الجماعات اليوحناوية

 

ما زال الأدب اليوحناويّ يشكل لغزًا، لأنه يختلف كثيرًا عن سائر نتاج التقليد الكنسيّ. فإن "يسوع" في كتابات القديس يوحنا، الكلمة وابن الله، يبدو فريدًا، غريبًا، بالنسبة إلى "مسيح" متّى و"الربّ" عند بولس. ونقول الشيء عينه عن الجماعة (أو: الجماعات) اليوحناويّة التي لا نستطيع أن ندركها كما ندرك كنيسة متّى المسيحيّة المتهوّدة، أو كنائس بولس المسيحيّة الهلينيّة.

1- الجماعة اليوحناويّة وسائر الكنائس
إن الجماعة اليوحناويّة تبدو مختلفة عن الكنيسة المتاويّة، في المعنى الذي تستعمل فيه مرتين لفظة "كنيسة" (اكلاسيا) في مت، عن الجماعة أو "المجمع" الذي هو في امتداد مع شعب الله. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، فالجماعة اليوحناويّة التي هي مسيحيّة متهوّدة مع ردّة فعل قويّة ضدّ اليهود الذين لا يعترفون بالمسيح، تبدو مختلفة اختلافًا خاصًا عن كنيسة بولسيّة أو كنائس ورثت تقاليد بولس (رج كو؛ أف؛ أع؛ الرسائل الرعائيّة). في الواقع، لا تستعمل لفظة "اكلاسيا" في يو، ولا في 1 يو و2 يو، بل فقط في 3 يو. غير أن المرتبطين بالتقليد اليوحناويّ، ومع أنهم من أصل يهوديّ، يبدون وكأنهم لا يتساءلون عن العلاقة التي يجب أن يقيموها مع الشعب المختار بحسب خطّ يعقوب في أورشليم (حسب أع 15). أو بحسب بولس في روم 9- 11.
فمنذ البداية، القطيعة واضحة مع "اليهود" (الذين لا يقبلون بيسوع)، ومع "العالم"، بل نكاد نقول مع مؤمنين آخرين بيسوع لا يدخلون في أصالة الطريق اليوحناويّة. لهذا نحسّ بعض المرات في الكتابات اليوحناويّة بـ "تشيّع" يجعلنا نشعر أننا أمام عالم منعزل حتى بالنسبة إلى مؤمنين ليسوا بعدُ من "القطيع". تعلّقوا بالتلميذ الحبيب، لا ببطرس (الذي ستظهر صورته في ف 21) ولا بسائر الرسل (غابت لفظة "رسول")، فانغلقوا بعض الشيء على نفوسهم في يقين كرستولوجيا متسامية. حينئذ أرادوا أن يعلنوا هويّتهم الخاصة واختلافهم عن سائر التقاليد المسيحيّة، وبالتالي عن سائر الأناجيل. ومع ذلك، نادوا بوحدة القطيع مع يسوع (10: 16).
وتظهر هذه المسافة في الكتابة، في شكل خاص لهذا الانجيل (الذي لا يستعمل كلمة "إنجيل") الذي يختلف كل الاختلاف عن الازائيين في لحمته العامّة. وذلك حتى في استعادة عدّة أخبار يوحناويّة (تصل إلى العشرة) نجد ما يقابلها في سائر الأناجيل. مثلاً، الباعة المطرودون من الهيكل. ابن عامل الملك. تكثير الأرغفة. السير على المياه... ولا ننسى خبر الآلام. فكم من اختلاف مع الأناجيل الإزائيّة! فيسوع لا يتكلّم ولا يتصرّف في يو كما في مت، مر، لو، وهذا ما يُبرز الشعور بالغرابة.
فنحن أمام "عالم آخر"، حتى وإن طرحت كثرةُ التقاليد اليوحناويّة، المبعثرة في بعض المرات، أكثرَ من سؤال حول التماسك الأدبي في المجموعة. غير أن هذه التقاليد المختلفة التي نجدها داخل التقليد اليوحناويّ، تنغمر في محيط واحد خاصّ جدًا. إذن، ظلّ التقليد اليوحناويّ حيًا منذ انطلاقته المنسوبة إلى "التلميذ الحبيب" ثم التدوين الأخير في نهاية القرن الأول. وفي الوقت عينه، بدا هذا التقليد الواحد وكأنه ممزَّق من الداخل.

