انجيل يوحنا على مشارف سنة الألفين

 

انجيل يوحنا، هذا الانجيل الذي دوِّن قبل كل انجيل وانتهى تدوينه بعد كل الأناجيل. هذا الانجيل الذي بدأت الكنيسة فخافت منه بعد أن سيطر عليه الغنوصيون واعتبروه كتابًا من كتبهم. هذا الانجيل الذي بدا كتابًا لشيعة مسيحيّة منغلقة على ذاتها، لا تفكّر بالرسالة التي تحملها إلى الآخرين، ولا توسّع آفاقها لتصل إلى العالم الوثنيّ. فالمحبّة فيها هي بين الإخوة، ولا تصل إلى الأعداء. والعالم هو عالم الشرّ الذي نعيش فيه لأنه فُرض علينا. ولكننا لسنا منه. هذا الانجيل الذي فتح له خطًا خاصًا ابتعد فيه عن سائر الأناجيل، فقدّم أخبارًا لم يقدّمها سواه، وقال أقوالاً لا نجدها عند متّى ومرقس ولوقا. هذا الانجيل الذي سماه اكلمنضوس الاسكندراني الانجيل الروحاني. هو انجيل الروح القدس. وهو انجيل الآب والابن. لهذا، نقرأه على مشارف سنة الألفين، بعد أن تأملنا في شخص الابن وشخص الروح، ووصلنا في هذه السنة إلى سنة الآب.
هذا الانجيل الذي يقرأه الصغار فيدخلون في معانيه. والمتصوّفون فيغوصون في روحانيّته. يقرأه العلماء ليكتشفوا ما ترك فيه من أثر الاسيانيون والغنوصيون ومختلف الفئات الفكرية في القرن الأول المسيحي. ويقرأه المؤمن العادي ليتعرّف إلى ذلك الذي هو الطريق والحق والحياة. إلى الكلمة الذي هو نور العالم. الذي جاء إلى خاصته، وخاصته لم تقبله. الذي جاء إلى العالم، فما قبله العالم.
هذا الانجيل سنحاول الدخول فيه من ثلاث بوّابات: الخلفيّة الدينيّة. اللاهوت. التاريخ والرمزية.

1- الخلفية الدينيّة في الانجيل الرابع
اختلف يوحنا عن الأناجيل الازائية. فتساءل علماء تاريخ الديانات منذ القرن التاسع عشر عن مختلف التيارات الدينيّة التي تلاقت في كتاب وُلد في إطار يهوديّ قبل أن ينتقل إلى محيط هليني. ونبدأ بالنهاية مع العالم الغنوصي قبل أن نعود إلى العالم اليهودي.
أ- انجيل يوحنا والغنوصيّة
الغنوصيّة تيّار فكري وُلد من نظرة متشائمة إلى الكون. وهو يعتبر أن المعرفة تمنح الخلاص. هذه المعرفة الباطنيّة التي تصل إلينا من خلال خبرة، لا عبر التقليد الرسولي. وبما أن الانسان يبقى غريبًا عن الكون، فبالأحرى الكلمة. لهذا فهو لم يتجسّد، ولم يخلّصنا بالصليب.
نلاحظ أن الانجيل الرابع يتحدّث مرارًا عن المعرفة الحقّة الني نراها في عرس قانا الجليل حيث رئيس المتكأ كان لا يعرف. أما الخدم فكانوا يعرفون (2: 9). واعتبر نيقوديمس أنه يعرف (3: 2)، فقال له يسوع: أنت لا تعرف (3: 8، 9). فالمعرفة التي يقدّمها الانجيل ترفعنا إلى مستوى السماء ولا تبقينا على مستوى الأرض (3: 12). والعارف الوحيد يبقى يسوع الذي هو بالنسبة إلينا الطريق والحق والحياة، وذاك الذي يدلّنا على الآب.
هنا نشدّد على أن هذه المعرفة المرتبطة بيسوع ظلّت محصورة في جماعة أو جماعات منغلقة على تعليم يرتبط بالتلميذ الحبيب. ذاك في مرحلة أولى. ولكن في مرحلة ثانية، ستنفتح هذه الجماعة على الكنيسة الكبرى، ولاسيّما بواسطة إدخال شخص بطرس، فترتبط معرفتها بالتقليد الرسولي. لم نعد فقط أمام الشاهد الذي عاين ما عاين عند الصليب (19: 35)، بل أمام سمعان الذي قال له الرب: إرعَ خرافي، ارعَ نعاجي (21: 15، 18)، فدلَّ على محبّة تفوق محبّة الآخرين.
ماذا نقول عن علاقة انجيل يوحنا بالعالم الغنوصيّ؟ نتذكّر أولاً أن هذا الانجيل كان عزيزًا على قلب الغنوصيين في القرن الثاني وما بعد، ولاسيّما تلاميذ ولنطينس. كما نتذكّر أن أول من فسّره كان هرقليون الغنوصي وأن أوريجانس لم يفسّره بشكل مباشر، بل كان تفسيره ردًا على تفسير هرقليون. هذا الوضع هو الذي جعل الكنيسة الجامعة تأخذ حذرها من انجيل اعتبره الغنوصيون إنجيلهم. وسوف ننتظر ايريناوس ونهاية القرن الثاني أو بداية القرن الثالث، ليأخذ الانجيل الرابع المكانة التي يستحقّ بين الأناجيل الأربعة.
يبقى أن نطرح السؤال حول التأثير الغنوصيّ على هذا الانجيل. نبدأ فنقول إن الكتب الغنوصيّة ظهرت في القرن الثاني أو القرن الثالث. ساعة كان انجيل يوحنا قد دوّن بشكل نهائيّ، بل وصل إلى مصر مع بردية رايلندس بانتظار بردية إغرتون. ولكن إن تحدثنا عن مناخ غنوصيّ بدأ قبل المسيحية وامتدّ بشكل شفهيّ أو تدوينيّ وإن لم تظهر آثاره قبل القرن الثاني، فنستطيع القول إن هذا الانجيل تنشّق المناخ الغنوصي وحاول أن يقدّم له الجواب على تطلّعاته. فماذا اعتبرنا أن الحقبة الأخيرة في تدوين هذا الانجيل تعود إلى أفسس، هذه المدينة الجامعية المتأثّرة بالتيارات اليونانيّة، نفهم أن يكون الكاتب الملهم قد لجأ إلى المواضيع والصور والمفردات الغنوصيّة ليعبّر عن خبرة الجماعة مع يسوع وبين أعضائها في لغة تصل إلى العالم الذي يحيط بها.
ب- العالم اليهودي الهامشيّ
اعتاد الشرّاح في خط أوسكار كولمان أن يميّزوا شكلين كبيرين في العالم اليهوديّ الفلسطينيّ في القرن الأول المسيحيّ: العالم اليهوديّ الرسميّ أو الأرثوذكسيّ، والعالم اليهوديّ الهامشي أو الإتروذكسي أي الذي تطعّم بعناصر غريبة. ونبدأ بهذا الأخير، على أن نعود إلى تجذّر انجيل يوحنا في التوراة. فما هي مركّبات هذا العالم اليهودي الإتروذكسي؟ هناك العماديون، والاسيانيون. 
أولاً: العماديون
إن الحركة (أو الحركات) العماديّة هي حركة يقظة دينيّة، وُلدت في الأوساط الشعبيّة، فأعلنت اقتراب الدينونة الاسكاتولوجيّة (جاءت النهاية)، ودعت الناس إلى الخلاص بارتداد القلب وطقس التغطيس في الماء الحيّ لغفران الخطايا. توجّه طقس العماد الخلاصي إلى الجميع، فجاء إليه الجميع بعد أن سقطت العوائق والحواجز المتعلّقة بالطهارة بحسب الطقوس. كان العالم اليهودي ينال غفران خطاياه من خلال الذبائح التي يقدّمها في الهيكل. أما الحركة العمادية فابتعدت عن الهيكل وسوف نراها مع يوحنا المعمدان، كما مع يسوع، في نهر الاردن. واتخذ يوم كيبور، يوم التكفير، مكانة هامة في حياة الشعب من أجل غفران خطاياه. أمّا مع يوحنا، فالتغطيس في الماء يكفي.
