الخلفيّة اليهودّية في إنجيل يوحنّا

 

قال أوريجنوس: "ما من أحد غير يوحنّا استطاع أن يصف ألوهيّة يسوع. لنقل ذلك علانية: إذا كانت الأناجيل تُكمّل العهد القديم؛ فإنّ إنجيل يوحنّا يُكمّل الأناجيل. لا أحد يستطيع إدراك معناه إذا لم يضع رأسه على صدر يسوع، وإذا لم يأخذ العذراء إلى بيته، ويجعلها له أمًا" (أوريجنوس، شرح إنجيل يوحنّا 1: 6).
ويقول أحد الباحثين المعاصرين في العلوم اليهوديّة: "إن غنى العلوم اليهوديّة الموضوعة في خدمة الكتاب المقدّس، منذ نشأة الكنيسة وحتّى يومنا هذا، تعتبر كنزًا مهمًا في طريقة التفسير الكتابيّ".
إن فرادة يوحنّا، مقارنة مع الإزائيين بشكل خاص، والعهد الجديد بشكل عام، تدعونا إلى أن نطرح السؤال التالي: ما هي المميّزات التي يتمتّع بها هذا الإنجيل؟ جوابًا على هذا السؤال، لا بدّ من العودة إلى الخلفيّات التي أحاطت بالإنجيل الرابع، وإلى استعراض مختلف التيّارات الدينيّة التي تتقاطع في فكر الكاتب وفي نشأة الإنجيل.
فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، أظهرت التفاسير الكتابيّة والاكتشافات العلميّة الجديدة، التوجّه اللاهوتيّ لإنجيل يوحنا تجاه التّيارات الفلسفيّة والدينيّة آنذاك. وتوصّلت الدراسات إلى الاتفاق على مصدرين رئيسييّن للإنجيل: الخلفية اليهوديّة- التوراتيّة، والخلفيّة الهلّينيّة بما فيها الغنوصيّة. ولقد اعتمد الباحثون في دراساتهم على طريقتين معروفتين هما: الدياكرونيّة والسنكرونيّة.
بحثنا اليوم يرتكز على الطريقة الدياكرونيّة، أو طريقة المقارنة مع نصوص ومصادر أخرى. فتكوين النصّ له أهميّة كبرى ويهمّ الباحثين إلى حدٍّ بعيد، ولكن ما يهمّنا أكثر هو النصّ الذي وصل إلينا في صيغته النهائيّة والذي نسعى إلى كشف مرتكزاته الأساسيّة.

الإنجيل الرابع والعلوم اليهوديّة
والسؤال الأساسيّ هو: هل من المعقول أن نقرأ الإنجيل في عصرنا اليوم على ضوء العلوم اليهوديّة؟ أليس من الأفضل أن نقرأه على ضوء تقليد آباء الكنيسة؟
من الأكيد أن الأبحاث المعاصرة حول الكتاب المقدس فتحت آفاقًا جديدة. فإذا ما تفحّصنا التقاليد اليهوديّة المتعلّقة بإنجيل يوحنّا، نجد ذواتنا في الجهة المقابلة لأنّنا نعمل على اكتشاف النصّ المتّصل بالإنجيل. يقول القديس أغوسطينوس: "إن العهد الجديد محتجبٌ في العهد القديم، والعهد القديم يفسّره العهد الجديد". هذا يعني أنّ الإطار اليهوديّ يندرج في طريقة النقد التاريخيّ التي تسمح برؤية أوسع للوسط الثقافيّ الذي نشأ فيه الإنجيل. ولا يمكننا فهم تفسير آباء الكنيسة من دون معرفة التأثير اليهوديّ الذي أخذته الكنيسة واعتمدته في أمكنة العبادة.
وإذا كان من الضروريّ إيجاد الوحدة بين التفسير النقديّ والتفسير اللاهوتيّ الروحيّ، فمن الخطأ اعتماد التفسير الآبائي دون العودة إلى التفسير اليهودي الرابّيني، إذ لا يمكن اختصار المسافات، وإلاّ زادت الانقسامات عوض الوصول إلى وحدة النصّ ومعناه.
إستنادًا إلى ما تقدّم، من الواضح أن تقاليد اليهوديّة والنصوص الكتابيّة قُرئت على ضوء قيامة المسيح. هذا العنصر الجديد يحوي الجذور اليهوديّة للنصّ ضمن حركيّة جديدة، يوضح غناها الرّوح القدس وحده، لأنّه يحوي الحقيقة كلّها وبالتالي يفسّر الإنجيل الرابع. لم تكن نيّة يوحنا كتابة مدراش لاهوتيٍّ بسيط فقط، لقد أراد أن يقدّم يسوع ويبيّن الآيات التي اجترحها، والتعاليم التي أعطاها كما ظهرت وكما ذكّر بها الرّوح القدس. هذه هي الجذور اليهوديّة للإنجيل الرابع. ولكن وقبل إظهار القطيعة بين يسوع واليهوديّة، يجب تبيان الوحدة الحقيقيّة حيث إن المسيح لم يأت لينقض بل ليكمّل.
ولكن عن أي جذور نتكلّم؟
من المعلوم أنّه قبل السنة 70، يوم هُدم الهيكل، كانت الأسس اليهوديّة متأثّرة بعدّة تيّارات دينيّة: الرؤيويّة، والحكميّة، والفريسيّة. أمّا السامريّون فقد اعتمدوا لاهوتًا خاصًا بهم. وفي الشتات، وبالأخص في الإسكندريّة، سيطر الخطّ اليهوديّ ذو الطابع الهلّيني مع فيلون الإسكندري، وكانت الطريقة الرمزيّة هي السائدة بشكل واضح. وبعد دمار الهيكل، تطوّر هذا الخطّ بشكل بارز وسريع: الخطّ الفرّيسي الهلّيني فرض ذاته باعتماده عنصري الشريعة والقطيعة مع غير اليهود. مع التيّار اليهودي المتأثّر بأحداث السنة 70 والرافض للمسيحيّين، نرى أن يوحنّا يعتمد لغة الحوار.

