الآيات والأعمال: عمل الآب والابن

 

أنهى يوحنا إنجيله مشيرًا إلى الهدف الذي دفعه لكي يكتب كتابه: "وأتى يسوع أمام التلاميذ بآيات أخرى كثيرة لم تكتب في هذا الكتاب، وإنما هذه كُتبت لتؤمنوا بأن يسوع هو المسيح ابن الله، ولتكون لكم إذا آمنتم الحياة باسمه" (يو 20: 30- 31). نلاحظ في هذه الخاتمة أن الدافع الأساسي لكتابة الانجيل الرابع هو الكشف عن شخصيّة يسوع بواسطة الآيات.
غير أن الانجيلي الرابع أورد الأعمال التي صنعها يسوع ليكشف عن علاقته بالآب؛ هكذا تظهر إلى جانب الآيات مجموعة أخرى من الأعمال التي يعملها يسوع ويشرح معانيها ليتوصّل المؤمنون إلى التعمّق بعلاقة الآب بالابن.
سنحاول في عرصنا أن نوضح موقع الآيات والأعمال في الانجيل الرابع، ثمّ سنستعرض علاقة الآب بالابن كما ظهرت من خلال هذه الآيات والأعمال.

1- موقع الآيات والأعمال في الانجيل الرابع
أ- الآيات في الانجيل الرابع
بدأ يسوع حياته العلنية كاشفًا عن نفسه بواسطة الآيات، فصنع في قانا أولى آياته (2: 11) كما أنّ شفاء ابن الضابط الملكي هو الآية الثانية التي صنعها يسوع (4: 54)؛ هذا وقد آمن كثير من اليهود لمّا رأوا الآيات التي أتى بها (23:2). الآية في انجيل يوحنا ليست برهانًا لغير المؤمن حتى يصل إلى الايمان؛ إنها وسيلة وحي متوجّهة إلى جميع الذين يريدون أن يؤمنوا؛ هكذا تحمل الآية معنى روحيًا عميقًا ولها قيمة نبويّة.
ب- الأعمال في الانجيل الرابع
يُغيّر يوحنا مفهومه للآيات ابتداءً من الفصل الخامس من انجيله ويبدأ بالحديث عن أعمال يسوع فتُصبح الآيات في الدرجة الثانية؛ إن هذا التغيير في التعابير ليس نتيجة الصدفة، فالأعمال تدلّ على مرحلة جديدة من الوحي تختلف عن المرحلة الأولى التي سيطرت فيها الآيات.
في هذا الإطار نستغرب لدى قراءة الانجيل الرابع أن يسوع لا يُسمّي المعجزة التي يعملها: آية؛ فكلمة آية نجدها في تعليق الانجيلي أو على لسان الناس. يفضّل يسوع أن يسمّي معجزاته أعمالاً لذلك يقول لليهود: "إنّ الأعمال التي وكل إليّ الآب أن أتمّها هذه الأعمال التي أعملها هي تشهد لي بأنّ الآب أرسلني" (5: 36).
إنّ الأعمال هي الوسيلة الفضلى التي تكشف عن هوية يسوع وهي تلقي الضوء على المعنى الحقيقي لشخصيّته ولعلاقته بالآب.

2- الآيات تكشف عن المسيح
من الصعب تحديد معنى الآية في انجيل يوحنا؛ للوهلة الأولى نلاحظ أنّ الآية هي عمل خارق مبهر للعقول وهي بالتالي تقود البعض إلى الايمان (2: 11، 23؛ 6: 2). حين رأى الناس الآيات علموا أنّ يسوع هو النبي الآتي إلى العالم (6: 14) واكتشفوا أنه المسيح (7: 31؛ 12: 13، 18)؛ لذلك أرادوا، بعد تكثير الخبز، أن يُقيموه ملكًا لأنهم اعتبروا أنّ يسوع ليس بعيدًا عن مفهومهم للمسيح المنتظر.
لم يتطابق يسوع مع تفكير اليهود الخاطئ عن المسيح المنتظر. فهم ينتظرون المسيح الملك الزمني لذلك لن يستطيعوا أن يفهموا معنى آيات يسوع لأنّ لها مدلولاً آخر يختلف عن تفكيرهم وانتظارهم. إنّ الآيات تكشف عن شخصية يسوع أنه المسيح؛ ولكن يجب أن نفهم هذه المسيحانيّة بطريقة مختلفة عن انتظار اليهود. نحن نرى أحيانًا أن اليهود لم يؤمنوا بعد رؤية الآيات (12: 37).
صنع يسوع آياته ودشّن الأيام المسيحانية؛ لقد أظهرت أولى آياته في قانا كرامته المسيحانية؛ إنّ آية تحويل الماء إلى خمر تدلّ على الوفرة التي تتميّز بها الأيام المسيحانية إزاء القحط الذي ساد في الأيام السابقة. هكذا نلاحظ أنّ الانجيليّ ركّز انتباهنا حول مجد يسوع الذي ظهر في قانا (2: 11) وأهمل الاشارة إلى ردّات فعل العروسين والأهل، فالعرس ينتهي فجأة لأن هذه التفاصيل المادية لها قليل من الأهمية في تفكير يوحنا؛ إنّ هدف يوحنا من رواية آية قانا هو واضح: هذه الآية الأولى أظهرت مجد يسوع (2: 11).