ما علاقة يوحنا بالعماديين؟ تفرّد يو فأشار إلى أن الرسل الأولين كانوا من تلاميذ يوحنا المعمدان (1: 19). فكما كان عمادهم يتمّ مرة واحدة، وجد امتداده في العالم المسيحيّ، وإن كان العماد المسيحيّ تفوّق بشكل لا محدود على عماد يوحنا. وتفرّد الانجيل الرابع فقال إن يسوع بدأ فعمّد، شأنه شأن العماديين ومنهم يوحنا (3: 26). وتحدّث عن يوحنّا الذي يعمّد في بيت عنيا، في عبر الاردن (28:1) وفي عين نون (23:3). غير أننا لا نجد شيئًا حول كرازة المعمدان الاسكاتولوجيّة التي تتحدّث عن "فأس وُضعت على أصل الشجر" (مت 3: 10)، وعن "تبن يجب أن يُحرق" (آ 12).
ثانيًا: الأسيانيون
جذور الانجيل الرابع في حركة العماديين. وجذوره أيضًا في حركة الاسيانيين، هؤلاء العائشين قرب البحر الميت. عبارات عديدة نجدها في نظام الجماعة وفي المدائح توازي ما نجده عند يوحنا. مثلاً، التعارض بين الحقّ والكذب، بينّ النور والظلمة. وهناك عبارات مثل روح الحق، إبن الهلاك، السير في الظلمة. وهناك نصّ نجده في نظام الجماعة عنوانه: نظام الروحين. هو ملخّص تعليم يصل إلى المبتدئين: "الله هو الذي خلق روح النور وروح الظلمة، وعليهما أسسّ عمله كله. الأول يحبّه الله لكل مدى الأجيال، ويرضى به في كل نشاطاته على الدوام. والثاني يُبغض الله مجلسه، ويبغض كل طرقه إلى الأبد".
يتحارب هذان الروحان في قلب البشر بانتظار تدخّل الله في خط حز 36: "ينقّي بحقيقته كل أعمال الانسان، ويطهّر له بناء جسده، حين ينتزع كل روح شرّ من أعضاء بشريّته، وحين ينقّي بروح قداسته كل نشاط الشرّ، وبفيض عليه روح الحقّ كماء التطهير".
وهناك مقابلة نقرأها في كتاب المدائح على مستوى الحقّ كتعبير عن الوحي الالهي، وعن دور روح الله في معرفة الله: "وأنا العاقل عرفتك يا إلهي بفضل الروح الذي وضعتَه فيّ، وسمعتُ ما هو أكيد من سرّك العجيب. بفضل روحك القدوس، فتحتَ في وسطي المعرفة في ما يتعلّق بسرّ فهمك ومعين قدرتك".
لا شكّ في هذه التشابهات بين انجيل يوحنا وكتابات قمران. ولكن لاهوت يوحنا يختلف كل الاختلاف عن لاهوت قمران، وذلك في أعمق ما فيه. فإصلاح معلّم البرّ ركّز على شريعة موسى التي يجب أن تعود بكل قساوتها ومتطلّباتها. وذلك من أجل تكوين جماعة من "الأطهار" تنعزل بعيدًا عن أبناء الاثم بانتظار الدينونة الكبيرة ضد الخطأة. أما إنجيل يوحنا فتركّز على شخص يسوع كالوحي السامي لأبوّة الله. والايمان به هو المتطلّبة الوحيدة مع ما يتبعها من محبّة متبادلة بين الإخوة.
ج- العالم اليهوديّ الرسميّ
ارتبط الانجيل الرابع بالأماني الدينيّة في العالم الهلنستي، وبالحركات الهامشيّة في العالم اليهوديّ. ولكن تبقى خلفيّته الأساسيّة العالم اليهودي "الارثوذكسي" مع العبارة التي قالها يسوع للسامريّة: "الخلاص يأتي من اليهود" (4: 22). لسنا هنا أمام اعتبار ثانويّ، بل أمام يقين عميق. لقد جاء المسيح إلى أخصّائه وإن لم يقبله أخصّاؤه (1: 11). هناك تيّار بعيد المدى من الاستعداد لمجيء حامل الوحي، وهو لا يخسر أهميّته حين يأتي النور. إذا كان يسوع هو المسيح، فهو قبل كل شيء مسيح اسرائيل. وهكذا يلتقي الانجيل الرابع مع الانجيل الأول.
كيف يبدو ارتباط يوحنا بهذا العالم اليهودي؟ على مستوى حياة يسوع وعلى مستوى تعليمه. فحياة يسوع تتوزّع على عدد من أعياد الحجّ إلى أورشليم. وإن كان المعلّم قد طرد حيوانات الذبيحة من الهيكل (2: 14- 15)، فهو مع ذلك يقدّم تعليمه في الرواق المقدس، ذاك المخصّص للوثنيين. هناك يتجادل مع العالم اليهوديّ الرسميّ، ويحاول أن يقنعه فيما يخصّ إرسال الآب لابنه. وموسى نفسه سيطلب منه بأن يشهد ليسوع: "إذا آمنتم بموسى تؤمنون بي لأنه كتب عني" (46:5).
وعلى مستوى تعليمه. نجد في يو 19 ايرادًا صريخا من العهد القديم. وإذا أضفنا التلميحات الأكيدة، يزداد تجذّر يو في عالم التوراة ولاسيّما في الأسفار الخمسة وأشعيا والمزامير. تُذكر شريعة موسى (نوموس) 14 مرة، وهي تعتبَر في أساسها مقدّمة أولى للوحي النهائيّ في يسوع المسيح، لا نظام خلاص. لمّح يوحنا إلى وحي الاسم الالهي على سيناء (خر 34: 6) فقال في المطلع: "أعطيت لنا الشريعة بموسى، وجاءت النعمة والحقّ بيسوع المسيح" (1: 17). هذه الشريعة لا تنفصل عن الكتب النبويّة.
ومع ذلك، فهناك نصوص تشدّد على المسافة بين يسوع والجماعة اليوحناويّة من جهة، وبين "شريعة اليهود" من جهة ثانية. استند يسوع إلى إحدى فرائض تث فأعلن: "كُتب في ناموسكم (أنتم، لا ناموسنا نحن المسيحيين) أن شهادة رجلين مقبولة" (8: 17؛ رج 10: 34). فقد بدت القطيعة واضحة، ولاسيّما بالنسبة إلى السبت. ففي هذا اليوم شفى يسوع المخلّع (9:5) والأعمى منذ مولده (9: 14) وأعلن أنه يعمل دومًا، شأنه شأن أبيه (5: 17).
استعاد يو سفر التكوين (1: 1) كما فسّره سفر الأمثال (8: 22) وابن سيراخ (24: 8). وتوسّع في سيرة ابراهيم (يو 8: 31-59) وسيرة موسى، وما نسي عيد الفصح. ولكن شتان ما بين يسوع وبين ابراهيم، بين يسوع وبين موسى. وشتّان بين الفصح اليهوديّ وفصح يسوع الذي مات على الصليب فما كُسر له عظم. وكانت قراءة كرستولوجيّة لأشعيا (يو 12: 37- 42) ولسفر المزامير.

