يوحنّا والإزائيون

 

1- العلاقة بين يوحنا والازائيين
تتوسّع شيئًا فشيئًا بين العُلماء في أيامنا نظرة تقول إن يوحنّا عرف التقاليد الأزائية ليست فحسب بل الأناجيل الإزائية نفسها أيضًا. الأستاذ فرانس نايرنك من لوفن بيّن في عدّة مقالات أن يوحنّا متوقّف على التقليد الشفهي من قبل الإزائيين ليس فحسب بل فيه آثار من الأنجيل المكتوبة أيضًا. بناءً على هذه الفرضية، من الممكن أن نقرأ يوحنّا كإعادة قراءة وإعادة تفسير للأناجيل الإزائية. لا يظهر في الإنجيل الرابع أنه يريد أن يأخذ محلّ الإزائيين. ما يريده يوحنا هو تكملة شخصية مُبدعة ورأيٌ خاص لتعليم يسوع وحياته، دون أن يستقصر الأناجيل الأخرى.
أريد هنا أن أقدّم مقالة من يد الأستاذ فرانس فان سغبروك من لوفن يقرأ فيها يوحنّا 6 على ضؤ الإزائيين. بعد الفاتحة (1: 1-18) ومشاهد المعمدان (1: 19-34) ودعوة التلاميذ (1: 35- 51) تتبع الفصول التي فيها يُقدم سر (هوية) يسوع بآيات وكلام (2-4). ثم يلي في 5-6 وقت الأزمة الكبرى حول السؤال: هل ممكن قبول كذا يسوع؟ في يو 6 يتركّر هذا السؤال في موضوع الخبز (يوحنّا يفضّل استعمال هذه الأمور اليومية كالخبز والماء والنور ليوضّح أفكاره اللاهوتية العميقة).
فلنلق أولاً نظرة إلى التوازي العجيب بين يوحنا ومرقس.
يو 6: 1-15 يسوع يطعم 5000 مر 30:6-44؛ 8: 1
16-24 يسوع يمشي على البحر 6: 45-54
25-34 طلب آية 8: 11-13
35-59 حوار في الخبز 8: 14- 21
60-69 إعتراف بطرس 8: 27- 30
70- 71 ابن الإنسان سيُسلَم 8: 31-33
7: 1-10 يسوع مُختَفٍ في الجليل 9: 30
والاتّفاقات اللفظية:
يو 6: 5 "جمعًا كثيرًا" (مر 6: 34؛ متى 14: 13 ولو 9: 11: "جموع")
5 "نشتري خبزًا؟" (مر 6: 37) يو 6: 15 "إلى الجبل وحده" (متى 14: 23)
7 "بمئتي دينار" (مر 6: 37) 16 "ولما جاء المساء" (مر 6: 47)
9 "خمسة أرغفة" (مر 6: 38؛ 16 "ركبوا السفينة" (مر 64: 45)
متى 17:14)
10 "أن يقعدوا" (مر 8: 6) 18 "ريح شديدة" (مر 4: 37) 
10 "عشب" (مر 39:6؛ متى 19:14) 19 "غلوة" (متى 24:14) 
10 "فقعدوا" (مر 6: 40) 19 "يسوع ماشيًا على البحر" (مر 6: 49) 
10 "خمسة آلاف" (مر 6: 44) 19 "فخافوا" (متى 14: 26) 
11 "الأرغفة" (مر 6: 41) 20 "فقال لهم: أنا هو. لا تخافوا"
11 "وشكر" (مر 6:8) (مر 6: 50)
13 "12 قفّة من الكسر" مر 43:6) 21 "إلى السفينة" (مر 6: 51)

1- قراءة يوحنا 6 على ضوء الإزائيين
أ- الرواية (6: 1- 25)

