مقارنة بين تعاليم يوحنا وقمران

 

تعيد الإسكاتولوجيا، في إنجيل يوحنا، الحياة للتعابير الرؤيوية وتؤوِّنها. ويحاول البعض أن يؤكد أن الكاتب لم يتأثّر فقط ببعض الجماعات الصغيرة المنغلقة، بل يمدون التأثير على فئات يهودية ذات اتساع كبير.

1- تعبيرات رؤيوية
يرى Barett أن لكشف الأمور السماوية(يو 3: 12...) مكانة خاصة في الأدب الرؤيوي، بجوار الموضوعات الإسكاتولوجية. ويرى آخرون في ذلك تشابهًا مع التصوف اليهودي. لا ينقض رأي الرأي الآخر، لأنه لم تكن هناك فروق كبيرة بين الرؤيويين والمتصوفين، ولكن يوحنا لا يهتم كثيرًا بالأحداث الإسكاتولوجية وبالأمور السماوية المخفية، والتي ينصح الإنسان ألا يبحث ويفتش عنها، وذلك ليولي كل اهتمامه لإعلانات المسيح (1: 18؛ 5: 37؛ 6: 46؛ 14: 8...)، وأقصى ما يمكن افتراضه في هذا الصدد هو معرفة كاتب الإنجيل الرابع بهذه الأمور، مع تجاهلها، وبالتالي يكون تأثيرها ضعيفًا.
ولكن من الألقاب التي نسبها يوحنا للمسيح هو "إبن الإنسان"، وهو على الأرجح لقب من أصل رؤيوي. وقد اهتم Schulz بدراسة تاريخ هذا اللقب ويرى أن معظم الألقاب (يو 1: 51؛ 3: 13..؛ 5: 27؛ 6: 27 و35، 13: 31..) كانت من ضمن التقاليد المصاغة، قبل يوحنا، وصيغت في الأدب الرؤيوي اليهودي في زمن متأخر، ونالت بعد ذلك تأويلاً مسيحانيًا.
ونتساءل إذ لم يكن يوحنا قد ورث هذه الموضوعات من التقليد المسيحي السابق وأعاد قيمتها وصياغتها بطريقته الخاصة.
واكتسب هذا الأمر أهمية خاصة بعد اكتشافات قمران. هناك تشابه شديد بين بعض نصوص قمران وتعبيرات يوحنا الرؤيوية. وجدير بالذكر أن جماعات قمران تدخل في تيار الحركة الرؤيوية. ففي مخطوطات قمران، التي نشر معظمها، لم يرد لقب "ابن الإنسان" ولا الآمال المعقودة عليه، إنما ترد تعبيرات ثنائية بنوع خاص في قانون الجماعة (1QS) والحرب (!QH) وبأسلوب ذي طابع واع بالاختيار والكشف الإلهي وقرب الله، خاصة في الأناشيد (!QH). كما تتكرر مفاهيم "الحق" و"الإعلان" و"المعرفة" ومعنى الروح الإلهية، والرغبة في العالم السماوي والشركة الأخوية على الأرض. كل هذا يقرّب جماعات قمران من تلك الجماعات التي كانت، بطابعها الروحي ولغتها، خلفية للأدب اليوحناوي. ولكي نؤكد ذلك نجري المقارنات اللازمة.
لم يول أعضاء جماعة قمران وحدهم، مع مجموعات الأسيانيين، الاهتمام الخاص بالتطهير والتوبة والاعتراف. فقد كان هناك تيار واسع بالعماد وأوضح هذا الأمر J. Thomas في كتابه حركة العماديين في فلسطين وسوريا والذي نشره عام 1935 قبل اكتشافات قمران.
ويولي إنجيل يوحنا اهتمامًا خاصًا بيوحنا المعمدان وسائل العماد، ليس فقط بسبب الجدل مع تلاميذ يوحنا المعمدان اللاحقين الذين عاشوا وناقشوا المسيحية، ولكن بسبب التراث الثقافي المتأصل في هذه الجماعات.
المقارنة بين العماد بالماء والعماد بالروح (يو 1: 26 و33)
الدعوة المتكررة للطهارة (2: 6؛ 3: 25؛ 13: 10؛ 15: 3)
آيات الشفاء في الفصلين 5 (المقعد والماء) و9 (الأعمى منذ مولده)
موضوع الماء الحي (4: 10، 14؛ 38:7)
يسوع منبع المياء المحيية (35:6؛ 38:7؛ 19: 34).
2- الثنائيات
