النزول والصعود أو اللغة المكانيّة في الانجيل الرابع

 

كما نجد قبر المسيح قرب الصليب، كذلك يكون موضع الصلب أيضًا قرب موضع القيامة. وفي أورشليم، بازيليك القبر المقدّس تسمّى أيضًا بازيليك القيامة. هذا ما يعطينا صورة عن النظرة اليوحناويّة التي بحسبها كانت القيامة جزءًا لا يتجزّأ من الآلام. والتي فيها يكون الموت عينه في نظر يوحنا ارتفاعًا في المجد، في ساعة الموت. فساعة يسوع تضمّ الزمانين في السرّ الفصحيّ: فابن الانسان "نزل" في وسط الجنس البشريّ، ولكن ليحمل أخصّاءه في "صعوده" نحو الآب، ويُدخلهم إلى شكل جديد من الحياة (1: 11-13). فهذا الخطّ من العودة الصاعدة يمرّ في ارتفاع الصليب.
من المهمّ جدًا أن نحدّد موقع هاتين اللفظتين الرمزيّتين في بنية الانجيل الرابع. نحن أمام رمزيّة تتركّز تركّزًا عميقًا في الفكر البشري. ومع ذلك، فمنذ اكتشاف دوران الأرض، نحن نعرف أن السماء لا يمكن أن تكون "فوق" بالنسبة إلينا. بما أن الأرض تدور، فما هو "فوق" عند الظهر، سيكون بالطبع "تحت" في نصف الليل. ولكن في نظر الساميين القدامى، كانت الأرض المركز اللامتحرّك للكون. إذن، كان يجب علينا أن نصعد ونعبر السماوات، ولاسيّما قبّة السماء، لنذهب من الأرض إلى السماء والعكس بالعكس. ومع ذلك، فهذا التمثّل التشبيهيّ يعبّر عن خبرة دينيّة عميقة. فالإله الحيّ هو في الوقت عينه ذاك الذي لا نصل إليه والقريب جدَا، ذاك البعيد في سمائه والقريب في تاريخنا. هو المتسامي والملازم لنا.
لا نجد في الانجيل أي أثر لمسيرة فيزيكية لمرسل إلهي، ولا لمسيرة النفوس عبر المساحات السماويّة. إذن، يتميّز يوحنا عن كل فكر غنوصيّ، لأن اللقاء بين السماء والأرض يبدأ في داخل تاريخنا. فـ "إلى العالم" جاء الكلمة لكي يخلق لنا مساحة جديدة. هو مركز هذه المساحة لأن فيه قد فُتحت لنا السماء منذ الآن. فلا مسافة يصعب اجتيازها بين "فوق" وبين "تحت".
ويستطيع التمثّل المصوّر أن يفترق عن كل سند ماديّ. وهذا ما نقدر أن نلاحظه مثلاً في المقابلة بين خبرين: لقاء يسوع مع نتنائيل (1: 51) وحلم يعقوب (تك 28: 12). في سفر التكوين "نُصب سلّم على الأرض ولامس رأسه السماء. وكان الملائكة يصعدون عليه وينزلون". عند يوحنا، ألغيت بكل بساطة هذه الصورة الجميلة، صورة السلم السماوي: "أقول لكم: سترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون فوق ابن الانسان".
ولكن يبقى أن الملائكة يصعدون قبل أن ينزلوا، ساعة كنا ننتظر عكس ذلك. فقد أخذت الصورة من الناس الذين يتوسّلون السلّم لكي يصعدوا على سقف البيت ثم لينزلوا من هناك. لا يهتمّ يوحنا بماديّة هذه الصورة. بل هو يريد قبل كل شيء أن يبيّن أن حلم يعقوب صار حقيقة مستمرّة بالنسبة إلى المؤمنين. فلغته الرمزيِّة تفترق كليًا عن التمثّلات المكانيّة لدى الغنوصيّين، لأن الولادة "من علُ" تتيح لنا أن نبقى في العالم دون أن نكون من العالم.
"فمن يقدر أن يصعد إلى السماء سوى ذاك الذي نزل منها" (3: 13)؟ هذا التمثّل المصوّر "للنزول من السماء" هو بشكل أكيد عبارة أساسيّة في الخطبة حول نجز الحياة (ف 6). وتجاه منّ البرية، كشف يسوع خبزَ السماء الحقيقيّ، لأنه ينزل من السماء ويعطي الحياة للعالم. في هذا النصّ الكبير، ينطبق فعل "نزل" سبع مرات على المسيح، إمّا شخصيًا وإمّا في رمز الخبز. وفي النهاية، أعلن يسوع للسامعين الذين تشكّكوا: "ماذا تقولون حين ترون ابن الانسان صاعدًا إلى حيث كان من قبل" (62:6)؟ فقبل الصعود بالذات، يمرّ هذا الصعودُ عبر تمجيد الصليب. فبين التجسّد وتمجيد الصليب والحضور الافخارستي، ونجد هنا تواصلاً لا يحمل أية قطيعة مكانيّة. ويُشرَح هذا التمثّل المصوّر بمجموعة الانجيل الكبرى. في قسم أول، تظهر مسيرة المسيح بشكل نزول: منذ تجسّد الكلمة، يبدأ نزول من السماء حتى النزول إلى كفرناحوم من أجل الخطبة حول خبز الحياة التي هي النقطة الأخيرة في التجسّد. وفي قسم ثان، يبدأ الصعود، منذ الصعود إلى أورشليم (7: 10) حتى الارتفاع على الصليب والصعود النهائيّ إلى الآب (20: 17). هذه المسيرة هي لاهوتيّة، أكثر منها جغرافيّة، ولا تتضمّن أبدًا فصلاً مكانيًا بين "عالمين اثنين". فنزل وصعد لا يدلاّن على مجرّد تنقّل في المكان، بل دخول الكلمة دخولاً تدريجيًا في عالمنا. 