أعجوبة الخبز (6: 1- 15)
1-4 مقدمة: مكان، زمان، ظروف. يظهَر يوحنا هنا راويًا ماهرًا. لا يكتفي بعبارات سابقيه الغامضة الفاترة كمثل "في ذلك الوقت"، أو "بعدئذ". لكن عندنا هنا أكثر من فنّ الرواية: ظروف الزمان والمكان مهمة كإرشارات إلى ما يلي.
يسوع يعبُر البحر وجمع كثير يتبعه. كيف هذا؟ لماذا يعبُر البحر؟ كيف يتبعه الجمهور؟ بسفن أم ماشين على البحر؟ هذه الأسئلة تضمحلّ لما يُقرأ يوحنّا كإعادة رواية مرقس 6: 30-34. فيها البحر واتّباع الجمهور أمور معقولة. فلا يتّخذ منها يوحنّا إلا ما يحتاج إليه فيما بعد. فمن ثم بعض النقط غير المعقولة عنده. يتبع الجمهور يسوع "لأنهم رأوا الآيات..." (2): إعادة صياغة خاصة بيوحنا لملاحظة قرأناها عند متى (14:14): "وشفى مرضاهم" (في نفس السياق). هكذا يُعدّ يوحنا موضوع "طلب الآيات" في 14-15. وردّ فعل يسوع عليه (26) كنقطة انطلاق لكل البيان في يوحنا 6.
يُهمل يوحنا ذكر الازائيين لشفقة يسوع (مر 6: 34) وإيراد في "غنم لا راعي لها" (عد 17:27): يهمه شيءٌ أعمق من شفقة يسوع: آية لهوية يسوع العميقة. لماذا يُذكَر اقتراب عيد الفصح؟ هل يُلمح إلى اشتداد التوتّر والفصل بين يسوع والجمع ورفض التلاميذ بل خيانتهم بل "إسلام" آية 71؟


الحوار مع فيلبس وأندراوس (5-9)
من المقارنة بالحوار عند الإزائيين تبرُز خصائص يوحنّا: 1) التشخيص: "التلاميذ" // "فيلبس وأندراوس"، 2) التكتُّل: يُميَّز جمع التلاميذ منذ البدء واضحًا عن جمع "الجمهور". من الأول هنا "المسيحيون" وهناك "اليهود". 3) المبادرة عند يسوع. هو يطرح الأسئلة، لا التلاميذ (= الإزائيين). إنه مسيطر على الوضع. يسأل أسئلة ليجرِّب التلاميذ (6). 4) "فرفع يسوع عينيه..": كذلك في 35:4؛ 11: 41؛ 17: 1. 5). "من أين.." (5) كلمة مفتاح في يوحنّا.
تأتي بالسؤال عن أصل يسوع. في عدد 11: 13 سؤال مماثل في فم موسى: "من أين لي لحم لهذا الشعب كله؟". نلاحظ أن يوحنّا لا يذكر ضيق الناس (مر 6: 35، 36 وخاصة 8: 1، 3 حيث تبعوا يسوع طول النهار بلا أكل). في يوحنا يرى يسوع الناس وحالاً يسأل: "من أين نجيء بخبز؟": عنوان ممتاز على كلّ الفصل. الجواب يكون: "من السماء".

تعليق من قبل الإنجيلي (6)
إنه يحب بعض الأساليب كمثل "سوء الفهم" و "التصحيح" و "التوضيح". هنا "امتحان التلاميذ"، إعدادًا للامتحان الكبير في 67 ثم يسوع "يعلم"، يسيطر على الوضع. ألفاظ مثل "تجريب" و "تذمُّر" (41) تُذكّر حالاً بقصص البرية. 