ونحاول الآن أن نتعمق أكثر في التشابه بين إنجيل يوحنا وعالم قمران، الثنائية هي طريقة التفكير والتعبير بالمتناقضات. وترد الثنائيات في أشكال مختلفة. وقد اجتاحت، في العالم الهليني، كل المعارف الكونية والوجودية، ولذلك يستحسن أن نحدد مرة بمرة نوعية الثنائية: وقد تخصص في دراسة ثنائيات قمران Baumbach وركز دراساته على قانون الجماعة (1QS). ويمد الدراسة إلى الرؤى في الأدب اليهودي المتأخر، وفي الإطار إنجيل يوحنا. ويختم دراسته بقوله إنه لا يمكن الإدعاء بأن قانون الجماعة أثر بطريقة مباشرة على إنجيل يوحنا. وتقترب مفردات قانون الجماعة من مفردات الرؤى في الأدب اليهودي المتأخر. وتشابه مفرداتها مع إنجيل يوحنا راجع لتأثير مصدر مشترك على الاثنين معًا (إنجيل يوحنا وقانون الجماعة) بينما وجه Happenbauer دراساته إلى ثنائيات قمران. ونتيجة لأبحاثه يؤكّد أن ثنائيات نصوص قمران ثانوية وذات طابع كوني أخلاقي.
ونحاول الأن أن نقارن بين ثنائيات نصوص قمران وإنجيل يوحنا.
أ- عبارات متشابهة للغاية
لا توجد عبارات متشابهة للغاية ولا في الأدب اليهودي المتأخر:
النور & الظلام (يو 1: 5؛ 3: 19؛ 8: 12؛ 12: 35 و36؛ 1 يو 1:5؛ 8:2-11)
الحق & الكذب (يو 8: 44؛ 1 يو 1: 6؛ 2: 21-27؛ 4: 26)
روح & تجسد (يو 3: 6؛ 6: 63)
وقد يثير الدهشة الاستعمال المتواتر لكلمة aletheia الإنجيل وفي نصوص قمران. إنها علامة خارجية للإيمان بتفوق الانسان وقدرته.
ب- ثنائية الموت والحياة
لا يرد ذكر ثنائية الموت والحياة، التي تحتل مكانة هامة في فكر يوحنا، في نصوص قمران. ففي إنجيل يوحنا تحتل حياة الدهر الآتي جوهر الخلاص الذي كشفه وأتمه المسيح (49 مرة في إنجيل يوحنا ورسائله، أما في نصوص قمران فهي تعني حياة الإنسان)، ويضعها يوحنا بقصد ضد الموت أو سلطان الموت:
5: 24 الحق من سمع كلامي واَمن بمن أرسلني له الحياة الأبدية ولا يمثل لدى القضاء بل انتقل من الموت إلى الحياة.
8: 51 من يحفظ كلامي لا يرَ الموت أبدًا.
6: 50 الخبز النازل من السماء هو الذي يأكل منه الإنسان ولا يموت... 
58:6 من يأكل من هذا يحيا إلى الأبد
11: 25، 26 أنا القيامة والحياة من آمن بي وإن مات فسيحيا كل من يحيا ويؤمن بي لن يموت للأبد.
وتردّد نصوص قمران عبارات من العهد القديم. لذلك نقول لا يمكن أن يكون إنجيل يوحنا تأثر في ثنائياته بنصوص قمران.
ج- ثنائيات متناقضة
هناك ثنائيات متناقضة أخرى في إنجيل يوحنا 
هنا & هناك
8: 23 أنتم من أسفل، أنا من أعلى 
13:3 فما من أحد يصعد إلى السماء إلاّ الذي نزل من السماء
13: 31 إن الذي يأتي من على هو فوق كل شيء والذي من الأرض هو أرضيّ يتكلّم بكلام أهل الأرض... إن الذي يأتي من السماء..
أرضي & سماوي
12: 13 فإذا كنتم لا تؤمنون عندما أكلمكم في أمور الأرض فكيف تؤمنون إذا كلمتكم في أمور السماء.
31:13...
الله & هذا العالم
يو 3: 16 الله أحب العالم حتى إنه جاد بابنه الوحيد 
17 فمان الله لم يرسله ليدين العالم بل ليخلص به العالم
8: 23 أنتم من هذا العالم وأنا لست من هذا العالم
13: 1 قد أتت ساعة انتقاله من العالم أما الآن فإني أترك العالم وأمضي إلى الآب.
17: 15 لا أسألك أن تخرجهم من هذا العالم بل أن تحفظهم من الشرير
25 يا أبت البار إن العالم لم يعرفك أما أنا فقد عرفتك.
إنها ثنائيات لا ترد في نصوص قمران إلا قدر ورودها في الأدب اليهودي المتأخر، وخاصة الرؤيوي.
ثنائية الحرية والعبودية (يو 8: 32-36) تعرفون الحق والحق يحرركم.. لا يرد لها أي مثيل في نصوص قمران.
د- سيد هذا العالم
هناك تقارب شديد بين يوحنا ونصوص قمران في موضوع سيّد هذا العالم كمقاوم لله وخططه:
- يو 12: 31 اليوم دينونة هذا العالم. اليوم يطرد سيد هذا العالم إلى الخارج
- 14: 30 لأن سيد هذا العالم آت وليس له يد عليّ.
- 16: 11 فلأن سيد هذا العالم قد دين