2- الانشدادات والانشقاقات في قلب الجماعة اليوحناويّة
رجع عدد من الأخصّائيين أقلّه إلى الحقبة الأخيرة من تدوين يو، فاكتشفوا أن بعض تلاميذ يوحنا واجهوا بعنف تلاميذ آخرين ينتمون أيضًا إلى التقليد اليوحناويّ. غير أن تأثير الحضارة اليونانيّة، تأثير غنوصيّة قبل الغنوصيّة كما يقول البعض، بدأ يظهر. فيسوع هذا الموحي الالهي، وصلت به الأمور بأن يخسر كل علامة عن بشريّته. وزادوا: ولحسن الحظ، ردّ صاحب 1 يو ثم 2 يو و3 يو على هذه الظاهريّة التي وُلدت. وكأني بالاعتراف الرفيع بكلمة الله (المسيح) حرّك لدى البعض محاولةً للتخفيف من وجه يسوع البشريّ. بعد هذا، أما تكون قادتنا إلى هذا النوع من الغموض، قراءةٌ للتقليد اليوحناويّ الأول؟ وبعد أن انتُزعت الجماعة اليوحناويّة من قبضة "معلمين كذبة" مثل ديوتريفس وديمتريوس اللذين تتكلّم عنها 2 يو و3 يو، استعادت مع ضعفها، هذا التوازن الجوهريّ فنسجت علاقات مع سائر الكنائس المرتبطة ببطرس (لهذا أضيف ف 21)، ومع سائر الأناجيل (وهكذا كانت رباطات بين لو ويو).
أ- الانشقاقات
ونقدّم بعفن التفاصيل متتبّعين تاريخ "المسار اليوحناويّ"، ومنطلقين من فرضيّة تعتبر أن 1 يو دوّنت بعد يو. إلى أي حدّ لا ينطلق فهم "غنوصيّ" لانجيل يوحنا من الانجيل نفسه؟ وهذا ما حرّك انشقاقات في قلب التقليد اليوحناويّ اللاحق. هذه التمزّقات الداخليّة التي تشهد عليها الرسائل اليوحناويّة (1 يو، 2 يو) تبيّن أن الجماعة كانت في خطر كبير، بعد أن ابتلعتها الغنوصيّة. فقد كان انشقاق: "خرجوا منّا ولكنهم ما كانوا منّا. فلو كانوا منّا لظلّوا معنا" (1 يو 1: 19).
لا شكّ في أن كرستولوجية الكلمة الموجود من الأزل، كما تسلّمها الانجيلي، اجتذبت البعض فحجبوا أو رفضوا الواقع البشري للمسيح (في لحمه ودمه) على حساب تأكيد على ألوهيته العالية والحصرية (هو فقط إله)، كما تقول 1 يو 2: 22: (من هو الكذّاب إلاّ الذي يُنكر المسيح. هذا هو الانتيكرست (المسيح الدجّال)، ذاك الذي ينكر الآب والابن". وفي 4: 2-3: "بهذا تعرفون روح الله. كل روح يعترف بأن يسوع المسيح جاء في الجسد (في لحم ودم) هو من الله. وكل روح يقسم (يشقّ) يسوع ليس من الله. إنه روح الانتيكروست". فلدى هؤلاء الخصوم، انفصل الكائن السماويّ عن الانسان يسوع، وهكذا رفضوا في الواقع تجسّده. وهكذا فُتحت الطريق أمام الظاهريّة حيث صارت بشريّة يسوع محض ظهور لا واقع. ثم إن هذا الانفصام الذي يلامس شخص المسيح ويحقّر بشريته، يجد تعبيرًا عنه في حياة المؤمن الذي يستسلم إلى الانفلات الأخلاقي لأن الجسد (ما هو بشري، بدني، من لحم ودم) لا ينفع شيئًا. وإذ ردّ صاحب الرسائل اليوحناويّة مع تابعيه على المعلّمين الكذبة، شدّد بالتالي على أن بشريّة المسيح "جاءت في الجسد" (في اللحم والدم). وأبرز موضوعَ "الوصايا التي تنظّم التصرّف المسيحيّ. وها نحن نحاول أن نحدّد الخطر.