2- لاهوت الانجيل الرابع
منذ بداية المسيحيّة اعتُبر يوحنا الكاتب اللاهوتيّ. والقرية التركيّة التي تحتفظ بمدفنه قرب أفسس تدلّ على ذلك: أيا سوليك أي القديس اللاهوتيّ. نكتشف لاهوت هذا الانجيل منذ المطلع الذي دفعنا إلى أن ندخل في سرّ حياة الله بما فيها من نور. ونسير في الانجيل فنكتشف ثلاث محطات: شخص يسوع المسيح. ذاك الذي هو مخلّص العالم. ذاك الذي يبني كنيسته.
أ- شخص يسوع المسيح
يبدو انجيل يوحنا كتاب الشهادة ليسوع في محاكمة العالم اليهوديّ له. في هذا الجوّ نُدعى إلى فعل إيمان تكون لنا به الحياة على ما نقرأ في نهاية الخاتمة الأولى: "لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله، وإذا آمنتم كانت لكم باسمه الحياة" (20: 31). ونتحدّث أولاً عن شخص يسوع.
بعد مقابلة بين يوحنا ومرقس، نعدّد ألقاب يسوع. ونتأمّل في علاقته مع الآب التي توصلنا إلى القول بأنه الكلمة وابن الله.
أولاً: بين يوحنا ومرقس
حين نقابل تعليم يوحنا عن المسيح والطريقة التي بها يعرض مرقس انجيله، نرى تعارضًا كبيرًا بين الاثنين. في مرقس، لا يكشف يسوع عن نفسه إلاّ بشكل تدريجيّ. وهو يفرض "السرّ المسيحاني" على الذين ولجوا سرّ رسالته وشخصه. ويجب أن ننتظر مشهد قيصريّة فيلبّس لكي يقول التلاميذ رأيهم في هويّة يسوع. وما إن أعلن بطرس إيمانه المسيحانيّ حتّى طلب منه يسوع الصمت.
أما في الانجيل الرابع، فالتلاميذ يعبّرون، منذ لقائهم الأول، عن حماسهم بإعلانات متنوّعة: "وجدنا المسيح". "رابي، أنت ابن الله، أنت ملك اسرائيل" (1: 41، 49). ما رفض يسوع هذه الاعلانات، بل عمّقها فقدّم نفسه ابن الانسان الذي يتفوّق على الملائكة (1: 51). ثم أعلن للسامريّة أنه المسيح المنتظر (4: 26). ومنذ خطبته الأولى في أورشليم، قدّم نفسه على أنه الابن.
ومع ذلك، فيسوع يبدو انسانًا حقًا. اختلف يو عن الأناجيل الغنوصيّة في القرن الثالث التي قدّمت نفسها بشكل ايحاءات لازمنيّة لمسيح روحاني، فظل أمينًا كل الأمانة للإطار الزمني في التقليد الانجيلي. استعمل الانجيل 15 مرة لفظةَ "انتروبوس" (رجل، انسان) ليدلّ على يسوع. مثلاً، قالت السامريّة: "تعالوا وانظروا رجلاً قال لي كل ما فعلت" (29:4). ودافع غملائيل عن يسوع قائلاً: "هل تحكم شريعتنا على رجل دون أن تسمع له" (7: 51)؟ وقال قيافا: "يجب أن يموت رجل واحد عن الشعب كله" (11: 43). وفي النهاية، قال بيلاطس: "هوذا الرجل" (19: 5). هذا الرجل تعب من السير في الطريق (4: 6). بكى عند قبر لعازر (11: 33، 38). أحسّ مسبقًا بالنزاع (12: 27). وفي النهاية، كلّل بالشوك (2:19)، وحمل صليبه مثل كل محكوم عليه بالموت (19: 17). حافظ يوحنا على بشريّة يسوع، فكان على طرفي نقيض مع الظاهريّين الذين اعتبروا أن يسوع تظاهر بأنه انسان، وأنه ما مات على الصليب.
ثانيًا: ألقاب يسوع
إذا أردنا أن نتعرّف إلى شخص يسوع في يو، ليس أفضل من أن نكتشف الألقاب التي يعطيها هذا الانجيل ليسوع. ففي الخاتمة، نعرف أن يسوع هو المسيح وابن الله (20: 31). وبعد المطلع، نكتشف تسميات عديدة: هو حمل الله (1: 29، 36). هو مختار الله، ابن الله (1: 34). هو رابي (38:1؛ في 20: 16 نجد رابوني في فم المجدلية). هو الماسيا، المسيح، كرستوس (1: 41). وهو ابن الانسان (1: 51) كما قال يسوع عن نفسه.
ونذكر أيضًا تسميات أخرى: هو الابن (3: 16). والعريس (3: 29). ومخلّص العالم (4: 24). والنبيّ الآتي (6: 14). وقدّوس الله (6: 96). وربي وإلهي (28:20) كما قال توما في إيمان عميق عبّر فيه عن إيمان الكنيسة على مر الأجيال.
وتُضاف تسميات رمزيّة مع عبارة "أنا هو" تُوضع في فم يسوع. بعد تكثير الأرغفة قال يسوع: "أنا هو خبز الحياة" (6: 35، 41، 48، 51). وفي شفاء الأعمى: "أنا هو نور العالم" (9: 5). وقال في 7:10، 9: "أنا هو باب الخراف". وفي 10: 11، 14: "أنا هو الراعي الصالح". وفي قيامة لعازر: "أنا هو القيامة والحياة" (11: 25). وفي الخطبة الأولى بعد العشاء السريّ: "أنا هو الطريق والحقّ والحياة" (14: 6). وفي الخطبة الثانية: "أنا هو الكرمة الحقّة" (15: 1، 5). إن يسوع يحمل في شخصه ملء ما تمثّله هذه الألفاظ بما فيها من توق البشر إلى السلام والطمأنينة والسعادة.
وقد نستطيع أن نتوقّف عند النبي المرسل من قبَل الله. تلك هي الخطوة الأولى في مسيرة الايمان. تلك كانت أولى خطى السامريّة (4: 19) والأعمى منذ مولده (9: 17). وفي خطوة لاحقة، يعلن المؤمن أن يسوع هو النبيّ الذي أعلنه موسى من أجل أزمنة الخلاص. ويستعمل يوحنا فعلين ليدلّ على أن يسوع هو مرسل الآب. "بمباين" (32 مرة) يدلّ على الرسالة في المعنى الحصريّ للكلمة. "أبوستالاين" يدلّ على المهمّة الملقاة على عاتق المرسل، وعلى المسؤوليّة.
ونستطيع أن نتوقّف عند لقب ابن الانسان (12 مرة). هذا اللقب يدلّ على ارتباط يو بالتقليد الازائي، كما يدلّ على أصالته. يعود يوحنا، شأنه شأن الازائيين، إلى دا 7 وإجلاس شخص سريّ على العرش السماويّ بعد دينونة الممالك الوثنيّة المرموز عنها بالحيوانات. ويتبع يو الأناجيل الازائيّة الثلاثة فيجعل هذه التسمية في فم يسوع. وهكذا أوردت الأناجيل طريقة أحبّها يسوع للحديث عن مصيره.
ولكن في يو، تتميّز تسمية ابن الانسان عن الابن. فالابن يُذكر في علاقته مع الآب. ولكننا لا نجد عبارة واحدة تربط ابن الانسان بالآب. ومع أننا نستشف أزليّة ابن الانسان في خلفيّة 3: 13؛ 6: 61، فيوحنا يشدّد في استعمال هذا اللقب على حياة يسوع على الأرض. هناك حديث عن لحمه ودمه (53:6). ابن الانسان هو الهيكل الجديد الذي فيه يتمّ اتصال السماء بالأرض (1: 51). وهناك كلام عن ارتفاع يسوع وتمجيده (3: 14).