3- الأعمال تكشف عن ابن الانسان
تحتلّ الأعمال التي قام بها يسوع مركزًا مهمًا في الانجيل الرابع ابتداءً من الفصل الخامس. إن لقب المسيح الذي كشفت عنه الفصول 2-4 يبدأ بالاختفاء تدريجيًا (سنجد هذا اللقب ولكن في اطار الشك أو الجدال، رج 7: 26-27؛ 22:9) ليحلّ محلّه لقب آخر هو لقب ابن الانسان (27:5؛ 27:6، 53، 62). لقد انتقل الانجيلي من الآيات إلى الأعمال لأن هذه الأخيرة تدلّ على حقبة جديدة من الوحي؛ إن تسمية يسوع لمعجزاته بأنها أعمال تُعطيها المعنى الحقيقي الذي أراد المعلم الإلهي أن يُحمّلها إياه؛ إن تسمية الأعمال تنتمي إلى مستوى من الوحي أعلى من الانتظار المسيحاني لليهود. هذا المستوى من الوحي هو الكشف عن حقيقة يسوع: إنه ابن الانسان وقد فضّل يسوع هذا اللقب على غيره من الألقاب. هنا نتساءل: ما هي المعاني التي يحملها لقب ابن الانسان؟

4- لقب ابن الانسان
نجد لقب ابن الانسان في انجيل يوحنا بشكل وافر (13 مرة) وقد أطلق يسوع على نفسه هذا اللقب لأنه يكشف عن هويته الحقيقية. بالرغم من أنّ لقب ابن الانسان يرد في مواقع مختلفة من الكتاب المقدّس إلاّ أنه يحمل معنى مُميّزًا في الانجيل الرابع.
أثناء حياته العلنية قام ابن الانسان بعدة أعمال، فشفى المقعد والأعمى وأقام لعازر من الموت. يؤكّد يسوع أنّ هذه الأعمال التي يقوم بها هي أعمال الله (34:4)؛ غير أنّ هذه الأعمال التي يعلّمها يسوع الآن تبدو ذات أهميّة محدودة بالمقارنة مع الأعمال التي سيعملها في نهاية الأزمنة؛ إنّ كميات الخبز التي أطعمت الآلاف تصبح بدون أهميّة إزاء الخبز السماوي الذي يعطيه ابن الانسال (27:6، 33)؛ لهذا السبب نرى يسوع يشدّد في خطابه، بعد تكثير الخبز، على الوُجهة النهيوية لوظيفة ابن الانسان (6: 53-54).
إنّ ارتباط لقب ابن الانسان بالزمن النهيوي يحضرنا لظهور لقب جديد ليسوع وهو لقب: ابن الله (1: 34، 39؛ 3: 18؛ 5: 25...) أو لقب الابن (36:3؛ 5: 21-22 ...). أمام هذا التنوع في ألقاب يسوع نلاحظ أنّ الانجيلي يضعنا أمام وحي وكشف تدريجيّ ليسوع الناصري ابن يوسف (45:1)؛ إنّ يسوع هو المسيح كما كشفت عنه الآيات. ولكنّ يسوع فضّل لقب ابن الانسان وهذا اللقب بدوره يحضّر لظهور لقب ابن الله أو لقب الابن. 
في الزمن النهيوي سيعمل الابن أعمالاً عظيمة (5: 20). وهذه الأعمال العظيمة هي أعمال الله نفسه الذي يقيم الموتى وهو ديّان عادل يحصي من يشاء؛ لقد أعطى الآب هذا السلطان الاسكاتولوجي إلى الابن، فالابن يحي من يشاء (5: 21) ولن يدين الآب أخدًا بل أعطى القضاء كلّه للابن (5: 22) وإذا سمع الأموات صوت ابن الله يحيون (5: 25).
إننا نتساءل: متى يبدأ ذاك الزمن النهيوي؟
لن يبدأ الزمن النهيوي إلاّ حين تأتي الساعة: "أتت الساعة التي يُمجّد فيها ابن الانسان" (23:12)؛ في تلك الساعة سيرتفع يسوع على الصليب وفي الوقت عينه سيرتفع في المجد وسيجذب إليه كلّ انسان (32:12). هذا ما يدفعنا إلى الاعتبار أن أعمال يسوع التي يعملها الآن هي أعمال تحضيرية للأعمال المقبلة.
باختصار إن ابن الانسان الذي كشفت هويته الأعمال، هو ابن الله وسيبقى في اتحاد دائم مع أبيه السماوي.


