يسوعُ المسيح وابراهيم

 

القرائن الأدبيّة
يقع هذا النصّ في نهاية مناقشة طويلة بين يسوع واليهود (8: 12-44). فقد دارت هذه المناقشة في أجواء عيد المظالّ اليهوديّ، والفصلان السّابع والثّامن من انجيل يوحنّا يتكلّمان عن هذا العيد (2:7 و8 و9- 11 و14 و 37).
علينا إذًا أن ندرس هذا النصّ انطلاقًا من القرائن الأدبيّة، وهي المناقشة الدّائرة بين يسوع واليهود في عيد المظالّ لأن النصّ الذي نحن في صدد دراسته هو القسم الأخير من هذه المناقشة المذكورة.

عيد المظالّ، تطوّره ومعانيه
كان عند المظّال، وهو عند الخريف الزّراعيّ، يدوم أسبوعًا كاملاً. فقد كان الشعب يشكر الله على موسم الحصاد، ويرفع الدعاء مستمطرًا البركات على الموسم القادم. ومع مرّ الزّمن، أخذ العيد أكثر فأكثر طابعًا دينيًا، فصار المؤمنون يحتفلون بمناسبة هذا العيد بذكرى الأربعين سنةً التي قضاها الأجداد في البريّة، وبذكرى المياه التي فجّرها موسى من الصّخرة (حز 17).
أمّا نسبة العيد إلى المظّال، فذلك لأن اليهود في زمن العيد هذا كانوا يقيمون تحت أكواخ من أوراق الشجر، متذكّرين بذلك خيم أجدادهم البداة السّائرين في البريّة مدّة أربعين سنة.
مكان هذا العيد لا يكتفي بالتلميح إلى أحداث هامّة من الماضي، بل كان يفتح الآفاق نحو المستقبل، فقد كان مثقلاً بمعان نبويّة: إنّه ينبئ بفرح زمن الخلاص المشيحي ويرمز إليه، والدليل على ذلك نبوءة زكريّا 14: 6-9 و16: 
"وفي ذلك اليوم، لا يكون يومٌ صاف، ثمّ يومٌ غائم. ويكون يومٌ واحد، وهو معلومٌ عن الرّبّ، ولا يكون نهارٌ ولا ليل، بل يكون وقت المساء نور. ويكون في ذلك اليوم أنّ مياهًا حيّةً تخرج من أورشليم... ويكون الرّبُّ ملكًا على الأرض كلّها، وفي ذلك اليوم يكون ربٌّ واحدٌ واسمه واحد... ويكون أنَّ جميع الذين أبقى عليهم من جميع الأمم الزّاحفة على أورشليم يصعدون سنةً بعد سنة ليسجدوا للملك، ربّ القوّات، وليعيّدوا عيد الأكواخ".
فقد كان عيد المظالّ من أهمّ الأعياد الدّينيّة لدى اليهود. فالمؤرّخ يوسيفوس يسمّيه "العيد الكبير". ويتحدّث العهد القديم بإسهاب عن هذا الموضوع في سفر الأحبار (23: 40-43) وفي سفر تثنية الاشتراع (16: 13- 15).
"وخذوا لكم في اليوم الأوّل ثمر أشجار فقيرة وسعف نخل وأغصان أشجار كثيفة وصفصاف نهريّ، وافرحوا أمام الرّبّ إلهكم سبعةَ أيّام. وعيّدوه عيدًا للرّبّ سبعة أيّام في السّنة: فريضة أبديّة مدى أجيالكم.
في الشهر السابع تعيّدون: تقيمون في الأكواخ سبعة أيام. فليقم في الأكواخ كلّ ابن البلد في اسرائيل، لكي تعلّموا أجيالكم أنّي في الأكواخ أسكنتُ بني اسرائيل، حين أخرجتهم من أرض مصر: أنا الربّ إلهكم" (أح 23: 40-43).
"واحتفل بعيد الأكواخ سبعة أيّام، حين تجمع غلّة بيدرتك ومعصرتك وافرح في عيدك هذا، أنت وابنك وابنتك وخادمك وخادمتك واللاوي والنزيل واليتيم والأرملة الذين في مدنك. سبعة أيّام تعيّد للرّبّ إلهك في الموضع الذي يختاره الرّب، لأن الرّبّ إلهك يباركك في كلّ غلّتك وفي كلّ عمل يديك، فلا تكون إلاّ فرحًا" (تث 16: 13- 15).