ثالثًا: علاقة الآب بالابن
يتميّز الانجيل الرابع في أنه يذكر الآب مرات عديدة (100 مرة ونيّف)، وكذلك الابن (29 مرة). وهكذا يدلّ على علاقتهما المتبادلة. مثلاً، نقرأ في 53:3: "الآب يحب الابن وقد جعل كل شيء بين يديه". وفي 19:5: "ما يعمله الآب يعمله الابن مثله". وفي 5: 26: "كما أن الآب له الحياة في ذاته، كذلك أعطى الابن أن تكون له الحياة في ذاته". وفي 14: 13: "كل ما تطلبون باسمي أعطيكم، ليتمجّد الآب في الابن".
لا شكّ في أن يوحنا يُظهر عظمة الابن التي لا تضاهيها عظمة. ومع ذلك، فهو يحتفظ بعبارات تتحدّث عن ارتباط الابن بالآب ارتباط تبعيّة. فيسوع هو الابن المتنبّه الذي لا يفعل شيئًا إلاّ إذا رأى الآب يعمله. وهو يتقبّل التلاميذ الذين يرسلهم الآب إليه (6: 37، 38). ولا هدف له إلاّ أن يعمل إرادة الآب (4: 34؛ 29:8)، أن يبحث عن مجد الذي أرسله (5: 41، 44؛ 18:7؛ 8: 50، 54). هذا التجرّد التامّ هو الختم الذي يشهد لواقعيّة رسالته. "لو كنت أنا أمجّد نفسي، فمجدي ليس بشيء. إنما أبي يمجّدني، هو الذي تقولون عنه إنه إلهكم" (8: 54).
اعتبر اليهود أن مجد يسوع وارتفاعه يؤثّران على مفهوم التوحيد: "ازداد اليهود طلبًا لقتله... لأنه كان يدعو الله أباه، مساويًا نفسه بالله" (18:5). ولكن يوحنا سيبيّن "تداخل" الآب والابن. قال يسوع لفيلبّس: "أفلا تؤمن أني أنا في الآب، وأنّ الآب فيّ" (14: 1)؟ فهذه العبارات التي تدلّ على التبادل بين الآب والابن تتوزعّ على الانجيل الرابع، ونقرأها بشكل خاص في الصلاة الكهنوتيّة. فالآب حاضر في الأعمال التي يتمّها الابن (10: 38). وهو حاضر في تعليمه (7: 17). وسوف يقول يسوع كلمة ستجعل اليهود يتناولون الحجارة لكي يرجموه: "أنا والآب واحد" (10: 30). اعتبروه أنه يجدّف. وسيقول في 17: 5: "فالآن، أيها الآب، مجدّني أنت عندك، بالمجد الذي كان لي لديك من قبل كون العالم".
وفي خط هذا "التداخل" بين الآب والابن، نتذكّر عبارة "أنا هو": قد تدلّ على شخص من الناس. على ما قال الأعمى حين سألوه: "أنا هو" الأعمى منذ مولده (9: 9). وسأل الحرس عن يسوع الناصريّ، فقال: أنا هو (18: 9) فدلّ على نفسه. ولكن من خلال هذه الاشارة الماديّة، نفهم أن كلمة يسوع دلّت على أنه الله. لهذا تراجع الحرس إلى الوراء خوفًا، وسجدوا سجود الرهبة.
ونقول الشيء عينه ساعة كان التلاميذ منهوكين في العاصفة. قال يسوع: "أنا هو" (6: 20). فاتخد كلامُه شكلَ ظهور إلهيّ. بدّد حضورُ يسوع كل خوف، ووصلت السفينة حالاً إلى الشاطئ.
هنا نميّز "أنا هو" مع صفة أو بدون صفة. حين يقدّم يسوع نفسه على أنه خبز الحياة ونور العالم وباب الخراف، فهو يعلن أن الخيرات التي نجدها في هذه التسمية قد وُجدت فيه كاملة. أو: من هو "يهوه" (الاله الذي هو)؟ هو الراعي الصالح والباب... بعد أن كثر الرعاة الكذبة وأغلق باب السماء... أما الاستعمال المطلق لعبارة "أنا هو" فنجده في 8: 24، 28، 58؛ 13: 19. وفيه يتماهى يسوع مع الله. هو الله. "قبل أن يكون ابراهيم، أنا هو". (8: 58)، أنا يهوه، أنا الله. وهذا ما سيفهمه اليهود، ويطلبون أن يرجموا يسوع (آ 59).
في هذا الخطّ نعود إلى المطلع الانجيلي الذي هو قمّة الكرستولوجيا اليوحناويّة. فهو يعلن أن يسوع هو منذ الأزل كلمة الله. وهذا الذي هو الكلمة، هذا الذي كان لدى الله الآب، قد صار بشرًا وسكن بيننا فأبصرنا مجده.
ب- يسوع مخلّص العالم
تركّز الانجيل الرابع على وحي المسيح وعلى سرّ علاقة الابن مع الآب، فترك مواضيع أساسيّة نجدها في الأناجيل الازائيّة. هناك موضوع التوبة مثلاً وغيره من المواضيع. ولكن ماذا نقول عن موضوع الخلاص؟
أولاً: موضوع الخلاص
اعتبر الغنوصيّون أن الخلاص معرفة (غنوسيس) أو هو تعرُّف على الذات الروحيّة في الانسان. ورأى بولتمان أن على الانسان أن يتواجه مع كلمة الموحي ليدلّ على علاقته بالله. هنا يُطرح السؤال: هل من موضع في اللاهوت اليوحناويّ لكلام عن الخلاص بالتكفير عن الخطايا؟ من أجل الجواب، ننطلق من النصوص.
لا يرد لقب "مخلّص" سوى مرّة واحدة، وذلك في الاعتراف الايماني لدى السامريّين الذيم يمثّلون العالم الوثني: "عرفنا أنه حفا مخلّص العالم" (4: 42، سوتير). أما فعل "سوزاين" (خلّص) فيرد مرارًا ليدلّ على عمل يسوع من أجل العالم الخاطىء، وهو يقابل فعل "دان، حكم". إن إرادة الخلاص هذه تتأسّس على معرفة يسوع لأبيه: "كما أن الآب يحيي الموتى، هكذا يحيي الابنُ من يشاء" (5: 21). وإذا كان الابن يحيا بالآب، فلكي ينقل حياته لتلاميذه ويغذّيهم بجسده الذي يسلمه من أجلهم (6: 51، 57). إذن، يقوم الخلاص بالنسبة إلى المؤمن أن ينضمّ إلى حياة الابن في اتحاده مع الآب. هذا هو قلب الصلاة الكهنوتيّة (ف 17).
والشرّ الأكبر الذي يريد المسيح أن يخلّص البشر منه، ليس الجهل، بل الخطيئة. ما حاول يوحنا أن يفصّل ظهور الخطيئة في الحياة البشريّة. بل توقّف بشكل جوهريّ عند خطيئة اللاإيمان (8: 32-24). ومع ذلك، فالوجهة الأخلاقيّة ليس غائبة، وهذا ما نلاحظه في المقابلة بين "صنع الشرَّ" و"صنع الحق". نقرأ في 3: 20- 21: "من يصنع الشرّ يبغض النور ويرفض أن يأتي إلى النور مخافة أن تُفضح أعمالُه. ومن يصنع الحقّ يأتي إلى النور لكي تكون أعماله ظاهرة، وهي التي تمّت في الله".