جماعات يوحنّا والبيئة اليهوديّة
وكذلك فالمشاكل الداخليّة في الجماعات المسيحيّة تبدو جليّة، إذ إنّ بعض اليهود المرتدّين إلى المسيحية كانوا يتراجعون عن إيمانهم. فعمل يوحنّا على إقناعهم بأنّ المسيح هو الذي يكمّل العهد مع موسى والآباء. وكان من الضرويّ أيضًا أن يبرهن أنّ يسوع في التاريخ هو نفسه يسوع القائم من الموت والحاضر الآن في الكنيسة من خلال الأسرار.
يمكننا معرفة مختلف المواقف بالنسبة إلى جماعة يوحنّا من خلال قراءتنا للإنجيل: هناك من لا يؤمنون (العالم، اليهود، تلاميذ يوحنّا المعمدان)، وهناك الذين يؤمنون بطريقة خاصّة (المسيحيون الخائفون 5: 44، الآتون من اليهود 8: 31). وهذا ما يفسّر التحدّي والطابع العنيف في الإنجيل. فالجماعة تألّفت أساسًا من يهود آمنوا بما لليهود من انتظار مسيحانيّ ونهيويّ. فالتلميذ الذي كان يسوع يحبّه، يعرض علينا لاهوتًا في جوهر المسيح الأزليّ المولود قبل كل الدهور. وهذا ما حمل اليهود على اضطهاد يسوع باعتباره يجدّف حين قال: "أنا كنت قبل أن يكون إبراهيم".
ثمّ تأتي القطيعة مع اليهود حين بدأت بطرد المسيحيّين من المجامع. فحاول يوحنّا أن يظهر الوحدة الثابتة في يسوع الإله والإنسان. ولجأ إلى المواضيع الحكميّة التي تبيّن أن المسيحييّن هم مؤمنون بالإله الواحد.

هدف الإنجيل
أما هدف الإنجيل ومضمونه فأمر واضح: "هذه الآيات كتبت لتؤمنوا أن يسوع المسيح هو ابن الله، ولكي تكون لكم الحياة الأبدية إذا آمنتم" (20: 31). ويؤكد يوحنّا بأن يسوع هو المسيح وابن الله في آن واحد، ذاكرًا الآيات التي اجترحها يسوع وهي علامات لحقيقة مستمرة في الكنيسة. والمعنى من هذه الأحداث واضح في حوار يسوع مع محيطه حيث التعاليم اللاهوتية تتبع هذه الحوارات. فالآية تظهر هويّة يسوع وتختبر إيمان التلاميذ: "رأوا فآمنوا". وهناك حقيقة واضحة في الإنجيل وهي: إنّ يسوع هو حقًا في السماء الآن، كما كان في حياته العلنيّة على الأرض.
إن نيّة الإنجيل هي لاهوتيّة: يسوع هو ابن الله، يظهر عمله في العلاقة التي تربطه بالآب الذي أرسله. لقد حاول يوحنّا أن يكشف سرّ الآب والابن في ردّه على وجهة نظر اليهود والمسيحييّن المتردّدين خوفًا من المسّ بوحدانيّة الله ومن الوقوع في الإشراك. ولكي يقنع يوحنّا اليهود، حاول الاستشهاد بآيات من العهد القديم وبالتقاليد الليتورجيّة اليهوديّة والأعياد ليأتي بهم إلى الإيمان. فاليهوديّة تلقى جوابها في المسيح، إذ إن موسى نفسه كتب عن يسوع. وما العناصر الواردة في فصح اليهود سوى مقدّمة تأخذ معناها في إنجيل يوحنّا. فليتورجيّة المظال كانت تهيئة لحياة يسوع.
هذا التعليم اللاهوتيّ ليس مجرّدًا، فالإيمان هو نبع الحياة. ونظرة المؤمن ليست موجّهة إلى ماضٍ ثائر، إنّه يتوجّه إلى الحاضر الذي يعطي معنًى لوجود المومنين ويجعل منهم أبناء لله. إنّه حضور روح الله في الجماعة التي تتابع وتحقّق حضور يسوع في الأسرار. بهذا المعنى يمكننا اعتبار انجيل يوحنا إنجيل الروح.
إنّه إنجيل التاريخ أيضًا، فهو يتبع حياة يسوع بشكل دقيق. هذه الدّقة نابعة من رغبة في أن يقول الحقيقة كلّها كما هي: الحدث، معنى الحدث، تجلّي يسوع أي تجلّي الله وإعطاء الحياة الأبديّة بالإيمان والأسرار.

رمزيّة الإنجيل والخلفيّة اليهوديّة
ومّما يميّز يوحنّا هو لجوءه إلى اللغة الرمزيّة. في الوقت الذي نقل الإزائيون كلمات يسوع من خلال الأمثال والمعنى الإسكاتولوجي، لجأ يوحنّا إلى الرمزيّة الكتابيّة لأسباب عديدة. فالرمز هو صورة بسيطة، إنّه الرباط بين الأشياء المنظورة والسماء غير المنظورة للخالق، كل رمزٍ يجمع في نتيجة مختصرة كلّ ما هو داخلي في اللاوعي والشخصيّ، في الإجتماعي والكوني والديني والسماوي. فرمز الكرمة يشرح لنا عمل الكرّام ويطبّقه على عمل الآب وعلى علاقته بالابن وبالمؤمنين. إنّه ليس خبرًا ولا قصة: الرمزية لها جذورها في العهد القديم، لا سيّما في أشعيا 5: 1-7؛ إر 7: 21؛ مز 79: 9-15. سوف نلاحظ أيضا معنى المياه الأبدية والمنّ والسلوى الذي هو رمز البركات في الزمن المسيحاني. كلّ هذه العناصر هي مهمّةٌ في ممارسة الأسرار الكنسيّة. فاستعمال الماء والخبز والخمر، يعطي المعنى الآنيّ لهذه التعابير ويربطه بكلمات يسوع. 
فعندما شدّد يوحنّا على أن يسوع هو الكرمة الحقيقية والمنّ الحقيقي، أراد بذلك أن يبرهن على حقيقة رموز العهد القديم التي اتّضحت واكتملت في شخص يسوع وإن أردنا أن ندرك معناها علينا معرفة يسوع الذي هو الرمز الأول.
