيح، الذي هو ملك في ملكوت الله، ويحمل مفاتيح العالم السفلي – عالم الهاوية: الجحيم. (رؤيا 1: 18) فلديه سُلطان على كل السُلطات.

ليست المعمودية مؤسسة بشرية: إنها خطوة تُغفَر بها الخطايا، وتُطرّد فيها الشياطين بفضل يسوع المسيح والروح القدس. فلا يمكن لأي إنسان أن يفعل هذا، ولا يمكن لأي جماعة من الناس أن تفعل هذا. فنحن نحتاج إلى وجود المسيح شخصيّا، ولهذا السبب نسأل الله حضوره في اجتماعات المعمودية عندنا. فهو الذي نكرمه، وهو الذي يغفر خطايانا من خلال الإيمان بموت يسوع المسيح. وبطبيعة الحال، يجب أن تكون هناك توبة قبل أن يتسنى لله أن يغفر الخطايا من خلال المعمودية. ويجب على كل واحد مِنّا أن يأخذ التوبة على محمل الجدّ. ويجب علينا جميعا أن نترك أسلوب العدالة البشرية، والفضيلة البشرية، والإنصاف البشري. فلا أحد مِنّا على حقّ؛ فالله وحده على حقّ. لقد كان يسوع المسيح يتكلم بأشدّ لهجة مع أولئك الذين كانوا يُعتبرون «صالحين» بالمنظور البشري – أي مع أولئك الذين لم يحتاجوا إلى الصليب، أو كانوا يظنون أنهم مُخَلَّصون باعتبارهم أولاد إبراهيم. وقال لهم: «لا يَحتاجُ الأصِحّاءُ إلى طبيبٍ، بلِ المَرضى. ما جِئتُ لأدعُوَ الصَّالِحينَ، بلِ الخاطِئينَ.» (مرقس 2: 17)

 

يقول بولس الرسول، إننا بمجرد أن نهتدي ونتعمَّد – وبمجرد أن نقرر اِتِّباع يسوع – ينبغي أن لا نعود ونضع أعضاء جسدنا رهن إشارة الخطيئة. (رومة 6: 12-13) وهذا أمر مهم جدا: يجب أن يمتلئ الدماغ بنعمة الله وأفكاره؛ ويجب على اليدين أن لا تعودان تسببان سفك دماء، أو تقومان بأعمال غير شريفة أو بذيئة؛ ويجب على العينين أن لا تعودان تُستخدَمان للنظرة الشهوانية، وإنما لكي تَشُعّان محبة الله إلى الإخوة والأخوات. فعندما نقدّم نفوسنا إلى المسيح في المعمودية، فإننا نقوم بختم جسدنا كله، لكي لا يستخدمه سوى المسيح.

ورغم ذلك، يعلم الجميع أن الشرّ يستمر في محاولاته بعد المعمودية للعمل فينا. وقد تكون إحدى محاولاته من خلال العلاقات غير الشريفة، أو من خلال التكبُّر، أو من خلال الكراهية والاستياء. فمن المستحيل إخراج أنفسنا من الأوحال بالاعتماد على طاقاتنا البشرية الهزيلة، فنحن بحاجة إلى عون خارجي. وربما نجاهد ونصارع، ولكن لن يكون بمقدورنا تغيير أنفسنا وإصلاحها بمجهودنا الذاتي أبدا. غير أنه بفضل موت يسوع المسيح، وبفضل مغفرة الخطايا التي يقدّمها إلينا، وبفضل قدرته على طرد الشرور من القلوب، لم تعُد الخطيئة قادرة بعد الآن على استعبادنا. وسوف نبقى معرّضين للتجربة، (1 كورنثوس 10: 13) ولكن الذي سيردّ على تجاربنا ويتصدّى لها، هو الحياة الروحية العميقة للإيمان المسيحي الذي نعيشه. (رومة 6) أما لو لم يكن لدينا سوى الناموس – ووصية «لاَ تَشْتَهِ» – فلا نعرف كيف نتعامل مع نشوء الشهوات الشريرة في قلوبنا، ومعالجة الموقف. ولكن لو كنا قد تعرّفنا على يسوع المسيح من خلال التوبة، فسنكون قادرين على التغلب على هذه الشهوات الشريرة. وسوف نبقى مع ذلك بشرا، ولكن لن نكون عبيدا للخطيئة من بعد ذلك الحين.