هذه الخطيئة يكون الانسان عبدًا لها (8: 34). وهو يتحمّل تسلّط أبي الكذب (44:8) الذي سُمّي أيضًا رئيس هذا العالم (12: 21؛ 14: 30؛ 16: 11). هنا نبدو قريبين جدًا من سفر الرؤيا (ف 13). ونلاحظ أن يسوع يقف أمام العالم الوثني الذي يمثّله بيلاطس، فيعلن: "من هو من الحقّ يسمع صوتي" (18: 37). وهكذا يحرّك الانسان من أجل القرار الذي يُعطي معنى لوجوده. وجواب بيلاطس (وما هو الحق) وما فيه من خيبة أمل، يدلّ على حالة الذين يغطسون في الظلمة حين يوضَعون فجأة أمام النور.
ثانيًا: حمل الله
أورد الانجيل الرابع باحتفال خاص مرّتين كلام المعمدان عن يسوع: "هوذا حمل الله الذي يرفع (يحمل) خطيئة العالم" (1: 29، 36). اعتبر الشرّاح أن يوحنا رأى في يسوع "عبد يهوه" كما في أشعيا، أو "حمل الفصح".
هنا نعود إلى خبر الآلام مع إيراد يشير إلى حمل الفصح: "لم يكسر له عظم" (19: 36). ونتذكّر أن يوحنا اختلف عن الازائيين فحدّد موعد محاكمة يسوع وموته عشيّة عيد الفصح (18: 28). إذن، مات يسوع ساعة كانت تُذبح الحملان في الهيكل. وهكذا تحقّقت النبوءة السريّة التي تفوّه بها يوحنا المعمدان. 
ويُطرح السؤال: كيف انتصر يسوع على الخطيئة؟ نجد في 1 يو 2: 2 كلامًا يرتبط بالذبيحة: يسوع هو ذبيحة تكفير. ولكن في انجيل يوحنا، نجد الخلاص في عمل الروح الذي سلّمه يسوع إلى الكنيسة (19: 30)، فعمل الخلاص يتم بواسطة الدم والماء اللذين جريا من جنب المصلوب.
والبعد الشامل للخلاص الذي حمله يسوع، يجد تعبيرًا عنه في الكتابة فوق الصليب في ثلاث لغات (19: 20). جميع البشر مدعوون لكي يشاهدوا المصلوب (19: 37)، الذي يجتذبهم إليه في حركة عودته إلى أبيه (12: 32). 
ثالثًا: الصليب يكشف حبّ الآب
كانت الكرازة المسيحيّة الأولى تفصل بين ذلّ الصليب ومجد الفصح (1 كور 15: 1-5؛ فل 6:2- 11). بل كانت تحاول أن تخفّف من شكّ الصليب ببهاء القيامة (أع 2: 22-24). أما يوحنا فضمّ وجهتَي السرّ الفصحيّ في نظرة إيمانية واحدة. هذا ما نكتشفه في فعل "رفع" وفعل "مجّد".
نقرأ في 3: 14-15: "كما رفع موسى الحيّة في البريّة، هكذا يجب أن يُرفع ابن الانسان، لكي تكون الحياة الابديّة لكل من يؤمن به" (رج 28:8؛ 32:12، 34). ومجد الله لا يظهر فقط في آيات قدرة، مثل قيامة لعازر (11: 40)، بل في موت حبّة القمح (13:12)، وهذا الموت هو شرط لحمل الثمار. هنا نتذكّر بداية الصلاة الكهنوتيّة: "أيها الآب، جاءت الساعة، فمجِّد ابنك لكي يمجّدك ابنك" (17: 1). في هذا الكلام، لا ينفصل الصليب عن المجد. ونحن لا نستطيع أن نلغي الصليب كأنه زمن فشل موقّت. فالصليب ينتصب إلى الأبد كعلامة عن محبّة الله.
وساعةُ يسوع، في نظر يوحنا، هي ساعة ملء الوحي، لأنها الساعة التي تُظهر ظهورًا لا محدودًا إرادة الآب بأن يعطي ابنه من أجل حياة العالم. فتجاه حبّ الله المقدّس، نجد حبّ الابن في ملئه. فيسوع يمضي إلى جتسيماني، "ليعرف العالم أنه يحبّ الآب وأنه يعمل بما أوصاه الآب" (14: 31).
ج- يسوع يبني كنيسته
هذه المحبّة يتوسّع فيه الانجيل الرابع في كل أبعادها، ويربطها بالروح القدس. فمحبّة المسيح للآب تظهر في طاعة (14: 31) تقوده إلى أن يقول على الجلجلة: "تمّ كل شيء" (19: 30). ومحبّة المسيح لأخصّائه يدلّ عليها غسلُ الأرجل كعمل يدلّ على عظمة حبّ الفاديّ (13: 2). والمحبّة بين التلاميذ تعود بشكل قرار في خطب الوداع.
في هذا القسم نتوقّف عند وحدة الكنيسة، عند بنية الكنيسة. وننهي بنظرة إلى أم يسوع.
أولاً: وحدة الكنيسة
يتميّز الانجيل الرابع باهتمام بوحدة الكنيسة. فالخلاص في نظر يوحنا يتمّ لتجميع أبناء الله المشتتين (11: 50-52). وهؤلاء الأبناء ليسوا فقط يهود الشتات، بل جميع الوثنيين الذين يريد الراعي الصالح أن يجمعهم في رعيّة واحدة (10: 16). والوحدة لا تتحقّق بانضمام أشخاص ارتدّوا إلى اسرائيل القديم، كما ظنّ المسيحيون المتوّدون. لا بدّ من الخروج من الحظيرة القديمة (3:10، 4) والذهاب إلى المراع الخصيبة. وهذه الوحدة تستند إلى تعلّق بشخص يسوع، الراعي الصالح: "خرافي تسمع صوتي، وأنا أعرفها وهي تتبعني" (27:10).
هناك صورتان عن تلك الوحدة. الاولى، القميص الذي لم يشقّه الجنود (23:19-24). والثانية، الشبكة التي لا تتمزّق مع أن فيها 153 سمكة (21: 11). وهذه الوحدة، يدلّ عليها التلاميذ حين يحبّون بعضهم بعضًا. "بهذا يعرف الناس أنكم تلاميذي إذا كنتم تحبّون بعضكم بعضًا". وحبّ التلاميذ هذا هو انعكاس لحبّ الآب للابن. "إن حفظتم وصاياي ثبتّم في محبتي، كما حفظت أنا وصايا أبي وثبتّ في محبته" (15: 10).
غير أن هذه الوحدة مهدّدة بسبب الانشدادت التي فيها. لهذا، يركّز يوحنا مرارًا على ضرورة البقاء في كلمة المسيح (8: 31؛ 15: 4-9). ويطلب من التلاميذ أن يظلّوا متّحدين فيما بينهم لكي يكون انتماؤهم إلى المسيح صادقًا. والصلاة الكهنوتيّة (ف 17) هي جواب على أزمة تتحدّث عنها 1 يو 19:2 (خرجوا منا، يبد أنهم لم يكونوا منا. لأنهم لو كانوا منا لاستمرّوا معنا): فالذين تركوا الجماعة أو هم يستعدّون لأن يتركوها، يذكّرهم يوحنا بصلاة المسيح الأخيرة. هو لم يصلِّ فقط من أجل تلاميذه المباشرين (17: 9)، بل من أجل الذين سيؤمنون بشهادتهم (17: 20): "ليكونوا كلهم واحدًا، كما أنت أيها الآب فيّ وأنا فيك، ليكونوا واحدًا فينا أيضًا ليؤمن العالم أنك أرسلتني".
يجب أن تتحقّق هذه الوحدة في الأجيال المتعاقبة، كما تقول الصلاة الكهنوتيّة (ف 17). ويجب أن تتحقّق في الجماعات المشتّتة في العالم، كما يقول مثل الراعي الصالح (10: 16).