المناقشة حول مشيحيّة يسوع
عندما ننتبه إلى القرائن المذكورة في هذا النصّ، نكتشف أنَّ المناقشة حول مشيحيّة يسوع مرتبطة بالدرجة الأولى بجوّ عيد المظّال بأبعاده المشيحيّة. فإن عدنا إلى النصّ وجدنا أن منطلق المناقشة هو تلك الأسئلة التي كان يطرحها النّاس حول شخصيّة يسوع: والجموع تتهامس في شأنه، فبعضهم يقول: "إنه رجلٌ صالح"، وبعضهم يقول: "كلاّ، بل يضلّل الشّعب" (7: 12 و26 و31 و40).
ففي قلب هذا العيد الذي كان يُشعل في قلوب النّاس الآمال المشيحيّة الواردة في الصلوات والقراءات والطقوس، يقف يسوع معلّمًا ومعلنًا أنّه مرسل الله. فلا معنى لعيد المظالّ إلاّ به، والعيد يشير إليه بشكل خفيّ: في آخر يوم من العيد، وهو أعظم أيّامه، وقف يسوع ورفع صوته: "إن عطش أحدكم فليُقبل إلي، ومن آمن بي فليشرب" (7: 37-38)، وكلمهم أيضًا يسوع، قال: "أنا نور العالم، من يتبعني لا يمشي في الظلام، بل يكون له نور الحياة" (12:8).
وعندما نقرأ ما يتبع نلاحظ أن الشعب في حيرة أمام يسوع، والفريسيين يرفضون شهادة يسوع على نفسه: "لذلك قلت لكم: ستموتون في خطاياكم" (8: 24)، "وبينما هو يتكلم بذلك، آمن به خلق كثير" (8: 30). وبعد ذلك يخاطب يسوع الذين آمنوا به: "إن ثبتم في كلامي، كنتم حقًا تلاميذي، تعرفون الحق، والحق يحرّركم". فيجيبه اليهود بأنهم لا يحتاجون إلى من يحررهم، لأنهم "ذرية ابراهيم ولم يكونوا يومًا عبيدًا لأحد!" (8: 31-33).
فالنقاش يدور حول موضوع الانتماء إلى ذرية ابراهيم في شرح يسوع لليهود بأنه لا يكفي أن يكون الانسان من ذرية ابراهيم بالجسد لينال ما نال ابراهيم من نعم وعطايا، فعليه أن يتم بعض الشروط الروحية:
عليه أن يتحرر من الخطيئة، لأن كل إنسان يرتكب الخطيئة، وإن كان من ذرية ابراهيم، فهو عبد (8: 40). أما ابراهيم فقد آمن بالمسيح الآتي.
بعد هذه المقدّمات إلتي أستُعرضت فيها أهميّةُ عيد المظال في العهد القديم وعلاقته بمشيحية يسوع التي تطرح تساؤلات على اليهود من رافضين ومؤمنين، نصل إلى النص الذي نحن في صدد دراسته (8: 45-59)، فهو يفتتح القسم الثاني من المناقشة، وفيه يكشف يسوع عن هويته المشيحية في علاقة مع شخصيتين هامتين من الكتاب المقدس، ابراهيم وابنه اسحق.

1- من منكم يستطيع أن يثبت علي خطيئة
بعد أن أظهر يسوع خطيئة اليهود، غير المؤمنين، فإنه يتحدّث الآن عن نفسه: "من منكم يثبت علَّ خطيئة"؟ (46:8). فعلى منوال كثير من العبارات اليوحناويّة، فإن لهذه العبارة مدلولين: قضائي ولاهوتي.
قضائي لأن يسوع بريء رغم المحاكمة التي تقام ضده. وتقوم رواية الآلام على هذه البراءة التي أعلنها بيلاطس "لم أجد سببًا لتجريمه" وهناك أيضًا مدلول لاهوتي: فإن يسوع من حيث أنه مرسل من الآب فهو دون ملامة 17:7-19)، لا يكذب ولا يخدع الناس، يقول الحقيقة التي سمعها من الله ويقول "بما رأى عند أبيه" (8: 45 و40 و38). فيسوع هو الابن الطاهر والبريء، وحالته هذه تعكس روح الله.
ليس موقف العداء الذي يلقاه يسوع سوى تعبير عن بغض شيطاني للحقيقة. فالحقيقة هي المزعجة. فحين يرفضون يسوع، فهم يرفضون الحقيقة: أما أنا فلا تصدّقوني لأني أقول الحق" (8: 45). يُرغم يسوع سامعيه أن يراجعوا ضميرهم: "فإذا كنت أقول الحقّ فلماذا لا تصدّقوني؟ من كان من الله سمع كلام الله. فإذا كنتم لا تسمعون فلأنكم لستم من الله" (46:8 ب-47). فإن كانوا لا يكتشفون الله في كلام ابنه، فذلك لأنّهم ليسوا حقًا أبناء الله. فلا اتّهام أعظم يوجّه لأفراد من الشعب المختار. ألم يقولوا هم قبلاً: "لا أب لنا إلاّ الله وحده" (8: 41).