5- الابن يكشف بأعماله عن الآب
قلنا سابقًا إنّ الأعمال كشفت عن هوية يسوع أنه ابن الانسان؛ والآن نقول إنّ الكشف عن هوية ابن الانسان يهدف في النهاية إلى الكشف عن هوية الآب أو بالأحرى الكشف عن علاقة الآب بالابن.
يؤكّد يسوع أنه والآب واحد وأنّ الأعمال التي يعملها هي أعمال الآب المقيم فيه، وهذه الأعمال هي برهان أنّ كلامه عن الوحدة مع الآب هو صادق. هذه الأمور هي واضحة في الجدال بين يسوع واليهود (10: 30-39) وفي الحوار بين يسوع وفيلبس (14: 8- 11).
إذا قرأنا هذين المقطعين بتمعّن نلاحظ أن الأعمال هي البرهان الذي يؤكّد صحة كلام يسوع عن وحدته مع الآب؛ هذان المقطعان يتبعان نفس التصميم ولكن مع فارق بسيط وهو أنّ يسوع، في المقطع الأول، يجادل اليهود في حين أنه يجادل فيلبس في المقطع الثاني.
حين قال يسوع لليهود: "أنا والآب واحد" (10: 30) أخذوا حجارة ليرجموه (10: 31) فقال لهم: "إذا كنت لا أعمل أعمال أبي فلا تصدّقوني. وإذا كنت أعملها فصدّقوا هذه الأعمال إن لم تصدّقوني. فتعلموا أنّ الآب فيّ وأني في الآب" (10: 37-38).
كذلك لم يفهم فيلبس كلام يسوع عن وحدته، لهذا الأمر قال له يسوع: من رآني رأى الآب (14: 9) واستشهد يسوع ببرهان الأعمال بقوله: "صدّقوني أني في الآب وأنّ الآب فيّ وإذا كنتم لا تصدّقوني فصدّقوا من أجل تلك الأعمال" (14: 11).
نلاحظ إذًا أنّ الأعمال التي يعملها يسوع أثناء حياته العلنية هي أعمال الله الحقيقيّة، فالابن لا يعمل شيئًا إلاّ ما يرى الآب يعمل (5: 19) وطالما هناك نهار يجب على الابن أن يعمل أعمال الآب (9: 4). هذا دليل أنّ الأعمال التي يعملها يسوع هي عمل الآب والابن وأنّ العلاقة بين الآب والابن هي فريدة. 
هذه الأعمال تجد مصدرها في الآب ولكنها تظهر في نشاط الابن. إنّ الابن يعيش في وحدة مع الآب وهو يحافظ على هذه الوحدة الدائمة بدون انقطاع بينه وبين الآب.
هنا يُطرح تساؤل: كيف حافظ يسوع على وحدته مع الآب أثناء حياته العلنية؟ إنّ مجيء يسوع على الأرض هو اقامة مؤقتة لحين عودته إلى الآب؛ إن الوجود قرب الآب في السماء (7: 29؛ 8: 42) حلّ مكانه، أثناء حياة يسوع العلنية، حضور الآب في يسوع: "إنّ الكلام الذي أقوله لكم لا أقوله من عندي بل الآب المقيم فيّ يعمل أعماله" (14: 10).
هناك وحدة في العمل ترتكز على حبّ الآب للابن (5: 20). فالآب يبرهن عن حبه للابن حين يضع كل شيء بين يديه (35:3) وحين يجعله يحقّق أعماله.