ونبدأ فنتوقّف عند نصوص تشير إلى صعود يسوع إلى أورشليم في عيد المظال: "حيث أمضي لا تستطيعون أن تمضوا... أنتم من أسفل وأنا من أعلى. أنتم من هذا العالم وأنا لست من هذا العالم" (8: 21-23).
يسوع ينزل ويصعد بحسب هذه النصوص. وحيث يمضي لا يستطيع اليهود اللامؤمنون إن يتبعوه دون أن يمرّوا عبر ارتداد جذريّ (8: 21). غير أن هذا الوضع ليس بدون دواء، وكأنه مصير رُسم مسبقًا لكل واحد منهم. فكل انسان يستطيع بكامل حرّيته أن يختار طريقه مع المسيح. أما المؤمن الذي ينخرط في هذا "الخروج" الجديد، فعليه أن يُرفع هو أيضًا على الصليب ليتّجه "إلى ما هو فوق، لا لما هو على الأرض" (رج كو 3: 1) حيث تلتقي التمثّلات اليوحناويّة والتمثلات البولسيّة. لقد اعتدنا كل عادة على هذه اللغة، فيصعب علينا أن نستخلص منها طوعًا المعنى الرمزيّ. ولم تعد القضيّة في أن نتمثل السماء كموضع كوني. بل كحياة حميمة مع الله.
وما يلي من النصّ يحدّد ارتفاع المسيح وارتفاع المسيحيّ في منظار شخصانيّ: "فالذي أرسلني هو معي. وما تركني، لأني أعمل دومًا ما يرضيه" (29:8).
نحن من فوق، فوق المسيح، حين نُنقل إلى هذا الشكل الجديد من الحياة، ونصنع دومًا ما يرضي الآب. فما تحقّق مرّة واحدة للجميع في شخص المسيح حين جمع العالم العلويّ والعالم السفليّ، يجب على كل واحد منا أن يتركه يتحقّق في ذاته لئلا يبقى "وحده أبدًا". هكذا يتجاوز الانجيل تمثّلات الغنوصية الثنائيّة حيث يُقسم الكون إلى منطقتين لا تتداخلان.
ونصل إلى ف 12 حيث جاءت الساعة بالنظر إلى يسوع، لكي يواجه "رئيس العالم". "الآن رئيس هذا العالم يُلقى خارجًا. وأنا متى رُفعت عن الأرض اجتذبت إليّ جميع البشر" (12: 31-32).
فمع أن الصور قد تكون أخذت من عالم السطر، فدينونة هذا العالم تتمّ هنا دون أي حرب بين المخلّص ورئيس هذا العالم. فالمهمّ هو أن محنة الصليب ليست سقوطًا في الهاوية، بل انطلاقة إلى الحياة. ويدلّ ولْي النصّ أن الفكر الشعبيّ لدى اليهود (وهو يشبه ما عند المسلمين) لا يقبل بهذه المحنة تصيب مسيحه بارتفاعه على الصليب (8: 34). ومع ذلك فالارتفاع ضروريّ (يجب)، لأنه بدون هذا الارتفاع يبقى عمل المسيح عملاً بشريًا محضًا وذات بُعد واحد. فلا يكفي أن ينزل ابن الانسان إلى وسط المعمعة البشريّة. بل عليه أن يصعد إلى حميميّة الآب. وهذا الخطّ من الصعود الذي تحدّثنا عنه في البداية يمرّ في تمجيد الصليب، لا في موضع آخر.
هي ساعة العبور من هذا العالم إلى الآب. والبداية الاحتفاليّة في ف 13 تجمع السمات الجوهريّة لهذا المقطع الذي يشكل السرّ الفصحيّ: "حين علم يسوع أن ساعته أتت لكي ينتقل من هذا العالم إلى الآب، أحبّ خاصته الذين في العالم، أحبّهم إلى الغاية... عرف أنه جاء من الله وإلى الله يمضي" (13: 1-3).