ومن الخطإ اسبتعاد فكرة تاريخيّة الإنجيل الرابع بسبب اعتباره إنجيلا لاهوتيًا رمزيًا، بل على العكس، من خلال الرموز تتمّ الوحدة الكتابيّة ويتّضح لنا مخطّط الله.

"المجد" بين يوحنّا والعهد القديم
ومن الأمور المهمة في الإنجيل إبراز الأفكار الأساسيّة والتي تتوضّح بشكل تصاعديّ عبر الأحداث والخطب: من هذه الأفكار، بنظر بعض الباحثين، إظهار مجد يسوع من قبل الآب. إنهّا المفصل الحقيقيٌّ في الإنجيل (1: 14؛ 12: 41)، وتظهر بشكل واضح في خطبة الوداع (13: 31 و17). فحياة يسوع ورسالته تختصران بهذه الآية: "مجّدتك في الأرض، فمجّدني أيّها الآب" (8: 50-54؛ 17: 51). هذا المجد هو صدى مجد الله في العهد القديم، حيث إن مجد يهوه يظهر في عظمته وفي قداسته، في آياته الخارقة وفي عجائبه (عد 14: 22)، في معجزة البحر الأحمر وفي معجزة المنّ والسلوى (خروج 7:17). هذه الآيات الخلاصيّة تظهر مجد الله، من البحر الأحمر إلى سيناء وبعد ذلك في تابوت العهد (خر 43:29) قبل أن تسكن في هيكل سليمان (1 مل 8: 10) حيث تراءى مجد الله لأشعيا.
هذا المجد ترك الهيكل في زمن الجلاء بسبب خطيئة الشعب (حزقيال 9- 11)، وسوف يحلّ على الجماعة التي تتجدّد بالروح (حز 36: 23)، ويؤكد أشعيا الثالث أن الله سيملك على أورشليم المولودة من جديد بقوّته والمستنيرة بحضوره (أش 60: 1). ومن أورشليم سوف يشعّ مجد الله على كلّ الأمم (أش 60: 3). هذا البعد الشموليّ يظهر كذلك في مزامير الملك.
في إنجيل يوحنّا، يظهر مجد الله من خلال عاملين أساسييّن: الأول من خلال القدرة الإلهية الساكنة في المسيح، وخاصة في الآلام التي من خلالها سوف يتمجّد المسيح ويمجّد الآب.
والثاني من خلال إيمان التلاميذ، إذ إن الإيمان هو نتيجة الآيات (2: 11)، وتعاليم يسوع (68:6-69). فالمجد الذي ينطلق من المسيح لا ينفصل عن مجد الآب (9:17-10). إذا حمل التلاميذ الثّمار، فإنّهم يمجّدون الآب (8:15).

القسم الثاني
1- كيف ندرس الخلفيّة التوراتيّة
أ- النهج: إن الاستشهادات الصريحة من العهد القديم هي قليلة عند يوحنا بالنسبة إلى ما في إنجيل متى. هي 19 استشهادًا وتختلف عمّا في الأناجيل الإزائية.
وإذا ما قارنّا الاستشهادات المشتركة بين يوحنا والازائيين، نلاحظ استقلالية يوحنا في هذا الخصوص: أش 40: 3-5 "صوت صارخ في البريّة أعدّوا طريق الربّ" يقولها المعمدان (يو 1: 23). المزمور 118: 26 "مبارك الآتي باسم الرب" تلفظها الجموع في دخول يسوع إلى أورشليم (يو 13:12؛ مر 11: 19). ويرد مز 69: 10 (ق يو 2: 17) غيرة بيتك أكلتني، ولقد وردت هذه الآية في السبعينية بصيغة المضارع.
هذه الطريقة في إيراد الاستشهادات في النصوص، تفترض تعاملاً طويلاً مع الكتاب المقدّس (39:5: "إنكم تبحثون في الكتب") هو شبيهٌ بتقليد متى وإن كان أكثر عمقًا. وهكذا نستطيع ان نتكلّم عمن مدرسة لمتى ومدرسة ليوحنا. 
ب- الخلفية التوراتيّة: إن التقاليد الكتابية التي يرتبط بها الإنجيل الرابع تبدو متصلة بمعظم أسفار العهد القديم، ونذكر تحديدًا سفر الحكمة في تأثيره على مطلع الإنجيل، وسفر الخروج مع سيناء أمر لا يمكن تجاهله. هذه المجموعات كانت الأكثر انتشارًا في المجامع اليهودية. لنأخذ مثلاً التلميحات: في يو 19: 41 ترد كلمة بستان Képos مرتين، وفي يو 20: 15 ترد كلمة Képoros البستاني، هذه الكلمة تعيدنا إلى جنة عدن التي تذكرنا بآدم القديم والتي استعملها يوحنا بالارتكاز على ترجمة أكيلا وتيودوسيون في تك 2-3 ليذكّر بأن البستان هو الجلجلة حيث قبر يسوع، آدم الجديد، في التقليد المسيحي اليهوديّ.
اتفق الشرّاح على وضع الاستشهاد القصير في سياق أوسع لإدراك معناه الواسع.
كيف يقرأ يوحنا مز 42-43 مثلاً؟
ننطلق من الردّة: "لماذا تكتئبين يا نفسي وتقلقين فيّ؟".
هناك نصّان عند يوحنا يشيران إلى هذه الآية وهما يعودان إلى اضطراب المسيح أمام آلامه القريبة. في 12: 27 نقرأ: "الآن نفسي قلقة، وفي 13: 21: "قال يسوع هذا واضطرب في روحه". وهناك أصداء أخرى لهذا المزمور في اضطراب يسوع أمام قبر لعازر (11: 33-35) فنقرأ: "فارتعش يسوع بروحه واضطرب"، وعلى الصليب صرخ يسوع قائلاً "أنا عطشان" (28:19) صدى هذه الآية في المزمور نفسه 42: 3 "ظمئت نفسي إلى الله".

2- تقاليد آباء الشعب
بما أن آباء الشعب العبراني يحتلّون مكانة كبيرة في التقوى اليهوديّة، لم نعجب إن أفرد لهم يوحنا حيّزًا كبيرًا في إنجيله. نتوقّف فقط عند التفسير الكرستولوجيّ، ونكتفي ببعض لقطات لأن الموضوع أوسع من أن يحتويه مقال. 