ثانياً: بنية الكنيسة
ما استعمل يوحنا، شأنه شأن مرقس ولوقا، لفظة "كنيسة" ليدلّ على جماعة تلاميذ يسوع. ولكن هناك صورة القطيع (10: 16). وصورة الشبكة (11:21).
أما اللفظة الأساسيّة فهي "التلاميذ" (ماتيتاي): هم الاثنا عشر. أو مجموعةٌ أوسع تراجع عددٌ منها (6: 60-66). والتلميذ هو قبل كل شيء ذاك الذي يتعلّق بالايمان بيسوع (2: 11). هذا يعني أن الايمان هو العنصر الجوهريّ الذي يؤمّن تماسك المؤمنين ووحدتهم. لقد طوّب يسوع أولئك الذين يؤمنون ولم يروا (29:20).
كيف تنظّمت هذه الكنيسة؟ بالامانة للشهادة لدى الذين كانوا مع يسوع منذ البدء (15: 27). بالاتحاد مع المسيح وحدةً نعيشها في الايمان، ونغذّيها بسرّي المعموديّة والافخارستيا.
ثالثًا: أم يسوع
نجد في الانجيل الرابع مشهدين يعطيان لمريم مكانة مميّزة: آية قانا، والجلجلة. وقد ربط يوحنا بين هذين المشهدين اللذين يشيران إلى ساعة يسوع، ويتضمّنان تسمية "امرأة" على شفتي يسوع (2: 4؛ 19: 26).
ليست معجزة قانا فقط الآية الأولى التي أجراها يسوع. هي البداية. هي المبدأ الذي يتضمّن سائر المعجزات كما في بذار. فآية تجديد العهد تتوجّه نحو تتميم الساعة التي فيها لن يُعطي يسوع خيرات ماديّة (خمر من أجل المدعوين)، بل روحه (أسلم الروح) العامل في أسرار الكنيسة (سرّ المعموديّة، وسرّ الافخارستيا، الدم والماء).
في مشهد قانا كما في مشهد الجلجلة، تُسمّى مريم أم يسوع، وتوضع مسافة بين يسوع وأمّه (ما لي ولك في 2: 4؛ هذا ابنك في 26:19). في الحالة الأولى لا يُجري يسوع المعجزة بالنظر إلى رباطات اللحم والدم (هي أمّه على المستوى الجسدي)، بل يفرض على أمّه فعل إيمان ستفهمه نداء إلى الخدم بأن يفعلوا ما يأمرهم به (7:2). فعظمة مريم تقوم في أنها اكتشفت في الايمان متطلّبات مخطط الله، وامّحت (كما امّحى يوحنا المعمدان) ساعة بدأ ابنها رسالته العلنيّة. ومع ذلك، فإن تدخّلها حصل على نعمة بها تكوّنت جماعةُ التلاميذ الذين آمنوا بيسوع حين رأوا الآية (2: 11).
أما مشهد الجلجلة، فقد درسه آباء الكنيسة ووجدوا فيه علامة تقوى بنويّة من يسوع إلى أمّه. أما القرون الوسطى فتحدّثت عن الأمومة الروحيّة. واللاهوت الحديث رأى في مريم صورة الجماعة المؤمنة. كانت عند صليب يسوع، ساعة الجميع هربوا. كانت واقفة لأنها آمنت بابنها القائم من الموت الذي جاء إلى التلاميذ "ووقف في الوسط". في الآية الأولى، في قانا، يتحدّث الانجيليّ عن إيمان التلاميذ، ولا يقول شيئًا عن إيمان مريم. لقد كانت مؤمنة. وفي مشهد الجلجلة، نفهم أن مريم سبقت التلاميذ فآمنت بقيامة ابنها ولهذا ما احتاجت أن يظهر عليها كما ظهر على النسوة عند القبر، وعلى التلاميذ في العليّة.

3- التاريخ والرمزيّة
أ- هل يتوافق التاريخ والرمز
توزعّ الشرّاح بين مشدِّد على الرمزيّة إلى حدّ أنكروا واقع معجزات يسوع، وبين مشدّد على التاريخ والواقع، فما عرفوا أن يخرجوا لكي يكتشفوا المعنى العميق للنصوص اليوحناويّة. هنا نسارع ونقول إن الرمزيّة هي كاللون الذي يلتصق بجسم جامد. فإن لم يكن جسم، فبماذا يلتصق اللون. وهكذا نقول بالنسبة إلى انجيل يوحنا. هناك الواقع الذي حصل، والتاريخ الذي يشير إليه الانجيلي. نتمسّك بهما لنصل إلى المعنى الرمزيّ، المعنى الروحي. وبقدر ما يكون الواقع صلبًا، تكون الرمزيّة غنيّة. ولن نبحث أبدًا عن الفصل بينهما. أين يتوقّف الواقع وتبدأ الرمزيّة، هذا ما لا نستطيع أن نعرفه. ولكن المهمّ هو الوصول في النهاية إلى المعنى الروحيّ الذي يريد يوحنا أن يقدّمه لنا.
ماذا نجد في الأناجيل؟ إن خاتمتَي الانجيل الرابع (20: 30- 31؛ 21: 24- 25) تؤكّدان بوضوح أدن الانجيليّ أراد أن يورد وقائع تاريخيّة تستطيع أن تحرّك الايمان وتغذّيه. والبدايات المسيحيّة لم تشكّ يومًا في القيمة التاريخيّة للانجيل. فما هذا الايمان الذي لا يستند إلى حضور تاريخيّ ليسوع المسيح الذي وُلد في أيام أوغسطس وهيرودس، الذي وُلد في أرض محدّدة هي فلسطين، الذي وُلد في عائلة من العيال عرفنا فيها "الأب" والأم والأقارب، الذي عاش في الناصرة فالتصق اسمه باسم بلدته؟
لماذا طُرح هذا السؤال بالنسبة إلى انجيل يوحنا ولم يطرح بالنسبة إلى الأناجيل الازائيّة؟ لأن ترتيب حياة يسوع في يو يختلف عمّا هو في متّى ومرقس ولوقا. هذا ما نلاحظه منذ قانون موراتوري الذي يعود إلى القرن الثاني المسيحي.
وقد أبرز خصوم المسيحيّة، ومنهم قلسيوس وفورفيريوس، الفروقات بين الأناجيل الأربعة ليدمّروا شهادتها. وقد حاول آباء الكنيسة ولاسيّما أوريجانس وأوغسطينس، أن يبيّنوا توافق الانجيليين وتكامل النصوص بشكل متوافق. هذا على مستوى الأخبار. وعلى المستوى اللاهوتي، فُرض شخص يسوع الموجود قبل الأزل كما قدّمه الانجيل الرابع، بحيث أهمل الشرّاح السمات البشريّة ليسوع كما نجدها في انجيل مرقس.
وتوسّع النقد الكتابيّ فطرح طرحًا جذريًا الثقة التي مُنحت حتى الآن لشهادة التلميذ الحبيب. حاول هؤلاء الباحثون أن يبحثوا عن جذور الانجيل الرابع. ثم جعلوا تدوين الانجيل الرابع يعود إلى القرن الثاني، كما ربطوه بالأناجيل الازائيّة. وها نحن نورد بعض ما قالوا: "لم تكن اهتمامات الانجيلي وإلهامه على المستوى التاريخيّ أو السيرويّ، بل على المستوى الدفاعيّ والتعليميّ واللاهوتيّ"، وقالوا: "استعمل الكاتب التقليد الازائيّ بحريّة تامة وكيّفه بحسب حاجاته". وقالوا: "إن خُطب المسيح اليوحناويّ تعبّر عن فكر الانجيليّ" (هذا يعني أنها لا تعبّر عن فكر يسوع). وقالوا: "بالنسبة إلى حياة يسوع، ليس الانجيل الرابع مرجعًا نستطيع أن نستعمله مع الإزائيين، أو نفضّله عليهم".