ب- سلالة يو الغنوصيّة
وما ينيرنا في هذا الطريق ليس فقط الرسائل اليوحناوية، بل القراءات الغنوصيّة اللاحقة، أقلّه من أجل قراءة ناقصة لانجيل يوحنا، ولكنها قراءة تبقى "ممكنة". عند ذاك، يجب أن نتبع الكتابات الغنوصيّة في القرن الثاني وما بعد: مثلاً، في آسية الصغرى، استعادت "أعمال يوحنا" كرازة انجيليّة ليوحنا مع نشيد طويل من النمط الظاهريّ (ف 87-105). في هذا المجال، يصل بنا لاهوت الكلمة الذي قبل الزمن، إلى إلغاء جسد المصلوب الذي هو ظاهر ووهم. هنا نتذكّر أن أول تفسير معروف للمطلع اليوحناويّ (1: 1-18) يعود إلى مسيحيّ غنوصيّ عاش في القرن الثاني. وأن أقدّم مفسّر لانجيل يوحنا هو هرقليون الغنوصي وتلميذ ولنطينس. هذا يعني أن أرفع مظاهر اللاهوت المسمّاة لاهوت "التسامي" تستطيع أن تكون حاملة الموت إن لم يكن هناك اهتمام متواصل في توازن كرستولوجيّ، استُقي أولاً في هذا الجوّ الكنسيّ المسكونيّ الذي يجعل مختلف التقاليد تتواجه، وتصلح بعضها بعضًا لكي تتناسق.
هذا "الجو المسكوني الكتابي" يطبع بطابعه الطريقة التي بها ألِّفت الأناجيل الازائية: عمل مت في نص مر. ولو في نص مر. فكان المعين. ثم مت ولو. ونضيف تأثير التقليد اليوحناويّ على لوقا، وتقليد لوقا على يو كما يقول الأب بوامار الدومنكاني.
ج- فرادة الطريقة اليوحناويّة
ونعود إلى التقليد اليوحناوي الأول الذي يعكسه هذا الانجيل. هل نستطيع أن نحيط إحاطة أفضل بفرادة هذا التقليد بالنسبة إلى سائر الجماعات المسيحيّة، والخيارات الكبرى، ومختلف الاتجاهات التي كانت تشقّ طريقها حينذاك في الجماعات الأولى. وإن أردنا أن نوضح الوضع، نبدأ بالمقابلات بقدر الامكان. كيف (أو بم) يختلف التقليد اليوحناويّ عن تقليد سائر الكنائس؟ سؤال مهمّ جدًا، لأن أول الأوساط المسيحيّة المتهوّدة قد بدت متنوّعة في أصلها: اختلف "العبرانيون" عن اليهوديّة الهلينيّة في أورشليم (أع 6: 1-2)، واختلف الاورشليميون (نجد وجههم في لو ويو) عن الجليليين (نجد وجههم في مر ومت). وهناك مؤمنون من أصل معمداني، فرّيسيّ (أع 15: 1-2؛ يو 3: 1؛ 7: 5؛ 39:19) أو من أصول أخرى. وهناك يهود مهلينون قريبون من السامرة، من أنطاكية...
تظهر الاختلافات بين هذه المجموعات المسيحيّة بالنظر إلى عدّة عوامل: علاقتها مع يوحنا المعمدان وتبّاعه. موقعها بالنسبة إلى الهيكل، بالنسبة إلى شريعة موسى، بالنسبة إلى الآتين من الأمم، بالنسبة إلى تنوعّ الاتجاهات المسيحيّة المتهوّدة والمسيحيّة المهلينة. هكذا نستطيع أن نفهم الوضع فهمًا أفضل، وعن طريق التعارض، على مستوى الجماعة اليوحناويّة.
نلاحظ عند يوحنا الاستعمال المتواتر للفظة "يهود" للدلالة على المعارضين بشكل عام. وهذا ما يتضمّن فكرة القطيعة مع سائر اليهود الذين ما تقبّلوا المسيح. وتبدو الظاهرة عينها عند بولس في 1 تس، وذلك منذ سنة 51. وذلك في وقت لم يكونوا قد قبلوا فيه بلفظة "مسيحي" في كل مكان. أما يوحنا فيتكلّم بالأحرى عن "التلاميذ" الذين استبعدوا من المجامع (يو 9: 22؛ 12: 42؛ 16: 2)، حُرموا، اضطهدوا. ومع ذلك، ظلّوا متعلّقين باسرائيل. نسمّي هؤلاء في لغة اليوم "المسيحيين المتهوّدين" لكي نميّزهم عن "المسيحيين الهلينين" (الذين هم من أصل وثنيّ). ولكن هؤلاء المسيحيين المتهوّدين، شأنهم شأن المسيحيين الهلينين، ما كانوا يشكّلون مجموعة موحّدة.