تابع الحوار (7- 9)
"حتى مئتا دينار لا تكفي..". عند مرقس: "أنذهب فنشتري خبزًا بمئتي دينار..؟". يوحنّا يُعيد التعبير ويشدّد عليه. "فيحصل كل واحد على كسرة صغيرة": صدى من خر 18:16 حيث كل واحد يأخذ حصته من المن. في 8 يُقّدم أندراوس "أخا بطرس"، كأننا لا نعرفه من زمان (1: 40). أم يُحضّر دور بطرس اللاحق في القصة (68)؟- في 9 صارت "أرغفة" الإزئيين فجأة "أرغفة من شعير". الاسم فريد في العهد الجديد. إشارة واضحة إلى أرغفة الشعير في أعجوبة الخبز لإليشاع (2 مل 4: 42- 44 كذلك "الصبي" ( ) مثل جيحزى خادم إليشاع في السبعينية (2 مل 4: 12). لا تَرِد الكلمة في مكان آخر في العهد الجديد.
10 "عشب كثير" دليل آخر على اعتماد يوحنّا على مرقس. هناك "العشب الأخضر" و"الغنم بلا راع" و "القعود أفواجًا" كلٌّ من إشارات إلى العهد القديم (مز 23 مثلاً). في يوحنّا بقًي العشب دون غير.
11 يُوجز فعل يسوع إيجازًا. مع الإلحاح في الوفرة: "على قدر ما أرادوا": تحضيرًا لحديث يسوع الذي يبتدىء بهذه الملاحظة (26).
نتعلّم من هذه النقط الصغيرة كيف يُعامل يوحنّا مصادره. يُروى في مرقس (ومتى) أن الناس أكلوا فشبعوا (مر 6: 42؛ متى 14: 20) وهذا شكرًا لفعل يسوع العجيب. فيشهد مرقس ومتى لنفس الفهم لما حدث مثل الجمهور الجائع الذي حسب يو 26:6 لم يفهم شيئًا. لقد أشار مرقس نفسه إلى عدم الفهم بالنسبة إلى الخبز في تعليق من عنده (6: 52) دون أن يقول كيف يجب أن يُفهم ما حدث. فيوحنّا سيملأً الفراغ. إن الأناجيل الأزائية نفسَها تُمِدّه بما ينفعه لعرض رأيه في يسوع.
12. هنا أيضًا يسوع يبادر: يأمر بجمع الفضلات. الجمع نفسه كان في مصادره. فيضيف نية يسوع بهذا الأمر: "لئلاّ يضيع شيء". ما عند الإزائيين تشديد على الأعجوبة (12 قفّة!) يكتسب عند يوحنّا معنًى خاصًا يتجلّى في 27 فقط: "لا تعملوا لطعامٍ يفنى بل اعملوا لطعامٍ يبقى.." مرة أخرى خط واصل بين حدث وتفسير.
14. يذكر يوحنّا تفسير الحدث من قبل الجمع صراحةً (خلافًا للإزائيين). التعبير والموضوع يوحنّاويان تمامًا. الإنجيلي يقول الخلاصة اللاهوتية المضبوطة من أعجوبة الخبز: "يسوع هو النبي" الحقيقي الحاسم (كما قيل في يو 1: 21 و 11: 27). لكن يظهر من 15 أن الجمع يفهم هذا اللفظ المضبوط بالغلط: يُعطونه مضمونًا أرضيًا: سياسيًا. سوء الفهم اليوحناويّ! على يسوع أن يبدّل الأمور ويأتي بالتفسير المضبوط. في 15 أيضًا "وانصرف إلى الجبل". يسوع في الجبل منذ 3. قد نسي الأنجيلي. فيشير دون قصد من عنده إلى مصدره (مر 46:6)؟

العبور وطلب يسوع (16:6- 25)
يحفظ يوحنّا الارتباط بين العبور وأعجوبة الخبز (مرقس)، لكنه يضيف إليه ملاحظة بخصوص سفن أخرى تعبُر البحر في طلب يسوع (22-25). هذه الإضافة تحضّر قول يسوع في 26 "أنتم تطلبونني". هذا الطلب أيضًا كان في مرقس في بدء قصة الخبز. يوحنا ينقل الطلب إلى بعد الأعجوبة (القارىء يعرف ما يريد الجمهور من 15 (ملك). أسلوب يوحنّا يشدّد على مأساة سوء الفهم. الشعب الذي يجتهد في طلب يسوع لا يلبث أن يتركه كليًا.
ب- تفسير وحوار ومجابهة (26:6- 59)