ب- اعتبارات منهجية
كيف نعالج هذا الوضع؟ نبدأ فنقدّم بعض الاعتبارات المنهجيّة.
- إن القيمة التاريخيّة للانجيل الرابع هي مستقلّة عن الجواب الذي نعطيه للسؤال حول كاتبه. نحن هنا أمام معطية عامة بالنسبة إلى دراسة الأناجيل. فلا بدّ من إعادة النظر في الدفاعيّة القديمة المؤسّسة على واقع يقول إن الانجيليين كانوا شهودًا عيانًا وصادقين. فالانجيليّ ليس شخصًا فردًا يكتب في عزلة غرفته وبمعزل عن جماعة تحمل التقليد. نحن نعرف أنّ لوقا استفاد من وثائق مكتوبة أو تقاليد شفهيّة. فلماذا لا يكون وضع كاتب الانجيل الرابع وضع لوقا؟
- لا نستطيع أن نفهم الواقع التاريخيّ كما فهمه علم المؤرّخين في القرن التاسع عشر: يصوَّر ببرودة لامبالية. يُنقل كما يُنقل تقرير صحافيّ. فلا عودة إلى الماضي من دون تفسير. وليس من مؤرخّ إلاّ وعنده إيديولوجيّا مسبقة. ونحن لا نستطيع أن ننتقد المراجع إن لم يكن لنا فهم مسبق لها يرتبط بفلسفة عامة وموقف ديني شخصي. في هذا الجوّ نقرأ انجيل يوحنا، لا كصورة فوتوغرافيّة عن الواقع، بل كلوحة دينيّة وتأمّل لاهوتي ينطلق من الواقع المادي فينيره الروح.
- كتب عدد كبير من الشرّاح "سيرة يسوع". وانطلق كاتبوها من انجيل مرقس الذي اعتُبر الأقدم في الزمن والأقل لاهوتيًا، فاكتشفوا السمات الأساسيّة لرسم وجه يسوع. ولكنهم نسوا أن كل انجيليّ يقدّم "صورة" عن وجه يسوع. فإذا مزجنا هذه الصور الأربع، كان لنا كل شيء ما عدا وجه يسوع. ثم إن النقد الحديث قد أبرز القيمة الكرازيّة واللاهوتيّة لانجيل مرقس. فهو لا يختلف عن سائر الأناجيل. وهناك خطّ يعتبر بداية انجيل يوحنا قد سبقت سائر الأناجيل. لهذا، ليس يوحنا انجيليًا معزولاً عن سائر الانجيليين، ونحن لا نعارضه بمرقس كما نعارض التأمل اللاهوتيّ بشهادة "فجّة" تعود إلى البدايات.
- وتحدّث الشرّاح عن الرمزيّة في الانجيل الرابع. أترى الرمزيّة عائقًا لتجذّر هذا الانجيل في التاريخ. لا نستطيع أن نعارض بين التاريخ والرمز كبُعدين لا يتصالحان. يقولون: حيث التاريخ لا وجود للرمز. وحيث الرمز لا وجود للتاريخ. ولكننا ننسى حينذاك قيمة الرمز كترجمة ملموسة لمعطيات وجوديّة يبرز فيها المصيرُ البشريّ. ثم ليس من "واقع" إلاّ ويكون مفسَّرا. والمسافة بين الواقع وتفسيره شرط ضروريّ لكي نقدّر أبعاد هذا الواقع وموضعه في مسيرة التاريخ. فالتقديم "الرمزيّ" للواقع يتوخّى كشف خلفيّة هذا الواقع في حياة القارئ الشخصيّة، وفي تاريخ الجماعة.
- وحاول الشّراح أن يدرسوا تاريخ الجماعة اليوحناويّة. وبحثوا في النصوص عن انعكاسات الاهتمامات والصراعات التي عرفتها. هذا عمل لا بأس به. ولكن يجب أن لا ينسينا أن الانجيل الرابع هو قبل كل شيء شهادة عن حياة وتعليم شخص حقيقي، شخص وُجد في التاريخ، هو يسوع الناصري. ونحن لا نستطيع أن تستشفّ حياة الجماعة إلاّ من خلال النصّ الذي بين أيدينا والذي يرتبط في النهاية بيسوع المسيح، بما عاشه وقاله وعمله.
ج- التقاليد التاريخية في يو
نودّ أن نذكر هنا ثلاثة أمور فقط: إطار حياة يسوع. تفصيلات طوبوغرافيّة. من الحدث إلى تفسير الحدث.
أولاً: إطار حياة يسوع
جعل الإزائيون نشاط يسوع يبدأ بعد توقيف يوحنا المعمدان (مر 1: 14). أما الانجيل الرابع فدلّ على حقبة عماديّة في رسالة يسوع. كان هو يعمّد ويوحنا يعمّد (3: 22-26؛ 4: 1-2). في الأناجيل الازائيّة، بدت دعوة الرسل الأولين المفاجئة، مدهشة بالنسبة إلى القارئ (مر 1: 16- 20 وز). أما يوحنا، فأرانا أن الرسل الأولين كانوا تلاميذ قدماء ليوحنا المعمدان، وقد ساروا مسيرة الايمان بشكل تدريجيّ (1: 35؛ 2: 11؛ 6: 67- 71).
تحدّث الازائيون عن صعود واحد ليسوع إلى أورشليم خلال حياته العلنية، وهو صعود انتهى بالحكم عليه وصلبه وموته. أما الانجيل الرابع فتحدّث عن أكثر من صعود، وهذا على حساب الرسالة في الجليل (4: 43-54؛ 6: 1 ي). هذا ما يساعد المؤرّخين على توزيع نشاط يسوع على سنتين ونصف السنة، لا على سنة واحدة كما تظهر الأمور في انجيل مرقس.
قالت الأناجيل الازائيّة إن يسوع احتفل بالعشاء الأخير مع تلاميذه. وفي يوم العيد نفِّذ فيه حكم الاعدام. ولكن هذه الفرضيّة تبقى غير معقولة من الوجهة التاريخيّة؟ فكيف يعود سمعان القيريني (مر 15: 21) من حقله "يوم العيد"؟ وكيف تتمّ محاكمتان في ذاك اليوم المجيد؟ أما يوحنا فيؤكّد أن يسوع أوقف ليلة العيد (28:18) وفي يوم التهيئة (19: 31). وما قدّمه يوحنا أخذ يفرض نفسه على الشرّاح شيئًا فشيئًا.
ثانيًا: تفصيلات طوبوغرافيّة
بعد الإطار، نعود إلى الأمكنة التي أوردها الانجيل الرابع، مع أن المؤرخين الأقدمين لم يشدّدوا مرارًا على تفاصيل محدّدة. فيوحنا ذكر أماكن لم يذكرها الازائيون. بيت عنيا التي في عبر الاردن (1: 28) وهي غير بيت عنيا، موطن لعازر وأختيه. قانا الجليل التي فيها حوّل الماء إلى خمر (2: 1، 11)، وشفى ابن عامل الملك (46:4). وذكر منابع عين نون (23:3)، قرب ساليم، وسيخار في السامرة (4: 4) مع بئر يعقوب الذي لا تزال آثاره حاضرة حتى اليوم داخل كنيسة روسيّة لم يكتمل بناؤها مدة طويلة. وذكرَ قريةَ أفرام حيث اختفى يسوع قبل آلامه (11: 54).