2- يسوع متّهم بمسّ من الشيطان
"فقال اليهود: ألسنا على صواب إذا قلنا إنك سامريّ وانّ بك مسّا من الشّيطان؟" لا حاجة للتوقف عند العداء الذي كان يفصل بين اليهود والسّامريين (4: 9)، فقد كان اليهود يرون أنّ السّامريين يدّعون على غير استحاق بأنهم شعب الله. فإنّهم يضعون يسوع في صفّ هؤلاء الذين يحملون اللعنة. وزيادةً على ذلك ففي يسوع مسّ من الشيطان: "ليس بي مسٌّ من الشيطان ولكنّي أكرّم أبي وأنتم تحتقروني" (8: 49).
يسوع يجيب على التّهمة بطاعته المطلقة لأبيه. أن يكرم أباه هو هّمهالأوحد. أمّا أعداؤه فلا يفهمون أنّ الذي لا يكرم الابن لا يكرم الآب أيضًا. "فمن لم يكرم الابن لا يكرم الآب الذي أرسله" (5: 23).
"أنا لا أطلب مجدي، هناك من يطلبه لي ويحكم" (8: 50). إنّ يسوع أسلم مجده الشّخصيّ لأبيه، فهو كفيل بمجد ابنه. إنّ مجد الآب ومجد الابن واحد. "أنا والآب واحد" (10: 30).

3- كلام يسوع هو كلام الحياة
"الحقّ الحقّ أقول لكم: من يحفظ كلامي لا يرى الموت أبدًا" (8: 51). بما أنّ الابن يسوع، لا يعمل ولا يتحدّث إلاّ سعيًا وراء مجد الله، فإن كلامه يحمل الحياة لكلّ النّاس. فإنّ هذه الكلمات ترد مرارًا على شفتي يسوع: "الحقّ الحقّ أقول لكم: من يسمع كلامي ويؤمن بمن أرسلني فله الحياة الأبديّة... ولكنّه انتقل من الموت إلى الحياة"، "والكلام الذي كلّمتكم به روحٌ وحياة"، "لأنّي لم أتكلّم بشيء من عندي، بل الآب الذي أرسلني أوصاني بما أقول وأتكلّم" (5: 24-6: 63-12: 49). إنّ كلام يسوع ينجي من الموت الإنسانَ الذي يتقبّله ولعمل به.