أ- يعقوب
أشار جميع الاباء إلى سلّم يعقوب في 1: 51 (سترون السماء مفتوحة، وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن البشر). غير أن الطريقة التي بها يستلهم يوحنا هذا النص لا تُفهم إلاّ إذا عدنا إلى الترجوم. فبسبب النصّ العبريّ، تدلّ السلّم على أن الموضع (بيت إيل) هو نقطة اتّصال بين السماء والأرض. في هذا المكان نال يعقوب رؤية سماويّة وقف يهوه بقربه (تك 28: 31). في يو 1: 51، تركّزت الرؤية على العلاقة بين ملائكة الله وابن الإنسان وكأنه سلّم لهم؟ هناك بعض الالتباس في النصّ العبري. قيل عن الملائكة: "كانوا صاعدين ونازلين عليه" (ع ل ي م. و. ي ر د ي م. ب و) (تك 28: 12). إلى ماذا يعود الضمير مع حرف الجرّ (به)؟ إلى السلّم أم إلى يعقوب؟ تأرجح التفسير الرابينّي بين هذين الشرحين. ويلفت انتباهنا ترجوم نيوفيتي حيث تتركّز رؤية الملائكة على كرامة يعقوب. فخلال رقاده أعلن الملائكة الذين يرافقونه لملائكة العلاء: "تعالوا انظروا رجلاً بارًا حفرت صورته (إ ي ق و ن ي ه، ايقونته) على عرش المجد الذي تحترقون شوقًا لرؤيته".
ليس الموضوع في 51: 1 اكتشاف هويّة البار يعقوب، بل إبن الإنسان. وهكذا يشكّل هذا القول ذروة الأقوال التي تتوزعّ 1: 19- 51. فتجاه التيوفانيا (ظهور الله) التي نعم بها يعقوب، نال التلاميذ كرستوفانيا (ظهور المسيح) تدلّ على تسامي المسيح على الملائكة. إذا كان لا شكّ في تأثير الترجوم على هذا التفسير، فمان مزج تك 28 ودا 7 هو عمل اللاهوت اليوحناوي. ويكون الأمر طبيعيًا حين نلاحظ أن ترجوم تك 28 ودا 7 يرتبطان كلاهما برؤية حزقيال على شاطئ نهر كبار (أو الخابور).
ب- إبراهيم
لا يظهر إسم إبراهيم إلاّ في ف 8. ولكنه سيُذكر عشر مرات في 8: 31- 59. وبعد ذلك لن يظهر من جديد. لماذا كل هذا الاهتمام؟ هنا نعود إلى خلفيّة حوار يوحناوّي. فاليهود الذين آمنوا (8: 31) هم مسيحيون متهوّدون متأثرون بالشريعة اليهوديّة. وقد طلب منهم يسوع أن ينموا في الإيمان ليقتنوا الحريّة الحقيقيّة.
أما المقطع (8: 31-59) الذي نقرأ فيتميّز بعنف في الجدال. أعلن يسوع لمعارضيه: "أبوكم هو إبليس" (8: 44). فردّوا عليه: "أنت سامريّ وبك شيطان". (8: 48). يبدو من الصعب أن نظنّ أن هذه "الحرب" تعني مسيحيين متهوّدين. بل هي تشير إلى يهود عزموا على قتل يسوع. فكيف نجد تماسك النصّ؟ لا ننسى هنا أننا في إطار ليتورجيّ، في إطار عيد المظال (سكوت)، الذي يتذكّر مولد اسحاق كما يقول كتاب اليوبيلات (16: 10). إذن، لا ندهش إن وجدنا تلميحًا إلى الإبن الحرّ، إلى اسحاق، تجاه اسماعيل، إبن الأمة: "العبد لا يقيم في البيت على الدوام" (8: 35). ولا ننسى أيضًا أن شهر "تشري" (ايلول- تشرين أول) يتضمّن "يوم كيبور" (يوم التكفير) قبل "سكوت" (عيد المظال والأغصان). لهذا أعلن يسوع لمحاوريه الواثقين كل الوثوق بالغفران الإلهي: "إذا كنتم لا تؤمنون أني أنا هو، تموتون في خطاياكم" (8: 24؛ رج آ 21). إذن ليست ليتورجية "كيبور" هي التي تنال الغفران، بل الإيمان بالمسيح، وهو إيمان يرافق أعماله إبراهيم (8: 39: إعملوا أعمال إبراهيم).
ونحن نعيد بناء هذا النصّ كما نقرأه اليوم على الشكل التالي:
-8: 31-36: ردٌّ على اليهود الذين يعتبرون ذواتهم أحرارًا لأنهم من نسل إبراهيم.
-8: 37-47: وفضٌ لقول اليهود بأنهم نسل إبراهيم. فأعمالهم تدلّ على أنهم أبناء إبليس.
-8: 48-59: خضوع إبراهيم ليسوع. رأى يومه فابتهج. والتعارض بين ما صار إليه إبراهيم (قبل أن يكون إبراهيم) وما هو يسوع (أنا هو) يشدّد على المسافة الكبيرة بين الإثنين.
ونستطيع أيضًا أن نقابل هذا المقطع مع الحرب الكلاميّة بين يوحنا المعمدان واليهود الذين عادوا إلى كرامتهم كأبناء إبراهيم ليرفضوا أن يثمروا ثمرًا يليق بالتوبة (مت 7:3-10 وز). غير أن هذه المقابلة لا تكفي لكي تقيم رباطًا مباشرًا بين يوحنا وأقوال الإزائيين، فيُربط نصّ بآخر. فالمكانة الفريدة التي يمثّلها "أبونا إبراهيم" في العالم اليهوديّ (سواء كان في فلسطين أو بين الهلينيين)، جعلت المواجهة محتومة بين إبراهيم ويسوع في مختلف الأوساط.
ويلقي كتاب اليوبيلات ضوءًا على الطريقة التي بها فُهمت أخبار سفر التكوين على عتبة المسيحيّة: إن امتياز حريّة شعب اسرائيل قد تأسس على ف 15 تأسيسًا لاهوتيًا. فبعد الشريعة حول الختان (تك 17)، حدّد النصّ أنه إن أسلمت الأمم إلى أرواح تضلّلها، فالله لم يسمح لملاك ولا لروح أن يكون له سلطان على إسرائيل. "هو وحده ملكهم. هو يحميهم. هو يطالب بهم لدى ملائكته، لدى أرواحه، لدى قوّاته، لكي يحفظهم ويباركهم، فيكونون له ويكون لهم من الآن إلى الأبد" (اليوبيلات 15: 31-32).