يسوع والجمع (26:6- 40)
يتقدّم الحوار خطوةً خطوةً إلى الكشف التام عن هوية يسوع. يبتدىء الحديث بالسؤال المبتذل: "رابّي، متى وصلت إلى هنا؟". نلاحظ: "رابّي" بدل "النبي" في 14، ولا يسألون عن هوية يسوع. فيحاول يسوع أن يُلفت انتباههم إلى ما هو أهم يسميه يوحنّا "الأعمال". الجمهور جاهل مستعدّ: "أية أعمال؟". جواب يسوع مباشر وواضح: "أن تؤمنوا بي كرسول الله" (29). بلخ الحوار قمته الأولى. طلبُ يسوع أمرٌ مقبول شرطَ أن يطلبوا يسوع المضبوط وأن يقبلوه مثلما هو.
يفهم الجمع جواب يسوع الواضح: فاتت مرحلةُ سوء الفهم. بدأت مرحلة الشكّ والتمهّل في القرار، فيلبّسون تردّدهم بطلب آية (30). قارن الاعتراف الإيماني في 14: "فلما رأى الناس هذه الآية... قالوا: حقًا هذا هو النبي...". في مر 8: 11 أيضًا يتبع أعجوبة الخبز طلب آية. فيقتبس يوحنّا الموضوع ويطوّره. ولكن يتّضح من الأول أن الحديث سوف ينتهي بالفشل: من طلب آية بعد ما رأى الآية الكبرى فليس إيمانه كبيرًا...
في جواب يسوع (32) تصحيح مزدوج: أولاً موسى أعطى المنّ فقط وليس الخبز الحقيقي من السماء الذي الآب وحده يعطيه، ثم: أعطى موسى (في الماضي) وأبي يعطي (حاضر). في هذه المرحلة من الحوار يستعان مجاز الخبز. إنها فرصةٌ لإدخال موضوعات سفر الخروج: موسى والمن. ولكن ينتج منه مزيد سوء الفهم. في 33 قال يسوع بوضوح: "خبز الله هو ذاك الذي..." الخبز هو شخص، يسوع نفسه. ولكن الجمع لا يتبعه، ويخطون الخطوة الحاسمة. يبقون مع المجاز: "أعطنا هذا الخبز" (كمثل السامرية في 4: 15 التي بقيت مع الماء). 
الخطوة الثالثة تُلحّ وتتّهم. أولاً يعطي يسوع تعريفًا لذاته: "أنا خبز الحياة". التهرُّب من درب المجاز لا يعود ممكنًا. القضية ليست قضية خبز بل قضية شخص يسوع. ثم التهمة: "لكنكم لا تؤمنون رغم كل ما رأيتم" (36). فيشدّد يسوع في تعليمه على دوره المحيي والخلاص الناتج منه لمن يؤمن به (37-40).

يسوع واليهود (41- 59)
كان الحوار في 22- 40 بين يسوع والجمع. منذ الآن يعطون اسمًا جديدًا: "اليهود" (41 و 52). هل هو تغيير متعمّد؟ أم يُفكر الإنجيلي في معاصريه وهم يهود مثله الذين يرفضون الإيمان بيسوع المسيح؟ على كل حال، تتضايق الحلقة حول يسوع. مع ظهور اسم "اليهود" تظهر الكلمة المعروفة من عصر البرية: "تذمّر" (41 و 43). معناها: عدم إيمان. هنا رفض أصل يسوع (33: من أين؟). مقابل "من السماء" في فم يسوع يضعون "ابن يوسف" (42) (صدى واضح لما في مر 6: 1-6 حيث مواطنو يسوع يقبلونه كـ "يسوع الناصري" فقط). النقاش لا يعود يدور حول أعجوبة الخبز بل حول هوية يسوع. هل يسوع إنسان بين الناس، قدير بالكلام والعمل، لكن "ابن يوسف" فقط؟ أم هو رسول من الآب؟ القضية ليست يسوع فقط بل الله. هل يقبلون أن الآب يكشف عن ذاته في يسوع؟ (44-46). من آمن بذلك فقط له دخول عند الله، حياة أبدية. له فقط يسوع حقًا خبز للحياة (47-48). في 48 يُعيد يسوع موضوع المن من 31-32، إلا أنه يُضيف إليه شيئًا جديدًا: "... فماتوا" (49). "حياة الأبد" من 40 يصبح الان "لا يموت" (50). هكذا ينتقل إلى خطوة جديدة في العرض: يسوع يعطي حياةً أبدية ليس كمن يوزع خبزًا، لكن بطريقة فريدة كمن يعطي حياته فيموت فيه (51). الخبز المعطى يصبح لحمًا معطى. فمثلما يؤكل الخبز طعامًا فكذلك اللحم: من يؤمن بيسوع رسول الآب والمرفوض والمقتول فله دخول إلى الآب، إلى الحياة الأبدية. وصلنا إلى قمة أخرى في العرض: ردّ فعل المستمعين، بعد الطلب (25-26) والسؤال (28 و34) والتذمّر (41 و43) الآن تخاصم (52). "كيف يستطيع هذا أن يعطينا لحمه لنأكله؟": ليس سؤال بل هو رفض. ليس سوء فهم يوحناويًا يطلب توضيحًا. إنه تعارض مباشر. جواب يسوع لا يوضّح بل يكرّر ويثبّت (53-57). يستعمل يسوع عبارات من مراحل سابقة في الحوار (37-40 و48- 51) فيظهر بهذه الطريقة أنها تكتسب الآن معناها الكامل عندما تفهم أقوالاً عن بذل يسوع ذاته في الموت. في الارتباط به فقط توجد حياة أبدية (56). 58 يعيد 48 مع الكلمة عن الآباء الذين ماتوا، بيانًا أن هذه الآيات وحدةٌ حول موضوع "أكل المن" إزاء "أكل الخبز الذي هو يسوع". الملاحظة القصيرة في 59 تختم الحوار الطويل. "كفرنحوم "في 59 و24 يُطوّق الكل تطويقًا.
ج- النتيجة: إيمان روفض (6: 6- 71)