وكان يوحنا عارفًا معرفة خاصّة بطوبوغرافيّة أورشليم: بركة سلوام (9: 7)، والبركة ذات الخمسة أروقة في بيت زاتا أو بيت حسدا (5: 1-2) التي اكتشفتها حفريّات تمّت في القرن التاسع عشر. وأشار إلى وادي قدرون (18: 1)، والموضع المسّى ليتوستروتوس (في اليونانية) أو جباثا (في العبريّة أو بالأحرى الأرامية) (19: 13). سمّى الجلجلة موضع الجمجمة (في الأرامية: جلجثة) (19: 13). كما أشار إلى رواق سليمان (10: 13؛ رج أع 1: 12) وموضع الخزانة (8: 20؛ رج لو 20: 21).
لا شكّ في أن تحديد موقع المشهد لا يكفل القيمة التاريخيّة للخبر، ولكنه إشارة مع غيرها من الإشارات. فهناك تفاصيل يقدّمها يوحنا ولاسيّما في معرض الحديث عن المعجزات. قد يستلهمها المفسّر ليكتشف البُعد اللاهوتي للمشهد. ولكنها تبقى واقعية: ستة أجاجين في عرس قانا الجليل. العشب الأخضر في تكثير الأرغفة...
ونعطي أمثلة أخرى تلقي الضوء على تاريخيّة الانجيل الرابع. حسب مرقس، أطلق يسوع التلاميذ بعد أول تكثير للأرغفة (مر 6: 45). ولكنه لا يقول السبب الذي دفع يسوع إلى هذا العمل. أما يوحنا، فبيّن أن يسوع ما أراد أن يُشارك التلاميذُ الجمعَ في حماسهم الشعبيّ (6: 14-15). قالت الأناجيل الإزائيّة إن يسوع حاول أكثر من مرّة أن يجمع بني أورشليم كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، ولكنه اصطدم برفض سامعيه. هذا لا نفهمه في صعود واحد ليسوع إلى أورشليم كما يقول متّى ومرقس. بل في أكثر من صعود كما يقول يوحنا وربّما لوقا. عندئذ نفهم أن تكون محاكمةُ يوم الجمعة العظيمة المرحلةَ الأخيرة في دراما دامت ثلاث سنوات.
ثالثًا: من الحدث إلى تفسير الحدث
إذا أردنا أن نقدّر القيمة التاريخيّة للانجيل الرابع حقّ قدره، نتذكّر هدف الانجيلّ: هو يريد أن يقدّم شهادته في المحاكمة الكبرى التي تجعل العالم في وجه يسوع. فالشهادة ليست فقط إيراد حدث رأيناه أو سمعنا عنه، بل دخول شخصيّ والتزام في خدمة الحقيقة.
هنا نفهم الزمنين اللذين يشكّلان التاريخ. زمن يسوع وزمن التلاميذ الذين ترتبط حياتهم بحياة يسوع. هناك زمن الحدث وزمن تفسير الحدث على ضوء الايمان. هنا يعطينا الانجيليّ مفتاح قراءة النصّ على ثلاث دفعات. حين طرد يسوع الباعة من الهيكل، تفوّه بكلمة سريّة: " انقضوا، اهدموا (أي إذا نقضتم، إذا هدمتم) هذا الهيكل وأنا أقيمه في ثلاثة أيام" (2: 19). حين قال يسوع ما قال، لم يفهم أحد التلميح إلى موته، كما لم يتطلّع أحد إلى هذا الهيكل الجديد الذي فيه سيعبد المؤمنون الآبَ بالروح والحقّ (4: 23). ولكن يوحنا قال لنا إن التلاميذ تذكّروا ذلك بعد القيامة وفهموه. عند ذاك آمنوا بالكتاب وبالكلام الذي قاله (2: 22). وهكذا أتاح الايمان للمؤمن أن يربط بين حدث (أو: بين كلمة يسوع) وبين تتمّة هذا الحدث في زمن الكنيسة (ق 17:2).
ونلاحظ الشيء عينه في مشهد دخول يسوع إلى أورشليم: "ولم يفهم التلاميذ ذلك بادئ ذي بدء. ولكنهم، لما مجِّد يسوع، تذكّروا أن ذلك كُتب عنه، وأن هذا ما صنعوه له" (12: 16). وهنا أيضًا، تشير شهادة الانجيليّ إلى العلاقة بين حدث (أو: بين كلمة من الكتاب المقدس، زك 9: 9) وبين التمجيد الفصحيّ. وفي موضع آخر، نفهم كيف تحقّق الوعد بالمياه الحيّة (38:7) من خلال عطيّة الروح القدس للمؤمنين.
ولكن من يجعل التلاميذ يتذكّرون؟ من يقودهم في هذا التعميق اللاهوتيّ؟ البارقليط، الروح القدس. فهو روح الحقّ الذي يتيح للمؤمن أن يعود من زمن الكنيسة إلى زمن يسوع. هو المحامي عن الذين يشهدون (15: 27)، وهو يشهد ليسوع فيصل بالرسل إلى الحقيقة كلها (16: 13). إذن، لسنا أمام زمن الروح الذي يحلّ محلّ زمن يسوع. زمن الروح هو زمن اكتشاف غنى الوحي كله الذي تتضمّنه بشريّةُ الكلمة. وهكذا يظهر يسوعُ في قلب التاريخ كله بعد أن أعطاه العهد القديم كثافة واقعه التاريخيّ. فمنذ التجسّد ينير الكلمةُ البشر (1: 4)، وسيظل يفعل حتى اليوم الأخير، يوم القيامة العامة (5: 28-29).

خاتمة
تلك هي نظرة عامّة إلى انجيل يوحنا. وقد جاءت في ثلاث محطّات: عدنا إلى الخلفيّة الدينيّة في العالم اليونانيّ والعالم اليهوديّ، فرأينا في هذا الانجيل جوابًا على الفئتين اللتين يتحدّث عنهما بولس الرسول: اليهود واليونانيين. انطلق من هاتين الحضارتين وطعّمهما بكلام الانجيل، فاعتبر اليهود أن هذا الكتاب كتابهم. وحاول الغنوصيون أيضًا أن يسيطروا عليه ويحسبونه كتابًا من كتبهم. فتخلّت عنه الكنيسة الجامعة بعض الوقت. وفي محطة ثانية، قدّمنا اللاهوت اليوحناوي حول شخص يسوع المسيح وعلاقته بالآب، حول شخص المخلّص، حول الكنيسة. واكتفينا بالاشارة إلى الروح القدس في القسم الثالث. أما المحطة الأخيرة، فأردناها حوارًا بين عالم التاريخ وعالم الرمز. إن إنجيل يوحنا الذي هو أقرب الأناجيل إلى الجذور. إن إنجيل يوحنا الذي ذكر تفاصيل لم يذكرها الازائيون. إن إنجيل يوحنا الذي يرتبط بشاهد عيان هو التلميذ الذين كان يسوع يحبّه، وربما كان يوحنا. إن هذا الانجيل يغرز جذوره العميقة في التاريخ، في حياة يسوع، وأعماله وأقواله. ولكنه جعل نور الكلمة يلقي بكل شعاعه على هذا التاريخ فيجعل من تاريخ الانسان تاريخ الله. ومن تاريخ الله تاريخ الانسان. فلماذا نريد أن نفصل بين الاثنين؟ ولماذا نريد أن نضحّي بتاريخ الانسان من أجل تاريخ الله أو تاريخ الله من أجل تاريخ الانسان؟ فهذا الكلمة الذي هو لدى الله قد صار بشرًا فحمل تاريخ الله إلى البشر. وهو حين يعود إلى أبيه يحمل تاريخ البشر إلى الله. بل هو كل يوم يحمل تاريخنا بما فيه من ضعف وخطيئة فيصل به وبنا إلى سنة الألفين، بل إلى ألف ألف سنة وحتى نهاية العالم ومجيئه الثاني.