في هذا المنظار، اعتبر اليهود أنه يحقّ لهم أن يعلنوا في يو 33:8: "نحن ذريّة إبراهيم. وما كنّا قط عبيدًا لأحد (لم يستعبدنا أحد). فكيف تقول أنت إنكم تصيرون أحرارًا"؟ لا رنّة سياسيّة (على مستوى العلاقة مع رومة) لموضوع الحريّة هنا، بل دينيّة. بما أن اليهود اعتبروا أنهم أفلتوا من سلطة الأرواح الشرّيرة، ردّ يسوع قائلاً إن أباهم هو إبليس (8: 44). وهكذا يلمّح النصّ إلى المدراش الذي يعلن أن قايين ولد من زواج الحيّة مع حواء (ترجوم تك 4: 1؛ رج 1 يو 8:3-12).
في إطار التعارض بين الابن الحرّ والابن العبد، نفهم أن يسوع اتّهم اليهود بأنهم أرادوا أن يقتلوه (8: 40). فاليهود يتصرفون مثل إسماعيل، ذاك الرامي بالقوس (تك 21: 20) الذي أراد أن يطعن أخاه متظاهرًا أنه يلعب. ذاك هو أحد الشروح الذي يقدّمه ترجوم سوطه (6: 6) ليبّرر طرد هاجر وابنها من بيت إبراهيم. ولكن حين يعملون عمل إبراهيم يقتدون بحسن ضيافته (تك 18). وبالتالي يستقبلون كما يليق مرسل الله (8: 42).
إن ابتهاج إبراهيم الذي رأى يوم المسيح يشكّل ذروة هذا الاعتبار حول وجه أبي الآباء. "إبراهيم أبوكم ابتهج حين فكّر بأن يرى يومي: رآه وفرح" (56:8). كيف نفسّر هذه الآية؟ هناك تفسيران لافتان. حسب الترجوم الفلسطينّي حول تك 15: 11، تمثّل الكواسر التي ترتمي على الاضحيات (علامة العهد) أربع ممالك سوف تسيء إلى إسرائيل: "هي ممالك الأرض، وحين يحوكون الأهداف الشريرة ضد بني إسرائيل، ينالون الخلاص باستحقاقات أبيهم إبراهيم" (نيوفيتي، تك 15: 11). وفي الترجوم، نال إبراهيم وحيًا عن المستقبل، ولا سيّما حول سقوط مملكة أدوم الفاسدة (تك 15: 12). ولكن لا حديث عن فرحه. غير أن الموضوع حاضر بمناسبة ولادة اسحاق حسب اليوبيلات 16: 16-29. إليكم كيف روى هذا الكتاب تأسيس عيد "سكوت" (المظال) ساعة وُلد اسحاق:
"احتفل إبراهيم بالعيد سبعة أيام، فابتهج بكل قلبه وكل نفسه، هو وجميع أهل بيته... فقد عرف أن زرع البّر لن يخرج منه للأجيال الأبديّة. وبالتالي الزرع المقدس... سمّى هذا العيد: "عيد الرب". عيد بهجة يرضي الله العلي" (يوبيلات 16: 25- 27).
يمكن أن نفسّر فرح إبراهيم لمولد اسحاق فرحًا مسيحانيًا، لأن اسحاق هو إبن الوعد. هنا يجب أن ندرس وجه اسحاق في الإنجيل الرابع. فالليتورجيا اليهوديّة ربطت بين "ع ق د ة" (ساعة قيّد) اسحاق وحمل الفصح وحمل المحرقة اليوميّة. لا شكّ في أن موضوع الحمل الذي يرفع خطيئة العالم، الحمل الذي ينحر ساعة الذبيحة الفصحيّة في الهيكل، يرتبط بهذه النمطيّة.
تلك هي الطريقة الاصليّة التي بها يقدّم يوحنّا وجه إبراهيم: لا يسترعي انتباهه صفته كأب للوثنيين، بل ضيافته وفرحه حين ولادة اسحاق. إذن، نحن أمام تفسير كرستولوجيّ مع تأكيد على وجود المسيح منذ الأزل. وكما أن يوحنا المعمدان انحنى خاضعًا أمام ذاك الذي هو قبله (يو 1: 15- 30)، شهد إبراهيم مسبقًا أن المسيح يشارك الله في كيانه: "قبل أن يأتي إبراهيم إلى الوجود فأنا الكائن" (8: 58). "قبل أن يكون إبراهيم أنا هو".
ج- موسى
تنبثق نظرة اليهود انبثاقًا في نهاية سفر التثنية الذي يختتم أسفار الشريعة الخمسة: "ولم يقم من بعد نبيٌ في إسرائيل كموسى، الذي عرفه الربّ وجهًا لوجه الذي بعثه الربّ ليصنع جميع هذه الآيات والمعجزات في أرض مصر" (تث 34: 10-11).
فبحسب النظرة اليهوديّة، لا نستطيع أن نفصل وحي التوراة بالمعنى الحصري، أي الأسفار الخمسة، عن الآيات التي ترافقه. كان يوحنا أمينًا لهذه النظرة حين توسّع فيها في منظور كرستولوجيّ.
ونكتفي بمثل واحد يحدّد تفسير يوحنا بالنسبة إلى تفسر الحكمة والتأويل الفلسطيني: نمطيّة حيّة النحاس. "كما رفع موسى الحيّة في البريّة، هكذا يجب على ابن الإنسان أن يُرفع لكي تكون الحياة الأبدية لكل من يؤمن به" (3: 14- 15).
إن تفسير هذا الحدث (2 مل 18: 4: سحق حزقيا حيّة النحاس التي كان موسى صنعها) في سفر الحكمة أمر يلفت النظر: "أقلقوا إلى حين انذارًا لهم، ونصبت لهم علامة للخلاص تذكّرهم وصيّة شريعتك. فكان الملتفت إليها يخلص، لا بذلك المنظور، بل بك يا مخلّص الجميع" (حك 6:16-7).