4- يسوع يعرف الآب
إن سامعي يسوع يشوّهون ما يقول. فهم يطبّقون كلامه على الموت الجسديّ ويسخرون منه زاعمين أن الرّوح الشرير يتكلّم فيه: "قال له اليهود: الآن أيقنّا أنّ فيك مسّاً من الشيطان. مات إبراهيم ومات الأنبياء، وأنت تقول: من يحفظ كلامي لا يذق الموت أبدًا" (8: 52).
إنّ إبراهيم والأنبياء، قد سمعوا كلام الله وماتوا، ويجسر يسوع على القول: "من يحفظ كلامي لا يرَ الموت أبدًا" (8: 51)، فمن يعدّ نفسه؟ فاليهود لا يرون في كلامه سوى كفر وجحود فيتابعون سخريّتهم قائلين: "أأنت أعظم من أبينا إبراهيم الذي مات، وكذلك الأنبياء ماتوا" (8: 53)؟ كانت السّامريّة قد طرحت على يسوع السّؤال ذاته: "هل أنت أعظم من أبينا يعقوب الذي أعطانا هذه البئر؟" (4: 12). إنّ اليهود يرجعون حتّى أبراهيم. فقد سألوه منذ فترة قصيرة: "من أنت؟" (8: 25). ويعاودون الكرّة: "فماذا تعدّ نفسك؟" (53:8). لا يجيب يسوع على السؤال مباشرةً، يبعد بكلمة واحدة أفكار محدّثيه الخبيثة، فليس فيه أفكار مجد باطل وعنجهيّة تنسب إليه. فمجدٌ واحد يهمّه وهو المجد الذي يأتيه من الآب. "فأجاب يسوع: "لو مجّدت نفسي لكان مجدي باطلاً لكنّ أبي هو الذي يمجّدني" (8: 54 آ). إنّ يسوع يعرف أنّ الآب يحبّه حبّاً لا مثيل له وهذا مجده، وهذه هي حياته، وهذه هي الحقيقة للناس أجمعين (3:17).
يدّعي اليهود بأنهم مرتبطون بالله برباط خاصّ. فقد صاروا شعبه حين اختارهم الله وأقام عهدًا معهم وهم يقولون: "هو إلهنا" (تك 17: 7). فإنّ يسوع يهدم أوهامهم حين يكشف لهم جهلهم لله: "تقولون: إنّه إلهنا ولا تعرفونه، أما أنا فأعرفه. وإذا قلت لكم: لا أعرفه، كنت مثلكم كاذبًا. لكنني أعرفه وأحفظ كلامه" (8: 54 ب- 55).
علينا أن نفهم معنى كلمة المعرفة هنا، استنادًا إلى تقليد العهد القديم النبويّ. فالمعرفة ليست معرفة مجرّدة قائمة على المفاهيم النّظريّة، إنّما معرفة واقعيّة، علاقة شخصيّة تخوّل الإنسان على أن يعيش في اتحاد عميق مع الآخر. إنّ محدّثي يسوع لا يعرفون الله هذه المعرفة العميقة، والدّلالة على ذلك، موقفهم منه. "لو كان الله أباكم لأحببتوني". فلو عرفوا الآب لقبلوا الابن بالتهليل، لكنّهم يرفضونه كسامريّ قد مسّه الشيطان. أمّا يسوع فهو يعرف الآب، ولو قال عكس ذلك لناقض كلامُه الحقيقة. والدّلالة على أنّ يسوع يعرف الآب معرفة شخصيّة، حقيقيّة، هو أنه، يحفظ كلامه ويتمّمه.