وإذا عدنا إلى النصوص البولسيّة بشكل خاص، نكتشف على الأقلّ أربعة اتجاهات كبرى لدى المسيحيين المتهوّدين واتجاهين لدى المسيحيين الهلينين. فالسؤال المطروح هو التالي: كيف يتحدّد موقعهم بالنسبة إلى الشريعة، وبالتالي بالنسبة إلى الأمم؟ وها نحن نقدّم الوضع في رسمة سريعة.
أولاً: لدى المسيحيّين المتهوّدين
* التقليديون أو الجذريون. يتبعون الشريعة وفرائضها كلها، فيدعون المؤمنين الآتين من الأمم إلى الانضمام إلى الشعب المختار بعد أن تُوِّج الآن مسيحُه.
* أولئك الذين يقبلون بتسوية فيميّزون الشعب المسيحاني (المسيحيون المتهودوان) من "شعب آخر" يؤمن بيسوع، هم المسيحيون الهلينيون (أع 15: 14).
* أولئك الذين تأثّروا بالحضارة الهلينيّة في خطّ بولس: الايمان، لا الشريعة، هو الينبوع الوحيد للخلاص. إذن، المسيحيون الهلينيون ليسوا مواطنين من الدرجة الثانية بالنسبة إلى المسيحيين المتهوّدين.
* المتحرّرون الذين ينكرون يهوديّتهم كما في 1 كور 7: 18-19: "أدُعي أحد وهو مختون، فلا يتظاهر بالقلف. أدُعيَ أحد وهو في القلف، فلا يختتن. ليس الختان بشيء، ولا القلف بشيء، بل حفظ وصايا الله".
ثانيًا: لدى المسيحيين المهلينين
* "المتهودون". هم وثنيّون صاروا من "خائفي الله" في إطار المجمع. آمنوا الآن بيسوع ولكنهم ما زالوا يسيرون بحسب الشريعة كما يفعل اليهود.
* أناس من الأمم جاؤوا مباشرة إلى الايمان.
ونقدّم بعض الايضاحات. فالنزاع بين بولس وخصومه يشير بشكل مباشر إلى الرسالة، التي هي رسالتان، رسالة تجاه اسرائيل ورسالة تجاه الأمم. كيف تتمّ هذه الرسالة بأفضل الظروف؟ تلك هي المسألة الأساسيّة للجميع. لا مسألة أولئك الذين يهمّهم نشر الرسالة وأولئك الذين ينغلقون على نفوسهم. ولكن من يستقبل هؤلاء الجدد الآتين من الأم؟ هل يجب أن ينسلخوا عن عالمهم الذي عرفوه أمس ليدلّوا على ولائهم اليوم لاسرائيل المسيحاني، وبالتالي لينحصروا بشكل عمليّ في العالم اليهوديّ أو المسيحيّ المتهود؟ ولكن إن قبلنا هؤلاء الآتين من الأمم وما ربطناهم ربطًا عضويًا بالشعب المختار، أما نقع في خطر بأن نحطّم الرسالة لدى شعب اسرائيل ونحتقر مسيحه؟
مثل هذه المواضيع لا تظهر أبدًا في قلب التقليد اليوحناوي. بل نحسّ للوهلة الأولى أننا أمام جماعة تعيش القطيعة مع اليهود مع الاسرائيل الذي لم يتقبّل المسيح، وكأننا مع عالم "شرير". فهناك تنكّر للشريعة. نقرأ في 8: 17؛ 10: 34: "شريعتكم" (أنتم أيها اليهود، لا شريعتنا). وفي 15: 25: "الكلمة المكتوبة في ناموسهم" (هم اليهود). وإذ كان موضوع إرسال الابن قد برز بشكل قويّ (3: 17)، فموضوع إرسال التلاميذ ليس بارزًا ما عدا في 4: 38 (أرسلتكم لتحصدوا ما لم تتعبوا فيه)؛ 17: 18 (كما أرسلتني إلى العالم، أنا أيضًا أرسلتهم). والمرّة الوحيدة التي فيها يستعمل يو لفظة "ابوستولوس" (رسول، 13: 16: ما من رسول أعظم من مرسله)، فهو يستعملها ليشدّد على أن المرسل ليس أعظم من الذي يرسله.