فبحسب الاتجاه الإرشادي في المدراش حول خر 10-18، فُهم الحدثُ كتنبيه وإنذار لكي يُدخل إلى القلوب الامانة للشريعة. وهكذا صارت الحيّة عربون خلاص، علامة خلاص. إن محور كل نظرة إلى سفر الحكمة، بل إلى العالم اليهوديّ كله، هو الشريعة التي نورها لا يفسد (حك 18: 5). إنها مبدأ خلاص لكل من يلتفت إليها في حركة توبة وارتداد.
وتوسّع التأويل الفلسطينّي في خطّين. نجد الخطّ الأوّل في كتابات التنائيم (أي الردّادين) والمكلتا (المحتوى) على خر 17: 11. ففي إطار حضّ على تلاوة "مجيله" والنفخ بالبوق (شوفر)، يشدّد النصّ على ضرورة "رفع القلب". قال المفسّر: "كل مرّة ينظر بنو إسرائيل إلى فوق ويخضعون قلوبهم لأبيهم السماوي يخلصون". وهذا النمط عينه من الشرح نجده في ترجوم يوناتان: "فكل من تعضّه الحيّة ويرفع نظره إليه يبقى حيًا إن هو وجّه قلبه نحو اسم كلمة الربّ" (حول عد 8:21).
والخطّ الثاني نجده في ترجوم نيوفيتي ومدراش رابّه على سفر العدد. هناك صوت يسمع اتهام الله لشعبه الذي يتذمّر دائمًا، ويدعو الحيّة لكي تكون شاهدًا يثبت خطأه: "لتأت الحيّة التي لم تتذمّر بسبب الطعام، وتسيطر على الشعب الذي تذمّر بسبب طعامه" (حول عد 6:21).
وبدا يوحنا قريبًا من تأويل سفر الحكمة حين أحلّ المسيح محلّ الشريعة. كما نلاحظ أن النصّ الذي كان لشعب إسرائيل وحده، قد تعمّم فدلّ على البشريّة. وهذا ما يدلّ عليه لقب إبن الإنسان. فموضوع الخلاص يشرف على كل يو 3. ولكننا نقرأ في آ 15 فعل "آمن" بدل "نظر" الذي نجده في السبعينيّة. فالإيمان يشكّل في نظر يوحنا العمل الأساسي في الارتداد، ويجد امتداده في التأمل والمشاهدة. لهذا لا نستطيع أن نفصل 3: 14-15 عن سائر الأقوال التي تتحدّث عن ارتفاع إبن الانسان (8: 28؛ 12: 32-34). وكل هذا يجد كماله في إيراد يختتم خبر الآلام: "ينظرون الذي طعنوه" (19: 36).
يكون الواحد تلميذ موسى أو تلميذ يسوع؟ ذاك هو السؤال الذي طُرح أيضًا في الحديث عن يوحنا المعمدان، مع اعتبار الفارق بين الأشخاص. ففي كلا الحالين، لا يُحدر الإنجيلي الوجهين المتعارضين، بل يجعلهما في خدمة الإيمان المسيحيّ. هنا نعود إلى نهاية الخطبة الدفاعيّة الكبيرة في يو 5. فبعد شفاء مخلّع بركة بيت زاتا، قدّم يسوع عمله على أنه مشاركة في عمل الآب، وجعل الشهود يمرّون الواحد بعد الآخر: "لا تظنّوا أني أنا من يشكوكم أمام الآب. من يشكوكم هو موسى الذي هو رجاؤكم. لو كنتم تصدّقون موسى لصدقتموني أنا أيضًا، لأنه كتب عني" (5: 45-46).
ونستطيع أيضًا أن نتوقّف عند الدور المعطى لموسى في يو 6. ففي كل هذا الفصل تتجمّع ذكريات من سفر الخروج: تكثير الأرغفة، عظة حول المن، ظهور الله على البحر (مثل عبور البحر الأحمر)، تذمّر الشعب الذي لا ينتهي. تبدو النمطيّة هنا في شكل انحداريّ: عظّم اليهود دور موسى، فتحدّث يسوع عن عطيّة الله في التدبير الجديد: "الحقّ الحقّ أقول لكم: ليس موسى هو الذي أعطاكم خبز السماء، بل أبي الذي يعطيكم الخبز الحقيقيّ. فخبز الله هو الذي ينزل من السماء، ويعطي الحياة للعالم" (6: 32-33).
تظهر أصالة يوحنا في هذا السياق، حين تدخلنا في منظار العهد الجديد الذي يتميّز بتعليم مباشر يقدّمه الله لنا (لا يعلّم الواحد أخاه من بعد): "يعلّمهم الله كلهم" (يو 6: 45؛ رج أش 13:44؛ إر 33:31-34). فمسيرة الفكرة هي هي في يو 1: 17-18: كانت المرحلة الأولى في الوحي ضروريّة. ولكن تفوّقت عليها المرحلة الثانية. هذا ما يشهد له الأنبياء الذين علّمونا أن نتجاوز حرف التوراة. إذن، يسوع هو أكثر من النبيّ الشبيه بموسى (تث 18: 15- 18). إنه إبن الإنسان الذي ختمه الآب بختمه (27:6) ليحمل الحياة إلى العالم كله.

3- قراءة زكريا قراءة مسيحيّة
هنا نعود إلى زك 9-14 الذي انطلق منه يوحنا وتوسّع في التقليد المشترك. ومع ذلك فليس هناك سوى ايرادين صريحين: واحد يتحدّث عن الملك المسيحاني الذي ركب جحشًا (زك 9: 9؛ رج يو 12: 15). وآخر يتحدّث عن النظر إلى المطعون (زك 12: 10؛ رج يو 19: 35). إن سفر الرؤيا سيستعمل سفر زكريا استعمالاً واسعًا. أما الإنجيل الرابع فتوقّف عند القسم الثاني فقط (زك 9-14). نحاول أن نكتشف الإشارات التي تعيننا على قراءة يوحنا لهذا النصّ النبويّ.