3- الشيطان أصل الشر
كذلك الشيطان أصل كل شر وأبو البشر الذين ينتمون إليه
- يو 8: 44 أنتم أولاد أبيكم إبليس تريدون إتمام شهوات أبيكم كان منذ البدء قتالاً للناس.
يقابل هذه الصورة في نصوص قمران "ملاك الظلام" الذي يرأس "أبناء الظلام" والذي يحاول إغواء النور" (قارن 1QS 3,20..) وتسميته نصوص قمران أحيانًا بليعال.
ولكننا نشير أن تعاليم قمران عن الروحين ما هي إلاّ تطور لتعاليم اليهود عامة عن الملاك والشيطان والتي تخضع لإيمان اليهود بالله وبالخلق، وبالتالي لن نستطيع القول إن ثنائيات يوحنا الناتجة من الفكر اليهودي، تجد لها مقابلاً مباشرًا في نصوص قمران، وخاصة في أمر النور والظلام. وهناك اختلاف شاسع في هذا الأمر، مرجعه إيمان يوحنا بيسوع المسيح وبتعاليمه الخلاصية.

4- القدرية أو التحديد المسبق
هناك ارتباط وثيق التعبير بالثنائيات المتناقضة وبين التحديد المسبق الوارد سواء في إنجيل يوحنا أو في نصوص قمران. من ناحية المضمون هناك توازٍ، حتى وإن اختلفت العبارات.
توحي بعض النصوص وخاصة (1QS 3,15-21,4,16-19, 1QH 15,12-17) أن ما يحدد تصرفات أبناء النور وأبناء الظلام هو إرادة الله الثابتة غير المتغيرة. هناك إشارات عديدة إلى كلمة جورال: المصير، الذي يسير نحوه كل إنسان. وهذا يؤيد الرأي. ولكن بفحص دقيق لمضمون النصوص يتضح أن الروحين يتصارعان داخل قلب الإنسان الذي يحتفظ بحريته ومسؤوليته. وليوحنا عبارات فريدة مثل من الله (يو 47:8؛ 1 يو 3: 10؛ 4: 1-3 و4 و6 و7؛ 19:5؛ 3 يو 11) أشهد للحق (يو 18: 37؛ 1 يو 2: 21؛ 3: 19) وتقابلها عبارات أخرى مثل من العالم (يو 8: 23؛ 15: 19؛ 17: 14 و16؛ 1 يو 2: 16؛ 4: 5) أو من أسفل من الأرض أو من هنا (يو 3: 31؛ 3:8) أو من إبليس (يو 44:8؛ 1 يو 8:3).
ولكن نلاحظ أن وجود أبناء إبليس (1 يو 3: 10) الأنطولوجي لا يصدر من أبيهم، بعكس أولاد الله الذين من الله ولدوا (يو 1: 13؛ 1 يو 2: 29؛ 3: 9؛ 4: 7؛ 5: 1 و4 و18)، وما يجعلهم أبناء إبليس هو رغباتهم وأعمالهم الشريرة (يو 8: 44؛ 1 يو 8:3 و10 و12). ولا يمكن سبر غور سر انتمائهم إلى عالم الشر.
بالإضافة إلى فكرة التحديد المسبق هناك أيضًا الشرح الأدبيّ لموقفهم المقاوم لله. "إنما الدينونة هي أن النور جاء إلى العالم ففضّل الناس الظلام على النور لأن أعمالهم كانت سيئة" (يو 3: 19.. قارن 7: 7؛ 8: 44). وبتحديد أكثر عدم إيمانهم بيسوع، الذي أرسله الآب ليعلن لهم الحقائق (يو 5: 40، 44-9: 41، 21: 43؛ 15: 22). هذا هو الفارق الأساسي بين تعاليم يوحنا وقمران.
تنشأ المشكلة في يوحنا عن عدم إيمان اليهود غير المبرر، ويشير يسوع نفسه إلى أن أساس العداوة هو رفضهم. أما في قمران فيرتبط الحكم على أبناء الظلام وأبناء النور بالطهارة الشرعية والمحافظة على قوانين الجماعة وعلى أساس قائمة من الفضائل والرذائل (1QS4,2-11). لذلك نقول إن التشابه في البنية التعليمية والتوازي الخاص بالأخلاق وبفكرة التحديد المسبق، أمور لا يقوم على أساس تطبع أحدهما بالآخر أو تأثره منه (يوحنا- قمران)، إنما يقوم على تشابه شكلي في بنية التفكير، وهذا أمر موروث من العهد القديم ومن الديانة اليهودية.