وبمختصر الكلام، إن خاصيّة كتابة يو ومواقفه حول الشريعة والعالم، تجعلنا نفكّر بمجموعة مسيحية متهوّدة، بمجموعة منعزلة وملتمّة حول التلميذ الحبيب، وذلك قبل أن توسّع أفقها فتشدّد عل وجه بطرس ولاسيّما في ف 21. 
ولكن هل نستطيع أن نحدّد نسيج هذه الجماعات اليوحناويّة، انطلاقًا من عناصر مأخوذة من هذا التقليد؟
د- الجماعة (أو الجماعات) اليوحناويّة
نتبع هنا ريمون برون في كتابه حول "جماعة التلميذ الحبيب"، فنميّز بين أولئك الذين لا يؤمنون بالمسيح والذين يتقبّلونه (ولو بطرق مختلفة). نبدأ فنتحدّث عن القطيعة مع اللامؤمنين، ثم عن الخلافات بين المؤمنين.
أولاً: الذين يرفضون يسوع
* إذا توقّفنا عند الذين لا يقبلون يسوع، نذكر أولاً بعض تلاميذ يوحنا المعمدان (رفضوا أن ينضمّوا إلى مجموعة يسوع) والتلاميذ الذين خرجوا من حلقة المعمدان (مثل اندراوس)، وظلّوا يسمّون المعمدان مرسَل الله أو النبيّ الاسكاتولوجيّ الأخير، على مثال إيليا، أو النبيّ الذي يرسله الله "مثل موسى". إذن، قد يكون يوحنا المعمدان المسيح، مثل هؤلاء الأنبياء (أو الأنبياء الكذبة) الاسكاتولوجيين في ذلك العصر. لهذا، اهتم الانجيلي بأن يُنكر المعمدانُ نفسه مثل هذه الادّعاءات. ليس يوحنا "النور" (1: 8). ليس "المسيح" ولا "النبيّ" (1: 19-27). ليس "العريس" بل "صديق العريس" (3: 29). فالتقليد اليوحناويّ (ومثله التقليد الإزائيّ) يشدّد منذ البداية على الفصل الواضح بين يسوع والمعمدان. انفصل بعض التلاميذ عن المعمدان، كما فعل أندراوس أخو سمعان (1: 40). ولكن جماعة المعمدان ظلّت حيّة، فاعتبرت المعمدان "المسيح". فهم، في نظر التقليد اليوحناويّ، رفضوا أن يعترفوا ملء الاعتراف بيسوع، في إطار كرستولوجيا عالية: "أنا رأيت وشهدت أنه هو ابن الله" (1: 34). في يو، صار المعمدان أوّلَ المؤمنين.
* بين الذين ينكرون يسوع، نرى أيضًا اليهود الذين يرفضون سلطته التي يجدونها غير معقولة وغير مقبولة. إن لفظة "يهود" ترد مرّات عديدة في يو مع لهجة عداء بارزة. لاشكّ في أن القطيعة مع "اليهود" برزت بشكل تدريجيّ إلى أن انتهت بطرد المسيحيين من المجامع: "يطرد من المجمع كل من يعترف بأن يسوع هو المسيح" (9: 22؛ رج 12: 42؛ 16: 2). مثل هذا "الحرم" قد جاء في زمن متأخّر، في نهاية القرن الأول. في الواقع، إن ممارسة مثل هذا الحرم تبدو غريبة في وسط يهوديّ، مع أن الطرد من مجمع خاص، أو من جماعة خاصة (مثل جماعة قمران) قد عُرف بشكل واسع.
* متّى تمّت القطيعة
يبقى علينا أن نعرف متى كانت القطيعة بين المسيحيين اليوحناويين واليهود (أو اليهوداويين)، بين المسيحيين وأبناء إبليس هؤلاء (8: 44). يرتبط الجواب على هذا السؤال بثلاثة عناصر على الأقل:
- إن الحركة العماديّة (ربطت فعلة الماء بفعلة غفران الخطايا) سبق لها وتساءلت عن الهيكل الذي اعتبر نفسه قادرًا على تأمين هذا الغفران (كيبور والذبيحة عن الخطيئة). كانت فعلة المعمدان تزاحم الهيكل بشكل من الأشكال. وموقف يسوع اليوحناويّ بالنظر إلى الهيكل والذبائح الدموية، جاء قاطعًا بشكل أكبر، فدلّ على فصل واضح مع العالم اليهوديّ في ذلك الوقت. وليس من قبيل الصدف أن يجعل الانجيلي خبر "الباعة المطرودين من الهيكل" في بداية عمله، وبألفاظ أعنف من تلك التي نجدها في الأناجيل الإزائيّة (2: 13-22). وفي موضع آخر، يرفض يسوع هيكل أورشليم كما يرفض هيكل جرزيم ليعلن العبادة بالروح والحقّ (4: 21- 24).