قبل ذلك الوقت، وعد يسوعُ المؤمن أنه يعبر من الموت إلى الحياة (5: 24). والآن يمرّ يسوع نفسه من هذا العالم المائت إلى حياة الآب الذي هو حيّ دائمًا. هذا لا يُبرز فقط الانطلاقَ الاحتفاليّ، بل مجموعة مسيرة يسوع الذي يقود أخصّاءه من أسفل إلى أعلى، نحو الآب، عبر الصليب والقيامة. لا شكّ في أنه ليس هناك من فصل بين عالمين. فالابن لا يعود إلى حضن الآب وكأنه يرذل تجسّده في العالم. فبالأحرى هو يمضي إلى الآب حاملاً في طريقه البشريّة التي يبقى على الدوام متضامنًا معها.
وظهورات القائم من الموت (ف 20) لا تكشف لنا فقط قيامة يسوع، بل تكشف بشكل خاص حضوره الذي تجلّى والذي لا يقدر أن يدركه سوى من ينظر نظرة الايمان.
أخطأت مريم المجدليّة حين أرادت أن تحتفظ به في وضع المائت. فاجتذبها يسوع إلى نمط جديد من العلاقات: "لا تمسكيني، لأني لم أصعد بعدُ إلى أبي... إمضي إلى إخوتي وقولي لهم إني صاعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم" (17:20).
لا يشير بلاغ يسوع هذا إلى الصعود في اليوم الأربعين، كما يشدّد عليه بعض الشرّاح. بل يشير إلى مجمل الواقع الفصحيّ في أعمق مدلوله. وصعود يسوع إلى ينبوع الحياة الذي منه نزل إلى البشر، يتوخّى تبادلاً عجيبًا: يعطيهم سلطانًا به يصيرون أبناء الله. فأخبار القيامة لا تكشف انفصالاً، بل اتحادًا مع المسيح القائم من الموت. لهذا لا يصحّ أن نتخيّل الظهورات بصورة مكانيّة، وكأن المسيح ينتقل دومًا من عالم إلى آخر، أو هو سيعتزل في سمائه بين ظهورين. بل هو الآن حاضر في كل نقاط الكون، حاضر بالضرورة التي بها يكون الله حاضرًا لخليقته في كل مكان. ذاقت مريم المجدلية طعمًا مسبقًا لهذا الحضور الجديد ساعة اللقاء في البستان.
ويتوضّح المعنى المكاني للألفاظ بشكل أكبر أيضًا في خطب الوداع. هنا، يُستعاد موضوع الطريق بحيث إن التمثّل المكاني يُمَّحى إمّحاء كليًا: "أنا هو الطريق والحقّ والحياة. لا يأتي أحد إلى الآب إلاّ بي" (14: 6).
إذن، يجب أن نطلب المسيح، نجده، نصعد، وفي النهاية نقيم معه في حميميّة الآب. ونستطيع أن نعبّر عمّا هو جوهريّ اليوم في لغة انتروبولوجيّة: فالمسيح يعيش خبرة حميمة مع الآب فيها يجتذب كل من يريد أن يتبعه.
وننهي بشكل موجز مع مطلع الانجيل اليوحناوي، هذا النصّ العظيم الذي يبدأ وينتهي حين يرينا الكلمة لدى الله (1: 1) والابن في حضن الآب (1: 18). وبين هذين الانفتاحين على اللامحدود، تصوّر رسالةُ الكلمة وسط البشر. "كان في العالم، والعالم وُجد به... جاء إلى خاصته... وأعطى جميع الذين قبلوه سلطانًا به يصيرون أبناء الله" (1: 10-12).
هذه الحركة الرمزيّة من النزول من عند الله والصعود إلى الله، تقابل النصّ الشهير الذي نقرأه في 28:16، وفيه يعلن يسوع: "خرجت من الآب وجئت إلى العالم. والآن أترك العالم وأمضي إلى الآب". ومع ذلك، فالكلمة كان في العالم، والعالم وُجد به. فإن أتمّ الكلمة هذا العبور، ففي طريقة بها يعلن أنه يجتذبنا معه إلى عالم جديد من الحياة. ونستطيع أن نكتشف في المطلع بنية "الآب- العالم- الآب"، ونستطيع أن نرسم هذا في خط قطعيّ موافق يلامس أساسُه الأرض ويمتدّ فرعاه إلى اللامحدود. كل شيء ينطلق من الله، وبالتجسّد يعود كل شيء إليه.
ليس هناك من جهة أولى الله، من جهة ثانية العالم: هناك الله الذي يعمل في العالم. بما أن الكلمة هو في بيته في كل مكان، فالثنائيةّ اليوحناويّة الظاهرة ليست كونيّة كما في الغنوصيّة. فالثنائيّة هي اسكاتولوجيّة وأخلاقيّة، لأنها تقيم في قلب كل انسان، وهو ضعيف وخاطئ، ولكنه يستطيع أن يرتدّ إلى الله ويتّحد به. فالانسان يستطيع أن يختار حرًا طريق المسيح. ولكن عليه أن يتقبّل وضعه الجديد "من فوق" كعطيّة الولادة الجديدة. ومع ذلك، فالتمثّلات المكانيّة في الانجيل الرابع، ليست صورًا وحسب. فإن كان الكلمة يعمل في المكان والمدى البشريّ، فلكي يجعل حدود الكون تتفجّر ولكي يمنح الوضعَ البشريّ بُعدًا جديدًا.