6- المسيحانية والاسكاتولوجيا بين الآيات والأعمال
لاحظنا أثناء عرضنا أننا ميّزنا بين الآيات التي تكشف عن المسيح (المسيحانية) وبين الأعمال النهيوية التي تكشف عن ابن الانسان (الاسكاتولوجيا). لكن يجب أن نكون حذرين، فالتمييز بين الآيات والأعمال وبين الاسكاتولوجيا والمسيحانية يوحي أن هناك فرقًا بين الآيات والأعمال في حين أنه من الصعب التمييز والفصل بين الآيات والأعمال.
إن الشرّاح اليوم يميلون إلى عدم التمييز بين الآيات والأعمال، وبالتالي بين المسيحانية والاسكاتولوجيا؛ وهناك عدة أسباب تدفع إلى هذا الاعتقاد:
1- الآيات والأعمال هي مشابهة لأنها معجزات.
2- الآيات والأعمال تكشف عن الإبن يسوع.
3- خلال الحلقة الواسعة التي يتعرض فيها الانجيلي أعمال يسوع، لا تغيب الآيات عن الأفق (6: 2؛ 7: 31؛ 9: 16...).
4- ختم الانجيلي كتابه بالاشارة إلى الآيات التي كشفت عن هوية يسوع أنه المسيح وابن الله (20: 31) وبالتالي نلاحظ أن الانجيلي في الخاتمة لم يميّز بين الآيات والأعمال.
5- هناك تلازم بين المسيحانيّة والاسكاتولوجيا في التفكير اليهودي الذي ينتظر المسيح؛ ونحن نجد صدىً لهذا التلازم في كلام التلاميذ الذين سألوا يسوع: "قل لنا متى تكون هذه الأمور وما علامة مجيئك وانتهاء العالم" (مت 3:24). إن مجيء المسيح ونهاية العالم متلازمان!
باختصار تتداخل الآيات والأعمال مثلما تتداخل المسيحانية والاسكاتولوجيا. إن آية الخمر في قانا كشفت عن مسيحانية يسوع ولكنها بطريقة غير مباشرة تكشف عن الخيرات الأساتولوجية التي سيفيضها يسوع بإعطائه دمه مشربًا للمؤمنين على مدى الأجيال؛ ونقول نفس الأمر عن الخبز الي قدّمه يسوع للآلاف والذي يحضّر الخبز الحقيقي النازل من السماء.

خاتمة
صنع يسوع الآيات وعرفه اليهود والتلاميذ أنه المسيح، ولكنه لم يُسبّب انزعاجًا لدى اليهود؛ وبالفعل نحن لا نجد مشكلة بعد تحويل الماء إلى خمر في قانا، ولا بعد شفاء ابن الضابط الملكي. ولكن حين صنع يسوع أعماله وكشف عن هوية ابن الانسان الديّان الاسكاتولوجيّ، لم يتفهم اليهود كلامه وقد تآمروا عليه ليقتلوه. لقد كشف لقب ابن الانسان عن هوية يسوع الحقيقية: إنه مساو للآب وهو ابن الله.
إنّ الآيات والأعمال تعرّفنا على علاقة الآب بالابن، ولكنّ هذه العلاقة تمتّد في النهاية إلى المؤمنين، فكما أحبّ الآب الابن هكذا أحبّ الابن تلاميذه وأوصاهم أن يحبّوا بعضهم بعضًا (15: 12). لقد قدّم يسوع دمه على الصليب ليفدي البشرية، هكذا يجب على كلّ انسان أن يبذل نفسه في سبيل أحبّائه (13:15).
لم تعد العلاقة بين الآب والابن مجرّد فكرة بعيدة عنا، بل دخلت هذه العلاقة في صلب حياتنا اليومية. حين يعيش المؤمن في اتحاد مع أخيه بالمحبة، يكون قد حقق في حياته وصية يسوع بالمحبة التي تربط الآب بالابن وبالمؤمنين.