- والعنصر الثاني: إن المسيحيين اليوحناوين لا يراعون السبت في الظاهر، على مثال يسوع الذي "يتجاوزه" (18:5؛ 7: 23). بل إن الشريعة خسرت اعتبارها، ولاسيّما حين يهاجم يسوع "شريعتكم" أو "شريعتهم" (هي لم تعد شريعتنا): "أما كُتب في ناموسكم" (8: 17)؟ ولكن حدث هذا دون التعرّض لوجه موسى (1: 17، 45؛ 7: 19).
- والعنصر الثالث هو أساسيّ جدًا لفهم الحركة اليوحناويّة: متى أعلنت الجماعة اليوحناويّة "الكرستولوجيا العليا" حيث يتحدّث يسوع عن "الله كأبيه، ويعتبر نفسه مساويًا لله" (18:5)؟
* قطيعة مع "العالم"
وأخيرًا، تبدو قطيعة المسيحيين اليوحناويين مع "العالم"، واضحة. فلفظة "كوسموس" لا تُقرأ دومًا بشكل تحقيريّ. ومع ذلك، فهذا المعنى التحقيريّ يسيطر بالأحرى في عنف ثنائيّة جادّة على مثال ما في العالم الاسياني (ثم الغنوصي). فالعالم ما "عرف" يسوع (1: 10). "أبغضه" (7: 7؛ 15: 18- 19). "ما تقبّل روح الحقّ" (7:14). ظلَّ تحت سلطة "رئيس هذا العالم" (14: 30؛ 16- 11؛ رج 1-2 يو). ولكن يُطرح السؤال مجدّدًا: هذه القطيعة مع العالم متى فرضت نفسها على تلاميذ الانجيليّ؟ أفي حقبة متأخرة، ساعت غاصت الجماعة في العالم اليوناني (في أنطاكية أو في أفسس)؟ أفي ردّة فعل على محيط عابد للأوثان؟ أما أحسّ المؤمنون حينذاك أنهم خارج العالم (19:15؛ 17: 14)؟ وهذا ما يطرح على بساط البحث علاقة هذه الجماعة مع الأمم. لا شكّ في أن بعض اليونانيين قد قُبلوا وانضمّوا إلى المجموعة اليوحناويّة (7: 35؛ 12: 20). غير أن الجماعة اليوحناويّة ليست حاملة رسالة إلى البعيد. لهذا تناساها (أو كاد) الخبر اللوقاوي عن الرسالة المسيحيّة في أعمال الرسل.
ثانيًا: الذين يقبلون يسوع
إذا انطلقنا فقط من كتابات يوحنا، يصعب علينا أن نميّز المسيحيين اليوحناويين عن سائر المجموعات المسيحيّة.
هل نضع في مجموعة خاصة هؤلاء المسيحيين الذين بدا إيمانهم سريع العطب، هؤلاء "الرؤساء" الذين خافوا من الفريسيين فما تجرّأوا أن يعترفوا بيسوع "خوفًا من أن يطردوا من المجمع" (12: 42). "فالتلاميذ" (66:6) و"إخوته" (7: 5) أنفسهم ما كانوا يؤمنون به. و"اليهود الذين آمنوا به" (8: 31) بدوا بعيدين عن الحقيقية. فهناك إيمان وإيمان.
قد تبدو الأرضيّة متينة حين نتحدّث عن أولئك الذين اكتفوا بـ "كرستولوجيا سفلى" دون التشديد على ألوهيّة المسيح. ولكن حين نشدّد على "كرستولوجيا عليا" نجد التحفّظات العديدة.
وأخيرًا، تبدو النصوص المتعلّقة بوجه بطرس (6: 67-68؛ 21: 1 ي)، والمتحدّثة عن علاقة بطرس بالتلميذ الحبيب (13: 22، 26؛ 18: 15-16؛ 2:20-10؛ 7:21)، وكأنها صدى لرباط (وربّما لمسافة) بين الجماعة اليوحناويّة ووسط بطرسيّ نجده في مت. فالتلميذ الحبيب يتفوّق على بطرس في قلب الانجيليّ، وان وجب عليه أن يفتح له المجال ويتركه يمرّ قبله (20: 5-6).