ونبدأ بالمقدمة السريّة: "وصلت كلمة الله إلى حدراك وتوقّفت في دمشق" (9: 1. هذا ما قالته السبعينيّة. أما العبريّة فتحدثّت عن الراحة). وسوف نجد ذات العبارة التقديميّة في زك 12: 1: "وصلت كلمة الربّ إلى إسرائيل". نرى هنا كلمة الله التي بدت كشخص حيّ. هي تشبه جيشًا يحتلّ الممالك، فتنتقل من موضع إلى آخر، وفي النهاية تجد راحتها. مثل هذا النمط من التفكير يقودنا إلى "أقنوم" الكلمة الإلهيّ.
في إطار دخول يسوع إلى أورشليم، انتمى استعمال المزمور الفصحيّ (مز 18) إلى تقليد مربّع (أي في الأناجيل الأربعة). أما إعلان الملك المسيحانيّ في زك 9:9 فلم يلق اهتمامًا إلاّ لدى يوحنا ومتّى. أهتمّ الإنجيلي الأول بالمطيّة، بالجحش، بصغير الأتان (مت 21: 5). أما الإنجيلي الرابع فأورد وحده مقدّمة القول الخلاصيّ: "لا تخافي". فاستبعاد الخوف يهيّئ أحد المواضيع التي نجدها في خطب الوداع: "لا يضطرب قلبكم" (14: 1-27). "تقوّوا (لا تخافوا). أنا غلبت العالم" (16: 33).
لقد أراد يوحنا أن يرسم دخولاً ملكيًا. وهذا ما يدلّ عليه ذكر عبارة "ملك إسرائيل" كما في مز 25:118-26. وهكذا يكون الخبر مطلعًا لخبر الحاش اليوحناوي المركزّ على إعلان ملك المسيح. والتلميح إلى داود الذي نجده في زك 9: 9 قد يكون الانجيليّ أراده أيضًا. قد نشكّ حين نلاحظ أن اليهود عارضوا نبوءة ميخا حول بيت لحم مع أصل يسوع الجليليّ (يو 7: 42). ولكننا هنا أمام الممازحة اليوحناويّة. فيوحنا يهتمّ كل الاهتمام بأن يثبت صفة يسوع المسيحانيّة، ويذهب به اهتمامه إلى استعمال لفظة "ماسيا" (1: 41) في اعترافات الإيمان التي تطبع بطابعها لقاءات يسوع مع تلاميذه الأولين.
ولكن استعمال يوحنا للعهد القديم، هنا كما في مواضع أخرى يفترض تأوينًا يحوّل مدلول النصّ. فإن ارتبط يوحنا بقول ناتان النبيّ في 2 صم 7، عبر زك 9:9، فهو يحوّل منظوره. كانت هناك بنوّة بسيطة على مستوى التبنّي. فصارت بنوّة حقيقيّة. يسوع هو الابن. مونوغينيس (1: 18). تطلّع زك 9: 9- 10 إلى إعادة بناء إسرائيل الكبير، "من بحر إلى آخر، ومن النهر إلى أقاصي الأرض". أما شموليّة يوحنا فتفترض الخروج من حظيرة إسرائيل (يو 1: 1- 18). ويرمز إلى هذه الشموليّة الكتابة على الصليب. دوّنت في ثلاث لغات: العبرية (أو: الآراميّة) واللاتينيّة واليونانيّة: فجميع البشر مهما كانت أجناسهم وأعراقهم، مدعوّون لأن يروا في يسوع ملك اليهود. وبدا زك غامضًا فلم يلفت انتباه القرّاء المسيحييّن. أما ف 11 فيتضمّن توسعًا حول الراعي الصالح الذي رذله شعبه. هذا التوسّع نجده عند متّى بشكل مدراش مع الثلاثين من الفضّة (مت 3:27-10. مزج زك 11: 12-13 مع إر 6:32-9). أما منابع إلهام الراعي الصالح في يو 10: 1-8. فهي جدّ متشعبّة. فإن كان حز 34 هو المرجع الرئيسيّ، فنحن لا نستطيع أن نقلّل دور زكريا. فصورة الراعي المضروب الذي يشرف على انتقاد الرعاية اليهودية كما في نبوءة زكريا، سيستعيدها يسوع والتقليد الإنجيليّ في إعلان الآلام في مر 14: 27 وز. وهي تلقي ضوء الكتب على يو 10: 7 ب- 8، وتدلّ (مع أش 53: 12) على الخلفيّة النبويّة لتوسّع يو 10: 11-17 حول الراعي الاسكاتولوجيّ الذي "يهب حياته" من أجل خرافه. 
وإعلان تشتّت القطيع في زك 13:7 هو في خلفيّة مقطع نقرأه في خطبة الوداع الأخيرة: "قد أتت الساعة، وهي الآن حاضرة، حيث تتفرّقون كل واحد من جهته" (16: 33). إن فعل "تفرّق" (سكوبيزاين) الذي لا يرد بتواتر مثل "دياسباراين" (من هنا "دياسبورا: أو الشتات")، لا يقرأ إلاّ في يو 10: 12 في حديث عن تفرّق القطيع بسبب الذئب. استعمل يوحنا هنا النص الماسوريّ (رج مر 14: 27= مت 26: 31)، لأن السبعينيّة تقدمّ نصًا مختلفًا: "أضرب الرعيان وأشتّت الخراف". نلاحظ هنا أيضًا كيف أوّن يوحنا النصّ وحوّل مدلوله. تحدّث نصّ زكريا فقط عن موت الراعي. أما المسيح اليوحناوي فقدّم تفصيلاً هاما: "تأتي ساعة... تتفرّقون كل واحد من جهته، وتتركوني وحدي. بيد أني لست وحدي، لأنّ الآب معي" (16: 32). نستطيع أن نقابل هذا القول مع "إيلي، إيلي لما سبقتاني" (كما في مر ومت). فعن يوحنا، لا تتميّز الساعة بالمسافة بين يسوع والآب، بل باتحاد الحبّ بين الاثنين.
أما القول السريّ حول مطعون بيت داود في زك 12: 10- 11. فقد لفت اهتمام الجماعة المسيحيّة. وهذا النصّ قد استعمل في مت 24: 30؛ رؤ 7: 1 (إطار جلياني). بيد أن يوحنا استعمله بشكل أصيل في نهاية خبر الآلام. بعد المأساة، ها هو نداء مليء بالرجاء: "يرون الذي طعنوه" (37:19). إن المعنى الحقيقيّ لهذا الايراد البيليّ لا يُدرك إلاّ إذا وضع مع دعوة يسوع الاحتفاليّة في عيد المظال (سكوت): "إن عطش أحد فليأت إليّ. وليشرب من يؤمن بي" (يو 7: 37).