يسوع والتلاميذ
كان القسم الأول من يو 6 يدور بين يسوع والجمع (22- 40) والقسم الثاني بين يسوع واليهود (41-59). فالقسم الثالث يدور واضحًا بين يسوع والتلاميذ (60-66). تتقلّص الحلقة أكثر فأكثر، ويتزايد الرفض والعداء. من أين أتى التلاميذ فجأةً؟ أكانوا حاضرين صامتين؟ أم يقصد الإنجيلي أن النقاش في هوية يسوع ليس موضوعًا بين اليهود والمسيحيين فقط، إنما هو موضوع يمسّ تلاميذ يسوع أنفسهم في عمق إيمانهم. رفض التلاميذ في 60 أشدّ واخشن من رفض اليهود المتذمّرين (41): "من يطيق سماعه؟" (60). يعثرون به (61): إشارة إلى كلمة يسوع في متى 11: 6؛ لو 23:7: "طوبى لمن لا أكون له حجر عثرة"؟ 
على كلّ، لأول مرّة يُوقف صراحة لدى رفض التلاميذ الكامل تقريبًا. عند الجمع وجدنا سوء فهم وعدم إيمان، عند الهود تذمّر، لكن عند التلاميذ عثرة، جحودًا وارتدادًا (66)، وخيانة (64، 71). خلافًا للجماعتين السابقتين حيث كان يسوع يواصل تعليمه بعد عدم الإيمان والتذمّر، يطرح على التلاميذ سؤالٌ لا مناص منه: "أفلا تريدون أن تذهبوا أنتم أيضًا؟" (67). في آخر الأمر حلقة الاثني عشر فقط يبقون، بطرس يعطي جواب الإيمان (68-69). لكن حتى بينهم يوجد خائن (71). غني عن البيان أن يوحنّا يستعين هنا باعتراف بطرس وكلمة الشيطان من مر 29:8 و33. ولكنّه يفعله بطريقة شخصية جدًا. 71 يبرز "فشل" أو بالأحرى عجز رسول الله في وجه سوء الفهم والرفض والخيانة. إلا أن الفشل ليس تامًا. هناك البقية الصغيرة التي في وسطها واحدٌ يعطي الجواب الإيماني.

خلاصة
قراءتنا ليوحنا 6 على ضوء توقّف يوحنا على سابقيه بدت قراءةً مثمرة. إنها تفسّر الاتفاقات مع الإزائيين. ومن ناحية أخرى جعلتنا نكتشف نقاط اهتمام يوحنّا الشخصية الخاصة. أغلب اختلافات يوحنّا عن الازائين تتفسر جيدًا من لاهوته الخاص. عادةً وجدنا أن الاختلافات في قصة الإطعام تتواصل في عناصر ومواضيع من خطاب الخبز التالي. إنه بيان أن قصة أعجوبة الخبز ليست منتوجًا من التقليد انتهى عن طريق الصدفة إلى إنجيل يوحنا بهذا الشكل وأضاف إليه الإنجيلي خطابًا من يسوع في الخبز. كلا، القصة والخطاب وحدةٌ لا تتجزأ. أعاد يوحنّا قصة أعجوبة الخبز الإزائية ونظره إلى التبسّطات الآتية في خطاب للخبز.
علاقة يوحنّا بالإزائيين علاقةٌ معقدة. إنه يعرف عمل سابقيه جيدًا ويقدّره عاليًا ويستمد منه الكثير من معلومات حول يسوع. بنفس الوقت يبدو لاهوتيًا شخصيًا يواصل التفكير على طول الخطوط التي رسمها سابقوه وشقّ طرقًا جديدة. ثم إنه مؤلّف يدمج في قصته بين أصوات الماضي صوت خبرة جماعته الإيمانية أيضًا. هي جماعة بدأت "جمهورًا" وانتهت جمعًا قليلاً. يقول الإنجيلي: من اختار يسوع، فليعرف جيدًا أنه سوف ينتهي إلى جماعةٍ ضئيلة. لكن الاختيار يسوى الثمن: "أنت وحدك عندك كلام حياة أبدية".