العشاء الرباني

 

العشاء الرباني رمز ظاهري، وعلامة على تقديم أنفسنا بتواضع وانكسار إلى يسوع، الذي كُسِر جسده وصُلِب. ويريد المسيح أن يكون حاضرا في قلب كل من يكسر الخبز ويشرب الخمر. ويريدنا أن نصبح ضعفاء معه لكي نصبح عندئذ أقوياء بفضل قوته، وأن تكون لنا شركة معه. فإنّ الخبز والخمر هما رمزان فقط، ولكن الوحدة المُطهرة مع المسيح التي يرمز لها الخبز والخمر، إنما هي واقع عظيم ملموس في حياة المؤمن. لأننا عند احتفالنا بالعشاء الرباني نعيش الوحدة مع المسيح بفضل بركة حضوره.

 

مثلما تُجمع حبوب القمح من حقول مختلفة، وتُطحَن وتُحوّل إلى رغيف واحد، ومثلما يُجمع العنب من كروم عديدة، ويُعصَر لإنتاج الخمر، ، فهكذا الأمر معنا نحن أيضا، الذين جئنا من بلدان وثقافات مختلفة، إذ يمكننا أن نكون متّحدين في العشاء

الرباني. (1 كورنثوس 10: 16–17) ولكن هذه الوحدة غير ممكنة، إلا عندما نتخلّى عن الزهو بالذات.

يُعتبر العشاء الرباني مأدبة الوحدة، ويجب علينا أن نهيئ نفوسنا لنصبح مؤهلين للاشتراك بها بالأسلوب الصحيح. وهي مأدبة تُذكِّرنا بيسوع المسيح، الذي روحه الفادي – روح المغفرة – موجود ومتاح للعالم كله – أي لجميع الناس، ولجميع الأجناس. وهي أيضا فرصة مناسبة لنا لنجدد عهدنا بالإخلاص لله، ولنلقي عن قلوبنا أحمال الذنوب، من خلال الاعتراف بالخطايا، لكي نتحرّر للخدمة، ونجدد تكريس حياتنا له.

عندما نتذكر كيف أسس يسوع المسيح الاحتفال بمأدبة العشاء الرباني في آخر أمسية له على الأرض، ينبغي أن نتذكر أيضا أنه يجب على كل مسيحي، أن يكون على استعداد للتضحية بحياته مثله. وفي الواقع إنّه من الواجب على كل مسيحي أن يضحّي بحياته. فنحن نعيش في عالم معادٍ لملكوت الله تماما، مثلما كان الحال في وقت يسوع، ولم يَعِدْنا بأنّ أجرتنا ستكون أفضل من أجرته. وإنما قال إنّ تلاميذه سيتعرضون للاضطهاد، وكل ما تم فعله بحقّ سيدهم، سيجري فعله بحقّهم هم أيضا. (يوحنا 15: 18–20)

 

نحن نشهد لمحبة ربنا يسوع المسيح من خلال الاحتفال بالعشاء الرباني، الذي بفضل موته صار بمقدورنا الحصول على غفران الخطايا، وعلى المحبة، والوحدة بعضنا مع بعض. والعشاء الرباني في الواقع مأدبة بسيطة جدا، إلّا أن يسوع المسيح سأل تلاميذه أن يتمسكوا بالاحتفال بالعشاء الرباني إحياء لذكراه، فلذلك فإننا نحتفل به بهذا المفهوم.

 

يقول بولس الرسول في الإنجيل، إنّ من يأكل الخبز ويشرب الخمر بغير استحقاق في مأدبة إحياء الذكرى، فإنما هو يأكل ويشرب دينونة على نفسه. (1 كورنثوس 11: 29) وإنّ الأمر واضح من هذا أننا ينبغي أن لا نذهب إلى العشاء الرباني وضميرنا مُثقَّل بخطايا غير مُعترف بها. ويجب علينا أن لا نسمح لمشاعر عدم الاستحقاق بأن تعذّبنا. إذ يتحدث بولس

الرسول هنا بشكل رئيس، عن الموقف الروحي الذي يجب أن نتحلّى به ونحن ذاهبون إلى العشاء الرباني. فينبغي أن نأتي بذات الرهبة المليئة بالتوقير والاحترام، مثل التي كانت لدى النبي موسى عندما أراه الله العليقة المُتّقِدة بالنار، وقال له: «اِخلَعْ حِذاءكَ مِنْ رِجلَيكَ، لأنَّ المَوضِعَ الَّذي أنتَ واقِفٌ علَيهِ أرضٌ مُقَدَّسَةٌ.» (خروج 3: 5)

 

كان المؤمنون في الكنيسة الأولى، غالبا ما يجتمعون لإقامة العشاء الرباني، وذلك لكي تُطرَد الأرواح الشريرة من وسطهم. وعندما يجري صراع روحي ضمن جماعتنا المُكرَّسة، نشعر نحن أيضا بضرورة مُلِحّة للاحتفال بالعشاء الرباني. وقال القسيس يورغ بلاوروك Jörg Blaurock، الذي كان راعيا كنسيّا في الحركة الإصلاحية الكنسيّة الجادّة المعروفة باسم أنابابتسم Anabaptism، لو جرى الاحتفال بالعشاء الرباني، فسوف يكشف هذا الاحتفال في أحيان كثيرة، كل الإخوة الكَذَبة بيننا.

 

إننا عند كسر الخبز وشرب الخمر في العشاء الرباني، نضم نفوسنا إلى المسيح بأسمى المعاني الممكنة. فنتذكر موته الفادي، «ونعلن موت الرب إلى أن يرجع،» كما يقول بولس الرسول. (1 كورنثوس 11: 26) فإننا نعلن موت المسيح كأعظم حدث تاريخي: فقد شُفِينا بفضل جراحاته، وقد آمنا بالله بفضل معاناته، وحصلنا على المحبة بفضل نوره العظيم. ودعاؤنا هو: أن يكون هو وحده ربنا وسيدنا. فلنحبُّه – ونحب طريقه وحياته – بكل نفوسنا.

يقول العهد الجديد إنه إذا كنا نحب المسيح، يجب أن نموت معه. (متى 10: 39) (وراجع أيضا يوحنا 12: 24–25) وهذا معناه أننا يجب أن نقوم بإماتة الشهوات لدينا، والسيطرة على غرائزنا. غير أن عملية الإماتة هذه غالبا ما تكون مؤلمة، وتكلّفنا صراعا روحيّا طويلا، ولكنها ممكنة لو كنا نحب المسيح وصليبه حبّا عميقا كافيا. فالمسألة ليست مسألة تعذيب ذاتي، وإنما اِتِّباع المسيح دون مساومات.

وعندما نفكر في العشاء الرباني، ينبغي بطبيعة الحال أن لا نتذكر موت المسيح ومعاناته فحسب – بل ينبغي أن نتذكر أيضا، قيامته من بين الأموات، وصعوده إلى الله الآب، الذي من على يمينه سيسيّر الكنيسة، ويسيّر قلب كل مؤمن. وعلينا أن نتذكر وعده بأن يأتي ثانية، لكي يديننا نحن البشر، وليقيم ملكوته الرائع.