ومع أن يوحنا ارتبط بالتقليد المدراشي اليهوديّ، فقد دلّ على حرية كبرى في تفسيره. وها نحن نشير إلى وجهات مميّزة:
- إن كان أحد... تحمل الدعوةُ الطابع الشخصي والشامل. هذا هو إرث التقليد الحكمي الحاضر في الإنجيل الرابع، وهو يدعو كل إنسان بشكل شخصيّ إلى جواب على هذا النداء الذي يوجّه إليه. لا شكّ في أن الخلاص لا يمكن أن يكون دون التجمّع، إلاّ أنه يطلب قرارًا شخصيًا من كل واحد منا.
- ليأت إليّ. يسوع هو في قلب الحياة الدينيّة. أما في زكريا، فالملك المسيحاني ومطعون بيت داود، لا يلعب إلاّ دورًا ثانويًا.
- يبدو المسيح مثل صخر البرّية، حجر أساس الهيكل. نجد هنا أيضًا نمطيّة الهيكل كما في 1: 51 و2: 19- 21.
- مياه الحياة: لا تنحصر هذه الحياة في أفق أرضي كما عند زكريا، بل تصل إلى الحياة الأبديّة كما بدأت منذ الآن للمؤمن (17: 3).
إن التقارب بين 37:7-38 و19: 34-37، يتيح لنا أن نربط الدم والماء اللذين جريا من جنب المسيح المطعون بينابيع المياه التي أعلنها زكريا. وهكذا نعطي معنى ايجابيًا للنظر إلى المطعون. غير أن شرّاحًا انطلقوا من المعنى التهديديّ كما في مت 24: 30 ورؤ 1: 7، ففسّروا النصّ كنبوءة "شرّ" ترتبط بساعة الدينونة. ولكن يبدو أننا أمام نظرة توبة يُدعى إليها جميعُ قرّاء الإنجيل على خطى التلميذ الحبيب الذي شاهد ما جرى.
وهكذا حافظ يوحنا على المعنى الاجماليّ لنصّ زكريا، لأن النظر إلى المطعون يترافق من قبل الله، مع روح الرضى والتّضرّع (زك 12: 10). والإنباءات المتكرّرة حول ارتفاع إبن الإنسان تتحقّق عند ذاك حين تقابل مع الحيّة النحاسيّة. "وكما رفع موسى الحيّة في البريّة، هكذا يجب أن يرفع ابن الإنسان لكي ينال الحياة الأبديّة كل من يؤمن به" (3: 14-15). فالنظر الذي يخلّص لا يمكن إلاّ أن يكون نظر إيمان. غير أن هذا النظر لم يكن ممكنًا لو لم يعط الروح (أسلم، سلّم الروح إلى الكنيسة) بيد يسوع فأتمّ كل شيء (19: 30). وخاتمة زك 14: 21 (لا يعود بعد تاجر في بيت يهوه) هي في خلفيّة خبر طرد الباعة من الهيكل (يو 16:2).

خاتمة
ما لاحظناه في هذه العجالة هو اتّساع التقاليد البيبليّة التي نجدها في خلفيّة الإنجيل الرابع. فالتوراة تشكّل قماشة ترتسم عليها صور الآباء والوحي المعطى لموسى والآيات التي طبعت بطابعها سفر الخروج. وقراءة يوحنا لهذه النصوص تستند إلى التقاليد المدراشيّة المختلفة. عاد يوحنّا إلى أشعيا الأول الذي أبصر مجد يسوع (يو 12: 41). كما عاد إلى أشعيا الثاني ولا سيّما أناشيد عبد يهوه. وتوقّفنا عند زك 9-14 حيث فتح يوحنا طريقًا خاصًا به. أما التقليد الحكميّ فنقرأه بشكل خاص في مطلع الإنجيل كما في الخطب التي يقدّم يسوع نفسه فيها على أنه ينبوع الحياة.
نظرة يوحنا نظرة تتركّز على المسيح: هو الكلمة المتجسّد وحجر زاوية الكتب المقدسة. والصور التقليدية أضحت صور يسوع المسيح. هذا ما نقوله عن الهيكل، وعن الكرمة. فكلّ شيء يتّخذ معناه بواسطة من اعتبر نفسه مشاركًا في الحضور الإلهي كما قالت العلّيقة الملتهبة. المسيح اليوحناويّ هو مفسّر الآب، هو من يقودنا إلى حضن الآب (18:1)، فيكشف لنا آنيّة كتب تتيح لنا أن نكتشف ذاك الذي هو الطريق والحقّ والحياة. ورفض الإيمان به يعتبر عند ذاك خيانة لديناميّة الوحي الذي منحه الله لشعبه بواسطة موسى. وكل هذا قد أصبح ممكنًا بواسطة الروح الذي ساعد التلميذ الحبيب على الشهادة في خطّ المسيح الذي قال عنه سفر الرؤيا إنه الشاهد الأمين وبكر الأموات ورئيس ملوك الأرض.
حتّى الآن لا يمكننا أن نجزم بقراءة واحدة للإنجيل الرابع. هناك سبعون تفسيرًا للكتاب المقدّس، يقول أحد الرابينيّين. هذا صحيح، فكلّ هذه التفاسير موجّهة إلى المسيح.
فلنصلّ مع مار أفرام السرياني هذه الصلاة: "يا ربّ، من يقدر أن يفهم كلّ الغنى في كلمة واحدة من كلماتك؟... إنها شجرة الحياة، تحمل الثمار المباركة في كلّ أغصانها... من يحصل على واحدة من هذه الثمار، لا يتوهّمنّ أنّ المعنى الذي اكتشفه هو المعنى الوحيد، عليه أن يعي أنّه لم يستطع أن يكشف إلاّ واحدة من المعاني الكثيرة... إذا روّيت ظمأك من الينبوع الذي لا ينضب، عُد إليه واشرب منه في كلّ مرّةٍ تحس فيها أنّك عطشان" (دياطسرون، 1: 18- 19).