5- الروح القدس
وينطبق نفس الشيء على التعاليم الخاصة بالروح. هناك نقاط تلامس كثيرة بين نصوص قمران وكتابات يوحنا: الامتلاء من الروح القدس والاتحاد بالله حتى في هذه الحياة "بالروح والحق"، وعمل الروح في الناس الذين نالوه.
ولكن إذا تناولنا بالتحليل الدقيق تعليم قمران عن الروح لأكتشفنا أنه يختلف تمامًا عن تعاليم يوحنا عنه: فمفهوم قمران عن الروح القدس مصطبغ بفكر العهد القديم عنه، وهو روح إلهية تعطى للإنسان منذ مولده ولكنه مع الوقت يضعف ويتقوى مرة أخرى بتطهير الإنسان وتوبته عن أعماله الشريرة، وذلك عندما يدخل الإنسان كعضو في الجماعة. كما أنها تتقوى بدراسة التوراة والمحافظة على الشريعة وطقوس التطهير، إلى أن يزيل منه، في الزمن الإسكاتولوجي، كل روح خطيئة ويقود إلى المجد الكامل.
أما عند يوحنا فإن من يؤمن بالمسيح فهو مولود من الروح (يو 3: 3 و5 و 8). إنه عمل خارق العادة (يو 3: 8) لا يمكن فهمه إلا كعطية اسكاتولوجية للروح، الذي يرسله المسيح الممجَّد (يو 49:7؛ 22:20). ويقوم عمل الروح، بالإضافة إلى الإشارة السريعة إلى التطهير ومغفرة الخطايا (يو 15: 3؛ 20: 22) في ملء الحياة الإلهية (يو 6: 23 أب 7: 38) التي تقود مباشرة إلى الشركة مع الله (1 يو 24:3؛ 4: 13).
كما أن الاختلاف بين تعاليم قمران ويوحنا يقابل أيضًا دور الروح القدس في الإعلان: ففي قمران، يعطي الروح القدس فهمًا جديدًا للكتاب المقدس، ويعلن الأسرار الإلهية الكامنة فيه، أما عند يوحنا فهو المؤيد، روح الحق الذي يعلم ويذكر ويكشف معنى كلمات المسيح (يو 26:14؛ 13:16) ويشهد (1 يو 5: 6) لعمل المسيح الخلاصي داخل الكنيسة (1 يو 5: 7) وتجاه العالم (يو 15: 16).
هذه الفروق والاختلافات الكبيرة تظهر أن التشابه في هذا الموضوع أيضًا شكلي فقط وأن تعاليم يوحنا عن الروح القدس تسمو بواسطة الإيمان بالمسيح على كل التعاليم السابقة: إنها شيء جديد تمامًا.

الخاتمة
هناك علاقة وثيقة في بعض النقاط الهامة بين يوحنا وقمران، ولكن لا يمكن القول إن يوحنا استقى هذه النقاط من قمران. يمكن أن نأخذ في الاعتبار إمكانية صلة ما عن طريق التلاميذ الذين انضموا إلى المسيح بعد أن تتلمذوا ليوحنا المعمدان (يو 1: 35- 51) أو عن طريق الأسيانيين الذين انضموا إلى جماعات يوحنا أو عن طريق معرفة الكاتب وتأثره ببيئات قويَ فيها تأثير تعاليم قمران.