5- إبراهيم ويسوع
بدأت المناقشة حول أبناء إبراهيم الحقيقيين، فنفي يسوع كلام محدّثيه في الانتماء إلى إبراهيم وفي الادّعاء بأنهم أبناء الله. أما اليهود فقد طرحوا عليه السؤال ساخرين: "أأنت أعظم من أبينا إبراهيم؟" (8: 53). فأجابهم يسوع مظهرا علاقته بأبيه ومن ثم علاقة إبراهيم به: "ابتهج أبوكم إبراهيم على رجاء أن يرى يومي ورآه ففرح" (8: 56).
علينا أن نلاحظ أولا سخرية يسوع في تعبير "أبوكم". لقد أبى يسوع منذ فترة أن ينتسب محدثوه لإبراهيم. إلا أنه إذا قبل الآن أن ينتسبوا لإبراهيم، فذلك حتى يُظهر لهم تناقضهم: فكما أن ابراهيم قد عاش راجيًا "يوم يسوع" وسُرَّ برؤيته، فكذلك هم إن أرادوا أن يكونوا أبناء إبراهيم عليهم أن يُسرّوا برؤية هذا اليوم بعيونهم. إن يسوع يستعمل لنفسه تعبيرًا خاصًا بالله: "يومي"، لأنه كثيرًا ما استعمل الأنبياء تعبير "يوم الرب". فإن يسوع يستبق زمن موته وقيامته مظهرا مجده، ولكن خطيئة اليهود قامت في عدم رؤيتهم هذا المجد. 
متى وكيف شاهد إبراهيم يوم يسوع؟
يبدو أن يسوع يستند إلى حدث من حياة إبراهيم. ولا شك أن هذا الحدث قد سرد في تك 17:17 و16:21 فقد كُتب في هذه النصوص أن "إبراهيم سقط على وجهه وضحك" حين سمع أن الله يعده بابن في شيخوخته. وأن اسم اسحق نفسه يعني "ضحك". وقد فسرت هذه الضحكة في قسم كبير من التقليد اليهودي كعلامة فرح كبير، واعتُبرت عنصرا هاما في ميلاد اسحق. لا شكّ أن يسوع يستند إلى هذا التقليد مفسرا حدث ميلاد اسحق على الطريقة التالية:
إن إبراهيم قد شاهد في ميلاد اسحق مجيء يوم يسوع. لقد شاهده عن بعد (عد 17:24 وعب 13:11) في رؤية نبوية حملت إليه الفرح. ففي نهاية المناقشة حول حق الانتساب لإبراهيم، يقدم يسوع ذاته كثمرة الوعد الحقيقية، سبب الفرح الحقيقي اسحق الحقيقي. فاسحق الأول لم يكن إلاّ صورة عنه.
إن يسوع يوصل الفرح المشيحيّ في نفسه بمناسبة عيد المظال. فكأن طقوس الماء والنور قد صارت له. وإنه بمقدورنا كذلك أن ندعم هذا التفسير بتقليد يهودي قديم مفسِّر لهذه الحادثة. فإنه يزعم أن إبراهيم قد أسس عيد المظال لدى ولادة اسحق، ليعبِّر عن فرحه مدة سبعة أيام.
فعلى السؤال الذي يطرحه اليهود على يسوع: "أأنت أعظم من أبينا إبراهيم؟" الجواب واضح ليس إبراهيم سوى شاهد ليسوع، ولا وجود له سوى بيسوع، فهو مرتبط بيسوع وليس العكس. فإن فرحَ إبراهيم العميق يتعارض مع رفض ذريته غير مؤمنة.
"قال له اليهود: أرأيت إبراهيم وما بلغْتَ الخمسين بعد؟" في الواقع، إنّ اليهود يشوّهون كلام يسوع: فإنّ يسوع لم يقل إنّه رأى إبراهيم، ولكنّ إبراهيم قد رآه. لم يُرد اليهود الفهم بأنّ يسوع يتحدّث عن رؤية نبويّة، فراحوا يشوّهون كلامه، ويسخرون منه. ولكنّ ما يقولون هو أعمق مما يفكّرون: "فقال لهم يسوع: "الحقّ الحقّ أقول لكم: قبل أن يكون إبراهيم، أنا هو". فأخذوا حجارة ليرجموه" (8: 58-59 آ).
عملاً بشريعة الله في سفر الأحبار 16:24، يهمّ اليهود في رجم يسوع. أفلا يدّعي يسوع أنّ له وجودًا يتجاوز الزمن؟ أوليس هذا لله وحده؟ فإنّ يسوع يعلن أنّه قبل أن يكون إبراهيم في الوجود، فهو "كائن أمس واليوم وغدًا". فهو إذًا مثل الله، يسيطر على الزمن والتّاريخ، ويستعمل اسم الله "أنا هو الكائن" (خر 14:3).

6- يسوع يخرج من الهيكل
"فتوارى يسوع وخرج من الهيكل" (8: 59 ب). اختفى يسوع خوفًا من أن يرجموه، فإنّ ساعته لم تأت بعد. وإنّنا نقرأ كذلك في إنجيل يوحنّا: "فحمل صليبه، وخرج إلى المكان الذي يدعى الجمجمة" (19: 17). ففعل "خرج" هامّ جدًا بالنسبة ليسوع وللشعب اليهودي. فإنّ مدينة الخلاص، أورشليم، وفي قلبها الهيكل، تقف رافضةً يسوع: "جاء إلى بيته فما قبله أهل بيته" (1: 11). فهو دون خطيئة وقد اتّهموه بأن فيه مسّاً من الشيطان.

خاتمة
لا يصعب علينا أن نفهم نحن معنى هذا النصّ المدروس وأن نسمع صداه في حياتنا اليومية. فإن رفض يسوع ليس عملاً قام به معاصروه فقط. إن هذا الرّفض في فكر يوحنا هو رفض "العالم". إنّ يسوع يحمل الحقيقة للإنسان ويسعى إلى أن يحرّره ويخلّصه بها. إنّ الانسانيّة في أعماقها تنتظر يوم مجيئه، تنتظر هذا اليوم الذي سوف ينتشلها من ظلماتها. وإنّ تاريخ العهدين القديم والجديد يؤكّد لنا بأنّ هذه الإنسانيّة قد شاهدت هذا اليوم وفرحت به، لكنّ قلبَ الإنسان قاس ومقاومٌ ليسوع. إنّه يرفض الاعتراف بأن يسوع هو كلمة الله وأن كلامه حقّ وحياة.